تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وذلك أن هذا الرجل إذا ذكر أنه نسي مسح رأسه من وضوء واحد لا يدري إن كان من وضوء الصبح أو الظهر أو العصر أو المغرب أو العشاء اآخرة, فهو لما أعاد الصلوات كلها بوضوء العشاء الآخرة دون أن يمسح برأسه كان قد صلى صلاة من الصلوات الخمس مرتين بوضوءين, الوضوء الذي توضأ للعتمة, حاشا صلاة العشاء الآخرة, فإنه صلاها مرتين بالوضوء الذي توضأ لها خاصة, فوجب أن يعيد صلاة العتمة مخافة أن يكون نسي مسح رأسه من الوضوء الذي توضأ لها, ولم يجب عليه أن يعيد شيئا من سائر الصلوات مرة ثالثة, لحصول اليقين أنه قد صلاها بطهارة تامة, إذ قد صلاها

[221/1] بالوضوء الذي توضأ لها وبالوضوء الذي توضأ للعتمة. فإن كان النقصان من الوضوء الذي توضأ لها فقد أعادها بوضوء العتمة, وهو صحيح لا نقصان فيه, فهذا لا يخفى. والوهم لا يعصم منه أحد من البشر إلا النبيين والرسل عليهم السلام.

وواجب على من قال قولا فبان له وهمه أن يرجع إلى الحق, فإن الحق أحق أن يتبع. فأنا أريد منك أن تريح نفسي بأن تعرفني إن كان تبين لك صحة جوابي في هذه المسألة أم لا؟ فإنه يعز علي ويعظم عندي أن يحفى هذا المقدار على مثلك. ورحم الله الأصيلي فإنه كان يقول: لا أريد أن أخطىء, فإذا أخطأت فلا أريد أن اتمادى على الخطأ فأخطىء مرتين.

وأما الكتاب الثاني فاختلط في جملة كتب كانت بين يدي وذهب فلم أجده فهو الذي أوجب تأخر الجواب عليه, وأظنه تضمن السؤال عن موضع الحجة من أول حديث من الموطأ عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه في تأخير الصلاة, فإن كان السؤال عن ذلك فقد نفذ جوابي إليكم عن سؤال أتى فيه من عندكم فلا معنى لإعادة القول فيه.

[إذا وجد مسجدان قديم وحديث أقيمت الجمعة في القديم]

وقد أمرناكم وحددنا لكم المشي بأنفسكم، ومعكم جزيتكم في أيديكم إلى النائب عنا في قبضها منكم والوقوف بها برعة على رأس جانبها منكم إلى أن يقبضها فتعطوها عن يد وأنتم صاغرون، لابسون من الثياب أدنى ما كان يلبسه عبيدكم، مشهورن بأفحش الغيار، فلليهودي رقعة على قميصة أو برنسة أو حبتة من نحو الشبر من طوقه إلى آخر الكتفين، ورقعة أخرى من قدها على الصدر مصبوغتان بالزعفران، وعلى النصراني مثل ذلك غير أن صبغهم بالأغبر من العفصا والزجاج، وطرف عمامة كل واحد من الفريقين مقدار ذراع وهو الطرف الراجع على ظاهر كور العمامة بالأصفر لليهودي، والأغبر للنصراني، وفي عنق كل واحد من الفريقين خاتم شبه الدينار من نحاس أو قزدير معلق على صدره وعلى وسط مل واحد منهم زنار مبسوط في عرض الأصبع من حرير أو قطن، هذه صفة غيار أهل الذمة بحضرة الخلافة دار الإسلام حرسها الله، قائم فيها الحق بالسنة أبدا، فخذها مجانا ممن شاهده وعاينه وتحققه، وسكن الحضرة العالية وتردد عليها خارجا عنها وراجعا إليها السنين الطائلة.

[ كتاب أحكام أهل الذمة لابن بدران ]

وقد كان غيار أهل الذمة بحضرة بغداد قبل ذلك الزنار، فقط على ما هو في ديار الشام ومصر، وكانوا يركبون السروج على فاره الدواب، ويلبسون الفاخر من الثياب الرفيعة، وعمائم الثوب إلى أن ألف كتاب أحكام أهل الذمة قبل سنة ثمانين وأربعمائة، ألفه الشيخ الصالح المشهور بالزهد والورع أبو بكر أحمد بن علي بن بدران الحلواني، صاحب من أصحاب الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، رحمهما الله غيره على الإسلام، ولما رأى من تعظيم أهل الذمة ودخولهم في خدمة السلاطين، فرفع التأليف إلى أمير المؤمنين رضي الله عنه فأمر له

[257/2]

[258/2]

بجائزة جزيلة، فأبى من قبولها، وقال: تجعل جائزتي وجائزة المسلمين الحكم في أهل الذمة بمقتضى هذا الكتاب.

[

*وسئل : عن امراة صرفت كالئها على زوجها وهي صحيحة في بدنها فسخط ذلك وليها فقال الزوج أنا أقيلها فيما صنعت .

=فأجاب : إن كان رد ذلك عليها في صحته فهو جائز ، وإن لم تقبضه فلا يجوز ، ولو قالت قبلت ولم تقبض منه شيئا حتى مات الزوج ، فلا شيء لها ، وليست مثل الزوج في هذا ؛ لأن الزوج إذا أشهد عليها وقبل صدقتها فهو حوز ؛ لأنه دين عليه .

[وصي زوج محجورته وأصدقها زوجها ماله خطر من الحقوق ،

ولما طلب بضم الزوجة أنكر الصداق والزوجية]

*وسئل : ابن لب عن وصي زوج محجورته وأصدقها زوجها ماله خطر[227/3]من الحقوق ، ولما طلب بضم الزوجة أنكر الصداق والزوجية ، وشهد بما أصدقها شاهد عدل ، والصداق مكتوب لم تقع فيه شهادة هذا الشاهد ولا شهادة غيره .

وفي رجل تزوج ووقع في صداقه من الشروط التي تكتب في الصدقات ما نصه: وطاع الزوج أو محمد عبد الله المذكور لزوجه المذكورة معه أنه متى تزوج عليها فالداخلة عليها حرام وأن أمرها بيدها، انتهى نص هذا الفصل. ثم إن هذا الرجل الآن تزوج ابنة عم له تولى هو طرفي العقد في تزوجها وأصدقها جميع ما بقي على ملكه بعد ما كان أصدق الأولى مشاعا مع الأولى ولم يبق على ملكه شيئا، ما الذي يجب عليه في اجترائه على فعله وتهاونه بحرمة ما عقده على نفسه مع علمه به ونهي الناس إياه ومحاولة كتم أمره حتى إنه كتب كتابه بغير بلده وأشهد شهودا غير عارفين به؟ وما الذي يجب لهذه الزوجة؟ وما الذي يجب عليها إن ثبت أنه تجرأ ودخل بها أو خلا؟ وهل في ذلك نص من أهل العلم تفيدونه بفضلكم؟ وما الذي يجب أن يؤدب به إن فعل ما يظهر من حجته أنه إن أمكنه الاتصال بهذه المتزوجة فلا يتركها، وإن

[247/4]

[248/4]

خرج من الثقاف فلا يمنعه منها مانع؟ وهل عليها استبراء للتهمة بالدخول إن طلبت النكاح؟

[من تركه رفاقه في الحج مريضا ميؤوسا من حياته وشهد بموته شهادة السماع الفاشي عد ميتا]

وفي رجل توجه صحبة رفقاء من بلده لأداء فريضة الحج منذ زمان طويل، ورجع رفقاؤه وشهدوا أنهم تركوه بالحرم الشريف يوم منى مريضا من مرض البطن وقد يئسوا من حياته، ثم إنهم لما قضوا حجهم طلبوه بالموضع الذي تركوه به، فادعت العجوز التي تركوه عندها تمرضه أنها لما كان هو عند النزع خافت أن يقتال عليها بسببه إذا مات فأخرجته وطرحته وفيه رمق بالحرم بحيث يبعد اتهامها به، وشهد حجاج آخرون وغير حجاج أنهم سمعوا سماعا فاشيا أنه توفي من ذلك المرض بعيته في ذلك الوقت. ما الذي يجب في زوجته وماله؟ هل يحمل على حكم المفقود ويعمر في ماله؟ أو يمضي حكم موته ويورث؟ إذ قد ثبت مع ما ذكر انقطعا خبر مع شدة البحث عنه السنين الطويلة وكثرة الحجاج من معارفه.

[إشهاد المنفق بالحق للمنفق عليه مسقط للمحاسبة]

فأجاب: وقفت على الرسوم المجتلية نصوصها بالمقلوب المكتتب فوق هذا والحكم في البيع إذا انعقد على شرط أن يكون الثمن من الدراهم الناقصة بكل حال من غير تعيين لها ولا مقدار معلوم يرجع إليه في زنتها أن البيع حينئذ على هذا الوجه ممنوع في الشرع مفسوخ إذا وقع لما فيه من الجهل بالثمن لتباين النقص في الدراهم الناقصة وتفاوته والدخول على الجهالة والغرر في انعقاد البيع به، وقد وصف ثمن الستر حيث ذكر والرسوم المجتلبة بأنه من السكة الناقصة عن السكة السبعينية ولم يذكر رجوع النقص إلى حد يوقف عنده مع تغيير الثمن هنالك بوصف الحلول فقد تعلق بالذمة في تلك الصفة ثمن لا يعرف قدره ولا يدري مبلغه مع التعاقد عليه ابتداء ولم يختلف المذهب في منع ذلك ورده ولم يقع فيه قبض فهو صرف مستأخر بسبب الذهب الذي في الستر لكن يقرب الأمر في هذا الوجه إذا كان الذي في الستر يسيرا تابعا إذ قد ذهب سحنون وأشهب إلى جواز التأخير لأجل التبعية وهو مذهب ربيعة، ومشهور المذهب منع التأخير وإن كان الذهب تابعا فهذا ما ظهر تقييده جوابا على السؤال والسلام على من يقف عليه من كاتبه بخط يده فرج.

وله جواب آخر على المسألة المذكورة ونصه: وقفت وصل الله حفظ سيادتكم وعلو مجادتكم على مكتوبكم بمحول هذا وعلى الرسوم المسطرة في

[228/5]

لا يقال: الجزاف رخصة وهي المشروع لعذر مع قيام المانع لولا العذر وهو يتحقق في المكيال لتعذر المكيال في بعض الأحوال، ولا كذلك المعدود، إذ لا كبير فيه من الأعمال، فيبقى ما في الموطأ على ظاهرة كما قيل فلا يجوز فيه الجزاف على حال، ويحتج له بقياس العكس، وهو أن يقال: لما امتنع الجزاف في يسير المعدود، امتنع في كثيره عكسه المكيل لما لم يمتنع في يسيره لم يمتنع في كثيره، لأنا نقول: مناط الرخصة في المكيل هو المشقة وهي الموجودة في كثير المعدود، والقدم حق فالتالي مثله. بيان الملازمة وجود المشقة في كثير المعدود كما هي في يسير المكيل أو أعظم. أما حقيقة المقدم فظاهرة مما تقدم.

فإن قيل: مرجع قياس العكس والقياس المنطقي التي ذكرت إلى قياس المساواة(¬1) فيكون الجمع فيه بالمشقة، وهي حكمة لا علة. والعلة هي الكيل فلا يصح الإلحاق لعدم وجود العلة في الفرع الذي هو المعدود ومن شروط علة الأصل تكون وصفا منضبطا ظاهرا لحكمة ولا حكمة على ما تبين في أصول الفقه.

قلنا: منع التعليل بالحكمة مشروط بالخفاء أو عدم الانضباط. أما منع الظهور والانضباط فلا على ما هو المختار، وهو الأصح عند الشيخ ابن الحاجب. لا يقال: التعليل بالمشقة في الجزاف كالتعليل بها في رخصة السفر. وقد تقرر في الأصول بطلان التعليل بها فيها، لأنا نقول: التعليل بالمشقة في جواز الجزاف في المكيل، ليس هو كالتعليل بها في رخصة السفر لانضباط الأولى واضطراب الثانية. فإن مشقة السفر تختلف بالزمان والمكان وأحوال الأشخاص، ولا كذلك مشقة الكيل في المكيل وتساويها مشقة الكثير من المعدود فتجب مساواتها في الحكم وهو جواز الجزاف.

[296/6]

[المكيال المجهول النسبة لا يخرج المكيل به عن الجهالة والجزاف]

243/7] من بيوت المدرسة, فأجابه إلى ذلك على أن يعطيه زوجا ترابية باسم أبيه لا باسم المدرسة, ثم إن الفقيه أيضا كلم ناظر الأحباس بالبلد المذكور أن يناقله في البيت المحبس من الدار المشتراة بأرض بيضاء فلم يجبه الناظر إلى ذلك, بل عزم على إعادة البيت كما كان, فقال له الفقيه الباني للمدرسة تفسد على عمل المدرسة, إذ البيت وسطها, فقال له الناظر أنت تعمدت هذا بمعرفتك بموضع البيت وحدوده, هل تعمده للبناء بعد علمه بالبيت جرحة فيه أم لا؟ وهل منع الناظر من المناقلة صواب أم لا؟ وهل تمكينه العلابي من دفن زوجته في بيت من بيوت المدرسة وأخذه الزوج الترابة عن ذلك باسم نفسه لا باسم المدرسة صواب أم لا؟ وكيف الحكم في الدفين وما أخذ عوضا عنه؟ وكيف إن أراد أن يحدث في المدرسة مسجدا والفرض أن هذه المدرسة قربة من مسجد آخر هو عمدة المدرسة الأولى, لقربها كثيرا من مسجدهم, وغالب الظن أن هذا الباني ما أحدث هذه المدرسة بقرب الأولى ولا المسجد بها, إلا ليضر بالمدرسة الأولى وبالمسجد المجاور لها, فهل رضي الله عنكم تهدم المدرسة والمسجد إن قصد الباني الإضرار وتفريق الطلبة وجماعة المسجد الأول أو لا؟ وكيف إن أشهد الباني المذكور عدولا بأن الجهة القريبة من هذه المدرسة هي لولده, ومتى احتاج ولدي إليها بعد موتي فليغلق أبواب البيوت من داخل المدرسة, ويفتح أبوابا أخرى من خارج المدرسة, ويكون له ذلك ملكا وكان إشهاده هذا, بعد احتياز الطلبة لكل المدرسة هذه الجهة وغيرها, وحلولهم فيها بالسكنى مدة من الزمان فهل يتم له هذا أم لا؟ جوابكم شافيا ولكم الأجر والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

عمل عليه والعادة اليوم لتونس تختلف واكتراء الأحباس والمخزن على قبول الزيادة وكذا بعض أحباس المساجد في بعضها على البت وكذا الكراء في ربع الايتام وهذا كله ما لم يظهر غبن فيجب قبوله. والكراء على قبول الزيادة أخذه ابن عرفه من مسألة من واجرته على بيع سلع كثيرة على أنه متى شاء ترك جاز ذلك لأنها اجارة على خيار ولا يجوز النقد فيها وعن سحنون بأن فيها الخيار إلى شهر ولا يجوز الخيار إليه، ورده ابن رشد بأنه مضى يوم وجب ويقع في كل يوم وراءه وغمرها فضل بأن فيها الاطعام، وأخذ الجواز أيضا من قوله احصد زرعي فما حصدت فلك نصفه، ويشترط الترك متى شاء.

[ حكم من يكتري قواديس من ماء مأمونة هل يجوز تأخير النقد أم لا؟ ]

وسئل عمن يكتري قودايس من ماء معلومة مأمونة سنين وهو كل ما يكون للمكتري من الشرب أو بعضه، هل يجوز تأخير النقد مع الشروع في السقي أولا؟ وكيف لو تأخر النقد والسقي لوقت معلوم أو إلى آخر الشرب، والسقي يوم في الجهة؟ هل حكم هذا حكم المضمون أو كابن الغنم المعينة أو الظئر؟

فأجاب: ليس كالمضمون لأنه من ماء بعينه، ويجوز بيعه بالنقد والأجل، تعجل أخذه أو تأخر لأمنه ككراء الدور، وليست كالغنم لعدم أمنها. وفي بعض نسخ نوازل ابن رشد في أهل قرية لهم عين مأمونة يقتسمون الماء على دول معلومة بينهم فجرت عادتهم بالسلف فيه بعضهم من بعض وأخذ أحدهم يوما وصاحبه يوما كاملا وطول الليل على أن يعطيه مثل ما يأخذ بعد أربعة أيام أو خمسة أو ما عسى أن يقع الاتفاق عليه وتعين له يوما معلوما يصرف عليه فيه الماء إذ في ذلك اليوم المعروف هو شرب الآخر من الماء من العين وقد يمكن أن لا يكون أيضا لأخذ السلف حظ في ماء القرية ويأخذ على يوم معلوم يصرفه فيه أو غير معلوم حتى اتفق له. كراؤه ممن يكري ماءه إذا جرت عادتهم بكرائه بينهم. فهل ذلك كله جائز؟ أو يكون حكمه

[273/8]

[274/8]

وسئل عن رجل أوصى لزوجته على ابنه الصغير منها في حجره، وتوفي فبقي الابن تحت الحجر وأن أمه زوجته وولد له ذرية وبقي متزوجا سنين إلى أن توفيت أمه، وبقي الابن بعدها وملك أمر نفسه فرد يده لماله ويأكل ويبذر فحجر عليه القاضي وكتب رسم أنه سفيه، ومع ذلك فإن الابن أخذ على حرير من الناس أسلموا له عليه فجاءوا يتطلبون متاعهم بعد أن جاز أمرها، فهل يا سيدي يصح لهم أن يأخذوا متاعهم إلى حين السلف أو يخسروا متاعهم؟

فأجاب: الجواب إن كان هذا الرجل متصل السفه كما هو الظاهر من السؤال فلا يختلف في رد أفعاله وإجراء حكم الحجر عليه بعد وفاة أمه كما كان قبل وفاتها.

[رجل أصابه مرض الموت واعترف بوديعة عنده]

وسئل عن رجل أصابه مرض الموت وأشرف على التلف فزاره أخ له وخضه على الوصية المطلوبة شرعا، فقال له المريض إن رجلا من أصحابنا توفي رحمه الله، وقبل وفاته دفع لي جملة حوائج في ربطة وجعلها بيدي وديعة برسم أسير، ثم توفي هذا الأخ المريض وصارت الربطة بالحوائج بيد أخيه الذي حضه على الوصية إلى أن أتى الأسير صاحب الربطة فطلبها فدفعها له الأخ المذكور، وذلك بعد عامين اثنين أو نحو ذلك، فلما قبض ونظر ما فيها زعم أنه كان بداخلها خمسمائة مثقال لم يصبها فقال له الرجل الذي كانت بيده الربطة إنما قبضت الربطة من أخي وهو في حال السياق، فما دفع لي ما ذكرت من المثاقيل، وكلا الأخوين من أهل الأمانة والخيرية والديانة، غير متهمين بخيانة، والأول مات والآخر منكر لما ذكر، فشهد للأسير المذكور رجل ممن كان بينه وبين المشهود عليه عداوة على حطام الدنيا بما يوافق

[255/9] دعواه فهل تعمل شهادته أم لا؟ ويحلف من كانت بيده الربطة أنه ما رأى المثاقيل في الربطة ولا قبضها ويبرأ.

فأجاب: الجواب أن شهادة العدو على عدوه لا تجوز وإن اتهم من كانت عنده الربطة أنه غاب عليها توجهت عليه يمين التهمة، والسلام على من يقف عليه.

[

إذا أدعى الدائن أن للمدين مالا لم تطلع عليه بينة العدم]

وسئل عمن عليه دين طلب به فادعى الغدم فتقدما إلى الحاكم فأتى ببينة أنه ليس عنده مال ، فقال الطالب عنده ما يعطي منه ديني ، وهؤلاء الذين شهدوا له بالعدم لا يعلمونه ، ولكن استحلفه لي أن ما عنده شيء يعطيني منه ديني وأن بينته شهدت له بالحق ، أيجب له ذلك أم لا ؟ .

فأجاب : هو على ما شهدت به البينة ، فإن ادعى غير ما شهدت به البينة حسبما ذكرت عنه ، فيسميه يقول عنده كذا من وجه كذا ، فلعل البينة تبين له ذلك . وإن ادعى مسمى وأنه علم به في الوقت والبينة تقول لا علم لنا بما [232/10] ادعى فلا بد أن يحلف على تكذيب المدعي إذا كان المدعي موقنا ، فإن أبى أن يحلف فهو ملكه ، وإن شاء الطالب أن يحلف على ما ادعاه وعينه وقطع بيقين حضوره في يده إلى أن بين الوجه الذي أيقن به يقول أيقنت أنه صار له من وجه كذا وأيقنت بقاءه في يده إلى الآن فهو يقربه الآن عندي وأخبرني أن بينته لا تعلم به ، فإذا نكل المطلوب عن اليمين على تكذيب هذا حلف الطالب على إثباته وأخذ المطلوب بما يؤخذ به الملك لأنه حين نكل عن اليمين ترك المخرج الذي ينجيه ، وبالله التوفيق .

[يمين التهمة]

وسئل أبو عمر بن المكوي عن رجل اتهم بسرقة وقال له تحلف لي ، فقال له الثاني احلف أنت أني سرقتها وأغرم قيمتها ، هل يجب ذلك أم لا ؟ .

وسأله عن ذهول بعض العوام عن وجه الدلالة على صدق الأنبياء، هل يضرهم؟ فكتبت أقول وبالله التوفيق وهو ولي التسديد:

[233/11] وجه دلالة المعجزة على صدق الأنبياء سهل المرام والمدرك، وقلما يخلو عنه محصل من العوام وإن تعذر عليه التعبير عنه. وإني أومئ إلى وجه الدلالة ليتضح أنه لا يجهله إلا الأقلون من العوام. فوجه الدلالة في الآيات الخارقة للعوائد الظاهرة على موافقة دعوى الأنبياء، أن النبي إذا قال: لقد علمتم أن انقلاب العصا وفلق البحر وإحياء الموتى ليس من مقدور البشر واستيقنتم أن منشيء هذه الآيات رب العالمين، إذ لا يستقيم التحدي في النبوءة إلا مع من عرف الله بصفاته الواجبة والجائزة. فإذا قال النبي: يارب قد ادعيت أني رسولك، ولا يفلق البحر غيرك، فإن كنت صادقا فافلق البحر، فإذا فلقه الله على وفق دعواه، فينزل ذلك منزلة قوله: صدقت في ادعاء النبوءة والرسالة. وأي واحد لو مثل بين يدي ملك وخاطب أهل المجلس فقال: أنا رسول الملك إليكم والملك يسمع ادعاء الرسالة ويقدر على تكذيبي، فإن كنت صادقا أيها الملك فقم واقعد وخالف المعهود من عادتك في استقدارك على سريرك، فإذا قام الملك وقعد لم يسترب عاقل في أن ذلك منه محل قوله صدقت. وهذا الوجه في دليل المعجزات لو عرض على ذوي الأفهام من العوام صادفوه في ضمائرهم قبل بيان المبين، وتعبير المعبر ولم يخصصوا المقدر إلا بنظم الكلام وحسن العبارة عن المقصود، فلو خلا بعض الجهلة عن ذلك وعن كل وجه ذكره المحققون في دلائله المعجزات، فهو غير عالم بثبوت النبوءات، وإن اعتقد ثبوتها وركن إلى معتقد فسبيله سبيل المقلدين. والمكلف يخاطب بالمعرفة مزجور عن التقليد في قواعد التوحيد.

المعيار المعرب والجامع المغرب · الجزء ١ · الصفحة ٢٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المعيار المعرب والجامع المغربج ١ · ص ٢٧٩