فأجاب بعض تلامذته نيابة عنه بأن قال: قال الشيخ ابن الملقن في شرحه للبخاري عند الكلام على قوله صلى الله عليه وسلك نهى عن الصلاة بعد الصبح أي بعد صلاة الصبح انتهى. ثم قال بعد كلام ما نصه أيضا: الكراهة في هذين الوقتين تتعلق بالفعل كما أسلفه, حتى إذا تأخر الفعل فإنه لا تكره الصلاة قبلها. أما الكراهة للتعليقة بالوقت فهو طلوع الشمس إلى ارتفاعها, وبالاصفرار حتى تغرب. ونقل بعض المالكية أن النهي عندهم متعلق بالوقت في الصبح وفي العصر بالفعل انتهى. وهذا الذي نقله عن بعض المالكية هو ظاهر كلام ابن الحاجب في الفروع, فانظره. وقال ابن عرفة في مختصره عن ابن رشد كلاما يؤذن بجواز التنفل قبل ايقاع صلاة العصر, ولم يمنعني من كتبه لكم كما فعلت في غيره إلا أني داخلني شك في تصحيف بعض ذلك اللفظ ولم أتمكن من نظره في غير تلك النسخة, فانظروا أنتم لعلكم تقفون على صوابه. أرانا الله وإياكم حقا ووفقنا لآتباعه, وأرانا الباطل باطلا وأعاننا على اجتنابه, بجاه الأكرم عليه مولانا محمد وآلاه صلى الله عليه وسلم.
[من تاب من المعاصي أمكن أن يصير إماما]
وسئل الشيخ أبو الحسن القابسي رحمه الله عن رجل كان يعمل بالمعاصي والخطايا, فندم عليها وتاب منها وحفظ القرآن. فلما رأى منه جيرانه ظاهر الخير قالوا له هذا المسجد جارك لا إمام فيه ولا يحل لك أن تجوزه إلى غيره, فعزموا عليه حتى تقدم بهو وصلى بهم القيام في رمضان وعمر المسجد. فلما كان الآن عرض له في نفسه أنه ليس بأهل لذلك ولا مثله بتقدم بالناس وأن غيره أولى بذلك منه ممن لم يعمل مثل ما عمل, فبقي حيرانا في الترك والتمادي على ما كان عليه.
[
ولا حجة لهم في طول الحيازة إذ غايتها أن تدل على ملك رقبة المحوز، وتقدم أن ملكهم للرقبة بإعطاء صحيح أو بيع لا يباح لهم معه بناء كنيسة رعيا لحق الإسلام، فكيف بالحوز الذي هو دون الملك الصريح؟ على أن نصوص المذهب متفقة على أن ما فيه حق الله تعالى، لا تأثير للحيازة فيه كالأحباس، بل نصوا على أن الحجة لا تنقطع فيها ولو حكم فيها حاكم فكيف ولا حكم كما لا حجة لهم في وجود ذلك كثيرا في البلاد الكبيرة، لأن دوام المنكر أو كثرته لا يغير حكمه، إذ لا منكر أعظم من ترك الصلاة الموجب للقتل كفرا أو أحدا، وقد استمر كثير من الناس عليه غرباء وشرفاء ولم يغير ذلاك حكمه إذ لم يزل العلماء قديما وحديثا ينصون على وجوب قتله إما كفرا وإما حدا، ولا عبرة عندهم بكثرة وجوده، كما لم يزالوا ينصون على المنع في
[251/2]
[252/2]
مسألة السؤال وعلى الهدم بعد البناء، ولا عبرة عندهم بكثرة وجود ذلك ولا استمراره، ولا ينكر النصوص المقتضية لذلك ويدفع في نحرها إلا من هو مكذب للشريعة ساع في هدمها، أعاذنا الله من الخذلان، والمروق عن دين المبعوث من خير بيت في معد بن عدنان، سيد الأنبياء والرسل، وموضح المناهج والسبل الذي أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون، أمر بقتال الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ما دامت الدنيا وكانت كلمة الله هي العليا، وعليهم أجمعين والحمد لله رب العالمين، وتقيد بعقبة بخط الفقيه الإمام الصالح الناصح أبي عبد الله سيدي محمد بن يوسف السنوسي مات نصه:
فأجاب : اذا كان بيد الأب مال لولده الذي تحت نفقته ومات الأب ولم تظهر محاسبة ولا حصر لدخل ولا خارج ، ولا اشهاد من الأب في شيء ، فلا خلاف أن الوالد لا تبعه عليه من تلك النفقه ؛ لأن محمل الأمر على أنه انما كانت نفقته من مال نفسه ، اذ هو بيد المنفق من غلته أو كرائه أو كرائه أومال مخض كان بيده ، أولا يعلم ذلك الامن جهة أبيه ، ولا يتوجه الطلب الا بما يثبت من الحقوق ويتعين ، لا بمجرد الدعوى والامكان ، وقد نص على هذا الأصل علماء المذهب .
[219/3][من زوج ابنه وتحمل عنه صداقة ، ثم انفق له في مناب عرسه على أن يطالبه بذلك]
*وسئل : عن زوج ابنه وتحمل عنه صداقا ثم انفق له في مناب عرسه نفقة لها خطر على أن يطالبه بها ، فهل له أن يرجع عليه بذلك بالشرع أم لا ؟ فتفضلوا بالجواب على ذلك .
=فأجاب : لا طلب للأب على ابنه بما اكثر من النفقه في عرسه ودخل في باب السرف وانما يطلبه بالقدر المعتاد في ذلك مما هو داخل فى باب الاباحة على مقتضى العادة الجارية لمثل الزوج مع تلك الزوجة ، بعد أن يحلف الأب يمينا بالله انما أنفق تلك النفقة من ماله ليرجع بها على ابنه ، وهذا إن كان للابن مال وقت الانفاق ، وإلا فلا رجوع له بشيء .
[من كفل يتيما وأنفق عليه من ماله الخاص ، له أن يرجع عليه بذلك]
وسئل ابن سراج عن جماعة من الفرسان فقدوا في معترك القتال بين المسلمين والنصارى منذ عامين ونصف وثبت بالسماع الفاشي المستفيض على السنة أهل العدل وغيرهم أنهم قتلوا واستشهدوا ولم يعش منهم إلا أربعة لا غير، وذلك لكثرة تردد الفكاكين إلى أرض برقة ونواحيها، وخروج الأسرى من المسلمين منها كلهم يشهدون بذلك، ومنهم من شهد فيه على التعيين بأنه مات هناك، وذلك أيضا بالسماع الفاشي المستفيض، وأنه لم يثبت حياة واحد منهم ولا سمع أنه حي بوجه طول المدة، فهل يجوز لنسائهم أن يتزوجن وتقسم أموالهم؟ أو لا تكون الشهادة عاملة في مثل هؤلاء إلا من شهد فيه على التخصيص بأنه مات بالسماع الفاشي المستفيض؟ ومن تزوجت منهن باجتهاد من الحاكم هل يفسخ نكاحها وينقض حكم الحاكم أم لا؟
فأجاب: الجواب وبالله التوفيق أنه إن ثبت فيمن فقد من المسلمين المسؤول عنهم أعلاه أنه كان في العسكر متوجها للقتال، ورئي في المعترك، أن الحكم بموته وقسم ماله وتزوج زوجته كما ذكر في السؤال صحيح، سواء شهد فيه على التخصيص أنه مات أو شهد بالسماع المستفيض، فقد أفتى القاضي أبو عبد الله بن الحاج رحمه الله في بعض المغازي الواقعة بأرض الأندلس بين المسلمين والكفار في رجل شهد فيه بالسماع الفاشي أنه استشهد في تلك الواقعة، وثبت رسم آخر أنه رئي في العسكر أنه يحكم بموته في تاريخ ثبوت موته على السماع ويرثه ورثته الأحياء يومئذ، ولا يحكم بموته الآن، ولا يعمر كما يعمر المفقود، وليس لزوجته نفقه في ماله، وهي كالمتوفى عنها زوجها.
وذكر اللخمي فيمن فقد في زمن الطاعون وفيمن توجه إلى بلد فيه طاعون أنه يحمل أمره على الموت، فتعتد امرأته ويقسم ماله، قال وذكر بعض أصحابنا عن مالك أن الناس أصابتهم سنة بطريق مكة سعال. وكان الرجل لا يسعل إلا يسيرا حتى يموت، فمات في ذلك عالم وفقد ناس ممن خرج
[240/4]
[241/4]
222/5]
القمح بالدقيق إلا إذا كانت بالكيل ورأي أنها إذا كانت بالميزان جازت كما قال في الرواية الأخرى، والقول الثاني أنه يعتبر فيها ما قدر في الشرع في ذلك الشيء من كيل أو وزن، وهذا قول الباجي ومال إليه بعده جماعة من المتأخرين كابن شاس وابن الحاجب وغيرهما، فوجه القول الأول أن المقصود المساواة وقد حصلت، والمعتبر فيهما ما يعلم به ذلك عادة كالبيوع ويخص الحديث المتقدم وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «المكيال على مكيال أهل المدينة والوزن وزن أهل مكة»(¬1)
وسئل أصبغ عن الرجل يسلف الناس في السلع أو يشتري سلعا بعينها، ويزعم أنه يشتري جميع ذلك لفلان: رجل غائب بماله أمره بذلك، ويكتب في أشريته: هذا ما اشترى فلان لفلان بماله. وكيف إن قال أمرني فلان أن أشتري له بهذه المائة كذا وكذا ويشتريها وينقدها ثم يأتي الذي زعم أنه أمره بذلك فينكر، ويريد أخذ المال من البائع، أترى ذلك له؟ وهل يفترق عندك إن قال أمرني أن أشتري له بهذا المال بعينه، أو قال: أمرني أن أشتري له بماله، فاشترى ونقد الثمن ما يسر أو ما عسر وقبض ما اشترى له فاستهلكه، أو هو قائم لم يقبضه حتى قام فأنكر أن يكون أمره باشتراء شيء من الأشياء.
فأجاب: هما سواء، ولا سبيل له على البائع وسبيله على المشتري ؟؟؟ بإقراره على نفسه، يأخذ ما اشترى له أو يضمنه ماله المسمى ويتبعه إن ؟؟ استهلكه ولم يجد له مالا ولا سبيل على البائع على حال لأن ذلك إنما ؟؟؟؟ دعوى من المشتري المقر، فلا تعدو دعواه على نفسه، ولا يضر ؟؟؟؟ غيره، والبائع لم يصدقه ولم يبعه على ذلك شرطا إنما يبيع على قوله، كما يبيع الناس. فهو المشتري وهو المبتاع حتى يصدقه قبل البيع بذلك ويبيعه عليه بتصريح من البائع وإقرار أو بينة تقوم بعد ذلك أن أصل المال لفلان، هذا المال بعينه الذي اشترى به وتعدى وإلا فلا.
ابن رشد. قوله: إن البائع إذا باع بتصريح وإقرار أن الشراء للمسلمين له، وأن المال ماله أو قامت له بينة على المال بعينه أن له أن يأخذ ماله منه في الوجهين جميعا بين على ما قاله. والتصريح أن يبين المشتري على البائع أنه لا يشتري لنفسه، وإنما يشتري لفلان، ويكتب في كتاب الشراء: اشترى فلان لفان بأمره وماله، وعلم البائع بذلك أو صدق المشتري فيه، فإن أخذ المشتري ماله من البائع ببينة قامت له عليه بعينه أو بتصريح وقع أن
[288/6]
في جواز التسلف من الأحباس خلاف]
وسئل عبد الحميد الصائغ عن مسجد له أنقاض خشب وجبص وجير وزيت لاستصباحه, وربما فضل منه شيء فيباع للحصر, فهل يجوز لمن يحتاج لسلف شيء من ذلك أن يتسلفه على يد الرجل بقياس معلوم وكيل معلوم أو لا يجوز؟
فأجاب إنه ينظر لما هو الأحسن للمسجد فيفعل, قيل هذا خلاف ما للسيوري في مسألة العمود وما خرب من المساجد, أو خربت إنه لا يدفع شيء من أجزاء المسجد لغيره من العمران وهو اولى مما فيه, لأن العمران يرجى ولم يبح التصرف فيه بحال, وعلى الأول ما جرى به العرف في هذا الزمان يضعون مال الحبس عند أرباب الأموال يتصرفون فيه بالتجارة لأنفسهم فهو عندهم على معنى السلف, ويعرف ذلك القضاة وأهل العلم ويسلمون ذلك وأحفظ لابن سهل في ذلك خلافا, هل يجوز وكونه في ذمة خير من أمانة أو لا يجوز لأنه سلف جر منفعة.
[لا يسكن الحصون إلا من فيه القوة على الحراسة والقتال]
وسئل أبو بكر عبد الرحمان عمن سكن حصنا وبيده ما يشتري به سلعا يضعها في بيته يرجو فيها الأرباح وبيعها في وقت سوقها, ثم يشتري كذلك أبدا لكي يحصل له ما يقيم به أمره, وهو في الحصن له منفعة لا ضرر عليه فيه, بل هو من أهل الدين والفضل, هل يجوز له هذا الفعل أم لا؟
فأجاب: أما من كان زمنا فلا حق له في الحصن, لأنه إنما يسكن الحصون من فيه القوة على الحرس والعساس والخروج عند وقوع النفير في الحصن, إلا أن يكون الفاضل الذي يستغنى عنه, ومن يعلم الناس
[237/7] القرآن منه, فمثل هذا إذا أصابته زمانة لم يحول عن موضعه, وأما حرف التجارة فليس من شأن المرابطين.
[الأوقاف على المساجد والمدارس بحسب واقفيها](¬1)
فأجاب أبو صالح: إن الأجير على العامل للناس في طحينهم والقابض لطعامهم وصاحب الغرائز والدابة لا يتولي من ذلك شيئا فلا شيء عليه، والتعدي قبل الأجير. وإن كان صاحب الدابة المتولي للمعاملة والقابض للطعام فعليه ضمانه إلا أن تقوم بينة على هلاك الطعام فيبرأ.
[ استئجار الحصاد باللقاط ]
وسئل ابن العطار عن الرجل يستأجر الحصاد بلقاط على ما يفعله أهل البدو.
فأجاب: الاستيجار فاسد يفسخ قبل العمل، فإن لم يعثر عليه إلا بعد الحصاد فالحب الملقوط لصاحب الزرع لا شيء للاقط ولا للحصاد فيه، وعلى صاحب الزرع أجرة مثل الحصاد على غير شرط اللقاط، وعليه أيضا أجرة اللقاط على قدر شخوصه في اللقط والدرس والذر. وإن تنازعوا في ذلك بعد أن صار الملقوط حبا وإن كان قبل أن يدرسه اللقاط ويذريه كانت
[265/8]
[266/8]
وسئل الأستاذ أبوسعيد بن لب عن نظيرة هذه، وهو صبي من نحو عشرة أعوام ثبت رسم أنه كان ممن يعقل القربة إلى الله عز وجل، كان قد عهد بثلث متروكه لشخص، وقرر شهود العهد على معرفته وهل كان ممن يعقل القربة أم لا، فقال أحد شاهدي العهد إنما عرف الصبي بالتعريف، ولا نعلم هل كان ممن يعقل القربة أم لا؟ وثبت الشاهد الآخر على مقتضى نص العقد، وأنه يعرف الصبي ويعلم أنه يعقل القربة إلى الله تعالى، فهل تنفذ وصيته بالثلث المذكور ويعضد الشاهد على شهادته ما ثبت من أن الصبي كان بعقل القربة، أوضحوا الجواب في ذلك، يعظم الله أجركم والله يحفظ جلالكم، والسلام الكريم يعتمد محلكم العلى من معظم قدركم، المستضئ بأنوار إفادتكم محمد بن عاصم.
[248/9] فأجاب رحمه الله: محل وصية الصبي الذي من نحو عشرة أعوام على النفوذ والصحة على أنه ممن يعقل القربة حتى يثبت من حاله خلاف ذلك، والسلام على سيادتكم من معظمها فرج، انتهى.
قلت: هذا الجواب ظاهر في المخالفة لجواب القاضي ابن عبدالسلام فوقه، وظاهر المدونة مع ابن عبدالسلام.
[صبي يوصى لحاضنته بثلث ماله]
وسئل القاضي الأستاذ أبوعبدالله الحفار عن صبي عهد بثلث ماله لحاضنته ومات وكان من تسعة أعوام وثبت العهد كما يجب، فادعى وصي الوارث للعاهد المذكور أن العاهد ما كان يعقل القربة، فأحضر قاضي الموضع الشاهدين بمجلس الحكم وسألهما هل كان يعقل ذلك أم لا؟ فقالا: إنه قال لهما: أشهد على بالثلث الجائز لحاضنتي فلانة، لأنها خدمتني وربتني، فقال القاضي التسعة الأعوام تكفي؟ أم كيف وقد عرف المجازاة على تربيتها له وخدمتها إياه، وأنفذ الحكم بالثلث المعهود لها به، وتفضلوا بالجواب، هل ما حكم به القاضي صحيح أم لا؟
فأجاب: للصبي العاهد تنفيذ وصيته لأنه ذكر أن حاضنته خدمته وربته، فما ظهر للقاضي وفقه الله وأعانه هو المعتمد.
وأما الذي شهد عليه أنه قال أنا معافري وقد كان جده ينتسب أمويا فيقول الأموي ، وكان والده لا ينتسب وإنما يكتب فلان بن فلان ولا يقول الفلاني ، ثم هو بعده كذلك إلى أن شهد عليه أنه قال أنا معافري فلا يكون ذلك جرحة فيه تسقط بها شهادته وعدالته ، لأنه يقول تحققت الآن نسبي بالبحث عليه ما لم أعلم به قبل وما جهله جدي ، وإنما كان ينتسب فيقول الأموي جهلا منه لجهله بنسبه ، لأن العوام تقول الأموي نسبا هو أوسع ممن جهل نسبه لم يخطىء في كتابه الأموي ، وبالله التوفيق .
[شهادة من يأكل الربا جاهلا أو متأولا]
وسئل من كورة باغة عن رجل يحرث الأرض بالربع أو بالثلث من غير أن يخرج رب الأرض نصيبا من الزريعة ، هل ترد بذلك شهادته ؟ وكيف إن كان عالما بفساد ذلك أو غير عالم ؟ بين لنا ذلك .
فأجاب : قد قيل إن شهادته لا تجوز لما جاء أن عبد الرحمان بن عوف أعطى سعد بن أبي وقاص أرضا له زارعة فيها على النصف ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أتحب أن تأكل الربى ونهاه » (¬1). والذي أقول به أنه [223/10] إن فعله جاهلا أو متأولا لما جاء فيه من الخلاف فلا يكون ذلك جرحة فيه ، لأن ذلك يشهد عليه بأنه لا يبالي بارتكاب الذنوب والخطايا(¬2) وبالله التوفيق .
[لا يقبل قول الأوصياء بالدفع للفقراء إلا ببينة أو براءة قاض]
وسئل ابن محرز عمن أوصى بقمح وشعير ودراهم للفقراء وأسند الوصية إلى أخويه وتوفي ، فبادر الوصيان فباعا من التركة عاجلا قدر الوصية ومطلوا به الفقراء سنين من غير عذر ، وربما مرت بهم مسغبة ولم يفرقوها ، فهل تقدح في شهادتهم ؟
فأجاب : إذا لم يكن للإيقاف عذر فهي جرحة لأنهم ظلمة بفعلهم . فروجع فقيل له هل لمحتسب أن يحتسب في ذلك ؟ وكيف إن قال الوصيان ضاعت أو فرقناها بعد أن حصلت عندهم هل يقبل منهم ؟
وسئل عن مسائل تظهر من جوابه.
فأجاب عنها رحمه الله بما نصه: سألتم وفقكم الله عن النساء يتعرضن لكم بالرقى. فأما الرقى بكتاب الله وبالكلام الطيب فلا بأس به لكل أحد طلب ذلك منه، ما لم تكن امرأة لا تحل لك، فلا تسترق لها بمس شيء من جسدها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "باعدوا بين أنفاس النساء وأنفاس الرجال". فابعد من ملاقاة من لا يحل لك النظر إلى وجهها أو شيء من محاسنها بكل وجه. وقد أرخص في ذلك للخاطب أو شهادة على وجهها أو لطيب إذا كان ممن يجوز الخوض في الطب مشهورا بذلك. وأما الراقي فليس له ذلك بوجه. وكذلك تشييعهن في الفتن في الأرض الخالية عن أعين الناظرين، فلا يحل لك ولا لها لخلوة لمثل ذلك، إلا أن يصحبكما غيركما من رجل أو عجوز صالحة، ترتفع الخلوة المنهي عنها بصحبتها لكما. وأما من لا تزول الخلوة بسببها من النساء المتهمات بالفساد، فلا إلا أن يكثرن إذ لا يخلون من أن تكون فيهن مأمونة في نفسها، فتنزل الخلوة بصحبتها وبمن معها من النساء.
وقد قال أشهب عن مالك لا يدخل في طاعة الله بمعصية الله. فترك هذه الطاعة مع المعصية أوجب من فعلها. وأما إن استجرن بك وجئنك مستغيثات إلى دارك، واحتجن إلى المبيت معك في بيت واحد وهو يضمن في ذلك خلاصهن ممن فررن منه فالأمر في ذلك راجع إلى ظنك، فإذا غلب على ظنك أن لك قدرة على خلاصهن فافعل، وإن غلب على ظنك أن الذي يطلبهن لا تصل إلى موعظته ولا يقبلها. فلا يلزمك الدخول في تلك الشفاعة واصرفهن عنك، وجانبهن وابعد عن كلامهن ومجالستهن ومحادثتهن، لأن ذلك داعية إلى الفتنة الواقعة في قلبك وقلبهن، ما لم يرجع إلى تحصيل فائدة شرعية، وإن دخلت في الشفاعة على الوجه الجائز، فلا بد لك أن تجتنب حمى الله فلا ترتع بجوانبه وحمي الله محارمه فإن باتت عندك إحداهن
[