تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

26/1] إذا غسلت بالماء ينتفع بها في كل شيء من خل وغيره. وأما إن كانت من فخار غير مزجج فتغسل وينتفع بها في اليابسات, يجعل فيها دقيق أو قمح أو غير ذلك. وأما الأشياء المائعات من ماء أو زيت أو خل فلا يجعل فيها حتى يغلي فيها الماء فذلك تطهيرها, وأما بمجرد الماء من غير تغلية فلا. ويظهر والله أعلم أنه إذا أوقد النار وجعلت عليه حتى حميت وانحل كل ما فيها من زفت واحترق حتى ذهب وصب الماء فيها وهي محمية إن ذلك يقوم مقام تغلية الماء فيها.

[هل ينتفع بآنية الخمر؟]

وسئل هل يجوز الانتفاع بآنية الخمر إذ تخلل الخمر فيها من غير صنيع آدمي فيها أم لا؟

فأجاب أما ما يحادي الخمر من الشقف فإنه يطهر, وما يكون أعلى وكانت الخمر قد لاقته فإن كان مزججا أو حديدا غسل غسلا جيدا ويجعل فيها الماء ويبقى فيه مدة ويراق ثم يعمل له ذلك مرارا, فإذا ظهر أنه لا يخرج في الماء أثر طهر.

وسئل الأستاذ أبو اسحاق الشاطبي عن تطهير أواني الخمر قد اختلف العلماء في ذلك على قولين.

فأجاب الأظهر من القولين صحة التطهير بالماء في نحو المزفت أو المزجج, يكفي انعام الغسل كسائر النجسة. وفيما يرى أن الخمر غاصت في جرمة بالقاء الماء الحار فيه إن قدر, أو البارد ثم يترك زمانا ثم يفرغ ثم يغسل ثم يلقى مرة أخرى ويترك زمانا ثم يغسل هكذا إلى أن يجعل فيه الماء ويترك زمانا فلا يوجد فيه تغير لون ولا طعم ولا ريح. وما أشرتم إليه من الخفة إذا لم يقصد وضع الخمر في الإناء, وإنما وضع على غير هذا القصد فتخمر فلا تأثير له في تطهير الإناء بالماء وعدم تطهيره لأن الخمر قد حصلت في الإناء فنجسته. وإنما تؤثر النية في معنى آخر, وهو جواز تخليل الخمر أو عدم جوازها حسبما بينه الفقهاء.

[27/1] [بقاء لمعة من غسل الجنابة]

وسئل مره أخرى عن شاه مريضه تأكل وترقد وربما مشت أياما فخاف

عليها أربابها الموت,فجاء الجزار فقال إنها على آخر رمقها, فامسكها الجزار

وذبحها ربها فجرى منها دم مخلوط بماء ولم يظهر منها تحرك جمله فخاف ربها من ذلك, فقال الجزار تحركت في يدي والدم السائل متوسط , الأشبه انه قليل.

ولما نحرها بعد سلخها سال منها دم قليل من المنحر وتحركت يدها بعد كمال

الذبح وقبل السلخ بوقت يسير. وما ترى في الشاه ذبحت فوجد في بطنها

خروف تم خلقه ونبت شعره أو لم يتم خلقه ولم ينبت شعره, والخروف داخل

السلا؟ فهل يجوز أكل السلا الموجود في بطن النعجة أو لا يجوز؟ وهو يخرج

بخروج الولد؟

فاجاب أما المريضة فينظر إلى حين الذبح ووضع السكين, فان كانت

حيه لم يلتفت بعد ذلك إلى غيره. وأما السلا فلا يؤكل لأنه بائن من النعجة.

إذا ذبحت بهيمة ووجدت مصارينها مقطعه أكلت

وسئل "ابن سحنون"عن رجل وقف على ثور راقد فقال لصاحبه ما خبر

الثور؟ فقال أشبعته الشعير, فقال بعينه على أن اذبحه ففعل, فذبحه فإذا هو

قد تقطعت مصارينه.

فاجاب أرى بيعه جائزا. فقيل له أيجوز أكله؟ قال نعم.

وسئل " السيورى" عن شاه أو دجاجه مريضه خيف عليها الموت فذبحت

فسال دمها ولم تتحرك, فهل تؤكل أم لا؟ وأفتى بعض الطلبه بعدم أكلها

فطرحت, فهل يلزم شئ أم لا ؟ وكذا ديك أطعم العجين ليسمن فدخل في

حلقه فخيف فذبح فسال الدم ولم يتحرك ونزلت, وقيل فيها لا يحل أكلها .

[28/2]

[29/2]

وبلغني عن بعض أصحابك الموتى انه حكى عن "مالك" أن سيلان الدم في مثل

هذه المسائل دليل الحياة وان لم تكن حركه, فهل هو صحيح أم لا؟

فاجاب إذا ذكاها وهو يستقين حياتها ما عندي غير ذلك.

بعير ضربه رمح مركوز ضربه قاتله لا تعمل فيه الذكاه

وسئل عن مسالة البعير فقيل له مشى فوجد رمحا مركوزا فضربه في

الحلق فسال دم وانكسر في حلقه فمر وهو يجرى من شده ما نزل به, فنحر

وقال وقد قاس قياسا فاسدا ... من جعل البابين بابا واحدا

لأنه حق له قد أسقطه ... فلا يعود دون أن يشترطه

وذاك لم يسقطه مستوجبه ... فعاد عندما بدا موجبه

والظاهر العود كمن تختلع ... فكل ما تتركه مرتجع

قوله والظاهر العود إلخ .

قال شارح هذا الرجز وهو ولد مؤلف القاضي أبو يحيى رحمه الله :

والأظهر عود التمتع كالمختلعة التي تترك ما كان لها في مهرها من كالتي وسواه ، فإذا عادت الزوجية بينها وبين مفارقها عاد عليه كل ما تركت له انتهى . فانظر قوله كالمختلعة التي تترك ما كان لها في مهرها من كالتي وسواه فإنه غير سديد .

[26/3][لا يجوز إمتاع الزوج من مال الزوجة في عقد النكاح]

*وسئل : الإمام عبد الله المازري رحمه الله تعالى عن عقد ، مضمونه : علم شهداؤه كثرة وقوع إمتاع الزوج من مال الزوجة منها أو من أبيها في عقدة النكاح وكتبه في عقد منفرد ، وضمائر الزوجين منعقدة عليه ، وقراءة ذلك مع الصداق أو بعده بالمهدية أو بزويلة .

قال في المدونة: وتجبر ذات الزوج على إرضاع ولدها بالأجر إلا أن تكون ممن لا يرضع مثلها لشرفها فذلك على الزوج وإن كان لها لبن، قال بعض الشيوخ: لأن العرف في ذوات القدر والشرف أنهن لا يرضعن، والعرف كالشرط، وقال في المدونة: ولو مرضت التي يرضع ملها أو انقطع درها فالرضاع على الزوج، وأما إن كانت خارجة عن العصمة، فغما أن تكون مطلقة أو متوفى عنها، فإن كانت مطلقة فإما أن يكون الطلاق بائنا أو رجعيا، فإن كان رجعيا فحكمها حكم الزوجة ما دامت في العدة، فإن انقضت العدة أو كان الطلاق بائنا فلا يجب عليها الإرضاع إلا أن لا يقبل الطفل غيرها فعليها الإرضاع وعلى الزوج أجر الرضاع، قال بعض الشيوخ والإجماع منعقد على هذا لقوله تعالى: ﴿فإن أرضعن لكم فئاتوهن أجورهن﴾، وهذا في المطلقات، فإذا وجب على الأب دفع الأجر على الرضاع للأم واتفقا على شيء يرضيانه لم يفرض لها، وإن تنازعا في الإجارة، فقال بعض الموثقين: كان بعض شيوخنا يفتي في الحال فرض لها دينار ونصف، وإن كان قليل ذات اليد فرض دينار واحد، وإن قال الأب: عندي من يرضعه بأقل مما طلبت فهذا وقع(¬1)

وأما نوم من يعلم من نفسه الاستغراق حتى ينصرم وقت الصلاة جملة وليس له من يوقظه فحرام عليه في ذلك الوقت، لأن وسيلة الحرام حرام.

[خلط أصفر الزعفران بما أبيض منه هل يكون غشا؟]

وسئل الشاطبي عن خلط أصفر الزعفران وأصل الشعر بما أبيض منه هل يكون ذلك من الغش أم لا؟

فأجاب: الذي ظهر لي على الجملة أنه لا يشك أن خلطه الأصفر في الزعفران غش، وأما أصول الشعر وهو الأبيض الذي ذكرتم فالأمر فيه عندي خفيف، لأنه يشبه عجم التين وعراجين الزبيب وما أشبه ذلك، فلا ضرر فيه، وإن قلتم أنه يزيد في الوزن فالزيادة يسيرة، مع أن مثل ذلك لازم في الزبيب وغيره، ولا مقال فيه، وإنما قطع الأبيض عندي كتنقية الزبيب من عجمه، فمن فعله فحسن، ومن لا فلا حرج، فإن رضيتم بهذا النظر من عير نص استند إليه في المسألة، وإلا فأنتم أعلم.

[بيع الزراجين المقامة على الأرض المكتراة]

وسئل الفقيه الشريف أبو محمد سيدي عبد النور العمراني رحمه الله عن الزراجين المقامة على أرض مكتراة إلى مدة معلومة هل يجوز بيعها على أن يقلعها المبتاع عند انقضاء المدة المكتراة لها أو لا يجوز بيعها على ذلك لما يدخلها من الغرر؟ إذ المقصود منها ما تثمر ولا يعلم هل تثمر أم لا؟ وهل يكون إثمارها قليلا أو كثيرا؟

فأجاب رحمه الله بما نصه:

الحمد لله -أكرمكم الله تعالى ما ذكرتم من المسألة المرسومة فوق هذا فالخلاف فيها جار على الخلاف في بيع النقض المقام على الأرض المستأجرة أو الأرض المعارة سواء، فالمشهور فيها المنع، وروي أشهب عن مالك في أصل سماعه نحوه، وقال به أشهب وسحنون ومحمد بن المواز، وعليه استقر عمل القضاة، وجرت به أجوبة أهل الفتيا المعتبرين بالأندلس، وإن كان وقع لابن

[27/5]

وأما ما احتجوا به مما ذكر عن الإمام ابن عرفة فيمن مات وظهر له مال بيد رجل واعترف الرجل أنه أمره الميت أن يتصدق به عنه ولم يصدقه الورثة في ذلك أنه قال للوارث أخذه منه، ولا يلتفت إلى قول الرجل، فليس فيه حجة لهم لأن له طالبا معينا. ولا كذلك مسألتنا. والفرق بين حكميها واضح لمن عنده تحصيل، وله في الفقيه تأصيل. وكذلك ما ذكروه عن ابن سهل أيضا فيمن قام عليه وارث وطالبه في مال لموروثه، فزعم المطلوب أنه فرقه على الضعفاء والمساكين، كما أمره الميت فلا شيء له عنده. قالوا: يعني أن الوارث صدق المطلوب فيهما زعمه من أن الميت كان أمره بتفريقه على المساكين، وأما لو كذبه في ذلك، لوجب عليه غرمه له، فلا حجة لهم فيه أيضا، بل هو حجة عليهم، لأنه إذا صدقة كما قال وأن رب المال أمره بتفريقه، فالقول قوله في أنه فرقه إذا ادعى ذلك، ولو لم يفرقه لكان له أن يفرقه الآن ولا يكون للوارث أن يأخذه منه، مع أنه طالب معين. ففي مسألتنا أحرى أن لا يتعرض للناظر بوجه، لأن العاهد لو كان حيا واعترف به وأراد أن يفرقه لما ساغ لأحد أن يحجر عليه فيه، وهذا الناظر في عهده يتنزل منزلته في ذلك، لأنه مقامه وبدلا منه، هذا لو كان المال قائمان فكيف بعد تفرقته ووصوله إلى أربابه، ولا يطالب بإقامة بينة على ذلك بل هو مصدق فيه.

قال في كتاب الشهادة من المدونة قال ابن القاسم: ولو قال: تصدق بهذا المال على المساكين، فقال: قد فعلت وكذبه رب المال، فالقول قول المأمور، ولا يمين عليه، إلا أن يكون متهما، فإذا كان هذا مع المال، فكيف بمن لا نظر بوجه أصلا.

25/7] الأجل المعظم المبرر أبو القاسم عبد الرحمان بن الشيخ الفقيه الأجل الخطيب البليغ المرحوم أبي عبد الله محمد مسونة عدة للقاء الله تعالى, ورجاء مغفرته واستعدادا للموت, وخوف فجاءته واتباعا لحض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الوصية, واوصى بأنه: متى حدث به حدث الموت الذي لابد منه ولا محيد لمخلوق حي عنه. فخرج عنه بعد وفاته ثلث جميع ما يتخلفه موروثا عنه من قليل الأشياء وكثيرها, جليلها وحقيرها من كل ما يطلق عليه اسم مال, وله خطر وبال عقارا كان أو غيره, ويعطى الثلث المذكور بأجمعه لذكور بني بنيه من الذكور, ولمن يتزيد لبنيه الذكور من الذكور بعد أن يخرج من الثلث المذكور خمسة وثلاثون وسقا من القمح, وخمسون وسقا من الشعير, ويفرق ذلك على الضعفاء والمساكين بدينة فاس حرسها الله تعالى, ويشتري من الثلث المذكور مملوكتان ثنتان وتعتقان عنه عتقا صحيحا كل ذلك على وجه الوصية منه لمن ذكر بذلك, قصد بذلك وجه الله تعالى وجزيل أجره, والدار الآخرة ﴿ والله لا يضيع أجر من أحسن عملا ﴾ . وعرف قدره وأشهد به في صحة من عقله, وثبات ميزة, وذهنه ومرض ألزمه الفراش وبحال الجواز والوع وعرفه وفي موفي ثلاثين محرم عام خمسين وسبعمائة, وأشهده مع ذلك العاهد الخطيب المذكور بأنه رجع على الوصية التي اوصى بها في بكرة يوم تاريخه قبل هذا الإشهاد, رجوعا تاما في تاريخه وتسمى فيه من الشهداء وهم: عبد الرحمن بن محمد الأزدي, وعلي بن يوسف بن أحمد بن محمد الرعيني شهد على خطه لموته.

فالجواب: أنا نقول لا شيء على أصحاب الآبار التي تسري إليها الرشوحات، إذ لا يقدر على منعها، وقد قال أصبغ فيما حكى عنه ابن حبيب فيمن له عين في أرضه ولجاره أرض إلى جنبه فينبع في أرضه تلك عيون فأراد صاحب الغرس ما ينبع من مائه في أرض جاره خيفة أن تغور عينه أذلك له؟ فقال: إن كان جاره لم يستجد بذلك ولم يحتفره كما يجري ماء العين إليه فلا أرى ذلك، لأنه شيء ساقه الله إليه، فليس لأحد صرفه عنه، وإن كان هو الذي احتفرها وأجرى الماء في أرضه فحفر حفرة أو شيئا صنعه فليس ذلك له، ولصاحب العين أن يمنعه ويسد منابع أرضه وبه قال ابن القاسم.

[26/8]

[27/8]ولا يقال إن مسألة الآبار إنما تشبه المسألة الأخيرة في قسمة العين وهي الإحداث بالحفر، لأنا نقول: الفرق أن مسألة العين التي احتج بها صاحبها ومسألة البئر مع النهر ليست كذلك، لأنها رشوحات في باطن الأرض لا يقدر على صرفها ولا يخاف على ماء النهر من أجلها، فتبين الفرق، ولأن ذلك بمنزلة الاستظلال بجوار الغير والاستضواء بمصباح الغير فلا يتعرض عن شيء من ذلك كله وبالله التوفيق.

[القنوات والمراحيض والكراسي التي تصب في النهر]

27/9] لا يجب له التكلم عنهم إلا بعد توكيلهم إياه. ولو ذهبوا إلى ذلك والله يعصمهم منه ويوفقهم ما سمع منهم، لأن مالكا قال في الضراب للحديد يكون جارا لرجل ملاصقا ليس بينهما إلا حائط فيعمل الليل كله والنهار كله يضرب الحديد فيتأذى بذلك جاره ولا يجد راحة من كثرة ضربه. قال مالك لا يمنع من ذلك. فمالك رحمه الله رأى أن لا يمنع ضراب الحديد وهو يؤذي جاره ولا يجد راحة من كثرة ضربه، فكيف من يقوم للأذان والدعاء.

والله اسأله لنا ولك توفيقا وتسديدا، والسلام على وليي ورحمة الله وبركاته.

[ التحليق في المسجد الجامع للفتيا ومذاكرة العلم]

وسئلوا أيضا عن قوم يحلقون في المسجد الجامع للفتيا ومذاكرة العلم والخوض فيه وليسوا ممن يستحق ذلك، وان إقامتهم واجبة إذ المساجد إنما اتخذت للصلاة وتحلقهم فيها مما يضر بالمصلين.

فأجابوا: الذي نراه ونقول به في ذلك، والله الموفق، أن المساجد إنما اتخذت للصلاة فإن الخوض فيها في العلم وضروبه جائز من فعل الأئمة. وقد جاء عن مالك رحمه الله أنه كان يتحلق يوم الجمعة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم حتى يخرج الإمام، فإذا خرج قطع الفتيا واستقبل الإمام. والعلم - أكرمك الله - أفضل شيء اجتمع لمذاكرته والتكلم فيه بعد كتاب الله عز وجل. وقد رأيت مساجد الأمصار يتحلق فيها الأئمة ومن دونهم من المتفقهين ولا ينكر ذلك عليهم ولا يقام أحد منهم.

فأجاب : اليمين في هذا تتعين في المسجد الجامع لأن الأمر يؤول بما ادعاه قابض الدراهم من نقصان عدها إلى انتقاص ضرر جميع الدينار . انتهى . المازري : لو ادعى رجلان متفاوضان على رجل بربع دينار لم يحلفاه في الجامع لأن لكل منهما ثمنه ولو نكل المدعى عليه ورد اليمين عليهما لحلف كل منهما على نصيبه . ولو حلف أحدهما ونكل الآخر استحق الحالف نصيبه ولا يدخل معه شريكه ، لأنه لما نكل كأنه قاسمه . ولو ادعى ورثة على رجل بربع دينار من قبل من ورثوه عنه لكان مخيرا أن يحلف يمينا واحدا في الجامع ينفي بها كون موروثهم يستحق عليه شيئا ، أو يحلف لكل منهم في غير الجامع على نصيبه خاصة . ولو كانت الدعوى منه عليهم لحلف كل منهم في المسجد ، لأنه حميل بما على شريكه وصارت الدعوى عليه في نصيبه ونصيب شريكه إن كان غائبا لأنه وكيل مفوض إليه . وقال بعده بيسير : ومما يتفرع على كون اليمين في اليمين(¬1) مستحب أو مستحق ، لو حلف المدعى عليه بالطلاق أن لا يحلف بالمكان المعظم لوجب تحنيثه على أنه مستحق لا على أنه مستحب .

[ هل تلزم إعادة البينة إذا استبدل القاضي ؟]

وسئل عن رجل له عند رجل حق شهد له بذلك شاهدان عند القاضي [25/10] وثبت عنده ما شهد به وأشهد على نفسه بثبوت ذلك الحق عنده ، ثم نقل الحكم إلى قاض غيره ، فهل تلزم إعادة بينه الأصل عند القاضي الذي انتقل الحكم إليه أم بينه التسجيل ؟ وإذا لزم إعادة بينه الأصل وطلب المشهود عليه القدح في الشاهدين المذكورين اللذين ثبت الحكم بشهادتهما عند القاضي المخرج عنده الحكم ، وهما مبرزان في العدالة ، هل للقاضي المخرج إليه أن يبيح له القدح في شهادتهما بغير العداوة ، وهل يجرحهما من هو أقل منهما عدالة أو يجرحهما من هو أعدل منهما ؟ أفتنا بالجواب .

25/11] ويحتمل أن يكون تنسمه بفراسة، ويحتمل أن يكون بمنام، ويحتمل أن يكون بإلهام، ويحتمل أن يكون بوحي صريح وهو بالفراسة والرؤيا أشبه، لأن الظان الذي يقول: إني لأجد ريح كذا، فاللفظ يكاد يشعر بترددها. وأبعد الاحتمالات أن يكون المراد به إدراك الرائحة بحاسة الشم.

ولست أقول: إن ذلك(¬1) محالا ولا مظنة خرق العوائد كان اللفظ ليس صريحا فيه، بل استعماله في تنسم دلائل الأمور وتباشرها سائغ، فهو على الظن أغلب، على أن خرق العادة في حق يعقوب عليه السلام أقرب من حمل ذلك في حق الصحابي، إذا انخراق العوائد للأنبياء أكثر وقوعا وان كان لا يستحيل ذلك أيضا للأولياء بطرق الكرامة، ولكن هذه تصرفات في درجات الظنون وهي أقربها وأغلبها على القلب مع الحكم بأن شيئا من هذه الأقسام ليس يعلم استحالته ببرهان قاطع، ولا يعلم أيضا وجوبه ببرهان قاطع، بل الاحتمال فيه سائغ للجميع، وإنما الأغلب عندي ما ذكرته وأما إخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عير أبي سفيان وصفة جمله، فلم يكن على صيغة تشعر بالتردد كقوله: إني لأجد ريح يوسف بل هو اخبار جزم فلا يكون إلا عن بصيرة وتحقيق، ولكن للتحقيق أيضا مدارك في حق الأنبياء عليهم السلام من الرؤيا الصحيحة. ألفوا حسنها وعلموا بالعادة أنها ليست أضغاث أحلام، ومن الإلهام والنفث في الروع من صريح الوحي، ومن كشف الغطا بالمشاهدة بالعين، وأعني بالوحي سماعه من جبريل عليه السلام وصفة العير والجمل كانت وهو مباين لرفع الحجاب والمشاهدة بالعين، وكل ذلك من حيز الإمكان. ولا يعرف معين واحد من هذه الأقسام إلا من لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم. وليس في لفظه ما يدل على معين أحد الأقسام.

وفي بعض فتاوي صالح بجاية الشيخ أبي زيد سيدي عبد الرحمان الواغليسي ما نصه: لست ممن يتقلد غير المشهور الذي عليه القضاء والفتيا من السلف والخلف، فاعمل على جادة أيمة المذهب واحذر مخالفتهم، وقد قال المازري لا أفتي بغير المشهور ولا أحمل الناس على غيره. وقد قل الورع والتحفظ على الديانة وكثير من يدعي العلم ويتجاسر على الفتوي فيه بغير بصيرة، فلو فتح لهم باب في مخالفة مشهور المذهب لا تسع الخزف على الراقع، وهتك حجاب هيبة المذهب، وهذا من المفسدات التي لا خفاء بها. وهذا في زمانه فانظر في أي زمان أنت! انتهي. قال الشيخ أبو أسحاق الشاطبي- رحمه الله-: انظر كيف لم يستجز هذا الإمام العالم وهو المتفق على إمامته وجلالته الفتوي بغير المشهور من المذهب ولا بغير ما عرف منه بناء على قاعدة مصلحية ضرورية أن قل الورع والديانة من كثير ممن ينتصب لبث العلم والفتوي، فلو فتح لهم هذا الباب لانحلت عرى المذهب بل جميع المذاهب، لأن ما وجب للشيء وجب لمثله، وظهر أن تلك الصورة التي ادعيت في السؤال ليست بضرورة. انتهي

فإن قلت: فما بال المازري لم يبال بهذا الاعتذار، ولا وقف على المشهور عند أيمة المذهب والمختار، وأفتي بالشاذ وهي رواية الداودي عن مالك، مع اعترافه بضعفها وشذوذها في مسألة استحاق الأرض من يد الغاصب بعد الزراعة وخروج الإبان، وخالف المعهود من عادته من الوقوف مع المشهور، وما عليه الجماعة والجمهور؟

قلت: التشديد على الظلمة والمجترئين من أهل العتو والفساد مهيع مألوف من الشرع وقواعد المذهب، ومنه في المذهب المالكي غير نظير، وقد أتيت في بعض ما قيدت من هذا النمط على الكثير والجم الغفير.

فإن قلت: قد استفدنا من النصوص المجلوبة فوق هذا أن الفتيا بغير

[25/12]

[26/12]

مشهور المذهب في حق المقلد الصرف لا تجوز، فما حكم الفتيا بغير مذهب مالك لمن هذه صفته من مقلدي مالك وأصحابه من أهل المغرب والأندلس.

المعيار المعرب والجامع المغرب · الجزء ١ · الصفحة ٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المعيار المعرب والجامع المغربج ١ · ص ٢٦