فإذا فعل الجمع لهذا العذر فما ظنك له لجد السير في السفر القصير وأما قولكم أولا وفيه نظر لأن الجمع رخصة سببها السفر, فيختص بالطويل قياسا على القصر والفطر, فمعلوم أنكم لم تريدوا حصر سبب الجمع بالاطلاق في السفر, لأن معناه ظاهر بثبوت الجمع في غير السفر, فلم يبق إلا أن تزيدوا الجمع للسفر. وحينئذ لقائل أن يستفسر ويقول: قولكم سببها السفر, السفر لفظ مشترك أو متواطىء يطلق على الطويل والقصير. فإن عنيتم الطويل خاصة دون غيره منعنا الاختصاص, وكان استدلالا منكم بمحل النزاع, ولم تكن له فائدة, لأن المعنى حينئذ يكون سببها السفر الطويل خاصة فتختص بالطويل, وهو معلوم لأنها إذا اختصت بالطويل فكيف تتعدى إلى غيره؟ ولأنكم إن قصدتم بهذا الدليل كونه من مقدمتين حذفت كبراه للعلم بها كان فيه مصادرة على هذا التقرير, لأن الصغرى هي النتيجة ثم إن قدرتكم الكبرى وكل سفر رخصة سببها السفر الطويل كانت المصادرة أظهر لاتحاد المقدمتين والنتيجة, وإن أريد بالسفر المقدر مع الكبرى السفر بالاطلاق, كان ورود المنع عليها ظاهرا. ولو سلمت لم ينتج القياس لعدم اتحاد الوسط فيه, فإن السفر المذكور في الصغرى المراد به الطويل بالفرض, والمذكور في الكبرى المراد به المطلق. وإن لم تقصروا الاستدلال بالكلي على الجزئي بل
[
فهؤلاء الأئمة عليهم المعول في الشورى بقرطبة، وقد اتفقوا ولا مخالف لهم على هدم الكنائس المحدثة في الإسلام، وذلك يتناول مسألة السؤال قطعا، وكلامهم يقتضي أن هذا الحكم مجمع عليه، لأن قولهم ليس في شرائع
[246/2]
[247/2]
الإسلام إحداث معناه ليس في مذاهب الإسلام أحداثها، لأن المذاهب هي المقررة للشرائع، وكون ذلك مجمعا عليه صحيح وسيأتي مصرحا به، وفي قولهم: في مدائن الإسلام إشارة إلى إخراج الصلحية إذا انفردوا بها، إذ ليس الحكم فيها كذلك حسبما تقدم.
ولما ذكر ابن سهل فتياهم هذه سلمها واحتج للصحة بكلام الواصحة والمدونة مشيرا إلى أن اعتمادهم فيها إنما هو على الكتابين المذكورين، ولما فرغ ابن سهل من هذه المسألة عقبها بمسألة أخرى يعلم منها حسن إشارته لمن له بصر، وفي الكافي للحافظ أبي عمر بن عبد البر ما نصه: وليس لأهل العنوة إحداث كنيسة وهم بمنزلة أهل الذمة، وليس لأهل الذمة إحداث كنيسة لم تكن لهم ببلد الإسلام، وما كان من كنائسهم التي عوهدوا عليها، وصولحوا فلا يمنعون منها ولا تغير عليهم، وما اختط المسلمون من المدن وسكنه معهم أهل الذمة فلا يجوز لهم فيه إحداث كنيسة، وقد قيل: إنهم إذا كانوا ساكنين مع المسلمين في موضع لهم فيه كنيسة فينتقلون معا متعاونين، فإنهم يكونوا على ما كانوا عليه ولا يمنعون من كنيسة واحدة إلا أن يشترطوا ذلك عليهم. انتهى لفظه.
وتعقب القاضي أبو عبدالله الأبيري هذا التعقب ، ونصه : مسألة إذا أنفق الأنسان على غيره وثبت ذلك ، هل ذلك كغيره من الحقوق فيحكم له[214/3]على الاطلاق أم لا ؟ الظاهر أنه ليس كذلك ، وأن دين النفقة إذا كانت ثم قرينة قوية تدل على التبرع صير إليها وعول عليها ، بخلاف غيره من الحقوق ، ألا ترى أن اليتيم الفقير إذا أنفق عليه لا رجوع للمنفق ، ولم يعتبروا اليتيم وحده ، ولا العسر وحده ، لما ضعفت القرينة ، إذ وكذلك الأب إذا أنفق على ابنه الغني ، فإنه يرجع عليه في بعض الصور دون بعض ، بسبب قوة القرينة وضعفها ، وكذلك ما أنفق على وجه الضيافة ، وذلك والله أعلم لما كان الناس يعيبون طلب ما أكل لهم ويستقبحونه ، أعملت القرينة الدالة على قصد التبرع والصلة ، مع أن الأصل عدم التبرع ، وهل يكون من هذا القبيل نازلة وقعت وهي يتيمة في حضانة عمتها وتحت نظرها بإيصاء الأب ، أنفق عليها زوج العمة المذكورة مدة ، ثم زوجتها العمة وقدمت زوجها المنفق على عقد نكاحها ، واعترفت العمة الوصي المذكورة لها بمال يحتوي على أصول وعروض وزوجها المنفق حاضر ، إذ هو المباشر لعقد النكاح كما ذكر ، وهو المتكفل بشراء شورتها والقائم بأمرها مع زوجه الوصي المذكورة ، ثم مكثت مدة من نحو عشرة أعوام مع متزوجها ثم طلقها ، ثم بعد ذلك مات المنفق عن زوجه العمه المذكورة وابنه منها ، ووقع القسم فى متروكه ولم يطلب وارثاه نفقة موروثهما على البنت المذكورة ولا واحد منهما ، ثم مكثت المنفق عليها مده أخرى مطلقة ، ثم زوجتها العمه مرة ثانيه وقدمت ابنها ابن المنفق عليها على العقد عليها ، فعقد عليها بما سمت له من الصداق ، وعلى الاعتراف المذكور أولا ، ثم توفيت الزوجة المنفق عليها قبل البناء بها ، فقام العاقد عليها ابن المنفق يطلب نفقة أبيه عليها وهى بكر ، فالذي أفتى به الشيخ الأستاذ أبو سعيد رحمه الله في نوازل ثلاث من هذا المعنى ، أنه لا رجوع للمنفق
فأجاب: إن حاد عن اللازمة خوف الطلاق وقال إنها عنده أعني الأيمان كلها بلا أن يقول تلزمني أخف، فكأنه قال وحق الأيمان كلها فعلى هذا يلزمه ثلاث كفارات.
[العمل في الطلاق على القصد والنية]
وسئل عن رجل كان يتحدث مع رجل آخر فقال له طلق امرأتك، فقال له في جوابه تراها بحال مطلقة، هل يلزمه طلاق أم لا؟
فأجاب: إن كان الرجل خاف من الطلاق فقال تراها بحال مطلقة لم يلزمه شيء إذا لم يقصد بذلك إيقاع الطلاق، وقد قال العلماء في الذي يقول لمطلقته الرجعية أنت طالق، إن قصد الإنشاء طلبت طلقة ثانية،وإن قصد الخبر لم يلزمه طلقة ثانية، وقالوا إن قال لزوجه اسقني الماء وقصد به الطلاق لزمه.
وسئل عمن وقع بينه وبين زوجه كلام بسبب أن قال لها تمشي للكرم فأبت من ذلك فحلف بالأيمان تلزمه أنه يبيع الكرم ومعه كرمان اثنان، وقال إن نيته على بيع الكرم الآخر الذي لم يذكر المشي إليه. فهل تنفعه نيته في ذلك أم لا؟ وهل يجوز له أن يجني عصيره ويبيعه بعد ذلك؟ أم يبيعه الآن؟
فأجاب: ظاهر لفظه أنه يبيع الكرم الذي امتنعت الزوجة من المشي
[233/4]
[234/4]
إليه ويحرمها التردد إليه، فعلى هذا لا يجوز له حبسه لجني عصيره، وكانت له نيته لو لم تناكره الزوجة، فإن النية (¬1) لا تراعى إلا إذا لم تكن ثم مرافعة.
وسئل عمن حرم على نفسه زواج الأرامل وهو الآن يريد أن يتزوج بكرا فخاف إن كان حدث عليها حدث ويجدها غير عذراء إن كان يجوز له المقام معها أم لا؟
فأجاب: جائز المقام معها لأنها ليست قط بأرملة.
وسئل غيره عمن تزوج أرملة فوقع بينهما في بعض الأيام شر أو منازعة، فقال لها في جملة كلامه كل أرملة بعدك علي حرام ثم توفيت عنده وتزوج بعدها بكرا ثم توفيت هذه البكر، فهل يجوز له أن يتزوج بعد هذه البكر أرملة أم لا؟ بينوا لنا ذلك مثابين مأجورين مشكورين.
معناه: لم يعينتنا في ذلك فله الحمد، وقد أجرى العلماء غير اليتيم في هذه الخلطة مجراه طلبا للرفق ورفعا للحرج، ولا حرج في الدين، فتجري النازلة مجراها، والله أعلم، هذا ما ظهر لي في المسألة من غير نص في خصوص المسألة أستند إليه ولذلك توقفت عن الجواب فيها، وقد سألني عنها جماعة من الناس ثم وجدت في العتبية مسألة تشبهها وهي من سماع ابن القاسم عن مالك قال فيها وسألت مالكا عن معاصر الزيت زيت الجلجلان والفجل يأتي هذا بأرادب وهذا بأخرى حتى يجتمعوا فيها فيعصرون جميعها قال إنما يكره هذا لأن بعضه يخرج أكثر من بعض فإذا احتاج الناس إلى ذلك فأرجو أن يكون خفيفا لأن الناس لابد لهم مما يصلحهم والشيء الذي لا يجدون عنه بدا ولا غنى فأرجو أن يكون لهم في ذلك سعة إن شاء الله، ولا أرى به بأسا، قال والزيتون مثل ذلك قال ابن رشد خففه لضرورة إلى ذلك إذ لا يتأتى عصر اليسير من الجلجلان
[217/5]
والفجل على حدة مراعاة لقول من يجيز التفاضل في ذلك من أهل العلم، قال وهذا من نحو إجازتهم الناس خلط أذهابهم في الضرب بعد تصفيتها ومعرفة وزنها، فإذا خرجت من الضرب أخذ كل واحد منهم على حسب ذهبه وأعطى الضراب أجرته، انتهى كلامه، فهذا كله مما يدل على صحة ما ظهر لي في اللبن، والله أعلم، والظاهر جوازه عملا بهذا الأصل المقرر في المذهب.
[خلط جيد الزعفران برديئه]
وسئل القاضي أبو عبد الله بن علاق عما يفعل الناس من خلط الزعفران جيده برديه حين الجد هل ذلك من التدليس أم لا؟ وهو مما يشق التحرز منه ويحتاج إلى كلفة في تخليصه ولا يريد أن يتعب نفسه في انتقائه فيكون بمثابة النخالة في الدقيق وعلى فرض أنه تدليس ما يكون الحكم فيه إذا عثر عليه؟ وهل يمنع من بيعه أم لا؟ وهل يعد بيعه قبل تجفيفه وتيبيسه من الغرر والجهالة فلا يجوز أم لا؟
يشترط ذلك وكان البيع مجملا فذلك للمبتاع. وقاله سعيد بن حسان(¬1)، ويلزم على قياس ما قلناه أن يكون عليه لمشتري الشجرة كراء العمود إن كان غائبا وإن كان حاضرا فعلى ما ذكرناه من الاختلاف. وقد قال ابن لبابة على قياس ما قلناه. ولو اشترى عمود الزيتونة واشترى آخر الفروع، ثم استونى بقطعها حتى أثمرت فإن الثمرة لصاحب الفروع، وعليه كراء العمود وعلى صاحب العمود كراء الأرض، قال: وذلك إذا كان صاحب الأرض وصاحب العمود غائبين. فإن كان صاحب الأرض غائبا، وصاحب العمود حاضرا، لم يكن لصاحب العمود الكراء، وكان لصاحب الأرض كراؤها على صاحب العمود.
وقد روي عن سحنون أنه قال في مسألة الزيتونة تشترى على القطع فتثمر قبل ذلك: أرى الضمان على البائع، فالغلة له، وذلك يدل على ما ذكرنها من معارضتها لمسألة الضأن يباع صوفها وبالله تعالى التوفيق.
[من أقطعه الإمام أرضا فبنى فيها ثم أراد بيع الأنقاض]
وسئل مالك عمن ابتاع قصبا وألواحا وأبوابا أو كل بينان في الدار، إلا أن البقعة قطيعة من أمير المؤمنين على أن التباعة في كل ما اشترى على البائع إلا البقعة وما لحق المشتري في شيء مما اشترى سوى البقعة فهو على البائع.
فأجاب: هذا البيع ليس بجائز ولا حسن. ابن رشد: أقطعة أمير المؤمنين من أموال المسلمين التي يجوز بيعها، فإقطاعه حكم لا يجوز له الرجوع فيه في حياة المقطع ولا بعد وفاته، وهو مال من ماله بنفس الإقطاع، يورث عنه كسائر أمواله، وهو قول ابن القاسم في سماع يحيى من كتاب السداد والأنهار.
فمعنى هذه المسألة أن الذي أقطعه أمير المؤمنين البقعة بناها لما أراد بيعها لمن خشي أن تكون البقعة التي أقطعه إياها لم تستحق ملكها للمسلمين، وأن يكون لها رب يقوم فيها فيستحقها، أو لعله علم بذلك فقال
[281/6]
229/7] الكتاب ونسخه عقد التحبيس الواقع فيه, والتسجيل المنتسخ على ظهره, ووقفت على ذلك كله, والشهادة على خط الشهداء في التسجيل عاملة يثبت بها التحبيس لحفيدتيه ابنتي الوصي القئم به أن مقداما من ولد المحبس ولد بعد سكينة صحت الأملاك بالتحبيس لحفيدته ابنتي ابنه أحمد ووجب القضاء لهما بذلك, ولم يلزم الوصي ما دعا إليه العصبة من إثبات الموتات والوراثات إذا كانوا مقرين لهما بأنهما حفيدتا المحبس ابنتا ابن ابنه, وبأن الأملاك المذكورة صار إليهم ما بأيديهم منها على سبيل الميراث عن المحبس وادعى العصبة أن المحبس اكتسب بالقرى المذكورة أملاكا بعد التحبيس- كان عليهم أن يثبتوا ذلك فيستحقوا ميراثهم منها بعد الإثبات والحكم وإن لم يثبت القائم بالتحبيس أن مقدار ما ولد بعد سكينة وادعى العصبة أنه ولد قبلها حلفوا على ذلك وبقوا على حقهم في الأملاك بالوراثة وإن نكلوا عن اليمين على ذلك واستحقت الحبس, وإن كانت الصغيرة منهما لم تبلغ وقف حظها الواجب لها إلى أن تبلغ وتحلف وتأخذه والله ولي التوفيق برحمته. قال عبد الرحمن بن عتاب ومحمد بن رشد بن الحاج هذا التحبيس ورد من مالقة, وأول التحبيس أنه حبس قرية كذا على ابنته سكينة وعلى من يولد بعدها وعلى أعقابهم وأعقاب أعقابهم فتكون القرى الثلاث على أعقابهم وأعقاب أعقابهم, وإن كان لم يذكر في الأولى ولا في الثانية ذلك فهذا مراده ولو ذكر العقب في الأولى وأحال بعد ذلك عليه كان أحبس.
[بناء مسجد للإضرار بغيره يهدم]
وسئل ابن الحاج عن مسجد بني بقرب مسجد قصد الإضرار.
فأجاب: إذا بني مسجد بقرب مسجد للإضرار فالكلام في الآخر من المسجدين, كذلك في الرواية هذه اللفظة, والحكم يوجب هدم الآخر منها إن كان بني والمنع إن كان لم يبن والبقعة إن كان صاحبها قصد الإضرار
[
إثبات موجبه وإستحب سحنون أن يولي أحدا من الصبيان ضرب غيره عنه. سحنون: ولا يضرب وجها وات رأسا. وفي أحكام السوق لابن عمر عن أشهب في الذي يشتم الرجل يضرب على رأسه ولا يبطح أحد في الأدب ولا يوهن على من قال. وقد قدم لابن طالب في مجلسه غريم فأمر صاحبه أن يضربه بالدرة وقال اضرب الرأس فإن الصديق رضي الله عنه قال إنما يسكن إبليس في الرأس، فظاهر هذا الأدب في الرأس. قيل وشاهدت بعض معلمينا كذلك يقرعون(¬1) الصبي على رأسه بقضيب لكن على وجه لا يؤثر في عضو الصبي شيئا. وفي أحكام السوق أيضا: ويحبس الصغير على قدر جرمه. ومعناه إذا كان خارجا عن المؤدب: وعن محمد بن يزيد ابن خالد:
[ يحبس الصبيان عند آبائهم لا في السجن ]
قلت لحمديس: أخذت غلمانا مردا بطالين يفسدون بالدراهم فوضعت في أرجلهم القيد، فقال له حمديس حبسهم عند آبائهم لا في السجن، وصوب فعله. قيل وقد شاهدت بعض قضاة القيروان أخذ من هذه حالته وجز رؤسهم وكساهم خشين الثياب وأدبهم وتقدم إليهم ألا يتزينوا بزي النساء، وكذا سمعت عن بعض قضاة تونس أنه أخذ بعض قومة الفنادق وأدبه على وجه قطع به مفسدته.
وسئل سحنون هل يأخذ بقول الصبيان بعضهم على بعض.
فأجاب: لا أرى هذا من ناحية الحكم إذا استفاض عن جماعتهم أو كثر أداء بعضهم لبعض إلا أن يكونوا صبيانا عرفهم بالصدق ، فيقبل قولهم ويعاقب على ذلك، ويأمرهم بالكف عن الأذي، ويرد ما أخذ بعضهم لبعض. وليس هذا من ناحية القضاء. وقد أجيزت شهادة الصبيان في القتل والجراح، فكيف بهذا؟ وينبغي أن يتعاهدهم وينهاهم عن الربي فإن باع بعضهم كسرة بزبيب أو زبيبا برمان أو تفاحا بقتاء، فإن أدرك بأيديهم فكل
[258/8]
[259/8]
واختلف المتأخرون فيما اعتل السائل به لمالك فقال: مراد السائل أنها إذا كانت عربية فإنها تنسب للقبيلة التي هي منها وتشتهر بذلك حتى يندرس كون هذه الذي أعتقها يستحق ولاءها، وقال بعض الأشياخ: المراد أن الغالب وجود عاصب لها يرثها بالنسب، والنسب مقدم على الولاء لكون العربية تحتفظ على نسبها ويعلم أصلها بخلاف العجميات التي لا يعرف لهن جدود أسلاف، وقيل أيضا إنما مراد السائل أنه يعلم أنها لها عاصبا جهل أمره، فلا يرث بالولاء، ويتصدق بمالها كما يتصدق باللقطة التي جهل مالكها واعتقد السائل غلطا منه أن هذا هو الحكم، فرد عليه مالك غلطه وأخبره أن هذا ليس بعذر، إلى هذا أشار بعض المتأخرين، ولكن لو كان مراد السائل لوجب ذلك في العجميات أيضا لأنه لا يعرف أن العجمية لا بد لها من عاصب ولكنه مجهول أيضا وإن افترق الحال بكون العجمية لا يرجى العثور على عاصبها ويرجى ذلك في العربية.
[مسألة]
وسئل سيدي مصباح عن رجل توفي منذ سنين وقام الآن رجل يزعم أنه ولده ابن أمته، وأثبت رسما أن المتوفي أقر أنه ولده، وثبت ذلك من إقراره، فهل يجوز النسب بهذا الإقرار ويلحق به؟ أو حتى تشهد البينة بصحة تملك المقر لأم هذا المقر له، فإذا ثبت هذا كله فما الحكم في ذلك إذا ورثة الميت استظهروا برسم يتضمن أن والدتهم زوج المتوفي المقر المذكور أعتقت هذا المقر لها ووافق بعلها المشهود عليه على ذلك من فعلها.
فأجاب: أكرمكم الله تعالى لا يصح نسب الولد المستلحق المذكور إلا أن تشهد بينة أن أمه كانت فراشا لهذا المستلحق بملك أو نكاح، وأنها أتت به
[
فأجاب : إن كان المزكي أتى يزكي عند الحاكم فعليه أن يخبره بمن زكاه لعل المزكي بينه وبين المشهود عليه ما يسقط تزكيته عنده من عداوة أو ظنة ووجوه تجري وإن كان المزكي عدلا . وإن كان رسول الحاكم كشف فأتى بالكشف فمن أين يعرف الحاكم من زكى بأن هذا المشهود عليه بينه وبين المكشف ما يسقط كشفه عنه فيأتي به إلى الحاكم فيسمع منه فإن كان المشهود عليه يعلم أمر المكشف وإنما يخشى ممن سأله المكشف عنه فيومر المكشف أن يعيد السؤال ويسأل غير من سأله أولا ، فإن لم يجد من يعرفه بالعدالة غير الأولين فعليه أن يخبره بهم فينظر هل له فيهم منفعة ، فعلى الحاكم أن يجتهد وعلى المكشف أن يجتهد فيمن يسأل ، فقد يقع على من يزكي من لا تقبل تزكيته فيه ، وإن كان المسؤول عدلا بارزا للظنة(¬1) التي تدخل في التزكية وإن كانت لا تدخل في الشهادة وكذلك إن جرح فقد يكون المسؤول ممن لا يجوز تجريحه لهذا الشاهد لما يدخل أيضا في ذلك ، والتعديل [217/10] والتجريح أشد ما يقبل فيه شهادة الناس بعضهم لبعض ، ففي هذا ينبغي الحرص وبذل المجهود ، وبالله التوفيق .
[من عدله رجلان لا يجوز أن يجرح أحدهما مع غيره]
وسئل ابن رشد عن مسائل ، منها من عدله رجلان هل يجوز تجريحه لأحدهما مع غيره أم لا ؟
ومنها حاكم شهد عنده عدلان ثم إنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه فقال لا تحكم بها فإنها باطلة .
220/11] الشيخ الثاني عن الشيخ ثالث إلى مؤلفها فإن كثيرا من أجوبتها مطلقة. والمراد بها التقييد. وكثير منها على إطلاقه وفيها مسائل يظهر منها التناقض، فيعتقد الناظر أنها مجتمعه وهي متفرقة، لأن ذلك لاختلاف الأحوال، فكيف يصح له الفتوى منها ومن كتب غيرها إلا بعد المذاكرة في ذلك الكتاب على شيخ أخذها عن شيخ آخر في موضع آخر لأن العلم أولا كان في صدور الرجال ثم انتقل إلى جلود الضأن، ثم صارت مفاتحه في قلوب الرجال، فلا يتلقى العلم من الكتب على وجه، وما أراد مؤلفه إلا من صدور الرجال الذين أخذوه عن مؤلفه أو عمن أخذه ممن أخذه عنه إلى غير غاية على ترتب ونظام الأقرب فالأقرب.
[طلب العلم كطلب الكسب]
وأما سؤالكم عن طلب العلم لمن حصل فرض العين هل هو أفضل؟ أو اكتساب الحلال أفضل؟ وهو ان طالب العلم إنما يعيش من السؤال أو من الزكاة أو يجلس على الفتح من غير سؤال.
فالجواب: إن كانت فيه فضيلة الاجتهاد حتى يحصل له من ذلك درجة الاستنباط. فهذا واجب على الكفاية. وطلب الرزق واكتسابه لمن له قدرة على التكسب واجب أيضا، بل هو فرض عليه. والبداية بفرض عينه أوجب، لئلا يتعرض للسؤال من الزكاة ومن غيرها، لأن اشتغاله بطلب العلم يمنعه من الكسب، فيصير فقيرا مع قدرته على التكسب فقد ترك ما فضل من حيث يأخذ بالفقر بظاهر القرآن، ويمنع من الأخذ بظاهر السنة. لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي يعني قويا متكسبا. واختلف في معنى ذلك هل من له صنعه يتعيش منها أو يقع عليه وعلى من ليس بمتكسب في الحال، إلا أن له قدرة على تعلم صنعة ينشأ له عنها من المال ما يكفيه. وأما إن لم يكن له قدرة على الاكتساب، لأن به زمانة تمنعه من التحرف فهو فقير يحل له التحرف بظاهر القرآن والسنة وإن لم يتعلم والأولى بالقادر على التحرف والتكسب أن يبدأ بفرض عينه فيكتسب منه قدرا يقيم عليه لطلب العلم حتى ينفد،
[