الثاني على تقرير تسليم كون القصر معارضا لهذا القياس أن نقول: الفرق بينهما أن شأن الجمع أخف كما أشار إليه أبو الفرج, لأنه لا يكون إلا بين مشتركتي الوقت, فلا يلزم من اعتباره في ذلك المحل مقيسا عليه لخفة أمره بين مشتركتي الوقت اعتبار كون القصر مقيسا عليه فيه لكثرة التغيير, ولأن القصر لم يثبت في السنة إلا في السفر الطويل, والجمع ثبت في السنة في السفر وغيره, لما في الموطأ وغيره من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر جميعا والمغرب والعشاء جميعا في غير سفر ولا خوف. قال مالك أرى ذلك في مطر, ومثله في صحيح مسلم. وفي بعض طرق مسلم ولا مطر, وهو مما يبعد تأويل مالك. وأيضا ما ثبت من الجمع بين المغرب والعشاء للمطر ونحوه.
[209/1] [جواز الجمع في الحضر لغير عذر]
ومن هنا ذهب ابن سيرين إلى جواز الجمع في الحضر لغير عذر, وأشهب في أحد أقواله إلى جواز ذلك للحاجة والعذر ما لم يتخذ عادة, ونحوه لعبد المالك في الظهر والعصر. نقله عنه في الاكمال. فإذا جاز عند هؤلاء في الحضر مطلقا أو لعذر فكيف لا يجوز في السفر القصير لمثل ذلك؟ وهذا كله يدل على أن أمره أخف من القصر, فلا يلزم من القول بجوازه في السفر القصير القول بجواز القصر فيه لما ظهر من الفرق.
وسمعت أو بلغني عن شيخنا ابن عرفة رحمه الله, وأكبر ظني أني سمعت منه. كان بعض أشياخي وسماه ونسيته أنه إذا أراد أن يدخل الحمام جمع بين الظهر والعصر عند الزوال على ما حكى عن أشهب لتطول مدة إقامته فيه.
مطلقا أعطوه أو لم يعطوه، وفهم هذا الأقوال من كلام اللخمي إنما يلوح بعد تأمل، ويتبين ذلك بأن قوله وإن شرط لهم ذلك لم يجز راجعا إلى المسألتين قبله، وهما العنوية والصلحية التي فيها المسلمون، لأنه إذا لم يوف بذلك في الصلحية فالعنوية أحرى، فإذا تأملت هذه الأقوال علمت منها أن الإحداث في المختطة إذا لم يعطوه متفق على منعه، ولما عبر ابن عرفة بقوله: واختلف في إحداث الكنائس بأنه ما عرج عليه اللخمي، فلزمه التعب بمخالفة عبارة اللخمي، وعدم موافقته النقل، وحكاية اللخمي الخلاف على الوجه الذي ذكرناه صحيحة، إذ هي كذلك عند أئمة المذهب حسبما فهموه من المدونة والواضحة، غير ان كثيرا منهم لم يفرقوا في العنوية بين القديمة وغيرها على ما سنشير إليه بعد، وهو مقتضى ما تقدم عن عمر بن عبد العزيز وغيره.
ولا يقال: لعل ابن عرفة وقف على ما لم يكن اللخمي، لأنا نقول: لما أسند ابن عرفة نقله إلى نقل اللخمي سقطت هذه الدعوى والله الموفق.
[ إجماع أهل الشورى بقرطبة على منع إحداث الكنائس ببلاد الإسلام ]
وفي نوازل ابن سهل بعد مسائل نسب صدرها إلى أحكام ابن زياد، أن رجلا قام على أهل الذمة في شنوغة لهم أثبت أنها محدثة، *فسئل عن ذلك أهل الشورى بقرطبة،
=فأجابوا: بما هذا نصه: فهمنا وفقك الله الشهادات الواقعة في أن الشنوغة محدثة، فرأينا شهادات توجب هدمها بعد الأعذار إلى أهلها، وليس في شرائع الإسلام إحداث أهل الذمة من اليهود والنصارى كنائس ولا شنوغات في مدائن الإسلام ولا بين ظهرانيهم، قال عبيد الله بن يحيى، ومحمد بن لبابة وابن غالب، وابن لبيد، وسعد بن معاذ، ويحيى بن عيد العزيز، وأيوب بن سليمان، وسعيد بن جبير. انتهى
ومقتضى كلام الأستاذ سقوط الأقوى للأضعف وهو خف الأصول ، وهو مقتض أيضا لسقوط النفقة من المال والذمة ، فلا يبقى للمنفقة اتباع بها ، فإن كان تعلقها بالمال ففيه نظر ، وإن كان تعلقها بالذمة فهو مخالف لما تقرر من أن المدين إذا فوت ماله بالهبة ورضي غرماؤه فعله ، فإن دينهم لا يسقط عنه ويبقى في ذمته ، ولا تشبه هذه المسألة مسألة الرجل ينفق على بنته الموسرة التي في حجره ، ويشهد بما استقر لها بيده من الغلات ثم يموت فيريد عاصبه أن يحاسبها بنفقته عليها حياته ، ولا مسألة الوصي يشهد في مرضه أن لمحجورته عليه كذا ولا يذكر نفقته عليها ، ثم يموت فيطلبها ورثته بها ، فلا شيء على البنت ولا على المحجورة من النفقة ؛ لأن الاشهاد بها للبنت بيد أبيها ، وبما للمحجورة قبل وصيها من غير ذلك للنفقة دليل قوي على إسقاطها مع قرينة حنو الآباء وإرادة غناء أبنائهم ، وقرينة مرض الوصي والشأن في المرض ، ذكر المريض ماله ، وعليه فلو كان له على يتيمة نفقة باقية لذكرها ، والمسألة خالية من جميع هذه القرائن بالنسبة إلى زوج المرأة ، وليس فيها بالنسبة إلى الأم إلا قرينة الحنو ، وليست بعلة مستقلة بالاسقاط ، لما تقرر في فروع المذهب من أن للأب طلب ما أنفقه على ولده الصغير الموسر من ماله الذي كان يملكه وقت إنفاقه عليه ، ولا يقال إن سكوت الأم وزوجها عن ذكر النفقة حين العقد يسقطها بناء على أحد القولين في عد السكوت ورضى ؛ لأنه فيما يقع فيه على الساكت افتيات بتفويت شيء عليه كان له ، أة بإلزامه ما لم يكن لازما لهن والمسألة خالية من هذا المعنى ، ولا يكون في مسألتي الأب والوصي المتقمين تعلق لمن يرى أن الناحل المنفق يسقط غلة نفقته إن لم يذكرها عندها ، بجامع عمارة الذمة والسكوت عن النفقة . والله ولي التوفيق بمنه .
أنه قد قيل من اختلع له على الطلاق فطلق ثلاثا فهو اضرار، وفي رجوع المطلقة عليه بالصداق بطلاقها ثلاثا قولان،وحكم بهذا ما ذكر بقرب الحكم بالرجوع،ولا يعترض على من حكم به إن شاء الله.
ومع ما ذكر فإن شهد شهود ولو من غير عدول بالضرر معاينة أو سماعا فالرجوع في الخلع ثابت، فكانت هذه المسألة فيحكم هذا الرجل البائس كما استشهد شيخ شيوخنا المفتي المحدث الحجة أبو عبد اله الحفار،رحمه الله، في مسألة تركبت فيها أحوال بقوله تعالى: ﴿ظلمات بعضها فوق بعض﴾، وصدق رحمه الله، وكذلك هذه. وأقول إن ثبت جميع ما ذكر فحسن، وإلا فواحد مما ذكر كاف كالحنث قبل الطلاق أو بعده، ونفذ الحكم أيها السائل، أرشدك الله وكان لي ولك، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، من كاتبه أبي عمر ابن منظور.
[لا يحنث الإنسان في طلاق الحنث إلا مرة تنحل يمينه]
وسئل السيد أبو عبد الله المواق عن رجل وقع بينه وبين أخيه كلام فحلف باليمين تلزمه أن لا يدخل دار أخيه مدة من عام، ثم إنه دخل دار أخيه قبل تمام العام، فطلق زوجته وراجعها. فهل يدخل دار أخيه بعد مراجعة زوجته قبل تمام العام الذي حلف عليه أم لا؟
فأجاب: الطلاق طلاق الحنث لأن هذا قول العلماء لا يحنث الإنسان إلا مرة وتنحل يمينه، فللرجل المذكور مراجعة زوجته.
وسئل عن امرأة طلبت لجارتها حوائج تحضر بها في العرس فضاع منها بعضها، فخرج زوجها من أجل ذلك وقال لها إن لبست بعد هذا حاجة غير متاعك فأنت علي حرام فبينوا لنا ذلك.
فأجاب: إن لبست المسؤول عنها حاجة غير متاعها بانت من زوجها بالفور.
[232/4]
[233/4]
[من حلف بالأيمان كلها دون أن يذكر اللزوم. فتلزمه ثلاث كفارات أيمان إن حنث]
وسئل عمن حلف بالأيمان كله ولم يذكر في يمينه لازمة أن لا تدخل زوجه موضعا، فهل يجب عليه شيء بهذه اليمين إن دخلت ذلك الموضع الذي عينه؟ أو لا يجب عليه طلاق؟ لكونه لم يلزمه لنفسه، وإنما قال الأيمان كلها خاصة بهذا اللفظ.
والارتفاق في رفع مؤن الاشتغال أو شبه ذلك لأن جمعه تسهيل وتيسير وتعاون لا يقصد بمثله قصد الربا ولا المزابنة ولا غير ذلك من الممنوعات، فصح أن يغتفر الغرر اليسير أو الربا اليسير، وله نظائر في الشرع كبيع العارية بخرصها تمرا أورد القيراط على الدرهم في البيع إلا أن لطالب الرخصة في مسألة اللبن هنا مدخلا لأن لكثير من الناس الحاجة في الخلط المذكور ولا سيما لمن كان له اليسير من اللبن الذي لا يخرج منه جبن على أصل انفراده ولا على وجه الانتفاع به في بيع أو غيره إلا بحرج إن خرج وأيضا فإن العادة في الرعاة أن يذهبوا بكثير من مواشي الناس إلى المواضع البعيدة طلبا للمراعي ولو كلفوا عند الحلب أن يحلبو لكل واحد ممن له في الماشية شيء لم يمكنهم فضلا عن أن يعقدوا له جبنه على حدة فصار الحرج فيه على أصحاب الماشية والرعاة أشد مما تقدم في مال اليتيم فاقتضى هذا الأصل جواز مسألة خلط الألبان بذلك القصد بل قد يدعي أن هذه الصورة في اليتيم داخله تحت قوله تعالى ﴿إن تخالطوهم فإخوانكم﴾ إذ من صور (المخالطة هنا أن تكون لليتيم ماشية قليلة لو كلف كافله عزل لبنه عن لبنها وجبتها عن جنبه لدخل الحرج ولا حرج في الدين قال الله تعالى ﴿ولو شاء الله لأعنتكم﴾ (¬1)
فأجاب: الثمرة لمشتري الشجرة. ابن رشد. قوله حتى أثمرت يريد حتى صار لها ثمرة والمعنى فيها أنه اشتراها ولا ثمرة فيها أصلا أو فيها ثمرة إلا أنها لم تبلغ حد الإبار وهو في الزيتون، وشبهه اللقاح، فلم يقطعها المشتري حتى ألقحت عنده وبلغت بعد اللقاح مبلغا ينتفع بها بعد قطع الأصل. وأما لو اشترى الزيتونة بعد أن ألقحت ثمرته على أن يقطعها فتوانى حتى طابت ثمرتها، لكانت الثمرة للبائع باتفاق.
وفي قوله: إن الثمرة لمشتري الشجرة، دليل على أن قطعها على المشتري، إذ لو كان قطعها على البائع، لكان الضمان منه ولكانت الثمرة له، وذلك معارض لما مضى في رسم سلف من سماع ابن القاسم في مسألة الضأن يباع صوفها. وقد مضى فيها من القول علهيا هناك فيه كفاية وشفاء لمن تأمله.
وإذا كانت الثمرة لمشتري الشجرة، فيكون عليه للبائع أجر قيامه عليها إن كان يسقيها ولم يكن المطر يسقيها. قاله ابن القاسم في رواية ابن أبي جعفر عنه ويكون له عليه كراء موضعه من الأرض إن كان غائبا باتفاق، وإن كان حاضرا على اختلاف إذ قد قال: إنه يحلف إن كان حاضرا ويكون له الكراء، وهو قول عيسى بن دينار في رسم القطعان من سماعه من كتاب الشركة وهو أصل قد اختلف فيه قول ابن القاسم.
وقال ابن عبدوس: إن كان البائع اشترط الأغصان فالثمرة له، وإن لم
[280/6]
وسئل ابن الحاج عن رجل حبس حبسا على حفيده مناني (كذا) ابن ابنه, وتوفي مناني الحفيد المحبس عليه وترك ابنة واحدة, وخلف أيضا حفيدتين من ابنه عن ثقة (كذا) اسم الواحدة حرمة والثانية أمة الرحمن, ثم توفيت البنت منها عن إبراهيم ومحمد, ثم توفيت حرمة وخلفت ابنها أبا القاسم وابنتها ليلى, وتوفيت أيضا أمة الرحمان, وخلفت ابنتها أسماء. افتنا كيف ينقسم على الورثة هذا الحبس موفقا لذلك وأجورا ومشكورا إن شاء الله تعالى.
فأجاب: الذي وقعت به الفتيا ونفذ بالحكم أن الحبس بموت الرجل انتقل إلى إبراهيم ومحمد لأنهما أقرب إلى المحبس عليه مناني إن شاء الله.
[الشهادة على خط الشهداء- في التسجيل- يثبت بها التحبيس]
وسئل سيدي أبو القاسم عبد الرحمان بن محمد بن عتاب رحمه الله عن مسألة من الحبس.
فأجاب بما نصه: تصفحت سؤالك هذا الواقع فوق هذا في هذا
[
قال ابن عرفة ومنع القابسي الزجر بيا قرد، والصواب فعل بعضهم لذلك، وقد أجازوه للقاضي لمن يستحقه مع قدرته على ضربه. وكذا كان بعض شيوخنا يزجر به في مجلس إقرائه من يستحق الزجر لتعذره بالضرب ونقلوه عن بعض شيوخهم وسمعنا منهم في ذلك عن شيوخهم مقالات. فممن نقل لنا عنه شيء الشيخ الفقيه العدل الخطيب أبو محمد بن جني، والشيخ النجوي المشهور بالزندوى، وكان يصدر كثيرا من شيخنا أبي عبد الله بن الحباب، وقليلا من شيخنا أبي عبد الله ابن عبد السلام. وفائدة ذلك واضحة لمن أنصف، لأنها تكسب تثبت الطالب فيما يريد أن يقوله من بحث أو نقل. وقد والله سمعت شيخنا ابن عبد السلام زجر بعض أهل مجلسنا في مدرسة الشماعينن في قول قاله: ما يقول هذا مسلم! وكان هذا المقول له حينئذ متصفا بعدالة الشهود المنتصفين للشهادة وخطة القضاء بالبلاد المعتبرة، ولم يترك لذلك مجلسه إلى أن توفي رحمهما الله. والأعمال بالنيات. قيل لعله تغايى بهذا اللفظ ولم يرد ظاهره، ولهذا لم يظهر أنه عزله ولا أزاله عن خطته، كقول عمر في بعض القضايا لو تقدمت فيه لزحمت. وكذا شاهدت من شيخنا الإمام رحمة الله يزجر بعض الطلبة بنحو هذا، وبثور، وحمار، وأذهان البقر، ونحو ذلك. ولا يزال بعض الطلبة يضطر الشيخ ويحرجه حتى يظهر منه هذا وأمثاله ويأمر بإخراجه من الدرس، كما يجرى لابن اللبان مع أبي ميمون، ومن بعض الطلبة في بصق بعضهم في وجه بعض ، وهذا لا يؤاخذ به لشدة الحرج ولا ينبغي الاقتداء به في مثل هذا، إذ هذا خارج عن جميع الأدب، لكن إن وقع بسبب استشاطة غير المذهب، والله يعفو يرحم بمنه وكرمه.
[ من اتصف من المتعلمين بالأذى واللعب والهروب ]
القابسي ومن اتصف من الصبيان بأذى أو لعب أو هروب من الكتاب استشار وليه في قدر ما يرى من الزيادة في ضربه قدر ما يطيق، ابن عرفة أما في الاذاية فلا يستشيره لأنه حق عليه ويتعذر طلبه به عند غير المعلم لتعسر
[257/8]
[258/8]
فأجاب: هذا الولد نسيب إلى قريش، كأنه ما مسه الرق قط، واحتج بما في المدونة أن مالكا سئل عن رجل اشترى أمة ليتخذها أم ولد، فوجدها عربية، فأراد ردها، واعتل بأنه إذا أعتقها جر للعرب ولاءها، ولم يكن ولاؤه لولده، فلم ير لها مالك هذا يوجب الرد، ولم يعذره به، فأشار هذا إلى أنه لا يكون للمعتق ولاء إذا كان المعتق عربيا، فإن هذا قد صرح به بعض الأندلسيين وقال: مالك وأصحابه مجمعون على أن من أعتق عربيا فإنه لا ولاء له بعتقه، إلا أشهب فإنه قال: الولاء للمعتق اتباعا لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: ((الولاء لمن أعتق)) ولم يفرق كون المعتق عربيا أو عجميا، وذكر ابن شفاعة أن فقهاء الأمصار مجمعون على أن الولاء للمعتق، وأن أهل العلم كاتب بعضهم بعضا رد (كذا) سبى زيد بن حارث واشترته خديجة ووهبته للنبي صلى الله عليه وسلم فأعتقه، فكان ولاؤه له صلى الله عليه وسلم، وسبت الروم صهيب بن سنان فاشتراه أبوبكر، رضي الله عنه، فأعتقه، وكان ولاؤه له.
[241/9] قال المازري: الذي ذكرنا من الخلاف يقتضى ظاهر الشرع كون الولاء للمعتق عربيا، ولا معنى لهذه التفرقة بين كونه عربيا أو عجميا إلا أن يقال لا بد للعربي من عاصب يعلم، فلا ينبغي أن يصير عن هذا بأن يقال لا ولاء للمعتق على الإطلاق، لأن هذا يوهم بكون العتق لا يوجب ولاء إنما ينقطع الولاء هنا لوجود سبب، وهو مقدم في الشرع عليه.
وأما صاحب هذه المسألة فقد أقر أنه إنما شهد بما لم يعلم وإنما شهد على ما قال ابنه ، هذا بعيد وأشد من الذي عرف خط نفسه ولم يذكر الشهادة ، فهذه شهادة لا تنفع ، فكيف شهادة هذا الذي قد بين عن نفسه . وقوله لو سألني القاضي عن هذا لعرفته حجة عليه ، بل كان عليه هو أن يعرف بذلك القاضي ، ولا يحل أن يمسك عن ذكر بعض ما في الشهادة ويعتذر بأنه [216/10] لم يسأل عنه ، إنما قد يكون العذر لبعض من يقول قد نسيت أن أذكر وجه كذا . وأما من يمسك عن شيء وهو ذاكر له فلا يعذر بجهله فكان الواجب عليه أن يسأل العلماء قبل أداء هذه الشهادة عن هذه الشهادة حتى يعلم ما يلزمه أداؤه منها مما لا يلزمها ، وهذه الشهادة وما أشبهها إذا وقعت من رجل على هذه الحال عند القاضي ينبغي لذلك القاضي أن يقف عن قبول شهادة هذا الشاهد فيما يستقبل ولا ينفذ بها حكم لم ينفذه قبل ظهور هذه الحال عليه ، لأنه قد بين علم نفسه أنه لا يحتفظ بشهادة وبالله التوفيق .
[هل للمشهود عليه أن يسأل القاضي عن المزكين ليطعن فيهم ؟]
وسئل عن البينة تزكى عند الحاكم هل للمشهود عليه أن يسأل عن المزكين لعل له فيهم منفعة ؟ وهل للحاكم أن يمتنع من إخباره بالذين زكاهم إذا زكوا عنده في السر إذا ادعى المشهود عليه أن له في المزكين منفعة .
وأما سؤالك على استفتاء من يحفظ بعض المسائل المنقولة من كتب المصنفين للفروع. مثل الكتب التي ذكرتم. فالجواب أن القاضي أبا الوليد بن رشد سئل عن هذه المسألة بعينها فقيل له أرأيت الطالب يحفظ المدونة حفظا هل له أن يفتي منها بما حفظ فيها وليس له شئ من موارد الاجتهاد إلا حفظ الأسئلة والجواب عنها؟ فقال في الجواب إن كان قد قرأها على شيخ فليفعل. وقال في موضع آخر من الأجوبة المقيدة عنه من خطه: يعني إن أخذها عن شيخ بأن يذكر الجواب عن السؤال بعد معرفته بأن السؤال الذي سئل عنه مطابق للسؤال الواقع في المدونة وبذكر الجواب كما ذكره مؤلف المدونة كان ذلك قول واحد أو قولين(¬1) فأكثر وليس له أن يحمل المستفتي على قول بعينه. ولا يجوز الحمل إلا من الفقيه الذي له علم بالصحيح من الفاسد. وإن حمله المقلد على قول بعينه فلعله هو الفاسد عند الله. هذا نص قوله.
وذكر صاحب الاستظهار: إن المقلد في ذلك بمنزلة أمين عنده وصايا لأقوام شتى. فكان من جاء لأمانته، وعرف أنها أمانته أعطاه إياها، ولا يصح منه العلم بأن الجواب للسائل، إلا بعد معرفته لصورة السؤال أنه مثل السؤال الأول أو أحرى منه. ولا يعرف المماثلة بين المنصوب في المدونة وسؤال السائل، إلا بأن يكون أخذ المدونة عن الشيخ أخذها عن شيخ آخر أخذها
[