تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

208/1] بعض ما ذكر من المخصصات لكونه طرديا, فكان فعله صلى الله عليه وسلم ذلك ذليلا على جواز الجمع في كل مكان, وجواز القصر كذلك, لكن دلت أدلة على تخصص القصر بالسفر الطويل في غير ذينك الموضعين كما هو عند كثير من القائلين باشتراط الطول في القصر, بقي الجمع على الأصل من دلالته على الجواز مطلقا. وهذا طريق السلف رضي الله عنهم في الاستدلال على جواز الجمع بهذا الجمع المذكور. إما في كل حال كما هو رأى أشهب في بعض أقواله, أو في السفر مطلقا كما ذكر عبد الوهاب أو فيه بشرط الطول كقول الشافعي ولم يذهب إلى عدم القياس على هذا الجمع إلا أبا حنيفة(¬1) فإنه خصص الجمع بهذا المحل. وفي مذهب الشافعي ضعف, لنه إن كان يرى جواز القياس على الرخص فلا وجه لتخصيصه الطويل دون القصير, لفقد وجود ما اعتبر جامعا, وإن كان الطويل من مقياس أحرى. وإن كان لا يرى القياس على الرخص استوى الطويل والقصير في امتناع قياس الجمع فيهما على هذا الجمع لأنه رخصة. ولما كان الخلاف في مذهب مالك متقررا في جواز القياس على الرخص وجد في المذهب القولان في اختلاف كلام القاضيين.

واختصر ابن عرفة كلام اللخمي بما يوهم إطلاق الخلاف في الإحداث حتى فيما اختطه المسلمون إن لم يعطوا ذلك، وليس ذلك من كلام اللخمي بوجه، وكل من نقل كلام اللخمي من المتأخرين نقله على الصواب، ولم يذكروا الخلاف إن لم يعطوا ذلك إلا في العنوية، ومراد اللخمي بقوله: واختلف في الكنائس ذكر الخلاف على الجملة، لأن ما اختطه المسلمون تارة، لا يكون فيه إعطاؤهم ذلك، وتارة يعطونه، وبلد العنوة تارة تكون فيها كنائس قديمة، وتارة لا تكون، وفي كل منهما تارة لا يعطون الإحداث، وتارة لا يعطونه، وكلامه شامل لها كلها، إذ هو معنى المدونة عنده، وموضوع الكلام عنده النظر في إبقاء القديمة في الإحداث وفي التمكين إذا أعطوا، ولذلك عبر بقوله: واختلف في الكنائس ولم يقل في إحداث الكنائس، ولشمول عبارته المعاني الثلاث، فذكر في الجميع ثلاثة أقوال، وهي مأخوذة مما في المدونة والواضحة.

الأول: قول ابن القاسم: أن تترك القديمة في العنوية، ويمنع الإحداث في المختطة والعنوية إلا مع الإعطاء.

والثاني: قول غيره، وهو مثله إلا أن يشترط في الإحداث في العنوية الإعطاء.

والثالث: لعبد المالك تهدم القديمة، ويمنع الإحداث في المختطة والعنوية.

[245/2]

[246/2]

*وسئل : بعض المفتين عن رجل له ابنة صغيرة في حجره لها أصل مال صار لها من ميراثها في أمها ، فلما زوجها ودخل بها زوجها زعم أنه باع حظها من الأصل وابتاع لهابه شورة وجهزها بها ، وأنه يعدي عليها نفقتها وكسوتها من يوم موت أمها إلى يوم دخول زوجها بها ، هل يجوز له ذلك وكان للأصل قدر كبير من الغلة ؟ فقال ينظر إلى ما استغل الأب من المال وإلى ما أنفق ويحاسب الابنة ، فمن بقي له على صاحبه شيء رجع به ، ونصه كما ترى وظاهره رجوع الأب فيما جهز به ابنته ، ولم يعتبر تعلق حق زوجها به ، ونقل عن المشاور في رجل تزوج امرأة لها أولاد وهم مع أمهم على مائدته ، طلبهم بالنفقة بعد بلوغهم فقالوا لم نأكل طعامك ، فأقام البينة أنهم كانوا على مائدته ، ولا يعلم الانفاق من أين كان ، أن القول قوله مع يمينه ويرجع في الغلات ، فإم لم تف ففي الصول ، وظاهره مطلق الرجوع ما لم يقع إسقاط ، وأما النظر فإن الزوج تعلق له حق ، والمنفق تعلق له حق ، وكلاهما متعلق بالمال إن كانت النفقة على صغيرة ، وأن كانت على كبيرة فحق الزوج إنما هو في إبقاء زوجه موسرة غنية ، ولهذا يحجر عليها التبرع في أكثر من ثلث مالها ، ولا يحجر عليها إن تصرفت فيه بالعوض ، وليس له إلى أخذ مالها لنفسه سبيل ، إلا إن طابت نفسها به ، والمنفق عليها يقضي له بأخذ ماله في نفقته ويضرب بها مع غرمائه فيه ، فحقه أقوى من حق الزوج ، وقد حصل الناس من مسائل الشرع أنه إذا ازدحم حقان على المال ، أن أقواهما مقدم على الآخر ، من ذلك المرأة تنفق على نفسها وعلى أولاد زوجها في يسره من مالها ، ثم يفلس ، فإنها تضرب مع غرمائه بنفقتها دون ما أنفقت على أولاده ؛ لأن نفقتها على نفسها وجبت على عوض ،[213/3]بخلاف نفقة الأولاد فكانت أضعف ، ومن ذلك الرجل يقر في مرضه بدين مستغرق لمن لا يتهم عليه ، وزكاة فرط فيها لا مدخل للزكاة مع الدين لوجوبها على غير عوض ، إلى غير ذلك من النظائر .

وسئل عن رجل متزوج وله أخ، كان الأخ قد فارق زوجته ثم أراد مراجتعها، فحلف هذا الرجل المسؤول في أمره بجميع الأيمان تلزمه باللازمة إن رد أخوه زوجته ويقدر عليه فإنه يقتله، وثم من ادعى أنه حلف على الإطلاق دون تقييد إن رد زوجته فإنه يقتله، ثم أن أخا الحالف رد زوجته وهو معه في موضع واحد بحيث أن يقدر على ما يريد منه. فهل يحنث هذا الرجل أم لا؟ وهل إن ثبت عليه نص اليمين دون تقييد بقدرته هل يحنث أم لا؟ فانظروا سيدي هذه اليمين على كلا الوجهين هل يحنث أم لا؟ ثم إن هذا الرجل الحالف بعد وقوع يمينه هذه واجتماعه بأخيه في موضع واحد طلبت منه زوجته الطلاق فأبى، فاختلعت له بجميع ما لها قبله في صداقها وفي غيره! والتزمت أن تدفع له مع ذلك عددا معلوما من الدنانير الجديدة الحسنية، وعلى ذلك أوقع عليها طلقة واحدة، جمع لها فيها الثلاث، فهل يا سيدي أبقاكم الله يثبت الخلع مع وقوع الثلاث أم لا؟ وهل إن حنث في يمينه المذكورة يكون قد لزمه الطلاق بالحنث قبل وقوع الخلع، فهل ترجع عليه بذلك أم لا؟ لكون الخلع وقع بعد ما لزمه الطلاق بالحنث، ومع هذا فإن هذا الحالف المذكور قد يمكن أن تثبت المرأة أنه كان يضربها بالسماع الفاشي، فإن ثبت لها الضرر بالبينة أو بالسماع، هل ترجع في الخلع أم لا؟ ومع هذا أبقاكم الله فإنه بعد وقوع اليمين واجتماعه بأخيه دخل داره وخلا بزوجته، فتدبروا أبقاكم الله هذه النازلة.

فأجاب: تأملت السؤال بمحوله، والجواب بحول الله تعالى أن الخلع لم يصادف محلا، لأن الرجل حلف باللازمة على أمر حنث فيه، ووقع الطلاق بعد الحنث، فقد كانت المرأة استحقت الصداق، وقلنا بالحنث إما على حلفه دون شرط بين،وإما على شرط القدرة بكونه كان مع أخيه في موضع واحد ولم يفعل فكذلك ولو أن اليمين على قتل لا يمكن من ذلك ويحنث، فظهر صحة القول بالحنث قبل الطلاق، ووجب الصداق. ويقوى هذا مع ما ذكر

[231/4]

[232/4]

فأجاب: أما المسألة مخالطة بعضهم لبعض في اللبن لاستخراج جبنه فلا أعرف فيه لأحد نصا، والأصول تدل على منع ذلك لأن الألبان تختلف في مقدار ما يخرج منها من الجبن كما تختلف في مقدارها ما يخرج منها من الزبد والسمن فإذا خلطوا ألبانهم على أجزاء معلومة لم يكن الخارج منها من الجبن على تلك النسبة لكل واحد بل على اختلاف النسبة أو بجهل التساوي في النسبة فصار كل واحد يزابن صاحبه والمزابنة منهي عنها بخلاف مسألة اشتراك المعارف والأقارب في العجين والأدام ونحوها ثم يأكلونه جميعا أو يقتسمونه من غير مشاحة بينهم فإن ذلك مما أجازه أهل المذهب، لكني لا أعرف الآن موضعه من كتبهم، وأصله من النقل قوله تعالى في مال اليتيم ﴿إن تخالطوهم فإخوانكم﴾(¬1) فإن العلماء فسروا المخالطة هنا بأنها ليست بشركة من أهل المال، وإنما هي كنحو ما يتعاشر الناس في السفر والحضر فيأكلونه جميعا من طعام هذا وطعام هذا، فيكون لليتيم الطعام ولكافله مثله، فيجعلونه في بيوتهم يقتاتونه، فلما جاء الشديد في مال اليتيم لم يأمنوا أن يكون أكلهم من طعام اليتيم أكثر مما يأكله اليتيم من طعامهم فسهل عليهم إذا لم يقصدوا الإفساد لأن في عزل الطعام مال اليتيم وجميع ما يحتاج إليه من طعام الكافل حرحا، والشرع قد جاء بالتسهيل، فأجاز العلماء مثل ذلك في طعام الرفقاء والأقارب والجيران إذا اجتمعوا وجمعوا أطعمتهم لعجن أو طبخ أو غيرهما بقصد الإعانة

[216/5]

قال مالك في أول رسم من سماع أشهب من كتاب السلطان. وليس ذلك من الغش، إنما الغش ما يطرح في ذلك من الماء بعد ذلك، ليكثر به وما ما يصلح به فلا بأس به.

وقال سحنون في سماع أشهب من كتاب السلطان في مسألة الخ: قول مالك ها هنا قياسا على قوله في مسألة اللبن.

[يضمن المشتري ما سقط من السلعة في البحر عند نقل -النواتية- لها للبر]

وسئل ابن القاسم عن النواتية الذين يحملون التلاليس إلى البر فتسقط منهم في البحر.

فأجاب بأن ضمانها من المشتري. ابن رشد: هذا بين على ما قال لا إشكال فيه، لأنه إذا اشترى المبتاع في المركب، فسقط في البحر في إخراجه من المركب، فضمانه من المشتري لأنه إنما يخرج من المركب على ملكه. ولو اشتراه وشرط على البائع أنه ضامن لما يصيبه في إخراجه من البحر، لكان البيع فاسدا. لأنه اشترى شيئا بيعته، على أن البائع ضامن لما أصابه فصار مبتاعا لضمان.

وقد قال ابن القاسم في الذي يبيع الجارية أو العبد على أن عليه جوازه من الماكس. قال: لا يعجبني ذلك لأنه لا يدري كم يغرم في ذلك. قال: وجميع الأشياء لا تجتاز من الماكس إلا بغرم كذلك لا خير في ذلك. وإن قبض ذلك وكان ضمانه منه فلا خير في ذلك، وليس ذلك بمنزلة الذي يشتري الطعام بعينه ويستوفيه ويكون ضمانه فيه منه إلا أن عليه حملانه فلا

[279/6]

بأس به. وهذا ليس فيه وإنما عليه حملانه بأي الوجوه شاء، إن شاء على سفينته وإن شاء على دابة أو كيف شاء وبالله تعالى التوفيق.

[من اشترى زيتونة ليقطع أعوادها فتوانى في القطع حتى أثمرت فالثمر للمشتري]

وسئل عمن اشترى زيتونة على أن يقطعها فتوانى في قطعها حتى أثمرت لمن تكون الثمرة؟

وسئل ابن عرفة عن رجل حبس على زاوية أرضا ليس فيها كبير فائدة فقام بالجزاء عليها من المخزن, فقال المقدم على الزاوية: إنما قبلتها على أنها حرة, فأجاب بأنه يقبل ذلك منه وله ردها, وجرى لبعض طلبته في تحبيس على مسجد كان يؤم فيه ليس له كبير منفعة, فاستشاره في بيعه وإختلاف غيره مكانه لأجل ما عليه من الجزاء, فقال له: رده اهون عليك من هذا, فرده على ربه وأبى القاضي من تنفيذه له, ثم بعد زمان خرب وانتهب بعض انقاضه, فلما خشي اتلافه انتقل حوانيت على صورة, ثم هون إليه في سراحه من المخزن وهو الآن يستغله إمام المسجد وينتفع به, ومن هذا المعنى ما سئل عنه أيضا وهو أن رجلا أوصى بثلث ماله لفقراء جامع الزيتونة, فظهر في ماله أرض عليها الجزاء, ولا منفعة فيها فأبى الموصي لهم من قبولها.

فأجاب: إن كان في الثلث غيرها وأخذوه كان مقدار النصيب من الأرض لهم, وعليهم جزاؤه وإن كان ما ترك غيرها لم يأخذوه ولهم أن لا يقبلوها وترد الوصية للغرر.

[كتب محبسة على خزانة جامع غرناطة على ألا تقرأ إلا فيها]

وسئل الشيخ المفتي باحضره غرناطة أبو القاسم ابن سراج رحمه الله, عن كتب محبسة في خزانة جامع الأعظم, فاشترط المحبس فيها ألا تقرأ إلا في الخزانة المذكورة, وان لا تخرج منها, ومنها ما اشترط أن يخرج لكن

[228/7] بعد وضع رهن أو ثقة, فهل يجوز أن يتعدى ما اشترط في الحبس فيأثم المتعدي بسبب ذلك أم لا؟

فأجاب: لا يجوز أن يتعدى شرط المحبس لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه, لأن الانتفاع بالحبس على ذمة المحبس.

وسئل أيضا عن حبس حبس على مقرىء العلم وقارىء الحديث هل يجوز أن يخص مقرىء العلم نفسه بفائد الحبس ولا يعطي منه لقارىء الحديث شيئا أم لا؟

فأجاب لا يجوز ان يخص بالحبس أحد الصنفين إلا أن يكون في عقد الحبس دليل على ذلك والسلام على من يقف عليه من محمد بن سراج وفقه الله.

[ينقل الحبس إلى أقرب الناس إلى المحبس]

فأجاب: في الصبيان القوي والضعيف، فيضرب كلا على قدر طاقته وجرمه، فليس الإجرام منهم سواء. وأما الختم فإن كان العرف جرى بها فلا يحكم له إلا بختمة البقرة، وإن كان عرفهم تحلية الصبيان في هدية الغائب والمولود فلا بأس بذلك، ويكره له الإرسال في مثل هذا يستجيز في ذلك من أهله شيئا يأخذه. القابسي عليه أن يزجر المتجادل في ضبطه أو صفة كتبه بالوعيد والتقريع لا بالشتم، كقول بعض المعلين للصبي يا قرد! فإن لم يفد القول انتقل إلى الضرب، والضرب بالسوط من واحد إلى ثلاثة ضرب إيلام فقط دون تأثير في العضو، فلو لم يفد زاد إلى عشر. ابن عرفة ضرب معلمنا صبيا بالسوط في رجله لتكرر قلة حفظه فحدث برجله من ضربة قرحة صارت ناصورا لا شك في موته به.

[ يضرب من عظم جرمه من الصبيان بالعصا في رجليه ]

قيل : وكان أبو محمد الشبلي قد علم القرآن ضرب ولدا أعاب أصبعه. القابسي ومن ناهز الحلم وغلظ حلقه ولم تزعه العشرة فلا بأس بالزيادة. وعن الرماح: الصواب اعتبار حال الصبيان. ابن عرفة وشاهدت غير واحد من معلمينا الصلحاء يضرب الصبي نحو العشرين أو أزيد، وكان معلمنا يضرب من عظم جرمه بالعصا في سطح رجليه من أسفل العشرين وأكثر، وأخبر في مجلسه أنه كان معه ولد يقرأ فكان المؤدب يضربه كثيرا ولا تسيل له دمعة، وأجرم مرة في كوة تحت دكان المؤدب فلما قام المؤدب وجلس تناول عقبه بكرمه وعزم ألا يرسله حتى يعطيه لوحه ولا يضربه، ففعل ذلك وضربه. وبعدما كبر فعل من السرقة ما أدى إلى ضرب عنقه، ونعوذ بالله من الخذلان.

[256/8]

[257/8]

[ منع زجر المتعلمين بالسب القبيح ]

240/9] يستوجب نفي العذاب في الآخرة، وأما بعد تقرر الملك وتقدمه فلا ملازمة بينهما، لأن موجب الرق مقارنة الكفر له، فيستمر بعد إزالته عملا بالاستصحاب زجرا عنه، وليس كذلك نفي العذاب عنه في الآخرة، فإن موجبه الكفر، وقد ارتفع فيرتفع موجبه لقوله: ﴿قل للذين كفروا﴾ الآية، وقوله عليه السلام: ((الإسلام يجب ما قبله)) وإضافتكم لأهل العلم لأن الرق كفر لا أعرفه من عبارتهم، إنما المعروف الشائع من عبارتهم أن الرق أثر كفر لا كفر كما حكيتم عنهم، وعلى صحة وجدانه لهم كذلك فهو على حذف مضاف، ومثله كثير في الكتاب والسنة وكلام العرب، والله سبحانه أعلم، وبه التوفيق، وكتب مسلما عبدالله يحيى بن محمد بن علي الونشريسي وفقه الله.

[مسألة في القرشي يتزوج أمة من العجم فيستولدها]

وسئل يحيى بن عمر عن قرشي تزوج أمة رجل من العجم فاستولدها وأعتق سيدها ولدها.

وسئل عن رجل حكم بشهادته عند حاكم وجعل يكثر من القول بعد الشهادة أنه ما يعرف هذه الشهادة ولا يحدها ونحو هذا من القول ، فأحضر [215/10] المتدافع للشهادة شاهدين فشهدا أنهما سألا فلان بن فلان هذا الشاهد عن هذه الشهادة التي يشهد بها لفلان بن فلان هل يحدها أو يشهد بها ؟ فقال ما يحدها ولا يعرفها ولا ما كان من شهيدين لأنه قد ذهب حسي ، وهذه الشهادة لها نحو أربعين سنة ، وإنما شهدت بها أن ولدي قال اسمك في الكتاب وعرف خطه لأنه يكتب لي ، وأما أنا فليس أكتب بخطي ، ولو سألني القاضي عن هذا لعرفته . هكذا كانت شهادة الشاهد عليه ، وعلم منه قوم آخرون أنه أتى إلى قوم سأل أحدهم بحضرتهم أن يحسن له رقعة بلفظ يعتذر فيه للقاضي بالزمانة وذهاب الحس ويسأله أن يقبله في هذه الشهادة فيكتب له قال هؤلاء النفر نشهد أيضا نحن عليه بذلك ، هل فيما نصصناه عن هذا الشاهد عن جميع ما شهد به ما يفسد شهادته المذكورة وينتفع به المشهود عليه أم لا ؟ وكيف إن رجع هذا الشاهد عن جميع ما شهد به ؟

فأجاب : الذي تسقط به شهادة هذا الشاهد ولا عذر فيه قوله بعد إقراره إنه ما كان يعرفها وما يحدها وإنما يشهد بها أن ولدي قال اسمك في الكتاب وعرف خطه لأنه يكتب لي ، وأما أنا فلست نكتب بيدي ، ولو سألني القاضي لعرفته ، فإن أنكر هذا القول فقال ما قلته ، فإن كان الذين شهدوا عليه عدولا مبرزين سقطت شهادته ، وإن أقر أنه قال هذا ولكنه يقول تذكرت بعد قولي لهم هذا القول معرفتي بالشهادة وحضوري فيها فأنا ثابت عليها وتذكاري هذا هو الذي منعني أن أتمادى على الاستيفاء له من الشهادة فلا عذر له أيضا في هذا الذي قال ، وإنما منعه من العذر أنه قد أقر أنه كان في حين أدائه الشهادة إنما وداها عن قول ابنه لا عن شيء ظنه ولا توهمه في علم نفسه ثم اختلط عليه بعد أدائه ثم استيقن صحة الأول قبل أن يستغفل فهذا أقرب إلى العذر .

وأما من لم يصل إلى تغيير منكر إلا بمعصية الله فلا يفعل. وقد قال أشهب: لا يدخل في طاعة الله بمعصية الله. وأما تعصب ذو القدرة والجاه على تغيير ذلك فذلك سائغ بأن يندبهم إلى ذلك مجملا ويبين لهم بأن يلزم الصغير الكبير الامتناع من ذلك وأن على من لم يوف بها وعد من تركه، فعليه صدقة كذا أو فلقومه كذا. ومتى فعل ذلك أمر ولم يجبر على ذلك لكن يبقى على هذا أن يلزمه ما عاهد الله عليه، فلعله ينزجر بذلك كثير من سفلة الناس.

[تلقن الشرائع والأحكام لمن يقبل التعلم ويعي ما يسمع]

وأما الدعاء إلى تعليم معالم الشريعة وحدودها فمن يغلب على ظنك قبول ذلك منك فهو واجب في حق من يقبل، ويفقه ما يعلم، ومستحب في حق من لا يقبل أو يعسر عليه تفهمه إلا بعد طول. وقد قال تعالى: ﴿بما كنتم تعلمون﴾ وقرئ تتعلمون، وقرئ تعلمون فقد جمعت القراآت الحض على التعليم والعلم والتعلم. وقد قال تعالى: ﴿ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين ولا تستوي الحسنة ولا السيئة﴾

[219/11] ولا يكون الداعي إلى الحسنة كالداعي إلى السيئة. والرجاء في ثواب من علم دين الله أو دعى إلى تعليمه جزيل فقد جاء بذلك التنزيل، ونطقت به الأخبار وتظاهر به سيد الأخيار. ومع ذلك فلا بد أن يقع للموعظة في قلب السامع أثر، فتكون قد سننت سنة حسنة تقع على أجرها كما يقع على أجرها عاملها، أو تكون قد فعلت ما أمرت به وصح الامتثال فتوجر على فعل نفسك.

[للمفتي أن يفتي بما يحفظ إن أخذه عن شيخ]

المعيار المعرب والجامع المغرب · الجزء ١ · الصفحة ٢٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المعيار المعرب والجامع المغربج ١ · ص ٢٦٢