قال أبو عمر في الاستذكار حين حكى قول الشافعي المتقدم: الحجة عند الاختلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما لا يوجد فيه نص من كتاب الله وقد جاء في السنة من حديث معاذ وغيره , وما أجمعوا عليه في صلاتي عرفة والمزدلفة انتهى. وقال في مكان آخر الجمع بين الصلاتين بعرفة ثم المزدلفة أصل مجمع عليه واجب أن يرد كل ما اختلف فيه من معناه إليه, ومثله ذكر في التمهيد. وذكر في الاستذكار عن عبد الرازق بسنده إلى طاووس قالت له
[207/1] امرأة إن كريا لي حملني على أن أجمع بين الصلاتين, فقال لا يضرك, أما ترين أن الناس يجمعون بين الصلاتين صلاة الهاجرة وصلاة العصر بعرفة, وصلاة المغرب والعشاء بجمع.قال أبو عمر: هذا دليل على جواز الجمع في السفر انتهى. وذكر في التمهيد في بعض أحاديث أبي الزبير المكي محمد بن مسلم ما نصه: قال أبو الفرج هذا الباب الجمع بين الظهر والعصر بعرفة وبين المغرب والعشاء بالمزدلفة. لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سافر فقصر وجمع بينهما كذلك. والجمع أيسر خطبا من التقصير, فوجب الجمع بينهما في الوقت الذي جمع فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم ذكر أبو عمر بعد هذا عن سماع سحنون من ابن القاسم مثل هذا الاستدلال. وفي الموطأ مالك عن ابن شهاب أنه سأل سالم بن عبد الله هل يجمع بين الظهر والعصر في السفر؟ فقال نعم لا بأس بذلك. ألم تر إلى صلاة الناس بعرفة انتهى. وقال في التمهيد في المحل المذكور قبل هذا سالم قد نزع بما ذكرنا, وهو أصل صحيح لمن ألهم رشده ولم تجذبه(¬1) العصبية إلى المعاندة انتهى.
الإسلام، ولذلك لم يتكلموا هنا إلا على ما يتعلق بالثمن، هل يتصدق به أو ببعضه، أو لا يتصدق به؟ وتركوا الكلام على ما يتعلق ببناء الكنيسة وهدمها اعتمادا منهم على محل الكلام فيها بخصوصيتها، إذ هو عام باعتبار الأحوال في جمع البلاد التي يحكم فيها بأنها بلد الإسلام، مع أن اللخمي أشار إلى ذلك في آخر كلامه على مسألة بيع الدار لتتخذ كنيسة فقال: ولا أرى أن يحرم عليه ثمن الدار، يعني إذا مضى البيع، قال: لأن إباحة عمل الكنيسة ليس إلى البائع، لأنهم إن كانوا أعطو ذلك وعوهدوا على ذلك منعوا، فأنت تراه كيف جعل لكم الكنيسة في هذه الصورة الخاصة حكم الكنائس على الإطلاق، ولكون معنى مسألة العتبية ما قلناه لم يقل في السؤال على أن يبنوا، وإنما قال يبنون فيها الكنائس، أي يقع منهم بعد الإعطاء أو الكراء بناء الكنائس، ولو كان جوابا لشرط لجزمه يحذف النون، فثبوت النون دليل على صحة ما قلناه، وإن كان ابن مالك، وجماعة جوزوا جزم جواب الماضي، فقد نص غيرهم على منعه في غير كان إلا في الضرورة وهو الصحيح، إذ لم يقع في القرآن وفصيح الكلام اختيار إلا بالجزم، ومن جوز رفعه فهو عنده مرجوح، وما كان هكذا لا يستعمل، والمدار على أن حكم الكنيسة مع الشرط ومع عدمه سواء حسبما قدمناه عن اللخمي والله الموفق.
ولما تكلم التونسي على مسألة إحداث الكنائس أتى بما في المدونة معتمدا عليه وصواب قول ابن القاسم في العنوية دون قول الغير، وليس عنده فيما اختطه المسلمون خلاف، وأما ابن يونس
=فأجاب : أما طلبه النفقة المذكورة ، فساقط إذا لم يذكر ذلك في وقت عقد النكاح على البنت مع حضور المنفقين حينئذ ، إذ قد تعلق بمالها المعلوم لها حق زوحها ، لقوله في الحديث «تنكح المرأة لدينها وجمالها ومالها» . . . . لا سيما أن اعترفت الأم به ، فتكون قج علقت به حق الزوج بنص اعترافها ، ولم يذكر حق تعلق به لها فكيف ترجع بعد هذا بنفقة أو غيرها ، وقد كانت لها فسحة في أخذ نفقتها قبل العقد عليها ، فلا طلب لها ولا لزوجها بنفقة بعد عقد النكاح عليها وسكوتها عنها بحال من الأحوال ، والسلام على من يقف عليه من كاتبه فرج ورحمة الله وبركاته . وتعقب الأستاذ أبو عبد الله السرقسطي هذا الجواب فقال :
*وسئل : الأستاذ أبو سعيد رحمه الله عن زوجين أنفقا على يتيمة موسرة هي ابنة للزوجة وربيبة لزوجها ، أنفقت الزوجة وهي أم البنت عليها مدة إلى أن تزوجها الزوج فانفرد بالإنفاق عليها إلى أن توفيت البنت ، ناكحا قبل الدخول ولم ينحل لها شيئا من مالها ليسر البنت ولم يذكر المنفقان النفقة ولا طلبها عند تزويجها ، وتوفيت البنت قبل دخولها فقاما يطلبان النفقة من تركتها فهل لها ذلك أم لا ؟
وسئل القاضي أبو عمر بن منظور عمن وقع بينه وبين أخيه كلام فحلف بالأيمان تلزمه أن لا يدخل دار أخيه مدة من عام، ثم إنه دخل دار أخيه قبل تمام العام، فطلق زوجته وراجعها، فهل يدخل دار أخيه بعد مراجعة زوجته قبل تمام العام الذي حلف عليه أم لا؟
فأجاب: لهذا الرجل أن يراجع زوجته لأن الطلاق طلاق الحنث.
[من حلف بالأيمان تلزمه فإن اليمين لا تنعقد إلا على الزوجة التي في عصمته]
وسئل عن رجل جعل في دار أمه زبيبا فضاع بعضه فحلف بالأيمان تلزمه أن لا يجعل في دار أمه زبيبا، ثم إن زوجة الحالف ماتت وتزوج غيرها فهل يلزمه حنث إن جعل في دار أمه زبيبا أو جعل الزبيب قبل أن يتزوج. هل يلزمه شيء أم لا؟
فأجاب بأن اليمين لا تنعقد إلا على الزوجة التي في عصمته، فإذا ماتت انحلت ولم يبق لها حكم في جهة الزوجة. وهذا القدر كاف في الجواب.
[من قال لزوجته لحمي من لحمك كجلد الخنزير طلقت عليه]
وسئل عمن تكلم مع زوجته فقال لها لحمي من لحمك كجلد الخنزير
[229/4]
[230/4]
من اليوم إلى عشرة أيام ثم إنه جامعها قبل تمام العشرة أيام، بينوا لنا ما يكون في ذلك.
فأجاب: هذه المرأة قد حرمت على الزوج. وهل تطلق عليه ثلاثا أو واحدة؟ في ذلك خلاف. وللقاضي أن يتقلد من القولين ما يظهر له. وإذا ظهر له الطلاق واحدة فلا بد أن تستبرئ بثلاث حيض كاملة، وحينئذ يكون ارتجاعها إن لم تصادف أنه كان طلقها طلقتين قبل هذه الطلقة.
[إذا حلف جاهل باللازمة وحنث، يحلف في الجامع وتلزمه طلقة واحدة]
[تجوز مراجعة الحامل ما لم تكمل ستة أشهر]
فأجاب: الجواب عن الأولى والله الموقف للصواب أن هذه الجزيرة جارية مجري غيرها إذا لم يفرق العلماء في المسألة بين قطر وقطر، ولا فرقوا أيضا من هادن أو كان حربيا لنا إلا ما ذكره ابن حبيب في الطعام فإنه أجاز بيعه ممن هادن دون الحربي، وما عللتم به من حاجتنا إليهم فليس بموجب لتسويغ البيع منهم لأن الله تعالى قال ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا.... الآية ﴾(¬1) فنبهت الآية على أن الحاجة إليهم في جلب الطعام إلى مكة لا يرخص انتهاك حرمة الحرام، فكذلك لا يرخص في استباحة الإضرار بالمسلمين، وهذا المعنى المحرر مأخوذ من
[214/5]
المازري من كتابه من مسائله، وأما الشمع فقال المازري في تعليل المنع لعلهم إنما يحتاجون إليه في السفر وغيره يعني أنهم يستعينون به في الإضرار بنا فيمتنع بيعه منهم، وأما صنع الشمع للنصارى فإن كان لأنهم يستعينون به علينا فيمتنع بيعه منهم، وأما صنع الشمع للنصارى فإن كان لأنهم يستعينون به علينا فيمتنع كما ذكر في بيعه من النصارى، وأما ما يعلم أنهم يصنعونه لألهتهم فينبغي أن لا يصنع لهم ولا يباع لهم نظير ما قاله ابن القاسم في بيع الشاة منهم مع العلم بأنهم يذبحونها لأعيادهم فإنه يكرهه كراهة تنزيه وأن البيع أن وقع لم يفسخ وهو في العتيبة، وأما بيع الشمع من العطارين فخفيف إذ معلوم أنه يبيع ممن لا يدري ما يصنع به هذا وإن كان الغالب من العطارين عدم التوقي في بيعه فإنهم يبيعونه من كل من جاء فلا يتعين البيع من الكفار أو أهل الخمر دون غيرهم وإنما ينظر في بيع العطارين فهم المحتاجون إلى هذا السؤال.
[تاجر في الثياب ادعت زوجته موته في بعض الثياب أنه كان ساقها]
لها وزنا والدراهم تختلف، فرب درهم عريض، يكون عريضا خفيفا في الوزن. ورب درهم صغير، يكون صغيرا أثقل في الوزن، فيشتري بها على عدده بما كان فيها من وزن.
فأجاب: ما هو بحسن بيع الدراهم جزافا كأنه رآه من وجه الجزاف. قال ابن القاسم: قال الله تعالى: ﴿وزنوا بالقسطاس المستقيم﴾. فلا ينبغي لأحد أن يترك الوزن وذلك رأي وسمعت مالكا غير مرة يكره ذلك:
ابن رشد هذا بين على ما قاله أنه لا يجوز له أن يقضي من عشرين درهما مجموعة موزونة عشرين درهما عددا مجموعة لأنه غرر، لا يدري هل أخذ أقل من حقه أو أكثر، إذ قد يكون الدرهم العريض خفيفا، والدرهم الصغير ثقيلا. ولو اقتضى منها عشرين درهما عددا مجموعة لا تجوز بأعيانها لا يشك أنها أكثر في الوزن من التي له أو أقل لجاز ذلك، لأنه معروف من أحدهما لصاحبه ولو اقتضى منه عشرين درهما عددا تجوز بأعيانها لجاز إن كانت في الوزن أكثر من التي له ولم يجز إن كانت في الوزن أقل من التي له، لأنها إن كانت أكثر في الوزن من التي له فقد أخذ أفضل من حقه في الوزن وفي عيون الدراهم، وإن كانت أقل في الوزن كان إنما ترك الوزن لفضل عيون الدراهم، فلم يجز. وهذا كله قائم من قوله في المدونة: إن القائمة تقتضي من المجموعة، لأنها أكثر في الوزن وأفضل في العين. وقد مضى بيان هذا كله في رسم القبلة ورسم الشريكين من سماع ابن القاسم في كتاب الصرف. وليس ما مضى في سماع أشهب منه من إجازة اقتسام الدراهم الناقصة والوازنة عددا بغيره بخلاف لهذه الرواية، لأن المعنى فيها أن الناقصة تجوز بجواز الوازنة حسبما ذكرنها هناك.
قلت ونص ما في سماع أشهب:
وسئل عن قوم كانت بينهم دواب فباعوها بدراهم مختلفة الوزن، منها الناقص والوازن، ثم اقتسموها عدد بغير وزن، فقال: أرجو أن لا يكون بهذا بأس.
[277/6]
قيل: انظر قوله إن للمستحق أن يأخذ المشترى وهو غير عالم بما يؤخذ به المتعدي من يد من غرم الغلة, وغير ذلك وهو خلاف ما رواه عيسى عن ابن القاسم فيمن استحق بحرية من أصله من يد مشتر, فإنه قال لا يغرم المشتري ما استغل من خراجه, ولكن ما استعمله فيه, وهذا أيضا خلاف ما في المدونة من ابتاع أمة فوطئها ثم استحقت بحرية وهو غير عالم فإنه قال: لا صداق لها, وإنما خرج جوابه- والله أعلم- على قول الغير, وهو مذهب سحنون وانظر كيف أرجعه على البائع بما غرم من الغلة, وبكراء ما يمكن والبائع إنما غره بالقول, ومن مذهب ابن القاسم أن الغرور بالقول خاصة إذا انفرد لا يتعلق به غرم, وأصل ذلك من باع عبدا دلس فيه بعيب السرقة فسرق العبد من مشتريه, وهي مسألة كتاب الجنايات, وقد قال فيها إن السرقة في ذمة العبد ولم يقل إن السرقة يغرمها البائع, فإن قيل ها هنا قد باع منه الرقبة والمنافع المتولدة منها وهي الغلة والسكنى, فالجواب أنه قد غرم الثمن والمثمون وأيضا فإنه قد قال يرجع عليه بما بين قيمة النقص قائما ومنقوضا. وهذا أيضا بعيد فإنه ليس بغلة ولا وقع عليه غرر بتصريح.
[توسيع حبس بتخريب غيره لا يجوز]
وسئل عن المسجد يريد بعض من يجاوره الزيادة فيه في سعته وطوله وارتفاعه, فهل يجب له ذلك؟ وعن الدار تكون محبسة على مسجد, ولها بيوت وغرف أو لا بيوت لها, ولا غرف, من ناحية واحدة, فأوصى رجل بجزء دار له تلاصق تلك الدار المحبسة ليزداد ذلك الجزء في الدار المحبسة على أن يخرب الجانب الذي يلي الجزء الموصى به ويوسع به الدار هل يحرم هذا
[226/7] أم لا؟ والشهود يشهدون أن رجلا أشهدهم ثم مات الشهود لم يحفظ غيره هذا فافتنا يرحمك الله.
فأجاب: إذا التزموا الأجرة للإمام مع جيرانهم فيلزمهم ما لزم جيرانهم منها.
وأجاب غيره: إن القوم المذكورين لم يلتزموا مع جيرانهم إجارة الإمام فلا يلزمهم إلا أن يكون عرف أهل القرية على ذلك فيلزمهم.
[ ما يأخذه المعلم في عاشوراء والأعياد ]
وسئل أبو الطيب عما يأخذ المعلم في عاشوراء والأعياد.
فأجاب: لا بأس بالأخذ في عاشوراء وأعياد المسلمين. أما أعياد العجم فلا يجوز أخذه، وعليه رده إلى أصحابه، فإن لم يعرفهم تصدق به انتهي. في المدونة عن مالك لا بأس أن يشترط مع أجره شيئا معلوما في كل فطر وأضحى؛ وفي الصلاة منها لا بأس بما يأخذه المعلم اشترط شيئا أم لا؟ القابسي قيل لسحنون: عطية العيد أيقضى بها؟ قال لا. ولا يعرف ما هي. وعن ابن حبيب لا يجب للمعلم الحكم بالإفطار الذي يأخذه من الصبيان في الأعياد، ذلك تطوع من شاء فعل وهو حسن وله الترك، وهو تكرم من آباء الصبيان في الأعياد، ولم يزل فاشيا، فإذا فشا في العامة وصاروا يرونه واجبا وهو كذلك وعليه جلس المعلمون فذلك واجب كالهبة للثواب.
[ إعتاد أهل المغرب الأوسط والأقصى أن يعطوا المعلمين شمعا في المولد ]
قلت: يظهر من هذا الكلام القضاء بالشمع للمعلمين على آباء الصبيان
[254/8]
[255/8]
في ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم لأنه فاش معتاد ببلاد المغرب الأوسط والأقصى، ولا انتزاع في انتصاب المعلمين لأجله ولا سيما وهو موسم عظيم عند أهل ملة الإسلام يعتنون به في الحواضر تعظيما لنبينا وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
[ اختلاف فقهاء تونس في أفضلية ليلة المولد أو ليلة القدر ]
وسئل مالك عن رجل كانت بينه وبين امرأته منازعة في جارية له يعتق جاريته إن لم يتزوج عليها إلى سنة، فمكثت المرأة عنده تسعة أشهر، ثم مات ولم يتزوج أترى عليه في الجارية حنثا؟
فأجاب: لا حنث عليه، وهو على بر، وإنما هو بمنزلة رجل حلف بعتق رقبة ليقضين رجلا حقه إلى أجل مسمى، فمات الرجل قبل الأجل، فلا حنث عليه، وهو على بر في ذلك.
[مسألة]
وسئل ابن لبابة عن الأمة يبيعها أحد الشريكين، وقد كان أحدهما باع نصيبه منها وشريكه غائب، فباعها الغائب بعد قدومه واتخذها المشتري أم ولده ثم عثر على ذلك؟
فأجاب: نصفها حر، ويرجع المشتري على البائع بنصف الثمن، ويكون النصف بحساب أم ولد، ولا يجوز له وطؤها، والذي استحسن فيها وأذهب إليه ونأخذ به أن يعتق النصف الباقي على المشتري إذ صار لا سبل له إلى وطئها.
[مسألة]
وسئل عن الذي تستصحبه جارية حرة أو يختدعها حتى يخرجها ثم يقر أنه باعها أو يغتصبها فيبيعها ولا يدرى أين وقعت، مضت من يد إلى يد حتى يغيب أمرها.
فأجاب: ديتها لازمة له، يغرمها كاملة لأوليائها، وإن ادعى أهلها أنه وطئها لم يصدقوا عليه ويضرب ضربا وجيعا فيما اجترم من بيع حرة، وبالله تعالى التوفيق.
[مسألة]
وسئلت عن العبيد القادمة من أرض الحبشة يعترفون بالتوحيد وبفروع الشريعة، هل يجوز بيعهم وابتياعهم أم لا؟ وفيما إذا أسلموا تحت ملك
[239/9] ساداتهم فهل يحل للسيد بيعهم أم لا؟ وإن كانت السنة وردت في بيع العبيد، فإن كلمة التوحيد تمنع من القتل والعذاب في الآخرة فلم لا تمنع إهانة الخدمة وعذابها لأن الملك استرقاق ونقص للذات المشرفة بالإيمان؟ وما معنى قول أهل العلم: الرق كفر؟ وهل بعد الإيمان تستصحب هذه الصفة أم لا؟ بينوا لنا ذلك وأجركم على الله، والسلام الكريم يخص مقامكم والرحمة والبركة.
ورتبة الاستيجار على النقيض منها لكون السلطنة من المستأجر على مستأجره وكأنه قد ملك منه منافعه الخاصة بالعمل الذي استأجره فيه ، فما أبعد هذه الرتبة من تلك لو لم ينصب لها من أخذ الأجرة ما يتطرق به التهمة عند المحكوم عليه لكونه بسبب وإن قلت حكم عليه بل وللمحكوم عليه فإنه يظن أن موجب مقاله وجواب خصمه ويمين من تجب له اليمين أو عليه منهما إنما هو الاستشراف لربح ما قيد لأنه من الأجرة ، وأن العدل في شأنه أن ينصف من ظالمه من غير تكليف بشيء يرزؤه قلامة ظفر ، حكمة من الله بالغة في عدم الاستقامة على سنة من ينطق حالا ومآلا بقوله : چ ? ? ? ? چ [الأنعام : 90 ، هود : 51] ولا أسألكم عليه مالا ، لطف الله بنا بمنه وكرمه . انتهى .
[الشهادة عند الحاكم الجائر]
وسئل القابسي عن رجل لزمته شهادة لامرأة فدعته إلى أن يشهد بها عند ابن الكرعي هل ترى أن يشهد عنده ؟
فأجاب بأن قال : لا أدري قد لزمتك لها الشهادة فإن تركتك فذلك لها ، ثم قال له قد بلغنا أن أبا بكر ابن اللباد شهد عند اسحاق بن أبي المنهال ، أن أبا الفضل بن المسيس شهد عند أبي محمد فاستقضى عليه السائل فما أقره ولا نهاه ، وجعل يقول له لزمتك لها الشهادة ، فإن تركتك فذلك لها . ولو شئت لم تدخل فيما يلزمك فيه الشهادة لها .
وسئل عن رجل ساكن في محلة قوم له حين يؤمهم وتصلي جماعة أهل المحلة بصلاته . ثم إن هذا الإمام شهد شهادات واحدة بعد واحدة عند [214/10] حاكم جائر على مذهبه ، وفي أهل المحلة قوم متورعون أرادوا معرفة ما عند الشيخ في صلاتهم خلفه إذا عرفوا منه هذه الحالة .
وما قولك في شهود أربعة أو اثنين أو أكثر أو أقل يحضرون على عقد نكاح أو بيع أو غير ذلك، يكتب أحدهم ويعطى من كتب الأجرة، فيقسمونها بأجمعهم، من كتب منهم ومن لم يكتب. وكلهم يحسنون الكتابة أو بعضهم لا يحسن لكنه يشهد فقط. هل يطيب لمن لم يكتب ما أخذه من ذلك أم لا؟ وهل يجب تقدير الأجرة على الوثيقة كسائر الإجارات أم لا؟ فإن وقعت مقدرة هل يرجع فيها إلى أجرة المثل إن وقع التشاح أو لا يجوز ذلك ولا يطيب إلا بعد تقدير؟ وإن اتفقوا على أخذ ما أعطى صاحب الحق من غيره تقدير، وذلك أكثر ما يصنعون في هذا الزمان هل يجوز ذلك أم؟.
[217/11] أفتنا في ذلك جملة وتفصيلا والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
[حكم مدارات الظلمة]
فأجاب رحمه الله بما نصه: أما مدارات الظلمة إذا خفت على نفسك أو مالك أو على أبويك فذلك مما يجوز لك فإن رغبت عن ذلك واحتسبت ما ينالونه منك أجرا وذخرا عند الله فهذا أفضل فمن لم ينتصر لنفسه انتصر الله له. ومن لم ينتقم لنفسه انتقم الله له. فإن أردت الشفاعة فى حق نفسك أو فى حق أبويك فلا تطأ فرش الظلمة، ولا تستظل بظلهم. ولا بأس بالمصافحة من غير تقبيل يد أو خضوع وانحناء. ولا بأس أن تدعو لهم بالتوفيق بالطاعة لله، وبالتوبة وحسن الخاتمة ولا تدعو له بالبقاء والقوة والنصرة على ما هو بسبيله فان من دعا للظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله فى أرضه.
وأما الصلاة بهم فى موضع لا يصلي على فراشهم فذلك مما يجب إن لم يكن هناك من ليس لك بإمام، وتصلي معهم إن حضر إمام تصح صلاته وإمامته وإن ألجأتك الضرورة إلى أن تستشفع له وهو ساكن فى دار مغصوبة فلك فى ذلك رخصة من غير أن تقصد إلى الجلوس فيها على جهة التنعم ولتكن إقامتك على قدر الحاجة حتى تبلغ أقصى ما رجوت منه ثم تنصرف ولا بأس أن تقف مع من تتحدث معه تحت سقفه، ما لم تقصد الانتفاع بظله من جدار ونحوه.