تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

25/1] ويخرج من الباب الجوفي, فعيب ذلك عليه لما فيه من اتخاذ المسجد طريقا, فاحتج بأن مالكا أجازه في المدونة حيث قال: ولا بأس أن يمر به ويقعد من كان على غير وضوء. وحين ذكر الشيخ أبو عبد الله ابن عرفة رحمه الله لطلبته هذا الاحتجاج عن البودري قيل له: لا متمسك له فيه, لأن الكلام إنما خرج مخرج بيان عن البودري قيل له: لا متمسك له فيه, لأن الكلام إنما خرج مخرج بيان أنه ليس من شرط الكون في المسجد الطهارة, لا بيان حكم المرور.

[وعاء الخمر يعود للخل]

وسئل بعض الفقهاء عن جرة كانت للخمر فغسلت وجعل فيها الخل هل يفسدها أم لا؟

فأجاب بأنه يفسدها إذا كان غسلها قبل الخل فيها بالماء من غير أن يغلى فيها الماء مرتين أو ثلاثا ويغسلها بعد ذلك فإن غسلها من غير أن يغلي فيها الماء فقد سرت نجاسة الخمر إلى الخل ففسد, وهذا لا خلاف فيه, وإنما الخلاف في طهارتها بتغلية الماء فيها, والمشهور أنها لا تطهر بذلك.

وسئل ابن سراج عن خمر تخلل لنفسه في آنيته التي جعل فيها وهو يبلغ منها إلى النصف, فهل هذا الخل طاهر أم لا؟ وهل ما علا الخل من الخابية أم لا؟

فأجاب أن الخمر التي تخللت تطهر باتفاق هي وما يحاذيها من الآنية ويجوز الانتفاع بخلها. لكن يثقب أسفل الاناء ويخرج الخل منه, ولا يخرج من أعلاها لأنه نجس فيمر فيه بعض الخل وينحدر على أسفل فينجسه. وأما الشقف الأعلى فإن كان مزججا فيبالغ في غسله, وإن كان غير مزجج فلا يكفيه ذلك, بل إذا بولغ في غسله جعل فيه الماء وترك مدة ثم يراق, ثم يجعل مرة أخرى ويترك فيه مدة ويراق, ولا يزال يفعل هكذا حتى يخرج الماء صافيا لا تغير فيه, ويطهر على الراجح من الخلاف فيه.

[هل تطهر آنية الخمر؟]

وسئل عن آنية الخمر هل تطهر أم لا؟

فأجاب إن كانت من حديد أو نحاس أو من فخار مزجج فإنها

[

بذكاه اجتمع الناس فيها . وما ذكرته عن " ابن أبى زيد " لا اعرفه, وكذا أبو حفص

والداودى , وكنت كتبت لهما ان لا يفتيا في الغلصمه بشيء لشده الخلاف فيها.

وكان عندي ان أبا مصعب اخبر عن أهل المدينة انهم لا يراعون الغلصمه

ولا يلتفون إليها. " ابن حارث " : إنها تؤكل مطلقا, وكثير من يسال عنها هل

يذكر له الخلاف ويتحرى لنفسه ما احب واشتهى . ولو نزلت بجزار فاراد

بيعها, فهل يمنع من ذلك إذا كثر من يشترى منه؟ أو يباع له مع التعيين؟

وان لم يوثق به في التعيين فهل يتصدق به عليه احب أم كره, ؟ أو يؤمر من غير قضاء ولا يحال بينه وبينهما ويترك يأكلها أو يدخرها أو يصنع بها ما شاء؟

وكيف لو غلب على الصدقه بها, هل يغرمها من أجيره عليها كالغضب

للحلال؟ وبلغني عن (السيورى) انه قال تدفن الذبيحة التي حيزت الغلصمه

فيها إلى البدن, تدفن بموضع لا يوصل فيها . فما تراه في هذه وفى الصدقه

على ربها ؟ وما اختيارك في الشاه المريضة إذا ذبحت فسال دمها ولم تتحرك

وكانت حيه قبل الذبح بلا شك فقال الذابح يدل عليه سيلان الدم؟

فاجاب الصواب عندي أكلها. وما ذكرته عن شيخنا " أبى القاسم " فيه

انما تعلق به من الاشراف "لابن المنذر" , وإذا حك مع الاصول لم يثبت,

والصواب أكلها. ومن احتاط بترك أكلها ان كان له من النظر ما يؤديه إلى

ذلك فلا يبيعها أو يتصدق بها حتى يبين, فان لم يوثق به في البيان فيجعل معه

من يوثق به وان لم يوجد إلا بأجره وتكون من عند البائع. وما ذكرته من

الدفن فيه صعوبة مسالة اجتهادية مختلف فيها , فيفتى بدفنها الا ان يكون ظهر

[27/2]

[28/2]

له من اجتهاده التحريم فيعمل في نفسه وحاله ما هو مطلوب باجتهاده وإلا

بغيره ممن هو بصفة التقليد يخبره بما ظهر له. ومن سالك عنها فبين له خلاف

المتقدمين والمتأخرين فيها. والشاه إذا كانت حيه في حال الذبح أكلت سال

دمها أو لم يسل, إذ الذكاه وقعت في حيه. هذا الذي يظهر لي.

ذكاه الشاه المريضة

=فأجاب : تعود ما بقي من طلاق العصمة التي جعلت له ذلك فيها شيء ، من قوله في الإيمان بالطلاق من المدونة وإن قال لزوجته كل امرأة أتزوجها عليك فهي طالق ، فطل قالمحلوف لها ثلاثا ثم تزوج امرأة ثم المحلوف لها بعد زوج ، أو تزوجها بعد زوج ثم تزوج عليها ، فلا شيء عليه فيهما ، فأما إن طلق المحلوف لها واحدة وانقضت عدتها ، ثم تزوجها ثم تزوج عليها أجنبية أو تزوج أجنبية ثم تزوجها هي ، فإن الأجنبية تطلق عليه في الوجهين ما بقي من طلاق الملك الأول شيء ، وجه الاستدلال منها أن التزامه ظاهره فيها أبد الزوجية ، فإن كان للطلاق البائن أثر ففيهما ، وإلا فلا انتهى .

وتقدم في كلام ابن رشد ما يشهد لصحة هذه الفتوى ، وفي وثائق الجزيري : وإن أعمرت زوجة زوجها في دارها أو في غيرها مدة الزوجية فطلقها الزوج ، فإن راجعها بقيت له العمرى ما بقي من طلاق ذلك الملك شيء ، فلا ينقطع إلا بالثلاث إن راجعها بعد زوج ؛ لأن قوله أمد الزوجية يقتضي أمد العصمة .

[25/3]وقد قال القاضي ابن رشد فيمن تطوع لزوجة بنفقة ابنها من غيره أمد الزوجية فطلقها ثم راجعها وأبى من الإنفاق ، أن الإنفاق لازم ما بقي من طلاق ذلك الملك شيء كما قالوا ذلك في عودة اليمين انتهى .

واعترض الشيخ الأستاذ أبو سعيد بن لب رحمه الله ما وقع للجزيري من قياس عودة الإمتاع والإعمار على عودة نفقة الربيب فقال نظما :

ورجعة الزوج تعود كلما = قد كان في عصمته ملتزما

من شرط أو نفقة لا تلزمه = وإن يمتع فالطلاق يهدمه

لأنه حق له قد تركه = وغيره من بعده قد ملكه

وذاك حق واجب عليه = فلم يكن إسقاطه إليه

قاس الجزيري قياسا فاسدا = فجعل البابيبن بابا واحدا

وإلى هذا التفريق واعتراض الأستاذ على الجزيري أشار القاضي أبو بكر بن عاصم في رجزه في الأحكام فقال :

كذا جرى العمل في التمتيع ... بأنه يرجع بالرجوع

وشيخنا أبو سعيد فرقا ... بينهما ردا على من سبقا

الحمد لله الذي نور بالعلم بصائر العلماء، وجعل ما وهبهم من العلم كالرزق حظوظا وقسما، والصلاة على نبينا محمد الذي بنوره انجلى العمى، وعلى آله وأصحابه الأشداء الرحماء، أما بعد: فإنه لما نعق بهذه الفئة العلمية ناعق الفنا، وفقدنا في أمد قريب الأشياخ والقرناء، وتشبه بالشيوخ من ليس له في العلم رسوخ، دعاني ذلك إلى أن أتكلم في مسألة وقع الكتب بها إلى البلدان، واستفتي فيها الأحداث والولدان، وسميتها برفع النزاع، بين المتشاجرين في أجر الرضاع، فقلت مستعينا بالله عز وجل، متبرئا من الحول والقوة والعمل: أم الصبي الرضيع لا يخلو إما أن تكون في العصمة أو خارجة عن العصمة.

فإن كانت في العصمة فاختلف العلماء في وجوب الرضاع عليها على ثلاثة أقوال، فقال أبو حنيفة والشافعي: لا يلزمها ذلك في حال من الأحوال، وقال أبو ثور: يجب عليها الإرضاع في كل حال، وذهب مالك إلى أن ذلك واجب على الدنية ولا يجب على الشريفة، إلا أن يكون الطفل لا يقبل إلا ثديها، قال بعض الشيوخ: وسبب الخلاف هل آية الرضاع متضمنة حكم الرضاع، أعني إيجابه، أو متضمنة أمره فقط؟ فمن قال: لا يجب عليها الرضاع، إذ لا دليل هنا على الوجوب، ومن قال: تتضمن الأمر بالرضاع وأنها من الأخبار التي مفهومها مفهوم الأمر، قال: يجب عليها الرضاع، ومن فرق بين الدنية والشريفة واعتبر العرف والعادة، وقال بعضهم: مستند أهل المذهب في إيجاب الإرضاع على الزوجة إنما هو عندهم عرف المسلمين المستمر على دوام الأعصار في جميع الأمصار، أن الأمهات إلا م مثلها لا يرضع يرضعن أولادهن من غير طلب أجر على ذلك.

[25/4]

[26/4]

ومنها أجرة تأديب الأولاد إذا كانت ممن الغالب على ماله الحرام، أو على بعضه، أو يكون حراما.

ومنها من أراد أن ينام بعد دخول الوقت وهو يعلم من عادته أو يغلب على ظنه أنه ينام حتى يخرج الوقت هل يباح له النوم أو يحرم؟

فأجاب: وقفت على المسائل المكتتبة، والحكم في البيض بالنخال وجوب

[25/5]

المناجزة، لأنهما من باب الطعام بالطعام،؟ أما البيض فباتفاق، وكذلك النخال، لأنه من قبيل الدقيق، إذ هو بعضه وجزء منه، وقلما يخلو عنه، وقد كره الفقهاء غسل اليد به لحرمة الطعام.

وأما أجرة الذرو على الوجه المذكور فهي مجهولة، وإن كان قد يعرف قدر الحمل بتقريب فلا يعرف عدد الأحمال، إلا أن يكون ذلك مما تقرب معرفته فلا بأس.

وأما درس السنبل بالتبن فإجارة مجهولة، للجهل بقدر التبن الخارج، إلا أن يكون فيه تقريب كما سبق.

وأما إعطاء التبن بالزبل فإن كانا حاضرين من باب الجزاف فجائز، وكذلك إن حضر أحدهما ودفع سلما في الآخر إلى أجل السلم، ويبقى من الوجهين ما في بيع الزبل من الخلاف، وقد جرى العمل بإجازته وضرب العقود به.

وأما بيع العنب ممن يعصره خمرا فممنوع عند الأكثر، وأجازه ربيعة شيخ مالك وقال: بع الحلال لمن شئت.

وأما شراء اللحم إذا كانت البهيمة مغصوبة فممنوع لما لصاحبها من اختيار أخذها إن شاء وإن شاء أغرمه قيمتها، ولو علم أن صاحبها متأب من أخذها ومعين لقيمتها وحدها لم يكن في شرائها إلا الكراهة لا المنع لحصول الفوت..

وأما الشراء ممن لا ترضى حاله من الجزارين فمكروه، لا سيما إن كان هو الذابح وهو مضيع الصلاة، فقد قيل أن ذبيحته ميتة بناء على تكفيره بترك الصلاة، وقد كان السلف يختارون لذبائحهم من يرضون دينه وأمانته.

وأما تأديب أولاد المكاس ومن هذه صفته بأجرة من جهته فمختلف فيها، والمشهور كراهية معاملته.

[26/5]

ففي ذلك دليل واضح على صحة ما قلناه وثبت ما قررناه.

[25/6]

واعلم أن هذه المسألة جمعت بين الوصية والإقرار. ولذلك تجدهم يعبون عنها بالإقرار تارة وبالإيصاء أخرى، وذلك باعتبارين: لأنه من حيث اعترافه بأنه دين تقرر في ذمته لرجل آخر، هو إقرار. ومن حيث إنه أوصى أن يخرج عنه فهو وصية.

وقولهم لا تسلم أنه أوصى به أن يخرج بعد موته بل صدر منه الاعتراف مجردا ساقط، لأنه لما رسمه في كتاب عهده وأشهد على نفسه بجميع ما احتوى عليه الكتاب وأبقاه عند نفسه إلى أن مات، وقال: إذا مت فادفعوا كتاب عهدي للناظر فيه، كان ذلك أقوى دليل على تعليق تنفيذه على موته، ولا معنى للوصية إلا ذلك، فيجب إجراء حكم الوصية عليها على مقتضى ظاهر الروايات مما سبق. ولا قائل بأنه يخرج من رأس المال.

وقد اجتهدت بالبحث البالغ والمطالعة التامة لعلي أجد نص رواية فيمن اعترف بدين لمجهول في صحته وأوصى أن يتصدق به عنه بعد موته، وورث بكلالة، والمال له بال أنه يكون من رأس ماله باتفاق أو اختلاف فلم أعثر عليه بوجه.

وإذا ثبت أن المسألة ليس فيها إلا القولان: إخراجها من الثلث أو عودها ميراثا فنظرت في أي القولين أرجح؟ فوجدت الإخراج من الثلث، وهو القائم من المدونة. ووجهه أنه لما احتمل أن يكون صادقا وأن يكون كاذبا قاصدا محاباة نفسه، كان الإخراج من الثلث عدلا بينه وبين وارثه مع ما فيه من الاحتياط للميت، وغير إضرار بالوارث، لأنه بتقدير صدقه برئت ذمته من دين الرجل، وبتقدير كونه أراد محاباة نفسه بالزيادة على الثلث، فقد انتفع به في ثلثه، ولا ضرر على الوارث في الوجهين جميعا. ثم وقعت المشاركة مع القاضي سدده الله ووافق على ذلك وأعلم الوارث بذلك فسر به وقبله ورضيه باختياره، لأنه كان يتخوف أن يكون الإخراج من رأس المال. فبعد هذا كله، صرف الناظر الدنانير المذكورة على الضعفاء والمساكين حسبما اعترف العاهد المذكور.

[26/6]

وتقيد بأسفله رسم نصه: الحمد لله أشهد الشيخان الفقيهان المفتيان المدرسان العالمان العاملان أبو عبد الله محمد بن حسون ابن أيوب المزجلدي وأبو محمد عبد الله بن عمر الوانغلي حفظهما الله تعالى المقيدة أسماؤهما عقب الجوابين المقيد أحدهما فوقه والآخر بمحوله على مضمن السؤالين المكتتب أحدهما فوق الجواب أعلاه, والثاني تحت الجواب بموحله, على أنفسهما شهداء هذا الرسم أن الجوابين المذكورين أفتيا بهما على مضمن السؤالين المذكورين وارتضيا العمل بهما. كل ذلك بعد أن قرىء عليهما السؤالان والجوابان المذكوران بمحضر شهوده, وأن الفقيه أبا عبد الله محمد المذكور أذن في كتب اسمه عقبهما لكونه لا يستطيع الكتب بهذه شهد عليهما بذلك كله, وهما بحال كمال الإشهاد,وعرفهما وعرف كونهما من أهل العلم والفتيا بمدينة فاس المحروسة بالله بمنه في تاريخ اواسط جمادى الأولى عام ستين وسبعمائة. نسخة رسمين اثنين, وسؤال وجواب بمحولهما وأحيل في السؤال على الرسم الأول نص الأول من الرسمين بعد سطر افتتاحه من اوله إلى آخر الشهادتين فيه عهد الشيخ الفقيه

[

26/8]السؤال الرابع فإن قيل: فلم قلتم إنه لا يجب الكنس على الذين يطرحون الزبل والتراب في أزقتهم فتحمله السيول حتى تلقيه في النهر المذكور؟ ولم لا يقال إن الكنس واجب على هؤلاء لأن ذلك من سببهم؟

فالجواب إنما منع وجوب الكنس على من طرح ذلك فيه مباشرة، وقد تقدم بيانه وتقريره في الفرق بين مسألة الخربة المتقدمة وبين مسألة النزاع فتأمل ذلك. وقد نقل ابن يونس عن يحيى بن عمر قال يحيى في تراب لقوم ينقله السيل من موضع إلى زقاق لقوم، فسد عليهم مخرج مائهم قال: يقال لصاحب التراب خذ ترابك فإن أبى قيل للذين سد عليهم اطرحوه إن شئتم، ولا يجبر صاحب التراب على نقله إن أبى، ولا فرق بين جعله الزبل والتراب في هذا المعنى، وقد فرق بعضهم بين الزبل والتراب أن صاحب التراب إنما وضعه هنالك لمنفعته متى احتاج إليها، فهذا مغلوب في حمل السيل(¬1)، فكأنه هو السبب لذلك فافترقنا، ولكنا نمنع وجوب الكنس على من طرح ذلك بمباشرة، كما تقدم، فكيف بهذا فلا معنى للفرق ها هنا فاعلمه.

السؤال الخامس: إن قيل فلم قلتم إن الكنس لا يجب على أصحاب الآبار التي تسرى إليها الرشوحات إذ حياتها من النهر المذكور بدليل اغورارها وجفافها إذا انقطع ماء النهر المذكور.

وأجاب ابن عتاب: وليي ومن وفقه الله. ما ذكر هذا القائم بالحسبة عن سليمان أنه يقوم في جوف الليل يؤذن على سقف المسجد ويبتهل في الدعاء ويتردد في ذلك. فليس في هذا شيء يمنع منه غير الصعود على السقف لما يتوقع من فساده بالصعود إليه. وعلمك يحيط بما ذكر الله من الترغيب قال الله تعالى: ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه﴾. والاحتساب فيما ذكره عن سليمان غير سائغ، إذ ذلك ذكر الله، وهو مما ينشرح له صدور أهل الإيمان وتطمئن به قلوبهم، ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾. ومتى أذن بالأسحار، وابتهل في الدعاء والاستغفار، أن يوقف موقف الإقرار والاستنكار. أنا سمع المحتسب قول الله تعالى: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه﴾. وقد حكى مالك رحمه الله أن الناس في الزمان الأول كانوا عند خروجهم لأسفارهم يتواعدون لقيام القراء لقيامهم بالأسحار، فتسمع أصواتهم من كل منزل، وثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن بلالا ينادى بالليل فكلوا واشربوا حتى ينادى ابن أم مكتوم)). وقال ابن حبيب: لا بأس أن يؤذن لها بليل طويل يدل على ذلك هذا الحديث، قال وأي ساعة أذن لها من الليل بعد أن يخرج وقت العشاء وهو شطر الليل فذلك واسع، والنداء لها في عسعسة الليل أفضل وعليه مضى العمل.

وذكر هذا المحتسب أن في ذلك ضررا عليهم، فيحتمل أن يريد بهذا الضير جماعة المسلمين. فإن كان أراد هذا فلا يصح قوله، إذ لم يمنع أحد من المسلمين من ذلك ولا سمعناه عن أحد منهم أنه قال، ويحتمل أن يريد من بجوار المسجد من المسلمين، فإن أراد هذا فعلمك محيط أنه

[

وسئل من حضرة مراكش من قبل الفقيه أبي عبد الله التطيلي عن رجلين تعاملا في ربع دينار فصاعدا ثم اختلفا في التقاضي ، فقال البائع : بقي لي عندك ثمن دينار ، وقال المبتاع قد دفعته إليك مع جميع ثمن السلعة ، هل تجب اليمين في المسجد الجامع ؟ وكيف إن ابتاع منه سلعة فقام عليه بعيب فزعم البائع أنه قد بينه له وأنكر ذلك المبتاع وقيمة العيب أقل من ربع دينار وقال المبتاع قد دفعته إليك مع جميع ثمن السلعة ؟ هل تجب اليمين في المسجد الجامع ؟ وكيف ان ابتاع منه سلعة فقام عليه بعيب فزعم البائع أنه قد بينه له وأنكر ذلك المبتاع وقيمة العيب أقل من ربع دينار ، وأين تجري اليمين ؟ وهل يختلف الحكم في فوت السلعة وحضورها ؟

فأجاب : أما الذي بقي من حقه أقل من ربع دينار وادعى عليه دفع ذلك فأنكر فلا تلزمه اليمين في ذلك في الجامع . وأما الذي قام بعيب قيمته أقل من ربع دينار في سلعة اشتراها قيمتها أكثر من ربع دينار فادعى البائع أنه تبرأ إليه منه ، فإن كانت السلعة قائمة يجب ردها بالعيب لزمته اليمين في ذلك [24/10] في الجامع ، كما إذا اختلف المتبايعان في ثمن السلعة في أقل من ربع دينار وهي قائمة يتحالفان في الجامع ، بخلاف إذا كانت السلعة قد فاتت فهذا الذي لا يصح سواه ، وقد وقع في كتاب ابن المواز وسماع ابن القاسم من كتاب البيوع من العتبية في التداعي في العيب في السلعة ما ظاهره خلاف ما ذكرته ، والصواب أن يتأول على ما ذكرناه إذ لا يصح سواه .

[من صرف دينارا بدراهم قبضها وزعم أنها ناقصة]

وسئل عمن صرف دينارا بدراهم وقبضها وزعم أنها ناقصة وعدت فوجدت ناقصة ، وقال دافعها ما أخذها مني إلا كاملة ، وقال قابضها ما أخذتها إلا ناقصة ، أين تكون اليمين إن توجهت هل في الجامع أم لا ؟

24/11] تحصيل المراد بها تحقيق بل بعض ذلك أوصى عليه السلام بالكف فيه عن التأويل، وبعضه يدرك بالنقل المحض وبضاعتي في الحديث مزجاة فموضع الحوض لا يعرف إلا بمجرد النقل، فلنزجع فيه إلى الأحاديث والبرزخ يمكن أن يراد به الحبس إلى أن يتبين الأمر وأن يكون المراد به مرتبة بين الجنة والنار لمن ليس له حسنة ولا سيئة كالمجنون والذي لم تبلغه الدعوة. والحكم بأن المراد أحدهما دون الآخر تخمين إلا أن يدل عليه النقل والله سبحانه أعلم بذلك كله.

[أسئلة عن أحاديث تتعلق بالجنة]

وسئل عن الحديث المذكور وهو المأثور في الصحيح قول الصحابي رضي الله عنه إني لأجد ريح الجنة من قبل أحد وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عير أبي سفيان وصفة جمله قوله صلى الله عليه وسلم في العنقود المأخوذ من الجنة لو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا وقوله صلى الله عليه وسلم : إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني.

فأجاب: الحديث الأول وهو قول الصحابي رضي الله عنه إني لأجد ريح الجنة من قبل أحد فالظاهر أنه على منهج(¬1) الاستعارة كقوله: الجنة تحت ظلال السيوف فإن أسباب الأمور إذا ظهرت عبر عنها باستنشاق الروائح لأن الرائحة من المبادئ السابقة في الأمور المتقدمة عليها الدالة على حضورها وقربها، وكذلك الأسباب مقدمات على المسببات، لأن الرائحة أثر الشئ وسببه، والأثر والسبب يشتركان في أن واحد منهما يدل على صاحبه، إذ تدل النار على الدخان، كما يدل الدخان على النار، وإنما يختلفان في أمر آخر فلذلك يجوز أن يستعار أحد اللفظين للآخر في المعنى الذي يشاركه، وهو المراد أيضا في حديث يعقوب عليه السلام، فإنه تنسم مباديء أسباب الوصال فتفرس حقيقة الوصال فقال: ﴿إني لأجد ريح يوسف﴾

[

وفي بعض فتاوي شيخنا وسيدنا أبي الفضل قاسم العقباني، رحمه الله، ما نصه: وينظر في الحاكم الذي عدل عن المشهور إلى الشاذ، فإن حكم لظنه أنه المشهور نقض حكمه، وإن حكم به مع العلم أنه الشاذ إلا أنه ترجع عنده، فإن كان من أهل النظر ممن يدرك الراجح والمرجوح، وهذا يعز وجوده، مضي حكمه، وإن لم يكن في العلم بهذه المنزلة زجر عن مواقعة مثل هذا، وينبغي أن يؤخر عن القضاء إن لم يتزجر فإن الإمام الذي قدمه والذين قدم للحكم بينهم إنما يرضون منه الحكم بالمشهور.

قلت: لم يذكر الشيخ - رحمه الله- أن الحكم يفسخ إذا حكم الشاذ ولم يكن من أهل الترجيح، خلاف ما تقدم لابن عرفة فوقه. وفي بعض فتاوي شيخنا أيضا ما نصه: لا ينبغي لمفت أن يفتي بما علم المشهور فيه إلا بالمشهور. وكذلك حكام زماننا، فقد قال المازري وهو في العلم هناك: ما أفتيت قط بغير المشهور. وإذا كان المازري، وهو في طبقة الاجتهاد،

[24/12]

[25/12]

لا يخرج عن الفتوي بالمشهور ولا يرضى حمل الناس على خلافه، فكيف يصح لمن يقتصر عن تلامذته أن يحمل الناس على الشاذ؟ هذا ما لا ينبغي.

المعيار المعرب والجامع المغرب · الجزء ١ · الصفحة ٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المعيار المعرب والجامع المغربج ١ · ص ٢٥