فأجاب تتبعت ما أمكنني من نصوص المتقدمين من أهل المذهب فما رأيت من نص على أن الجمع بين الصلاتين للسفر يكون في قصيره إلا ما ذكر عبد الوهاب في الإشراف ولم يعزه لمالك ونصه: يجوز الجمع في طيول السفر وقصيره خلافا للشافعي في قوله لا يجوز إلا في سفر القصر انتهى. ولعل اللخمي والله أعلم لم يطلع في هذه المسألة إلا على هذا الكلام, فلذلك عزاه له في الكتاب المذكور, وأتى بعبارته ولم يأت به لنفسه حكما مقررا, فكأنه يقول العهدة عليه. فعلى هذا قولكم تبعه عليه نظر, فإنه لم يتبعه عليه وإنما أحال النقل عليه, وإنما تبعه ابن شاس وابن الحاجب ومن درج على طريقهما. وأما الباجي وابن محرز فما رأيت في المنتقى والتبصرة لهما كلاما في المسألتين بالتعيين. وأما ما حكاه ابن بشير من القولين في الفصل المذكور فليس في كلامه ما يدل على أن القولين في مذهب مالك, بل فيه دليل على انهما للعلماء بالاطلاق لأنه تكلم من أول الفصل في تقسيم الرخص المجمع عليها عند العلماء والمختلف فيها بينهم إلى أن قال: والجمع للسفر, ولا اختلاف في اختصاصه بالسفر, لكنه اختلف هل يختص بسفر القصر أو يعم كل سفر انتهى. ويدل على أن قصده نقل الخلاف مطلقا قوله: وتبديل هيئة الصلاة للخوف, وقد اختلف الناس فيه, وفي المذهب فيه قولان. فإنه لما قصر نقل الخلاف المذهبي نص عليه, إ لا يفهم من نقل الخلاف الأول لأنه بين العلماء مطلقا. وأما الشيخ أبو الحسن الصغير فما رأيت في كلامه النص الذي ذكرتم عنه وهو قول مالم: إذا جدبه السير جمع بين الصلاتين وإن كان
[
وقد صرح في المدونة بأنه مما اختطه المسلمون ولقول المحدثة في خطط الإسلام فيخرج بذلك ما هو تحت حكم الفسطاط من العنوية.
[242/2]
[243/2]
والصلحية فيبقى محل الاتفاق الذي صرح به ابن رشد، وهو ما اختطه المسلمون، وقول ابن رشد هذا الموضع الذي وقع فيه التصريح بالهدم أنه مثل ما في المدونة وغيرها، ومقصوده الواضحة، دليل على صحة ما أشرنا إليه إثر كلام ابن حبيب في الدلالة على الهدم حيث لم يصرح به في الواضحة والمدونة، وقوله في السؤال إن أعطوهم العراص أو أكروها منهم يبنون فيها الكنائس، سأل فيه عن حكم ما إذا ملكوا رقبة موضع، وهو المراد بقوله أعطوهم العراص، أو ملكوا منفعته وهو المراد بقوله أكروها منهم فبنوا في كل كنيسة، وملك المعطي إنما يكن إذا كانت العطية لا على بناء الكنيسة لأنها إذا كانت على ذلك ردت إذ هي من تحبيس المسلم على الكنيسة، وهو مردود على ما نص عليه صاحب الاستغناء وغيره، وكذلك الكراء إنما يوجب ملك المنفعة إذا لم يكن على شرط بناء الكنيسة، إذ لو كان على ذلك لفسخ حسبما في المدونة وغيرها، فلما كانت العطية المطلقة والكراء المطلق إنما يقصد بهما الوجهه الجائز حمل ملك السؤال على ذلك، ولم يحكم سوى بهدم الكنيسة ويبقى الأمر على الصحة فيما سوى ذلك من التصرفات، ولو كانت العطية أو الكراء على الوجه الذي يقتضي ملك الرقبة أو المنفعة لكان الجواب لزوم الفسخ ورد ذلك إلى أربابه فيأمرون بنقض ذلك، وفي معنى العطية المقتضية للملك البيع الصحيح المقتضي للملك، فإنه لا يسوغ معه بناء الكنيسة في بلد الإسلام إذ لا فرق بين ملك الرقبة بالعطية وملكها بالشراء، فقوله في السؤال: إن أعطوهم العراص معناه أو باعوها منهم، والمراد الوجه الجائز الموجب للملك.
=فأجاب : إذا ثبت أن الشوار المذكور كان ملكا للزوج ولم يثبت ببينة ولا بإقرار الزوج أنه ملكها إياه ، ولا أنه من جملة صداقها ، فهو باق على ملكه إلى الموت فيقع فيه الميراث بين الورثة ، أو فيما بقي منه ، ولا حجة في حوزها لذلك المدة المذكورة ، ولا تصرفها فيه تصرف ذي الملك في ملكه ؛ لأن ذلك هو العادة في مثله بين الزوجين ، ولأن عليه أن يكسوها بما تحتاج من غطاء ووطاء وغيرهما ، ولا يخرج بذلك عن ملكه ، فإن احتج محتج بأن أهل الوثائق قالوا في الثوب يكسوه الرجل زوجته فتلبسه وتمتهنه عاما أو أقل إنها قد ملكته فلا يرجع به عليها عند الطلاق ، ولا يأخذه منها ، فلا حجة فيه على مثل النازلة ؛ لأن ذلك إنما قيل في نحو الثوب استحسانا على غير قياس ؛ لأن[210/3]الأصل أن يكسوها فقط لا أن يملكها الكسوة ، كما عليه أن يسكنها وليس عليه أن يملكها المسكن ، ولذلك قال التونسي في المسألة القياس أن يرجع عليها بالثوب ؛ لأنه على ملكه ، فإذا قلنا إنه تملكه فلم يقولوه إلا في اليسير مثل الثوب ، أما ما عظم قدره فلا يصح ذلك فيه ، والله أعلم .
[امرأة من ذوات الأقدار ، زوجت بنتا لها واعترفت لها بأصول وحلي ثم توفيت البنت]
*وسئل : الأستاذ العالم أبو سيعد بن لب رحمه الله عن امرأة من ذوات الأقدر ، زوجت بنتا لها معترفة في عقد نكاح لها بأصول أملاك لها وبعض حلي ، ووعدت الصهر بشوار يليق بمثلها صنعته لها الأم ، وتوفيت البنت فطلب ورثتها الأم بما صنعت لها من الشوار ، فامتنعت ما عدا العين في الصداق ، والعادة بالموضع حيث النازلة الذي يحضر صداقا ذا خطر وتعين له الأملاك ، أن يكون لها شوار على نسبة ذلك ، وقام مع ذلك وكانت المتوفاة ربيبة عنده زوج أمها بعد وفاتها يطالب بما أجراه عليها من النفقة بعد اعتراف الأم وتعيينها لما ذكر في الصداق ، وطلبه للنفقة من يوم وفاة والدها إلى الآن ، بينوا لنا تحقيق الحكم في ذلك ؟
وسئل عن رجل كان له أصل توت وكان يتوهم أنه مشترك بينه وبين أخته، فحلف لأخته بالأيمان اللازمة أن أصل التوت ما تجمع منه ورقة إلا أن يكون في مهرها منحولا لها، ثم بعد ذلك ظهر مهر الأخت فوجد فيه أصل التوت منحولا لها، فهل يلزمه في هذا اليمين شيء أم لا؟
فأجاب: إذا ثبت أن أصل التوت في مهر الأخت منحولا لها، فلها أن تجمع الورق ولا يلزم الحالف شيء قاله وكتبه أحمد الحسني.
[من خالع زوجته وهي حامل على أن يبقى من تلده معها أربعة أشهر فقط]
وسئل عن رجل خالع زوجته وهي حامل منه على أن تبقى الذرية التي تلد معها أربعة أشهر، وبعد أربعة أشهر يأخذها منها ولا حضانة لها فيها، وكان الذي خالعها منه شقيقها بتقديم تام منها، فلما تمت الذرية الأربعة الأشهر تركها أيضا بعد ذلك مع أمها عامين ونصف عام، وكانت قد تزوجت لزوج آخر، وكان الزوج والد الذرية يطلب ذريته للمفوض شقيقها بطول المدة المذكورة، ولا كان يطلبها لأمها ولا لغيرها. فهل تجب عليه نفقة الذرية أم لا؟ لأنه كان يطلبها بالشرط الذي كان له على أخيها، وبعد العامين ونصف قامت
[227/4]
[228/4]
جدة الذرية تطلب حضانتها، فهل لها ذلك أم لا؟ بينوا لنا هل الحضانة للجدة أو للأم أو للأب؟
فأجاب: إن كان الأب موسرا زمن النفقة وأنفق غير متبرع وثبتت النفقة بالبينة العادلة وكان القاضي قد فرضها، فلهذا المنفق الرجوع على الأب في ماله بعد أن يحلف يمينا بالله أنه إنما أنفق ليرجع لا على وجه الحسبة، وأما الحضانة فقد سقط حق الجدة والأم فيها، فللأب طلب ذريته أي وقت يريد.
[تقدير فرض النفقة راجع إلى اجتهاد القاضي]
القبر حبس ولم أر لأحد من الناقلين لهذه الرواية والمتكلمين عليها إلماما بذكر النفور من موضع فيه قبر مع أنه لا ينازع في مشقة ذلك على النفوس وترك القول ههنا كالتصريح لأن كثرة الكلام فيها واستشكال الرد بالمستحق اليسير والخلاف في توجيه ذلك وما جرى من القول فيه جاذب للتنبيه على ذلك وينضاف إلى ذلك مسألة البير التي ذكرتم واختيها التي ذكر ابن الحاج أيضا فيمن اشترى شاة فوجد لحمها أصفر أن ذلك ليس بعيب وإن كان يستثبت منه لأنه أمارة على علة ولا يمكن فيها بعد هذا التقرير الذي تقدم ترجيح لأحد المنهجين على الآخر إلا بهذا المقدار أو نحوه لتقاربهما، ولهذا وقع الاختلاف في مجلسكم كما ذكرتم بين أولئك السادة القدوة العارفين الأخيار، فإن الاختلاف في أماكن الخفاء أو ما يقاربها غير منكر، بل قد قال الإمام أبو المعالي في بعض كلامه إنه واجب الوقوع عادة كما ذكركم، ومن نجا منهم غير منجاكم فلا شك أن قصدهم التوخي لأسد التواخي، فعهدي بجميعهم أنهم يعرفون لكم الفضل كما ينبغي وتعرفونه لهم فانتم يدور الزمان الذين بكم يقتدي، ودراري العصر الذين بنور علمكم يستضاء ويصالح هديكم يهتدي، أبقى الله للأنام لحظ جميعكم، وأدام للأنام حفظ صنيعكم، وأما الحكاية التي نقلتم عن القاضي شريح رضي الله عنه فقد أسس الأدب مبناها، وشرح الفقه معناها، فأولها وارد مورد الشواهد لما تأول عليه بعض الشارحين قوله صلى الله عليه وسلم «إن من الشعر حكما» (¬1) من أن المراد به اجتناب ما ذمه الشرع وارتكاب ما مدحه كما نقل أن بني أنف الناقة كانوا يأنفون النسبة إليه حتى قال القائل:
قوم هم الأنف والأذناب غيرهم *** ومن يساوي بأنف الناقة الدنيا.
فصاروا لا يجيبون داعيا إلا إن دعاهم به ميلا إلى الفخر بمقتضى هذا البيت وكذلك حكي أن بني العجلان كانوا يفخرون بنسبتهم إليه حتى قال قائل:
فأجاب: لا تباع الأرض إذا كان فيها زرع صغير بطعام إذا كان ذلك
[274/6]
الزرع يؤول إلى الطعام. وإن كانت الأرض بيضاء، فلا بأس أن يشتريها بطعام نقدا أو إلى أجل.
ابن رشد: هذا مثل ما في المدونة سواء. وسحنون يجيز ذلك على أصله في إجازة بيع السيف المحلي بالذهب نقدا أو إلى أجل إذا كان الذي فيه من الذهب الثلث فأقل. وفي إجازته بيع الحائط بثمرته قبل أن يبدو صلاحها بطعام نقدا أو إلى أجل. وهو مذهب ابن الماجشون، وهو وجه القياس، لأنه إذا جاز أن يباع الزرع وهو صغير بالدنانير والدراهم مع الأرض لكونه تبعا للأرض وكأنه لم يقع عليه حصة من الثمن، جاز أن يباع بالطعام لكونه تبعا للأرض، وكأنه أيضا لم يقع عليه حصة من الثمن. وأما بيعها بيضاء لا زرع فيها، فلا خلاف في جواز بيعها بالطعام نقدا أو إلى أجل، بخلاف الكراء.
[الأحسن في المذهب أن لا يطلب المشتري من البائع ما يسمى -باب الله-]
وسئل مالك عن الرجل يبتاع السلعة ثم يستوضع صاحبه من ثمنها وهو مغتبط بالسلعة أترى ذلك حلالا؟
فأجاب: أما حلال فنعم وغيره أحسن منه. ابن رشد: هذا بين على ما قال إنه إن استوضع وهو يغتبط حلت له الوضيعة، ورأى ترك ذلك أحسن، لقول النبي عليه السلام لعمر بن الخطاب: (إن خيرا لأحدكم أن لا يأخذ من أحد شيئا)(¬1) وقوله: (اليد العليا خير من اليد السفلى)(¬2)، ولم ير عليه فيه حرجا ولا إثما ولا ضيقا إن فعله إن لم يره من ناحية المسألة المنهي عنها لما مضى من أمر الناس على هذا واستجازاتهم له، ولما أشبه ذلك من استعارة الدابة والثوب ما لم يلح ويتضرع ويبكي، فإن ذلك مكروه لا ينبغي. قال ذلك في سماع أشهب. وهو صحيح، لأنه إذا فعل ذلك أشبه أن لا يضع عنه بطيب النفس. وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه)(¬3).
[275/6]
وسئل الشيخ أبو إبراهيم الأندلسي عما يستحق بحباسة أو بجراية, هل الغلة في ذلك للمشتري بالضمان أم لا؟ مثل أن يبيع الرجل جنانا أو فدانا ثم يعمر ذلك المشتري أعواما ثم تقوم البينة أن المبيع حبس على البائع أو على عقبه, أو حبس عليه مدة ليس مرجعه إليه, أو مرجعه إليه والبنت لم تعلن بالبيع, هل يغرم المشتري الغلة؟ أو تكون له كثمن ابتاع مالا غير محبس فاستحق؟ وكيف العمل فيما بنى من ذلك المشتري وعمر؟ هل له قيمة ذلم قائما أو مقلوعا وهو غير عالم بأصل لحباسة, فإن أوجبت له قيمة ما عمرقائما ولم يكن عند البائع ولا عند من استحق الحبس ما يقوم منه قيمة البنيان, أو أبى من غرمه, فكيف يصنع في هذا مع الباني والغارس؟
وسئل ابن رشد عن الإجارة على تعليم القرآن .
فأجاب : بأن مذهب مالك وجل العلماء جواز الإجارة على تعليم القرآن ومن لم يجزها بشرط كانت أو غيره محجوج بمذهب الجمهور ، والقدوة والحجة لهم من الأثر الحديث الذي ذكرت وما هو مثله ومن جهة القياس هذا عمل لا يجب عليه فجائز أخذ الإجارة عليه وإن كان قربة مثل بناء المسجد وشبهة. وما ذكرت في سؤالك من الحديث الدال على منع الإجارة فلا حجة فيه، إذ ليس بنص فيها. ومن المالكية من تأوله لأحتماله لأنه عليه السلام إنما قاله في القوس لشيء علمه فيها بعينها من غصب ونحوه. ويؤيد هذا ظانه عليه السلام قال له حين رأى القوس بيده من أين لك هذا؟ فقص عليه القصة، فابتدأ عليه السلام بالسؤال لرؤيته في يدهظاهره الأنكار قبل علمه أنه أخذه على تعليم القرآن. ومنهم من قال إن تعليمه كان لوجه الله فكره له أخذ الأجرة على عمل قراءة لله تعالى لا يأخذ عليها أجرا. ومن حمله على ظاهره في تحريم الأجرة قال كان ذلك أول الاسلام حين كان تعليمه فرض عين، ولا يجب على أحد ترك معاشه وشغله ويجلس للتعليم فلهذا كان له أخذ الأجرة على ذلك. ابن عتاب شهد رجل عند سوار بن عبد الله القاضي فقال ما صناعتك؟ فقال أنا مؤدب فقال إني لا أجيز شهادتك، فقال ولم؟ قال لأنك تأخذ على القرآن أجرا، فقال له الرجل وأنت تأخذ على القضاء أجرا، فقال إني أكرهت على القضاء، فقال له: أكرهت على القضاء فهل أكرهت على أخذ الدراهم؟ فقال له هلم شهادتك فأجازها. ولما عرف الخطيب بصالح بن محمد حكى أن هشام بن عمار يأخذ على الحديث ولا يحدث حتى يأخذ، فدخلت عليه يوما فقال لي يا أبا علي حدثني بحديث
[252/8]
[253/8]
عن علي بن الجعد، فقال له حدثني على بن الجعد بسنده إلى أبي العالية فقال علم مجانا كما علمت مجانا، فقال عرضت بي يا أبا علي ، فقال قد قصدتك.
[ مطالبة أهل حصن غيرهم بإعانتهم في أجرة الإمام ]
وسئل أبوصالح عن رجل ابتاع جارية من المغانم نصرانية فأولدها ثم مات عنها سيدها الذي حملت منه، أتراها حرة أم لا؟ وكيف إن أرادت اللحاق بدار الحرب أتترك ولا يتعرض لها أم تمنع؟ وكيف إن ماتت عن مال من يرث ذلك عنها أهل دينها أم أولادها أو بنو عم الذي أولدها إن لم يكن لها منه ولد باق؟
فأجاب: هي حرة بموت مولاها، ولا تترك واللحاق بدار الحرب لأن ولاءها لورثة سيدها ولعل أن تسلم فيكون لهم ميراثها.
[236/9] ... ... ... ... ... [مسألة]
وسئل عن علج كان محبوسا عند رجل فأبق منه ولحق بدار الحرب فأقام بها زمانا، ثم أقبل إلى الموضع الذي كان فيه مأسورا بتجارة أيجوز للذي كان في يديه مأسورا أخذه وأخذ ماله معه؟ وكيف إن كان جانحا إلى دار الإسلام وزعم أنه رغب في الإسلام أله أخذه؟ أم ليس له ذلك؟ وكيف إن قال ما علمت أنكم على عهد من صاحب أمرنا، أيقبل قوله ولا يجب أخذه؟
فأجاب: إن كان حدث بعد إباقة عهد بينهم وبين المشرك فلا سبيل له إليه، وإن لم يكن بينهم عهد أخذه وماله لأنه عبده، وكذلك إن جاء جانحا إلى الإسلام ولا عهد لهم، فهو عبد أيضا وليس إسلام عبدي بالذي يقطع رقه عندي.
[مسألة]
وسئل عن رجل كانت له خادم فطلب إليه رجل أن يكاتبها له بخمسين دينارا على أن يؤديها عنه ويزوجها عنه، فأجابه إلى ذلك، ونجم عليه الكتابة، وعقد نكاحها معه وقت كتابتها وولد له منها أولاد، أترى أن تكون عنده أم ولد لما أدى عنها الكتابة، أم هي زوجته وتراها حرة؟ وكيف إن مات هو أو هي هل يتوارثان أم لا؟ وكيف إن عجز عن أداء الكتابة عنها، أهي زوجته وقد ولد لها منها على ما ذكرت لك من النكاح، أترجع رقيقا أم تتبع بها دينا وتكون أم ولد؟
فأجاب: يفسخ النكاح وترد إليه دنانيره والأولاد مع أمهم في الكتابة لا يرثهم ولا يرثونه إلا أن يعتقوا.
[مسألة في العتق]
فإذا خفف هذا العالم أخذ القاضي الإجارة على تعليم كتب الرسوم فأحرى على كتبها مباشرة ، وعليه يجري ما حدثني به بعض شيوخي عن الفقيه القاضي العالم أبي عثمان سيدي سعيد العقباني رحمه الله أنه لما ولي قضاء بجاية في دولة السلطان أبي عثمان ولم يجر له بها رزق على القضاة واشتدت حاجته كان يستعين بكتب الصدقات ، وتفرد بذلك برضى من عدول البلد وطيب نفس منهم . قال بعض الشيوخ . ولا شك أن رزق القضاء إذا فرض إجراؤه من بيت المال المرصد لمصالح المسلمين سائغ لمتولي الوظيف مستوفيا لشروطه ، مستحقا له بقيامه به ، ولا يتنزل هذا عندنا إلا على قاضي الجماعة خاصة لكون رزقه مفروضا من بيت المال من غير أن يفتقر لما يفتقر إليه من عداه من كتب الرسوم والوثائق لمن يتولى الحكم بينهم .
وما ترى أيضا فيمن هو في منزل من منازل البادية أكثرهم جاهلون بالشرع، وحكمه فيما يلزمهم من الطهارة والصلاة وغير ذلك من سائر فروع الدين هل يجب عليه أن يتصدى لتعليمهم ويدعوهم إلى التوبة من ذنوبهم، والإنابة إلى ربهم ويبين لهم ما يعلم من فروض وسنن فيما يلزمهم، ويستحب لهم ويعظهم ويذكرهم في مساجدهم ومجالسهم وهم يرجو إن وعظهم أن ينتفع بذلك جلهم أو بعضهم وإن قل أو يشتغل بخاصة نفسه أولى له؟.
وما ترى أيضا فيمن تغير قلبه على إمام مسجد بغضا وشحنا فيما يتعلق
[215/11] من حطام الدنيا والمنافسة في أمورها حتى صار يقع كل واحد منهما في صاحبه. فهل له أن يصلي خلفه أم لا؟
وما ترى أيضا فيما ينزل به من القبائل من العصبية والفتنة على حطام الدنيا ويكون واحد بين أظهرهم في منزلهم وهو من إحدى الطائفتين فيجري قلبه حمية لقومه، لا يكاد يستطيع دفعها من قلبه، بل كلما جاهدها غلبت عليه مرة وغلب عليها مرة أخرى، وهو يكره وجودها في قلبه، ويستغفر الله بلسانه من ذلك ويدعو أن يخلصه من عدوه هل يضره ما يجد من الحمية لقومه في نفسه، أم الكراهة تكفر عنه ذلك؟ ومع هذا أيضا ربما تكلم بلسانه وصية لقومه أن يحفظوا جوانبهم ويتحرروا من عدوهم، وهو في ذلك كله لا يحضر معهم في قتل ولا قتال ولا فرار ولا دفع فهل يجوز له ذلك أم لا؟وهل يجب عليه الفرار من بلد الفتنة إن قدر على ذلك أم لا؟ فإن لم يقدر على الفرار لتضييع الولد ولوالد لما يلحقه من الحاجة والضعف والضعيفة في بلاد الناس. فهل يرخص له في المقام بهذه الأرض ويجاهد ما استطاع، ويعزل نفسه ولسانه وسمعه عن كلامهم وأخبارهم ومجالستهم؟ أم كيف يصنع في ذلك كله؟ فان هذه مصيبة عامة في هذا الوقت في بلاد القبائل قل ما يسلم من كان بأرضهم منهم من طالب عافية أو مشتغل بنفسه، كما ذكرته لكم.
أفتنا في ذلك أعظم الله أجرك وأحسن عونك، وخار لك.