وسئل سيدي محمد بن مرزوق عما ذكر عبد الوهاب أن الجمع بين الصلاتين في السفر لا يختص بالطويل, وتبعه على ذلك جماعة من الأشياخ كالباجي وابن محرز واللخمي والمازري واستدل المازري واستدل المازري بأن قال دليلنا جمع أهل مكة بعرفة والمزدلفة, ويرد بأن هذا كقصرهم, فلو قال من لا يري اختصاص القصر بالسفر الطويل دليلنا قصر المكي بعرفة وبمنى, فبماذا يجيبه المازري إلا أن ذلك خاص بالمالكي للسنة. وهذا بعينه هو الجواب عن استدلاله هو. وقول عبد الوهاب معارض بقول ابن القصار في عيون الأدلة, فإنه نص على اشتراط الطول. ومثله لأبي تمام في كتابه المسمى بالاصطلاح, ذكره ابن القصار في مسألة التنفل على الدابة. وأظن أن الأشياخ الموافقين لعبد الوهاب لم يحفظوا كلام ابن القصار فلذا لم يذكره واحد منهم. وحكى ابن بشير في فصل التنفل على الدابة القولين غير معزوين, وسكت عن ذلك في باب الجمع, وفي الكتاب المنسوب لأبي الحسن الصغير قال
[205/1] مالك: إذا جدبه السير بين الصلاتين وإن كان السفر قصيرا. من البعيد أن يقف المغربي على هذا القول لمالك وينقله هؤلاء الأشياخ الجلة عن عبد الوهاب فقط. ووقع لابن عبد السلام في أثناء كلامه على هذه المسألة كلام مستغلق هذا نصه: والإقامة هنا مقابلة لسفرها, أعني كما أنه لا يشترط طول السفر فلا يشترط إقامة أربعة أيام, فلو كان المذهب أو مشهوره أن المسافر إذا أقام بمنهل يوما جمع لأمكن فهم كلامه. وفي طبقات الفقهاء للتاج السكني إذا جمع المسافر عند الزوال ثم ركب فإنه لا يتنفل للنهي عن الصلاة بعد العصر, وهذا فرع غريب ما رأيت من نص عليه من أهل مذهبنا فانظره.
الجزية عليهم إلا هدمت، ثم لا يحدثون كنيسة وإن كانوا منعزلين عن المسلمين، وأما أهل الصلح فإن كانوا منقطعين عن المسلمين فلا يمنعون من إحداثها ولا من رم القديم منها، شرطوا ذلك أو لم يشترطوه، وإن كانوا بين المسلمين منعوا من الإحداث ولو شرطوه والتزم لهم من لم يوف لهم به، ويمنعون من رم كنائسهم القديمة إلا أن يشترطوا ذلك في عهد صلحهم، فيوفى لهم به، ويمنعون من الزيادة فيها، كانت الزيادة باطنة أو ظاهرة انتهى.
وهذا الكلام أورده الشيخ أبو محمد في نوادره مقتصرا عليه كأنه عنده المذهب، وكذا ابن المناصف في كتاب الإنجاد، ودلالة هذا الكلام في بلد الإسلام، وعلى هدم ما وجد في بلد العنوة مع المنع من الإحداث وإلزام هدم القديم في العنوية يوجب هدم المحدث فيها وفي بلد الإسلام إيجابا أحرويا، لكنه رأى أن المنع من الإحداث يقتضي عدم وجودها، ولا معنى للكلام على هدم ما ليس بموجود، بخلاف ما كان قديما في العنوية، فإن الفرض وجوده فاحتيج إلى الكلام على هدمه، ولهذا المعنى لم يتكلم في المدونة على الهدم اكتفاء منه بالكلام على منع الإحداث.
وفي كتاب السلطان من مستخرجة العتبي: وسئل مالك عن الكنائس التي في الفسطاط المحدثة في خطط الإسلام إن أعطوهم العراص أو أكروها منهم يبنون فيها الكنائس، قال مالك: أرى أن تغير وتهدم ولا يترك ذلك، ولا خير فيه.
قال ابن رشد في الكلام عليها: هذا مثل ما في المدونة وغيرها وهدمه لا اختلاف فيه أعلمه، والأصل في ذلك ما روي أن صلى الله عليه وسلم قال: « لا ترفعن فيكم يهودية ولا نصرانية ». يعني البيع والكنائس، ثم ذكر ما في الواضحة واختلاف قول ابن القاسم والغير في أرض العنوة، فانظر جواب مالك هنا فيما أحدث من الكنائس فيما اختطه المسلمون، وهو معنى خطط الإسلام، وهي مسألة السؤال بلا شك لفرضها في الفسطاط.
=فأجاب : لا ميراث بينهما إلا أن يثبت وقوع صيغة النكاح مثل أن يقول الزوج قد تزوجت وشبهه ، وتقول المرأة إن كانت مالكة أمرها قد تزوجتك أو رضيت وشبه ذلك ، أو يقول وليها إن كان مجبرا قد زوجتك وشبه ذلك ، فإن كانت الزوجة يجب استئمارها فتستأمر وترضى بما يدل على الرضى في حقها ، فإن لم يقع شيء من هذا فلا يصح النكاح ، ولا يحصل فيه ميراث ، قاله ابن سراج .
[من تزوج امراة على غير نحلة وقال أنا أجهز عليها بيت بنائها دون إشهاد على ذلك]
*وسئل : أبو إسحاق الشاطبي عن رجل تزوج امراة على غير نحلة ، وقال أنا أجهز عليها بيت بنائها ، فدخل بخا وقد هيأ بيت البناءبشوار فلم تزل الزوجة تلبس وتفرش وتصرف فيها بحضرة الزوج حتى بلي منها وتخرق منها من غير أن ينكر شيئا من ذلك ، ثم توفي ولم يقع قبل ذلك على الزوج إشهاد بإعطائه إياها شيئا من الشوار المذكور ، فهل تكون بذلك مالكة له أم لا ؟
فأجاب: موافقة المحلوف عليه على المسألة وإقراره بها قول، فالحالف حانث إن فعل ما حلف عليه، ويلزمه في الأيمان اللازمة أن يحلف أنه لم ينو بها الثلاث، فإذا حلف طلق امرأته طلقة مملكة، ثم أرجعها إن شاء بولي وصداق والله الموفق.
[من حلف باللازمة ألا يدخل دار أخته فانتقلت منها ودخلها الحالف]
وسئل عن رجل حلف باللازمة أن لا يدخل على أخته في موضع وكانت تسكن في دار لأولادها ثم انتقلت منها لدار أخرى. وسكن دارها غيرها فدخل الحالف الدار بعد انتقالها منها. فهل يلزمه شيء بدخوله الدار وأخته ليست فيها أم لا؟
فأجاب: لا يلزمه شيء وبالله التوفيق.
[من قال إن زوجته عليه حرام وجب عليه الثلاث]
وسئل عن رجل أشهد على نفسه أن زوجته مطلقة وهي عليه حرام لا تحل له، وكان كلامه لذلك نسقا، إلا أنه حين طلقها عطف التحريم. يبنوا لنا وجه الحكم.
فأجاب: قول هذا الرجل هي عليه حرام يوجب وقوع الثلاث ولا ينوي إن كانت مدخولا بها.
[من قال لآخر تحرم علي داري إن كنت قلت فيك كلاما تنكره الشريعة]
وسئل عن رجل قال لرجل آخر تحرم علي داري إن كنت قلت كلاما
[226/4]
[227/4]
قبيحا تنكره الشريعة في الرجل المعين غير كذا وكذا، وكان الكلام قبيحا ولا عيبا.
فأجاب: إن لم يثبت على هذا الرجل أنه قال كلاما قبيحا تنكره الشريعة في ذلك الرجل المخصوص فلا شيء عليه.
[من حلف باللازمة وحنث ولم يعلم ما يلزمه فيها]
وسئل عمن حلف باللازمة وحنث فيها ولم يعلم الحالف ما يلزمه فيها هل عليه يمين ينفي علمه بذلك أم لا؟
فأجاب: يحلف هذا الحالف أنه لم ينو باللازمة الثلاث، فإذا حلف طلق امرأته طلاقا مملكا ثم ارتجعها إن شاء بولي وصداق، قاله وكتبه أحمد الحسني.
في إثبات كون هذه النفرة التي تحدث في النفوس بسبب كون الموضع قتل فيه أحد لاحقه بالعيوب المعتبرة في المبيعات قولهم في حمار الأجذم أنه يرد بذلك وإن كان صحيحا سليما، لكن يفرق بأن توهم الإعداء وإن لم يكن مما يعاب به فأنه ينبغي العدول لدفع مكابدة ما يهجس في النفوس منه كما قيل لسكان الدار التي ظهر شؤمها اتركوها ذميمة والمستند للجانب الآخر ما وقع في كتاب الجنائز من المدونة أن الدار التي يبعت ثم وجد بها قبرا أنها ترد لأن موضع
[212/5]
والثالث أن ذلك يكره. وإن كان الفدان من الزرع الكثير، إلا أن يكون هو الذي يحصده ويدرسه ويذريه وكذلك يسلفه إياه. روى ذلك زيادة عن مالك.وبالله تعالى التوفيق.
[يكره لمن له على أجيره عشرة، أن يأخذ عنها ثوبا من عنده أو يشتريه له]
وسئل عن الرجل يكون أجيره يسأله عشرة دراهم، فيسأله الأجير أن يعطيه بها ثوبا، فيقول: ما عندي ولكن إن شئت اشتريت لكل بها ثوبا.
[273/6]
فأجاب بأن ذلك مكروه وقال: أنا أخبرك في هذا بالصواب يشتري الثوب لنفسه، ثم يبيعه إياه يعني الأجير. ابن رشد: إنما كره مالك ذلك مخافة أن يعطيه الثوب من عنده، ولا يشتريه له، فيدخله فسخ الدين في الدين. ولو اشتراه له بحضرته لجاز، وهو ظاهر ما في المدونة. روي ذلك عن سحنون. وقد قيل: إن ذلك جائز وإن لم يشتره بحضرته إذا كان معه حاضرا في البلد. وهو قول مالك وسحنون في رسم صلى نهارا ثلاث ركعات من سماع ابن القاسم من كتاب البضائع والوكالات. وفي إجازة ذلك وإن اشتراه بحضرته مغمز، لأنه كأنه أخره بحقه على أن يشتري له، فيدخله سلف جر منفعة. وأما إن لم يكن معه حاضرا في البلد فلا يجوز باتفاق. واختلف إن ادعى أنه اشتراه فتلف هل يصدق أم لا؟ على قولين قائمين من المدونة من مسألة الغرائر ومسألة اللؤلؤي.
وروى ابن أبي جعفر الدمياطي عن ابن القاسم أنه إنما يصدق في الشراء والتف فيما يجوز الشراء فيه إذا كان حاضر البلد هو أو وكيله. وأما إذا كان غائبا عن البلد حيث لا يجوز الشراء فلا يصدق على التف إلا أن يقيم البينة على الشراء.
وفي رسم باع من سماع عيسى في البضائع والوكالات. ومن كتاب جامع البيوع، أنه يصدق دعواه الشراء والتلف، وإن كان غائبا عن البلد حيث لا يجوز له الشراء.
فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال: يصدق في الوجهين جميعا، ولا يصدق في واحد منهما، والفرق بينهما.
[لا تباع الأرض بالطعام وفيها زرع]
وسئل ابن القاسم عن الأرض إذا كان فيها زرع صغير هل تباع بالطعام أم لا؟
223/7] إلا بإشهاد, هل معناه أنه لا يقبض من أحد شيئا إلا بحضرة شاهدين, أو معناه أنه كلما قبض شيئا اعترف بقبضه عند الشهود, والأول من المعينين ليس بصواب شرطه لأنه يؤول إلى التضييع, والثاني منهما صواب في حق الحبس وحق الساكن, على كل تقدير فيسقط له من المرتب ما أخل به من الشرط, وأما كون الشهود لم يضمنوا معرفة الخدمة والوقوف عليها, فإن حكم الحبس عندي في ذلك حكم ربع الأيتام وإصلاح لها فانظروا ذلك في الوصايا من كتب الوثائق, وأوفاها في ذلك كتاب المتيطي, وإن كان يقدر المقدم على إثبات ما أصلحه انه كان محتاجا للإصلاح فيقوم له ما أظهر جديدا ويحاسب به والله أعلم.
[لا يشمل العقب حفدة المرأة من بنتها]
وسئل ابن لب عمن حبس دارا على ولده, وعلى كل ولد ذكر يكون له, وعلى أعقابهم وأعقاب أعقابهم, فإذا انقرضوا رجع الحبس إلى بنات المحبس, وغلى أعقابهن وأعقاب أعقابهن, فإذا انقرضوا رجع الحبس إلى اولاد أخي المحبس, وأعقابهم وأعقاب أعقابهم, فإذا انقرض الذكور من أولاد المحبس ولم يبق لهم عقب فيرجع الحبس إلى بنت المحبس ولم يبق من عقبه غيرها, فانفردت به حياتها ثم توفيت فورثها بنو عمها, وخلفت خفدة من ابنة لا من ولد, فأرادوا الدخول في الحبس وقام أولاد أخي المحبس وهو الوارثون لها, فقالوا نحن أحق بالحبس كما شرطه المحبس عند انقطاع عقبه, والجواب, إلى من يرجع الحبس وإن كان حفدة المرأة من ابنتها عقب لها أم لا- مأجورين إن شاء الله-؟ .
فأجاب: ليس للحفدة في الحبس دخول لأنهم ليس بعقب, وهذا قول مالك رحمه الله, والحبس لأولاد الأخ- إن شاء الله. قاله محمد بن فرج.
وأجاب ابن حمدين: فجواب الفقيه أبي عبد الله في المسألة صحيح, وبه أقول لصحته, والله ولي التوفيق. قاله علي بن حمدين.
[224/7] [من استحق من يده حبس لا يرد الغلة إلا إن كان عالما]
قيل : والصواب اليوم مطلقا ما لم يكون شيخا كبيرا لقلة الشهوة على النفس إلا من عصمه الله بدينه ، وقليل ما هم وهي معصية هلك بها أمة من الامم السالفة . وحذر الشافعية من تعاطى أسبابها والمخالطة لأهلها أكثر من الإناث ، فالصواب ألا يتولى إلا متزوج مشهور بالعفاف ، أو شيخ كبير لا أرب له وما اشترط بعض متأخري القرويين أن يكون عارفا بمرسوم الخط يصحح ضبط المصحف وحسن الخط والصواب ، إن هذا مطلوب في حق ناسخ المصاحف ولا يشترط في المؤدب إلا قلة اللحن خاصة مع الصيانة في الدين .
[ ما يأتي به الصبيان من بيوت آبائهم من غير إذنهم ]
وسئل عما يأتي به الصبيان من بيوت آبائهم من غير إذنهم بتكليف من المعلم .
فأجاب : لا يحل للمعلم أن يأمر به أو يقبله مثل يسير الطعام والحطب وغير ذلك ، وقد يكون بغير إذن الأب على وجه الحياء واللوم وعن سحنون لا يجوز للمعلم تكليف الصبيان فوق أجرته شيئا لا هبة ولا غيرها ولا يسألهم ذلك إلا أن يكون من غير مسألة أو من مسألة على وجه المعروف ولو كان يهددهم أو يخليهم إذا أهدوا إليه شيئا فلا يحل ولا يفعله إلا جاهل آكل للسحت فليوعظ ويزجر .
قيل لسحنون : وربما أهدى للصبي للمعلم ليزيده في البطالة المعتاده في الختمة اليوم وبعضه ؟ فقال هذا لا يجوز إلا بإذن أولياء الصبيان القابسي : من هنا سقطت شهادة أكثر المعلمين لأنهم غير مؤدين ما يجب عليهم إلا من عصمه الله ، وبعثهم لمن تزوج أو ولد له ليعطوا شيئا ياتون به مؤدبهم لا يجوز إلا بإذن آبائهم وكذلك ما يأتون به من بيوتهم ليبطلهم نصف يوم أو ربعه لا يجوز أيضا إلا بإذن آبائهم ابن عرفة بعثهم لدار بعض الأولاد لختمة أو ختان أمر معروف في بلدنا والغالب أنه لا يكون
[251/8]
[252/8]
مسير الولد لذلك إلا يعلم من وليه لأنهم يمشون لذلك بثياب التجمل والتزين في الأعياد .
[ الإجارة على تعليم القرآن ]
وسئل الفقيه أبومحمد سيدي عبدالله العبدوسي عمن كان له حظ في خادم مع شركاء له فيها فأعتق أحد الشركاء جميع الخادم المشتركة بين معتقها المذكور وبين سائر شركائه، ثم مات المعتق المذكور فعلى مذهب مالك بن
[235/9] أنس، رضي الله عنه، في نفوذ عتق جميعها ويلزمه لشركائه قيمة حظوظهم هل ذلك في حياته وبعد وفاته أو يختص التقويم بحياة المعتق كمن أعتق شقصا من عبد مشترك بين المعتق المذكور وبين شركاء له؟ فأوضحوا الصواب في النازلة يعظم الله أجركم، ويرفع في الدارين ذكركم، والسلام عليكم من كاتبه لكم عن عجل، مملوك محبتكم محمد بن أبي سعيد لطف الله به.
فأجاب: أما مسألة من أعتق جميع عبد مشترك بينه وبين عبده فاتفقوا فيما علمت أنه إذا لم يعثر على ذلك حتى مات أنه لا يقوم عليه حظ شركائه لا من رأس المال ولا من الثلث إذا طال الأمد، واختلف إذا لم يطل، فقيل: لا يعتق عليه منهما، وهو ظاهر المدونة وقيل يقوم عليه بقية أنصباء شركائه إن غافصه الموت، حكى هذا القول ابن حبيب عن مالك وأصحابه ولم يذكر فيه اختلافا، وظاهر ما في المدونة يخالفه، وهذا إذا كان العتق في الصحة ولم يعثر عليه حتى مات المعتق، وأظنها مسألتكم، إذ لا يخلو حالها كن أن يقع العتق في الصحة ويعتق عليه في المرض أو بعد الموت أو يقع عليه في المرض ويعتق عليه في المرض أو بعد الموت أو يوصى بذلك بعد الموت، وكان الواجب تخليص المسألة، وتخليصها إلى جهة واحدة، إذ تفصيل المجمل وتبيينه يستدعي طولا، وزمني لا يتسع ذلك لكثرة الواردات على باعتبار أمور، والله سبحانه المستعان، وبه التوفيق، وكتب عبدالله العبدوسي لطف الله تعالى به.
[مسألة]
قيل له لم يشترط ذلك أحد ، وقد وجدنا في كثير من الأحكام أن المعرفة تكون بمعنى الظن الذي يستند فيه إلى اليقين ، وأن اليقين يقوم مقام المعرفة في القطعيات ، وأنه مهما حصل اليقين عن نظر واستدلال قام مقام المعرفة وإن لم يكن معرفة . وإلى هذا ذهب القاضي أبو الوليد بن رشد والباجي وأبو جعفر السمناني في بعض تواليفه . فإذا حصل لناقل بعض الشهادة اليقين بها أن ذلك خط من نسب إليه صح إعمالها ، ولا يلزم القاضي أن يقول له من أين تيقنت ذلك كما لا يقول للشاهد إذا قال علمت كذا من أين علمته ، هكذا يجري الجواب عندي على ما سألت عنه ، فقيد هذا الجواب فقل أن تجده مشروحا هكذا وبالله التوفيق ، وكتب راشد بن أبي راشد الوليدي ، نقل من خط الفقيه القاضي أبي عبد الله بن أبي يحيي التازي .
[القاض الذي يقسم أجرة الوثائق مع الشاهدين]
وسئل من تلمسان الخطيب الشهير أبو القاسم بن جزي عمن ثبت عليه من القضاة أنه كان يقسم أجرة الوثائق مع الشاهدين القاعدين معه .
فأجاب : وأما المسألة السادسة وهي ما ثبت عليه ، أي على القاضي ، من أنه كان يقسم أجرة الوثائق مع الشاهدين القاعدين معه فينظر ، فإن كان فيما عمل من تبييض العقد وإصلاحها تعليم الكاتبين فذلك جائز له إن كان تدعوه لذلك ضرورة لكونه لا يعطاه من يبت مال المسلمين ما يكفيه ، فيسامح [212/10] في ذلك لأجل الضرورة ، على أنه كان ينبغي له أن ينزه نفسه عنه ؛ وإن كان لا يعمل في ذلك عملا ولا تدعوه حاجة ولا ضرورة فقد أساء في ذلك . انتهى .
وسئل الفقيه الحافظ الفاضل أبو الفضل راشد بن أبي راشد الوليد، رحمه الله تعالى ورضي عنه، عن مسائل عرضت، ونوازل نزلت، الأولى فيمن احتاج إلى مدارات هؤلاء الظلمة، والذب عن نفسه وعن والديه، وعن أحد من قرابته أو غيرهم. فهل عليه أن يداري ما استطاع من ذلك أو يترك نفسه وغيره مستسلما لله، مفوضا إليه أن يدفع عنه بقدرته؟ فإن وجب عليه في حق
[214/11] نفسه ووالدته وغيرهم، واستحب له ذلك. فهل له أن يصافحهم إذا لقيهم ويدعو لهم إذا قضي الله حوائجه عندهم؟ وهل له أن يستظل بظلهم ويقعد على فراشهم ويصلي عليه إذا حان وقت الصلاة وهو معهم فذا أو يؤمهم في صلاتهم؟.
وما ترى أيضا فيما يطلبونه من الخمر للقبائل، فهل لمن لم يستطع أن يدفع عن نفسه بوجه من الوجوه الجائزة أن يعصره ويعطيه لهم؟ أم يجب عليه الفرار من بلده من أجل ذلك؟ أو الفرق بين من يقدر على الفرار وبين من لا يقدر عليه لضعفه وقلة حيلته لما تعلق به من عيال لا يستطع النهوض بهم وأنه إن خرج من بلده احتاج إلى الناس ولحقته الضيعة والمشقة في ذلك؟ وهل الرخصة في ذلك لكل من أكره إذا خاف على نفسه وماله أن يعصره فيعطيه أو يأمر بذلك من لا يكلف من صبي أن يعصره ويتولى أمره؟ فيعطيه أو يشتريه من غيره إذا أكره عليه؟.
وما ترى أيضا فيمن هو في منزله يعصره ويشربه جهرا فلا يقدر أحدا على الإنكار عليه؟ هل له أن يغير إن قدر بالإغلاظ في القول؟.
وما تراه أيضا في الشرط الذي سماه القبائل خطأ ويغصب لذلك أهل القدرة عليه، ويأمر بأكل ما يؤخذ ممن شربه، أو يسكت عن ذلك كله ويغير بقلبه فقط؟