203/1] إقتضته دلالة الاقتران, ويكون من باب صرف الكلام لما يصلح له, فلا دليل فيه. وعلى صحة ما ذكره من الخلاف في الرفع من السجود, فمن ذا الذي ذكره ونص عليه من أصحاب الروايات المأثورات عن مالك وأصحابه؟ وكيف يتصور الفرق بين السجدتين على صحة نقله بشيء سوى النية؟ فيبين لنا ما تنتهي إليه, ونعتمد في المسألة عليه. وفي كلام ابن عرفة رحمه الله في الباب سيء فتأملوه أيضا, والله سبحانه يبقى جلالكم ويحفظ للمسلمين والاسلام كما لكم.
فأجابني بما نصه: الخلاف في الرفع من الركوع معلوم مشهور, وفي الرفع من السجود غريب منكر. وللشيخ ابن عرفة في ذلك كلام في مختصره, واستقراء الشيخ اللخمي عنده صحيح. وقد ذكر بعضهم الاتفاق على فرضية الفصل بين السجدتين وإن اختلفوا في قدره. فالحاصل أن الخلاف في الفصل موجود كالخلاف في القيام. وقد انفرد اللخمي بالخلاف في المسألتين. والخلاف في النهضة معلوم وهذا منه انتهى.
فانظر هذا الجواب فإنه لم يكشف الغماء عن شيء من فصول السؤال ولامس محل الاشكال بحال. والله المرشد.
[الجمع ليلة المطر لمن اعتاد والتخلف عن الجماعة]
وسألته ... رحمه الله عمن دأبه التخلف عن الجماعة في صلاة المغرب والعشاء فإذا نزل المطر سارع إلى المسجد لينتهز فرصة الجمع, هل له الجمع كمعتاد التجميع؟ أم لا ويعامل بنقيض قصده؟ وقد استدل بعض الطلبة لهذا القول الثاني بقول ابن الحاجب: ولا يقصر من عدل عن التقصير لغير عذر له وبقوله: ولا يمسح لمجرد المسح. وعن جماعة جمعت في مسجد بعد جمع إمامه الراتب هل جمعها صحيح؟ وغاية ما في الباب الكراهة, أو جمعها غير صحيح؟ لم نر في هذه والتي قبلها نقلا يرجع إليه, غير ما يرد عليها إن شاء الله من تلقائكم.
فأجابني بما نصه: ومسألتنا الجمع ليلة المطر كلتاهما الجمع فيهما
[
ولا ينبغي في كلام طاوس محمول على المنع، وقول أبي عبيد في أمصار المسلمين بشير إلى أن أرض الصلح خارجة عن ذلك.
وأما ما جاء عن علماء الأمة ممن بعد الصحابة والتابعين في شأن الكنائس فكثير جدا، وها نحن ذاكروان ما جاء من ذلك في مذهب مالك، وما جاء في غيره من المذاهب مما يعلم منه اعتماد الجميع على الآثار والأحاديث المتقدمة ففي كتاب الجعل والإجارة من المدونة: قال مالك: وليس لأهل الذمة أن يحدثوا ببلد الإسلام كنائس إلا أن يكون لهم أمر أعطوه، قال ابن القاسم: ولهم أن يحدثوا ببلد صولحوا عليه، وليس لهم ذلك في بلد العنوة، ثم قال: إلا وما اختطه المسلمون كالفسطاط والبصرة، فليس لهم أحداث ذلك فيه، إلا أن يكون لهم عهد فيوفي به، وقال غيره: كل بلد فتحت عنوة فأقروا فيها فليس لهم فيها إحداث كنائس.
انتهى محل الحاجة منه باختصار، ومسألة السؤال: هي ما اختطه المسلمون فلا خلاف في منعها، إذ قول الغير إنما هو في بلد العنوة التي أقروا فيها خاصة، ولهذا قال شراح الكتاب، كأبي محمد صالح، أو الصرصري واليزناسني والشوشاوي والطنجي والمغربي وكذا جماعة من الشافعية: إن الأراضي ثلاث:
1- أرض الإسلام: لا يجوز إحداث الكنائس فيها، وفي كلام بعضهم باتفاق وثبعضهم بإجماع. ومراد من عبر بالاتفاق الإجماع.
2- وأرض صلح يجوز الإحداث فيها على ما في الكتاب خلافا لعبد الملك، ومن وافقه فيما إذا كانوا مع المسلمين.
3- وأرض عنوة ألحقها ابن القاسم بأرض المسلمين، وألحقها الغير إذا اقروا فيها بأرض الصلح، وظاهر الغير أن العنوة إذا لم يقروا فيها بل انفرد بها المسلمون ثم جاءها أهل الذمة بعد ذلك أنه يوافق.
[240/2]
[241/2]
على أن ليس لهم الإحداث لاشتراطه ذلك أولا والتعليل به ثانيا، إذ صارت بعد اقرارهم فيها أولا في حكم بلد المسلمين فتكون محل وفاق، وهو مقتضى تفسير أبي عبيد لكلام ابن عباس ما سبق.
*وسئل : عن رجل زوج ابنته فلما بنى بها زوجها وانقضى سابع الدخول ، حدث بينهما كلام أوجب أن احتمل والد الزوجة بنته الزوجة وجميع أسبابها لداره ، فطلبه الزوج برجوع زوجه لدارها ، فقال له أعطها كسوة وخادمها ، وحينئذ ترجع لدارها ، وكان والد الزوجة قد نحلها في عقدة النكاح ما يظهر ببيت بنائها ، واتفق في المسألة أن كتب فيها إيجابان ، أحدهما بيد الزوج ، والثاني بيد والد الزوجة لا يعلم به الزوج ، والشهيدان في الواحد ، هما الشهيدان في الأخر ، ووقع بينهما اختلاف في أجل الكالئ وسقطت النحلة من الذي بيد والد الزوجة ، وارتاب الشهيدان بسبب ما وقع في الإيجابين من الاختلاف ، وامتنعا من أداء الشهادة فيهما وشهد عليها في ذلك ، فهل يا سيدي يجب على الزوج كسوة مع قرب البناء ، ومع ما ادعاه من النقد أم لا ؟ وهل يجب لها خادم مع عدم القدرة من الزوج على ذلك أن لا ؟ وهل لوالد الزوجة أن يسلم الأسباب التي أظهر ببيت بناء بنته أو لا ؟ وكيف إن أنكر النحلة وادعى العارية في الأسباب ، هل للزوج في ذلك مقال أم لا ؟[208/3]وهل تقبل شهادة الشهيدين المذكورين أو إحداهما إن أديا بعد ما ذكر من الامتناع فيما لم يقع اختلاف في الكتب ولا ارتياب عندهما فيه أم لا ؟ بينوا لنا ذلك كله مأجورين .
بفوت الإعذار، وحكم الإعذار مطلوب مع الاعتزال وبدونه، ولهذا يحلف الزوج ألا تبقى له زوجة في ملكه، فيحتمل أن يكون مراده ليطلقها ولم يقصد لفظه، وهو أن لا يمر عليها زمان وهي في ملكه، وغالب قصد العوام إنما هو أن اليمين هو على أن يطلق، وتفسيره بذلك هو إذا فسر به مقبول لظهوره في العرف، وعلى تقدير حجته هذا القصد فالزوج لم يظهر له طلاق موصوف ببينونة ولا غيرها، ولم يكن بأيدينا من قبله إلا الاعتراف المذكور، فلعل الطلاق الواقع بطلاق الشرع، ولا يلزمه طلاق الحنث في اللازمة إلا باليأس من البر، لأنه فيه على سعة يوقعه فيه متى أحب مع اعتزاله المرأة، فلا يتحتم الحنث عليه إلا بالموت. وقد قالوا في الحنث المتحتم بالموت إن حكم الزوجية باق إلى الوفاة، ولا طلاق بعد الموت. وهذا على بعض الأقوال التي فيمن حلف بطلاق البتات ليطلق أنه لا ينتجز عليه. ويترك الميراث في هذه النازلة وفي صورتها لأنه لا ميراث يشك. فهذا ما عندي في هذه النازلة المعضلة، ومسألة العتبية مع ما تقدم مختلف فيها ليست متفقا عليها، فتركت إشكالات النازلة. قاله فرج وفقه الله.
[من قال بنات آدم وحواء حرام علي إن سكنت دار أخي أبدا]
وسئل سيدي أحمد الشريف ابن سيدي أبي يحيى التلمساني عن رجل وقع بينه وبين أخيه نزاع في دار لأخيه المذكور فحلف وقال: بنات آدم وحواء حرام علي إن سكنت دار أخي أبدا. بينوا لنا الحكم في ذلك مثابين مأجورين.
فأجاب: لا يلزم هذا الحالف في غير زوجه من بنات آدم وحواء شيء، وأما زوجه فيلزمه فيها إن سكن دار أخيه الثلاث، إن كان مدخولا بها، ولا ينوى، وإن لم تكن مدخولا بها نوي والله الموفق، وكتب أحمد الحسني وفقه الله.
[من حلف باللازمة ألا يشتري غلة في أصلها، فلا يحنث إن اشترى أرضا بيضاء ليغرس فيها]
وسئل عن رجل اشترى غلة عصيرتين وعنب ومور(¬1) فعظم عليه الثمن
[224/4]
[225/4]
التي يتفق الخصمان على تناولها لبعض مواردها وتشديده عن بعض، فهذا أصل معمول عليه في كثير من الأبواب الأصولية والفروعية، فتأملوا ما وقفتم عليه مما يريده ابن الخطيب الرائي كثيرا في كلامه ويزيله ويثبته تارة وتارة يزيله، على دأبه في الاضطراب، فربما أوجب اليوم ما عساه غدا يحيله، ولا يخفى شأنه على من يحبس فكره خلال جداله ويحيله، فكيرا ما يقول هذا ظن والعمل بالظن واجب ومنطوق هذه المقدمة الثانية عند المحققين كاذب « فان الشرع اعتبر مراتب من الظن وألغي مراتب وربما جعل المرتبة الواحدة معتبرة في محل ملغاة في آخر كإيجاب الحد على الزاني بقيام شاهدين على إقراره وعدم إيجابه بدون أربعة على المعاينة إبقاء على من تستر مما به من العصيان تسترا بخلاف فاضح نفسه فيما ستر الله عليه وكأعمال خبر الواحد حرا أو عبد ذكرا أو أنثى وإطراحه في باب الشهادات وقبول شهادة النساء في الأموال وفي أشباهها إذ كن مع رجل وفي الولادة والاستهلال وعيوب النساء والرضاع وصدهن دون غير ذلك من الأبواب وقد ما رستم مسلك المجتهدين في استنباط الأحكام من الدلالات المنطوقية والمفهومية والقياسية وتفاصيل أبوابها وتنوعها وانقسامها، وتفاوتها بسبب ذلك غير خفي في مداركها، والظنون الحاصلة عنها متباينة في القوة والضعف، فمنها القوي المعمل، والضعيف المهمل، والوسط المختلف فيه، والتذكرة بهذا القدر كافية لمثلكم عن الإطناب في البسط والتمثيل، ومن الجاري في هذا الأسلوب في الفروع اتفاقهم على أن بيع الغرر لا يجوز وأئمتنا رضي الله عنهم يعتمدون تأصيل هذا الأصل ثم يقولون بإجازة بيع الغائب والساج المدرج وما في الإعدال على البرنامج والسلم في الحيوان وبيع المثقاثي ببدو صلاح أول بطن منها وأشباه ذلك، ولا ينكرون ما في هذه الأبواب من الغرر، ولا تقوم للقائمين بالمنع منها حجة على المجيز بمجرد النهي عن بيع الغرر لإطباق الجميع على أن كل بيع لا
فأجاب: لا يجوز، حتى يقول: من ضرب كذا، لأن المشتري عند الاستحقاق لا يدري بما يرجع، والواجب في النكاح بعد الدخول صادق المثل.
[من استحق من يده كتاب بعدما اشتراه]
وسئل ابن الحج عمن ابتاع كتابا من كتب العلم، ثم جال رجال يدعي أن ذلك الكتاب كان له، وأنه زال عن يده بوجه ذكره، ودهر طويل، وأتى بعقد تضمن معرفة الشهود بذلك، وأنهم سمعوا أن فلانا ابتاعه ببلد كذا، وقال المطلوب: قد فات الكتاب الذي ابتعته ولم يكن ذلك الكتاب الذي ابتعته أنا الكتاب الذي تدعيه أنت. وكل من شهد للطالب المدعي لم يشهد على عين الكتاب. فما ترى أن يلزم المطلوب المدعى عليه؟
فأجاب: لا يتوجه الحكم لمستحق الشيء إلا بعد شهادة العدول على عينه والإعذار إلى المطلوب فيما شهدوا به، ولا يصح للحاكم أن يحكم به للمشهود له دون تعيين الشهود فيه عنده.
[271/6]
[من أسلم لآخر ذهبا في قمح وباع منه قمحا بذهب إلى أجل وتنازعا]
وسئل عن رجل أسلم إلى امرأة ذهبا في قمح وباع منها قمحا بذهب إلى أجل، وتضمن ذلك عقدا واحدا، وادعت المرأة أن ذلك كان في صفقة واحدة، وادعى الرجل أن ذلك في صفقتين.
فأجاب: البينة على المرأة أن ذلك كان في صفقة، وتفسخ الصفقة، وإن لم يكن لها بينة حلف الرجل وصح له بيعه وسلمه. وكون ذلك في صفقة واحدة لا يجوز، لأنه طعام وذهب بطعام وذهب، لأن الرجل دفع ذهبا وهو رأس مال السلم، وطعاما وهو المبيع من المرأة إليها وينتظر أن يؤخذ منها طعام، وهو المسلم فيه، وذهب؛ وهو ثمن القمح المبيع منها إلى أجل.
[من تقايلا في سلعة بعد أن نقلها المشتري فعلى من تكون أجرة ردها؟]
وسئل عن رجل ابتاع من رجل مدي قمح وقبضه المبتاع ثم تقايلا فيه، فعلى من نقلان القمح إلى منزل البائع؟
فأجاب: الأشبه أن يكون على البائع، لأن المبتاع قد نقله حين البيع، فينقله البائع حين الإقالة، يتساويان في ذلك. وحقيقة ذلك أن يجري على الاختلاف في الإقالة، هل هي ابتداء بيع أو نقض بيع؟
[
وسئل ابن عرفة رحمه الله عن صاحب حبس حوسب فشط دخله على خراجه بدنانير فادعى أن بعض الدنانير الشائطة لم يقبضها وأنها لم تزل باقية عند سكان ربع الحبس واعترف رجال سكنوا بعض الربع ببقاء بعض الدنانير في ذمتهم, وبقيت الدنانير التي ادعى بقاءها عند السكان لم يوجد بها معترف, واطلع على هذا بعد وفاة صاحب الحبس بأعوام كثيرة واستقر الآن ميراثه بين غائب وسفيه وغيرهما, فهل ترون يمينا على من يظن به العلم من الورثة؟ وهل يحلف السفيه البالغ إن ظن به العلم في هذا أم لا؟ وإن توجهت يمين فهل يصالح فيها على الحبس أم لا؟ وكيف إن نزل هذا وصاحب الحبس حي فادعى عدم لبقبض والبقاء عند السكان ولم يعينهم وقد ماتوا معدمين أو غابوا؟ فهل يقبل قوله بيمين أو بغير يمين ؟ فسروا لنا ذلك تفسيرا واضحا, وكيفية العمل به, وما يتصل بذلك, ويفتقر إليه مما يقع السؤال عنه والسلام.
فأجاب: الحمد لله السؤال عن توجه اليمين كالدليل على وضوح عدم تضمينه, وفيه نظر, والصواب إن قام دليل على تفريطه فله تضمينه, ونزلت هذه أو قريب منها أيام الشيخ الفقيه القاضي أبي عبد الله بن عبد السلام رحمه الله فقضى بتضمينه, ويظن دليله في مسألة التضمين بالترك المشهور, ذكرها في كتاب الصيد, وما ذكره ابن سهل في كتاب الوصايا أن الوصي, إذا بور أرضا ليتيم وأهمل عمارتها حتى نقصت, أن عليه ما نقصته, وللخمي ما يقرب من هذا في البابين, وأما توجه اليمين على من يظن عمله فواضح وحلف السفيه ظاهر المذهب عدمه خلافا للأصيلي وموافقيه, والصلح عن اليمين حسن, وحكم نزول هذا وصاحب الأحباس حي واضح مما تقدم, وحيث لا ينهض دليل غرمه فاليمين تلزمه, إلا أن يظهر دليل براءته بمقتضى حاله وحسن سيرته.
[
فأجاب : إن كنت تريد يفعلون ذلك عند المعلم فينبغي أن له أن ينظر فيما هو أصلح لهم فيأمرهم به ويأخذ عليهم فيه ، لأن اجتماعهم على القراءة بحضرته يخفي عليه القوي الحفظ من ضعيفه ولكن إن كانوا من ذلك لهم خفة فيخبرهم أنه سيعرض ... كل واحد منهم في حزبه فيؤديه مما يكون منه من غير تقصير تهديدا يهددهم بذلك ولا يوقع الأدب إلا على ذنب بين قيل : وكذلك التجويد ، وقد شوهد الامام ابن عرفه رحمه الله يجمع الثلاثة واللأربعة في حزب واحد للتجويد وشوهد أبو الحسن البطريني يجمع الثلاثة في القراءة ولو كانوا يقرئون لله تعالى فلا يدركهم هذا الحكم المذكور وهذا بعد تسليم جواز الاجتماع على القراءة وهو مذهب الجمهور وتعضده الأثار الصحيحة وكرهه مالك خشية تقطيع كلامه وبالأول العمل .
[ هل يجبر الأب أو الوصي على تعليم الصبي والصبية ؟ ]
وسئل هل يجبر الرجل أن يجعل ابنه في الكتاب ويجبره القاضي ، والذكر والانثى سواء ؟ فإن لم يجبر فهل يوعظ ؟ وهل الوصي كالأب في الجبر أولا ؟ فإن لم يكن وصي فهل ذلك للامام أو للولي أو للمسلمين من ماله إن كان أو على المسلمين إن لم يكن ؟ أو على المعلم بغير شيء ؟ وهل إن امتنع الأب يسجنه الامام أو يضربه على ذلك وهل تقوم الجماعة مقام الأب في جبره إن لم يكن أم لا ؟
فأجاب : بقوله صلى الله عليه وسلم : [ خياركم من تعلم القرآن وعلمه ]. يشمل الولد
[249/8]
[250/8]
وسئل الفقيه أبوعبدالله بن آملال عن أمة أعتقتها سيدتها بعد عينها ثم ولدت المعتوقة المذكورة ثلاثة أولاد بعد الوصية المذكورة من زوجها وتركت السيدة المذكورة زوجا وأولادا، فتعين لهم الثلث الجائز والباقي ترثونه فقدم لهم زوج الأم جماعة دخيلا على أن يتمموا له العتق في الأمة وأولادها فأجابوا لذلك وتمموا العتق المذكور فيها وفي أولادها جملة من غير تعيين البعض من الكل في العبيد، فلما خرجوا عنهم قام الشيخ زوج الهالكة المذكورة مستثنيا في كلامه وقال: ما أعتقت لكم إلا الأمة فقط، وأما أولادها فلا، ومن دعواه أنه حلف قبل ذلك أن لا يعتق الأولاد، فإن ثبت هذا بشهادة الجماعة المذكورة هل يعتقون جميعا أم لا؟ فإن قلتم بعدم العتق في الجميع ما صفة من يعتق ممن لا يعتق؟ صفوا لنا الحكم في ذلك ولكم الأجر.
[
ومنها أن الذي ينبغي أن يعقد في شهادة العدل بالتهمة أنه لم يقصد إلى الزور والكذب ، إذ ليس الغالب فيمن ثبتت عدالته ذلك ، وإنما ذلك فيه نادر ، ولو كان ذلك لأدى إلى إسقاط العدالة جملة ، لأنه لو ثبت عادة أن كل عدل يكذب في كل ما يتهم عنده قصدا نثبت أنه يكذب في بعض الأحوال قصدا في مقاطع الحقوق ، وكل من هذا وصفه شاهد زور بلا ريب ، وإنما [210/10] الذي ينبغي اعتقاده فيه أنه يتأول ويتجاوز ولا يستقصي ولا يتثبت بل يعطى له الحرص في طلب النفع أو دفع الضرر على أشياء يؤتى عليه بسببها حتى لا ينظر فيها أو ينظر نظر بادي الرأي ، والطبع يصرفه عن التأني والتثبت فيؤدي ذلك إلى نقض وهذا في الشهادة . ولذلك يقول الفقهاء إنه لابد في نقل الشهادة من أن يقول شهود الأصل اشهد على شهادتنا أو هذه شهادتنا فاشهد بها أو انقلها عنا ونحو ذلك مما تقضي العادة أنه لا يتساهل فيه ، فإن لم يكن ذلك لم يصح ، قالوا لأن الإنسان يسترسل طبعا فيما يحكيه عن غيره ولو كان ورعا حتى إذا طلب بالشهادة بما حدث به عاد إلى تأمله ومزق ما كان يعقد صدقه ، غير أنه لم يبلغ مبلغا يبيح به الفروج والأموال ، وهو معلوم من جهة العادة فكذلك قد يحمله حب الاقتصار على التساهل فيما يعتقد صدقه في الجملة فلا يتأمله ولا ينظر فيه . ومن هنا أيضا تعرف وجه الحكمة في منع الحكم للقريب الذي يتهم في الشهادة له ، وعلى العدو الذي . يتهم في الشهادة عليه . وكذلك فتوى المفتي فيما لا تجوز شهادته فيه ، كل من باب واحد لا أنه يحمل على قصد التحريف والكذب ، فليكن منك هذا الموضع على بال ، وهو أصل في منع أحد المذاهب من مضايقات الأبحاث في المناظرات كمسألة الأشعري في إلزامه القول بالتكليف بالمحال ، ومسألة أشهب في إبدال الدرهم بالدرهمين وأشباه ذلك .
[هل يشهد على خط الشاهد المعروف من لم يعاصره ؟]
والجواب عن هذا: أن القرآن على ظاهره، وتقدير الحذف من غير ضرورة ولا دليل لا يجوز. والظاهر لا ينتقل عنه إلى تقدير لفظ ليس في النص إلا بدليل أو ضرورة، على أنه غير جائز في العربية هذا الإضمار لأنك لو قلت: نبشرك بقدوم زيد قادما وبقيام عمرو قائما لم يجز لأن الحال تصير لا فائدة فيها إذ صدر الكلام قد دل على المعنى فأغنى عن الحال فلا فائدة في الحال، فكذلك لو أظهرت هذا المضمر فقلت وبشرناه بنبوة إسحاق نبيئا لم يجز في الإظهار. وكان في الاضمار أبعد من الجواز. فحمل الكلام على ظاهره أولى من حمله على تقدير محذوف إذا ظهر ذلك المحذوف فسد الكلام.
ومن ذلك أنه قيل في ﴿إنه كان صادق الوعد﴾، إنما معناه أنه واعد رجلا في حاجة لرجل، فيكون لانتظاره سنة، فأثنى الله عليه بذلك. والجواب عن هذا التفسير قد قيل. والأول قد قيل. وإذا قاله قائل لم يمتنع الاحتجاج به على قول ذلك القائل وإن كان غيره قد خالفه.
ومن ذلك أنه قيل قد ذكر أهل التوراة وأهل الإنجيل أنه إسحاق وهو المنصوص عندهم في كتبهم فالجواب أن أهل التوراة والاجيل غير عدول فيما ينقلون، لأنهم بدلوا وغيروا وزادوا ونقصوا. ومن كان هذا حاله لم يقبل منه شيء منهم ولوجب قبول غيره مما يحكمون ويقولون. وقد أخبرنا الله عنهم بأنهم بدلوا وغيروا فليس بجائز أن يقبل ممن بدل وغير وأيضا فإنهم يحكمون أن الذبح والفداء إنما كانا في الشام ونقل المسلمون كافة أنه إنما كان بمنى يدل على كذبهم والمسلمون أولى بالتصديق منهم فإذا كذبوا في هذا كانوا فيما سواه أكذب وقد تواتر النقل عنهم أن في التوراة مكتوبا إن الله قال لإبراهيم: من أجل أنك جدت بواحدك ولم يختلف إسماعيل هو
[