فأجاب الإمام العلامة أبو محمد عبد الكريم بن عبد الرحمن بن عطاء الله المالكي مؤلف البيان والتقريب في شرح التهذيب, وله اختصار التهذيب, وغير ذلك, وهو رفيق الإمام أبي عمرو ابن الحاجب في الاشتغال في القراءة على الشيخ أبي الحسن الأبياري. ونص جوابه: الصلاة خلف كل من الأيمة الذين أمر بترتيبهم أمام المسلمين خليفة الله في الأرض أعز الله نصره, وأعلى أبدا كلمته في مقاماتهم المذكورة تامة لا كراهة فيها, إذ مقاماتهم كمساجد متعددة لأمر الإمام بذلك, وسواء في ذلك الأول فمن بعده. وإذا كان الإمام الأول يصلي في أول الوقت فالصلاة خلف غيره ممن يؤخر إلى ربع القامة أفضل في غير الصبح والمغرب. والمصلي خلف إمام المقام كالمصلي خلف غيره والله أعلم. وكتب عبد الكريم بن عبد الرحمان بن عطاء الله المالكي.
وأجاب الشيخ أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي مؤلف كتاب المفهم في اختصار صحيحي البخاري ومسلم بما نصه: كذلك أقول, غير أن ترتيب الأيمة في الوقت إذا كان بإذن الإمام فلا سبيل إلى مخالفته, وإن كان بغير إذنه فكل إمام يحافظ على ما هو الأفضل عند إمامه, ولا يجوز لمتبع إمام أن يخالف مذهب غمامه بغير موجب شرعي؟
وأجاب غيرهما بمثل جوابهما انتهى.
[202/1] قلت: إتفاق هؤلاء الفقهاء على إجازة ما فعله خلفاء بني العباس من تعدد الأيمة بالمسجد الحرام, كل في مقام, مع ما فيه من التعرض لتفريق الجماعتات, غير سالم من الاعتراض والله أعلم.
[الرفع والاعتدال]
وسئل سيدي أبو القاسم البرزلي عن اعتراض تقي الدين على ابن الحاجب في قوله الرقع منه والاعتدال فيه بما هو معلوم عندكم, هل يجاب عن اتعتراضه بأن الرفع منه خبر مبتدأ محذوف تقيره الفرض السابع الرفع منه, وقوله والاعتدال فيه مبتدأ خبره كالركوع؟
فكتب إليه عمر أن امض ما سألوه وألحق به حرفين اشترطهما عليهم مع ما اشترطوه على أنفسهم: ألا يشتروا شيئا من سبايا المسلمين، ومن ضرب منهم عمدا فقد خلع عهده انتهى.
وقد ذكر أيضا هذه القضية من أيمة الحديث أبو عبيد، واعتمد عليها الفقهاء من أهل كل مذهب في الأحكام المتعلقة بأهل الذمة. فقد ذكرها من المالكية شيخ الإسلام أبو بكر الطرطوشي في سراج الملوك، والشيخ الإمام أبو عبد الله بن المناصف في كتابه الإنجاد، والحافظ ابن خلف الغرناطي في تنبيه ذوي الألباب على أحكام خطة الاحتساب، وذكر بعضها المحدث أبو الربيع بن سالم الكلاعي في كتابه الاكتفاء، وذكرها من الشافعية ابن المنذر وابن بدران، ومن الظاهرية ابن حزم وغيرهم، وسقناها تامة لاعتماد العلماء عليها حيثما تكلموا على فصل من فصولها. والذي يخص السؤال منها انما هو الفصل الأول فقط. والمقصود من الأحاديث والآثار المتقدمة ما يحكم به من البلاد أنه للمسلمين لتعبيره بقوله في الإسلام وبقوله فيكم خطابا للمسلمين وبقوله في دار الإسلام، ويحمل المطلق على المقيد، فتناول بهذا التفسير ما اختطه المسلمون الذي هو محل السؤال، وما ملكه المسلمون عنوة ولا يتناول بلاد الصلح، إذ هي لأهل الصلح دون المسلمين. وقد جاء هذا التفصيل بينا عن ابن عباس رضي الله عنه، فقد روى أبو عبيد وابن حبان، واللفظ له، عن عكرمة أنه قال: سئل ابن عباس
[238/2]
[239/2]
هل للعجم أن يحدثوا في أمصار العرب شيئا؟ فقال أيما مصر مصرته العرب فليس للعجم أن يبنوا فيه بيعة ولا يظهروا فيه خمرا ولا يدخلوه خنزيرا ولا يضربوا فيه بناقوس.
[وجوه التمصير في الإسلام]
قال أبو عبيد بأثر كلام ابن عباس تفسيرا لقوله مصرته العرب: التمصير على وجوه:
منها البلد يسلم عليها أهلها مثل المدينة والطائف واليمن.
ومنها كل أرض لم يكن لها أهل فاختطها المسلمون ونزلوها كالكوفة والبصرة.
حكاه اللخمي ، وإن كان لها قدر وقام الأقرب في ذلك ، فيسأل عند قيامه عن السبب الموجب لرد النكاح عنده ، فإن ذكر عدم المصلحة للزوجة فيه ، فحينئذ يصح له القيام فينظر في الموجبات على ما سبق ، وإن ذكر غرضا يختص به ويرجع إلى جهته لم يلتفت إلى قوله ، وهذا كله قد أهمل في تلك الوثيقة ، فلا مدخل لها فيما فيه الصحة ، والسلام على مثابتكم السيادة من معظمها ومكبرها فرج .
[من نحلها أبواها عند تزويجها ، ثم توفى الأب
وادعت الأم أنها فعلت ذلك استحياء]
*وسئل : عن أبوين نحلا بنتهما في كتاب صداقها آلاف دينار في شورة وأملاك ، ثم توفي الأب أحد الناحلين وذهب عاصب متروكه إلى القسمة ، فألفى للبنت المنحول لها أسبابا من الشورة بدار أبيها وعجز باقيها ، فطلب العاصب إغرام الأمل النصف مما عجز من النحلة ، لاشتراكها معه في لفظ التثنية وحصول الأشهاد ، فزعمت الأم أن ما وقع الأشهاد عليها بما ذكر إلا استحياء من زوجها وخجلا من الناس ، إذ كان ذلك كله غي مجلس وليمة عقد الصداق ، ولم يكن تقدم لذلك معها ذكر ، وقد ظهر للشهود في ذلك الوقت مما ذكرت من عدم الرضى مما هي تدعي الآن ، فعسى تبيينكم المسألة بجملتها على حسب عادتكم من إشفاء صدور السائلين هل ينفعها ما ادعت ، وهل يلزم الشهود الاداء على مظهر في ذلك الوقت ؟ وإن وجب عليها أتكون معه على النصف في النحلة ، مأجورين مشكورين . ونص تلك النحلو في صداق البنت ونحل الزوجة أبواها فلان وفلانة ثلاثة آلاف دينار في شورة وأملاك لا غير هذا النص من زيادة .
فأجاب: النازلة معضلة، وإنما قصدت للفتيا في العدة فيها على أنها عدة وفاة مقطعة من النازلة خارجة عنها، وفات في الفتيا التعرض للعدة في النازلة بخصوصها، وقد ظهر فيها الآن لما دار الكلام فيها نظر آخر. وذلك أن ينظر، فإن لم يثبت اعتزاله لزوجه، بل كان يتردد إليها وهي الآن منكرة للطلاق أو تقول لا أدري، فالذي وقع من أمرها هو حكمها، إذ قد نص في العتبية على عدم إعمال الشهادة بالطلاق، وإذا قامت الشهادة بعد موته يفوت الإعذار إليه ( ... )(19) مالك في نص الرواية، وما أدراك ما الذي كان يدرأ به عن نفسه، وأوجب لها الميراث ( ... )(¬1) ابن القاسم وهو رأيي وعليها عدة الوفاة، فجيب لهذه المرأة ميراثها، ولا يعرض لها فيما كان عدتها وتزوجها. وهكذا الحكم إن ثبت أنه كان اعتزلها، لكن مع إبقائها تحنث إنفاقه كحال الزوجية. ولتحلف يمينا أنها ما علمت طلاقا.
نصراني، فليتأمل ذلك، وقد أمرت في أيام الإعذار النائب عن المقدم عليها أن يثبت أن القائم كان عالما بهذا العيب قبل شرائه فأثبته، ولعل الطريق إلى مقصوده يكون أقرب له من هذا الوجه وهذا القدر وقع فيما سألتم التعريف به، فكتب القاضي قاضي الجماعة في ذلك العهد أبو عبد الله بن بكر رحمه الله مجيبا عن ذلك بقوله:
السفلى، وكان يجري عليها ماء عرصته العليا، ولم يبين ذلك، فمنعه المشتري. فقال أصبغ: ذلك له، ويصرف عنه ولا يلزمه، إلا أن يكون من الأمور الظاهرة التي تعرف، ويعرفها المشتري أن لا معدل لها. وأن الماء منصب إليها، لابد له منها. ولا مصرف له على الوجوه كلها بأسبابها فأراه إذا كان كذلك كالمشتري عليها وكالشروط وإلا فلا.
ابن سهل جواب القاضي ابن زرب ومن وافقه أصح في النظر، وقياسه على مسألة أصبغ أبين في الاستدلال من التي نظر الإشبيلي جوابه بها من مسألة العبد. والله أعلم بالصواب.
[الحكم فيمن اشترى أضحية فألفاها عجفاء]
وسئل ابن الفخار عمن ابتاع شاة ليضحي بها فألفاها عجفاء لا تنقي.
فأجاب: ليس له صرفها ولا القيام بشيء على بائعها. قال: فإن سمح بائعها بقبضه منه مذبوحة وصرف ثمنها عليه لم يجز لأن ذلك بيع الحيوان باللحم.
وأجاب ابن دحون بأنه يجوز قبضه إياها منه مذبوحة لأنها شاته بعينها وليست بغيرها.
وأجاب ابن القطان بأن لا رجوع له بشيء قال وهكذا في كتاب ابن شعبان.
وأجاب ابن عتاب بأن له القيام بعيب هزالها.
وأجاب ابن النشار بردها بالعجف إذا علم بائعها أنه إنما يشتريها ليضحي بها كالمدلس بعيب في ثوب يطلع المشتري عليه بعد قطعه يرده وشيء عليه في القطع.
[الحكم فيمن ذبح شاة اشتراها فوجد بلحمها جدريا]
وسئل بعض الشيوخ عمن اشترى شاة فذبحها فوجد بلحمها جدريا.
[269/6]
فأجاب بأن قال: رآه بعض من سمعنا به من أهل العلم كالعيوب التي يفهمها الجزار، وبعض الناس قبل الذبح وجعلوه قديما يرجع بقيمة العيب بعد الذبح ويرد به قبل الذبح، بخلاف ما هو أصلي مما لا يعلمه أحد إلا بعد الكسر. وقولنا وقول أصحابنا فيه كالخشبة يوجد فيها العيب بعد القطع لا قيام فيه.
وهذا الأصل في عاشر بيوع الواضحة وفي عيوب المدونة وفي سماع ابن خالد والموازية فاعلمه.
[من اشترى ثورا فوجده لا يحرث فله الرد إن اشترى حراثا]
219/7] حقه, وجب هدمه, وإن كان بناه في موضع هو حق للعامة فلا يحال عن خاله, ويمنع من يشطر فيه إن شاء الله, ثم عرفهم القاضي في حين قصده إليه أنه شهد عنده بأن موضع هذا المسجد من حقوق الفدان المحبس على مسجد للحاجة, وإن كون هذا المسجد في ذلك المكان من الضرر, لما فيه من أسباب المناكر واجتماع أهل الشر والشطارة من الرجال والنساء إليه ولا سكنى حق إليه, وحيازة الشهود لما شهدوا فيه فقالوا أجمعون إلا ابن السليم نرى والله الموفق للصواب إذ قد ثبت عندك ما اجتلبت ذكره في هذا الكتاب أن تأمر بهدم هذا المسجد وإعادة الموضع إلى ما كان عليه من الحبس, زمن قصد الموضع من أهل الشطارة والشر منعوا من ذلك إن شاء الله. وأجاب محمد بن إسحاق بن السليم: لست أرى هدم هذا المسجد لوجوه, منها: عن جميع الأمصار في أطرافها مساجد لم يبلغنا أنها هدمت, وقد رأيت بالمدينة مسجدا بناه معاوية نائيا عنها, لا سكنى حواليه, وبين أظهرهم مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يهدم, فرأيت بجبل المغظم أيضا مسجدا قائما ليس حواليه سكنى, وإنما الذي يجب تغييره إذا بني مسجد بقرب غيره, ففي ذلك تفريق للمؤمنين, وإلى هذا نحا قول مالك رحمه الله في رواية أشهب عنه في المسجد الذي أحدث بقرب آخر, وما ذكرت من أنه بنى في قطيع من الحبس فهذا أمر خفيف, فإني رأيته بموضع غامر, وقد شاهدت أنت ذلك ومن حضر معك موضع ذلك, وقد قال ابن القاسم في المقبرة إذا عفت فابتني فيها مسجدا إن ذلك جائز, وكذلك ما كان لله لا بأس أن يستعان ببعضه في بعض, وينقل بعضه إلى بعض, مع أن موضع المسجد لا فائدة فيه للحبس لتفاهته, وأنه لا يزرع وقد تداعى مع ذلك للخراب فسيخرب دون أن يخرب فامنع أهل التشطير, وغير المنكر, وتهمم بما يلزمك من ذلك, ففي أقل مدة ينقطع المختلفون إلى هذا الجبل إذا ظهر منك تهمم, ودع عنك هدم ما لا يجب هدمه, فقد اختلف النساء إلى هذا الجبل من
[
فأجاب : الواجب على المعلم زجرة ، فإن عاد أدبه بقدر اجتهاده .
[ السكوت عن أجرة المعلم ]
وسئل عن المعلم يعلم على أن ما أعطى أخذه وإن لم يعط سكت .
فأجاب : إن علم أن من أعطاه وإن لم يعطه سكت ولم يطلبه فلا بأس به وإن كان لابد من الطلب فالواجب بيان الأجرة .
[246/8]
[247/8]
[ انتقال المعلم من موضع إلى آخر ]
وسئل سحنون عن معلم أراد أن ينتقل من موضع إلى آخر
فأجاب : إن لم يضر ببعض الصبيان لبعده من داره فله ذلك ، وإلا فإن كان عقد إجارته وإلا دون إذنه .
وسئل هل على المعلم شراء الدرة والفلقة ؟
فأجاب : عليه شراء الدرة والفلقة وكراء الحانوث وإذا استوجر المعلم على صبيان معاونين سنة معلومة فعلى الأولياء كراء موضع التعليم قال ويجب العدل في التعليم ولا يفضل فيه بعضهم على بعض ولو تفاضلوا في الجعل إلا أن يبين ذلك لوليه في عقده ، أو يكون تفضيله في وقت غير وقت تعليمه ولا يعلمه قراءته بالألحان لنهي مالك عنها .
[ المعلم يجرى له الدرهم ونحوه في الشهر ]
وسئل عن المعلم لا يشترط شيئا فيجزي في الشهر الدرهم والدرهمان ، أيقضى له بالحذقة ؟
فأجاب : يحملون على حال البلد وسنتهم ، إلا أن يشترطوا شيئا فله شرطه . وأما الحذقة فيها شيء معروف إلا على قدر الرجل وحاله ابن رشد : إيجابه الحذقة بالعرف وإن لم يشترط هو على أحد قولى مالك في القضاء بهديه العرس وإن لم يشترط إن كانت جارية البد ولم يحكم الهبة إنما حكم لها بحكم الصلة المقصود بها عين الموصول ، فأبطلها بموت أحدهما . وكذا يجب في الحذقة أن لا يقضى بها لوارثه إن مات على الأب ولا على ورثة الأدب إن مات المعلم وعليه يأتي قول ابن حبيب لأنه فرق بين الحذقة المشترطة والواجبة بالعرف في موت الصبي وإخراجه قبل بلوغه ابن يونس عن ابن حبيب إن شارطه المعلم عن أن يحذقة وله كذا فليس لأبيه إخراجه حتى يتم ولا يضره
[247/8]
[248/8]
وأجاب ابن لبابة: تأملت رحمنا الله وإياك سؤالك هذا، ووقفت عليه، وإذا تضمنت الوكالة معنى العتق فالقول قول الوكيل، وينفذ فعله، وإن أشكل ذلك ولم يوجد في الوكالة معنى ذلك ولم يكن إلا قول الموكل إذ سئل عن قول الوكيل بإمضاء ذلك فقال نعم وقال بعد ذلك إن استقام إلى آخر قوله وأنكر الإمضاء، وإن كان بين ذلك مهلة فالقول قول الوكيل، والموكل مدع، وإن كان قوله نسقا فلا يلتفت إلى قول الوكيل، والقول قول الموكل حسبما ذكر والبيع راجع إلى أوليته، وشهادة الوكيل عليه عندي ضعيفة، والله أعلم.
وأجاب ابن الإمام: إقرار الوكيل لا يلزم من وكله إذا كان في غير المعنى الذي وكله فيه، ويكون الوكيل شاهدا عليه في ذلك، وهو ظاهر المدونة، وإن كان إقراره في معنى ما وكله لزمه الإقرار، وما ادعاه الوكيل من أنه إنما ألزم نفسه عتق العبد بشرط الاستقامة، فقوله مقبول إذا كان ذلك منه قبل إنفاذ العتق له، وإن ادعى ذلك بعد إنفاذ العتق له لم يقبل منه، والمبتاع بشرط العتق لا يكون بذلك جرا عند ابن القاسم رحمه الله إلا أن يبتاعه على إيجاب العتق له فحينئذ يكون حرا عنده بالشراء، وإذا لم يكن حرا بنفس الشراء فالمبتاع مخير أن يعتق، ولا كلام للبائع أو يتماسك وتكون الحجة للبائع في الرجوع بما حط للشرط من الثمن، وشرط المشورة للغائب من باب الخيار، لا يجوز في ذلك إلا ما يجوز في الخيار.
وأجاب الزرهوني: لا يخلو أن يكون استثناء الموكل بعد إنفاذ العتق أو قبله، فإن كان بعد تنفيذه لذلك قال فإن استقام وإلا فعتقه مردود لم يؤثر ذلك الاستثناء فيما ألزم نفسه من العتق، وإن كان على أنه استقام ورضيت حاله أنفذت عتقه بعد ذلك، وقال هو الذي أردت ولم تقم بينة بخلاف ذلك دين ذلك وحلف على تكذيب الوكيل فيما شهد به عليه وكان على رأس أمره،
[
منها إن منعت الشهادة له لأجل التهمة لم تمنع شهادته عليه لارتفاعها وبالعكس ، فإذا تعارضا كشهادة الأب لأحد بنيه على الآخر والولد لأحد أبويه على الآخر ففيها نظر واحتمال .
ومنها أن التهمة إذا لحقت من غير واسطة ، فهل تلحق مع وجود الواسطة أم لا ؟ ولا شك في ضعفها عن الأصل ، ولكن قد تساويها كشهادة العدو على ابن عدوه بما يلحق العدو به معرة ، وقد تنحط عنها وهو الأكثر بحيث يتفق على اعتبار التهمة في الأصل ، وقد يقع الخلاف فيها في الفرع أو يتفق على عدم اعتبارها . وحيث يختلف في الأصل فينبغي أن لا يختلف في الفرع إلا أن ينشأ هناك تهمة أخرى .
ومنها أن التهمة ينبغي أن لا تعمل حتى تقوى فإنها قد تكون ضعيفة في [209/10] مجاري العادة فلا تقاوم ما ثبت من العدالة ، وقد تكون قوية فتربى على مقتضى العدالة ، وقد يتساويان في نظر المجتهد فيكون محل اشتباه .
ومنها أن من ردت شهادته بتهمة فلا ترتفع إلا بظهور ارتفاع شهادته بدعوى الارتفاع ، والناس في ذلك مختلفون وقرائن الأحوال شاهدة ، وقد يظهر ذلك عن قرب أو عن بعد بخلاف الأحوال ، ولا فرق في هذا بين زوال العداوة ، والزوجية أو الصداقة وبين زوال الفسق .
ومنها أن الشهادة في هذا الحكم يجريها مجرى التعديل والتجريح ، فإن تعديل الأب لابنه وتجريح العدو لعدوه متهم ، وكل ذلك شهادة أو جار في هذا الحكم مجرى الشهادة .
ومنها أن التهم على ضربين ، ضرب لا يختلف الأمر فيه بحسب كل زمان ، فالعادة بالتهمة فيه مطردة ، فالاقتصار فيه على النقل للمقلد قد يكفي كشهادة الخصم والابن والأب ، وضرب قد يختلف باختلاف الأزمنة والأحوال فلابد فيه من مراعاة العوائد بحسب كل زمان وكل حال ، فلذلك يتهم الأب في شهادته على ابنه العاق لابنه البار ، ولا يتهم في العكس ، فلا بد من اعتبار هذه الموانع ، ولا يكفي فيها النقل لإمكان اختلاف العادات .
ومن دلائل الأخبار أن معاوية بن أبي سفيان روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أنا ابن الذبيحين" يعني إسماعيل لأنه من ولد إسماعيل. والذبيح الثاني هو ما ذكر في المغازي في قصة جرت لعبد المطلب بن عبد الله والد النبي صلى الله عليه وسلم وذلك أن عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم نذر ذبح ابنه عبد الله والد النبي صلى الله عليه وسلم، فأراد ذبحه فرأى في المنام أن يذبح مائة ناقة عوضه، ففعل، فكان ذلك فداه، فلذلك قال صلى الله عليه وسلم: "أنا ابن الذبيحين" يعني إسماعيل وعبد الله وقيل بل نذر انه إذا ولد له عشرة أولاد، وبلغوا النفع ذبح أحدهم فلما رزقه الله ذلك ألقى القرعة بينهم، فوقعت على عبد الله والد النبي صلى الله عليه وسلم ففداه بمائة من الإبل بعد شخوصه إلى الكاهن في ذلك. وكان عبد الله أصغر ولده وأحبهم إليه. وهي قصة طويلة مشهورة تركنا ذكرها لأنا لم نقصد إلى ذكرالقصص إنما نذكر عيون الحجج.
ومن الدلائل الأخبار ما تواتر به النقل أن قرني الكبش الذي فدي به الذبيح كانا في البيت، إلى أن بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم وإسماعيل هو الذي بني البيت مع إبراهيم قال الله عز وجل: ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل﴾
[211/11] وهو الذي سكن الحرم، وبه دفن. فهو الذبيح الذي فدي بالكبش، لكون قرني الكبش في البيت الذي هو بناه وهو وبنوه عمرو.ه ومن زعم أن الذبيح إسحاق يقول: إن الكبش إنما ذبح بالشام. وهذا نقض لما نقل الكافة عن الكافة أن الذبح كان بمنى وهو مذبح المسلمين إلى الآن ومن دلائل الأخبار ما أجمع عليه المسلمون أن الذبح الذي كان إنما كان بمنى وهو مذبح الناس الآن، ولا خلاف أن إسماعيل هو الذي كان بمكة وهو الذي عمرها وبنوه وأن إسحاق إنما كان بالشام وبها قبره صلى الله عليه وسلم.