تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وسئل من يذكر من شيوخ المذهب عن حكم الأيمة المتجددين في المسجد الحرام اوائل المائة السادسة بامر خلفاء بني العباس, وصورة الاستفتاء: ما تقول السادة الفقهاء أيمة الاسلام, وأمناء الله على الأحكام, في الأيمة المقامين بالمسجد الحرام بمكة زادها الله تشريفا وتكريما وتعظيما. وهم إمام الشافعية والمالكية والخنفية والحنابلة الذين قررهم الإمام الخليفة أعلى الله قدره على ما هم عليه الآن, وكون بعضهم يتقدم لالاصلاة أول الوقت ثم يليه الآخر ثم الآخر, كل واحد يصلي بجماعته في مقامه المعين له, هل يجوز ذلك في المسجد الحرام, ويعد مقام كل واحد منهم كأنه مسجد مستقل بنفسه؟ ولا تركه الصلاة والحال هذه خلف واحد منهم, سواء كان أولا أو ثانيا أو ثالثا, وأن من سبق منهم أولى بالصلاة بعد الزوال, ثم تلاه الآخر منتظرا لجماعته وصلى في اوائل الوقت المعتبر في الفضيلة عنده, هل يكون السابق أفضل؟ أو كل واحد منهم أوقع الصلاة في وقته؟ أو يعد المسجد الحرام كالمسجد الواحد؟ وأن المقامات المنسوبة إلى كل إمام كالأيمة في المسجد

[201/1] الواحد؟ فتكره الصلاة خلف الثاني منهم, وبعد الثاني والثالث والرابع كأنهما جماعة بعد جماعة في مسجد واحد, فيكره ذلك ويكون الإمام الراتب هو السابق بالصلاة. وإذا كان الخليفة قد عين إماما منهم بالسبقية بالصلاة أولا, ثم عين الثاني والثالث والرابع على الترتيب هل يتعين هذا المعين السابق؟ ويكون هو الإمام الراتب ومن بعده لا يعتبر بتعيين الخليفة له؟ ويكون كالجماعة الثانية في المسجد الواحد فتكره الصلاة خلفه أم لا؟ فهل تكون الصلاة خلف الإمام السابق المصلي في مقام ابراهيم عليه السلام في مقابلة باب الكعبة أفضل ممن صلى خلف غيره من الأيمة في موضع إمامته من المسجد الحرام أم لا؟ والجواب عن كل فصل من ذلك شافيا مبينا رحمكم الله تعالى ورضي عنكم.

بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب لعبد الله عمر أمير المؤمنين من نصارى الشام، إنكم لما قدمتم علينا سألناكم الأمان لأنفسنا وذريتنا وأموالنا وأهل ملتنا، وشرطنا لكم على أنفسنا أن لا نحدث في مدائننا ولا في ما حولها ديرا ولا كنيسة ولا بيعة ولا صومعة راهب. ولا نجدد ما خرب منها، وألا نمنع كنائسنا أن ينزلها أحد من المسلمين في ليل ولا نهار، وأن نوسع أبوابها للمارة وابن السبيل، وأن ننزل من مر بها من المسلمين ثلاث ليال نطعمهم، ولا يؤؤى في كنائسنا ولا منازلنا جاسوس، ولا نكتم غشا للمسلمين ولا نعلم أولادنا القرآن، ولا نظهر شرعنا ولا ندعو إليه أحدا، ولا نمنع أحدا من ذوي قرابتنا الدخول في الإسلام إن أراده، وأن نوقر المسلمين ونقوم لهم من مجالسنا ان أرادوا الجلوس، ولا نتشبه بهم في شيء من لباسهم في قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا فرق شعر، ولا نتكلم بكلامهم ولا نتكنى بكناهم، ولا نركب السروج ولا نتقلد السيوف ولا نتخذ شيئا من السلاح ولا نحمله معنا، ولا ننقش على خواتمنا بالعربية ولا نبيع الخمر، وأن نجز مقادم رؤوسنا، وأن نلزم زينا حيثما كنا، وأن نشد الزنانير على أوسطنا، وأن لا نظهر صلباننا وكتبنا في شيء من طرق المسلمين وأسواقهم، وأن لا نضرب بنواقيسنا إلا ضربا خفيفا، وأن لا نرفع صوتنا بقراءة في كنائسنا في شيء من حضرة المسلمين، ولا نخرج

[237/2]

[238/2]

سعانينا ولا ياغوثنا، ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران معهم في شيء من طرق المسلمين وأسواقهم ، ولا نجاورهم بموتانا، ولا نتخذ من الرقيق من جرت عليه سهام المسلمين، ولا نطلع على منازل المسلمين.

فلما بلغ الكتاب عمر زاد فيه ولا نضر بأحد من المسلمين، شرطنا لكم ذلك على أنفسنا وأهل ملتنا، وقبلنا على الأمان. فإن نحن خالفنا في شيء مما شرطنا لكم وضمناه على أنفسنا فلا ذمة لنا، وقد حل لكم منا ما يحل من أهل المعاندة والشقاق.

والثالث أنه لم يعرج فيه على الاعذار إلى الزوجين في فسخ نكاحهما والحق في ذلك لهما ، والحكم به وارد عليهما ، ولا يصح الحكم دون اعذار للمحكوم عليه عند إمكانه ، والنكاح عند الفقهاء من الحقوق البدنية فيعذر فيه للزوجة ، وإن كانت محجورة أو مهملة فلا يحتاج في الحكم إلى ما ذكره في نص الرسم من تقديم القاضي عليها من يعذر إليه في نكاحها ، ولم يذكر الاعذار إلى الزوج تصريحا في النكاح الذي هو من حقه وذلك واجب ، والزوجة كما ذكر لا تصح النيابة عنها في ذلك من قبل القاضي الذي نظر في القضية على تلك الوجبات الناقصة ، ظاهره أنه فسخ بغير طلاق ، إذ لم يذكر فيه غير رد النكاح ولا يكون الفسخ في نكاح فيه خيار للولي ، أو لأحد الزوجين إلا بطلاق ، ولا ينفسخ بدونه ، ومع هذا فالقول بالتخيير للولي الأقعد إذا زوج الأبعد فيمن يستأذن بلا إجبار فيه خلاف مشهور ، فقد حكم القاضي بقول شاذ ولم يوافق حكم القول ولا نصه ، ولا حصل كمال مواجباته ، فالحق أن فعل القاضي ذلك في الوجه المذكور مردود ، والنكاح منعقد حتى تتوفر الموجبات الشرعية في فسخه على الواجب فيه ، وقد ذكر في نص الرسم حال أخي الزوجة في نكاح أخته ، وذلك من الهذيان الذي لا يعول في حكم شرعي عليه ولا يلتفت إليه ، لكن ذكره مع إسناد الولاية إلى غيره ، ولم يذكر سبب ذلك ، هو أيضا من جملة خلل الوثيقة ، فإن الأخوة متقدمة على العمومة باتفاق ، فقد كان من الواجب ذكر السبب في خروج الولاية عن جهته من كونه أخا للم إن كان كذلك ، أو ممتنعا من الولاية متأبيا عنها ، ويشعر بهذا السبب ما وصف به من الوعيد والتهديد لمن كان له مدخل في ذلك[206/3]النكاح ، لكنه كان يجب ثبوت ذلك عند القاضي بما يجب ، ولا يكفي حكايته ، وقد كان من وظائف القاضي في هذه النازلة أن ينظر في حال البنت ، فإن كانت ممن لا قدر لها في نفسها ومالها فلا يتعلق للأقرب حق في فسخ نكاحها قولا واحدا

وسئل عمن حلف باللازمة ألا تبقى امرأته في ملكه، ثم سئل بعد ذلك بأيام بأن قيل له سمعنا بأنك حلفت أن تطلق زوجك فقال نعم، فقيل له فطلقها. قال نعم، وثبت ذلك من قوله. ثم توفي قبل تمام العدة وكان معتزلا عنها. هل ترثه أم لا؟ وكانت الزوجة قد تزوجت بعد تمام أرعة أشهر وعشر من وفاته ولم تحضر أثناء ذلك، لكن لعذر، إذ كانت ترضع، فعرفتكم إذ ذاك بذلك لتنظروا في نكاحها، فأجبتم عن ذلك بعدم الميراث وقلتم إن كان طلاق السنة فقد بقيت في ملكه، فارتدف الحنث في العدد بسبب حنثه في اللازمة فلا ميراث، وإن كان طلاق العادة فلا ميراث أيضا، ثم قلتم لا عليها من عدم الحيضة، أعني الزوجة، في مدة العدة لأجل العذر المذكور، وذلك ينبني بما ظهر لي على انتقالها إلى عدة الوفاة، وفي انتقالها إلى عدة الوفاة مع الحكم على الطلاق بالتمليك بكل تقدير نظر، لأن مالكا وقع له فيمن طلق زوجه بالثلاث في مرضه ثم مات وهي في العدة، لا تنتقل إلى عدة الوفاة وترث وكذلك هي المطلقة طلاقا بائنا عندهم لا تنتقل إلى عدة الوفاة. فأشكل علي انتقال تلك المرأة إلى عدة الوفاة مع عدم ميراثها جملة بسبب حمل الطلاق على التمليك، فلكم الفضل في تأمل ذلك والتعريف في هذه القضية.

[222/4]

[223/4]

إذا عرق المهقوع بالمرء أنعظت [حليلته واشتد حرا عجانها وتركت النصف الثاني من البيت لأنه أقذع فيه، قال فكان مكروها بسبب هذا البيت بعد أن كانا مستحبا، قال الحاكي عن أبي عبيدة وهو أبو محمد بن السيد أن رجلا اشترى فرسا فوجده مهقوعا فخاصم بائعه إلى شريح فأوجب شريح على بائعه أخذ فرسه ورد الثمن فقال له البائع: أيمنع هذا الشيء من مطعم ومشرب أو ينقص من قوة أو جرى؟ فقال لا، قال البائع: أفمن أجل قول شاعر زعم ما زعم وتقول ما شاء ترده علي؟ فقال شريح: قد صار عيبا عند الناس فخذ فرسك ودعني من هذا، فهذه الأمور مما رجح عندي أن ما أثبته إبراهيم الرري عيب، وقلت لهؤلاء الطلبة الذين قصرت عقولهم عن منتهى ألسنتهم: أما أنا قد أبديت لما ذهبت إليه نظيرا جزئيا يشبهه، وأتيت بكليات يندرج هذا الجزئي تحت عمومها، فهل تحفظون نظيرا لما ذهبتم إليه من كون هذا ليس بعيب؟ فقالوا: لا، فقلت أن أتطوع لكم بنظير يقوي ما ذهبتم إليه، وههنا يظهر صريح الإنصاف في المناظرة أن يرشد الخصم خصمه إلى مكان حجته حرصا على إصابة الحق في أي جهة وجد، ولم أر في هذا القطر من يفعل ذلك إذا حمي وطيس المناظرة فقلت لهم ابن الحاج قاضي الجماعة بقرطبة صاحب النوازل فكر في نوازله ما إذا اشترى الرجل دارا لها بئر مشتركة مع الدار التي تجاورها، ثم ألفى تلك الدار المجاورة ليهودي أو نصراني فإنه ليس بعيب، لأن الله قد أباح لنا طعامهم ولو كانت البئر لمجذوم فليس بعيب، ويؤمران يستنيب صحيحا يستقي له، ووجه الجمع بين هذه ومسألتنا وجود النفرة في النفس من البئر المشتركة مع يهودي أو

[209/5]

وأصل هذا أن من ابتاع ثوبا فصبغه ثم اطلع على عيب فيه. فتأمله في كتاب البيوع من المدونة وغيرها. قال: وإنما تحلق اليمين للمبتاع لأن خصمه قد برأه منها كما لو قال نعم، بنى ما ادعى بنيانه فيها وقال الأول: لم يبن فيها شيئا.

ابن سهل وتكلمت مع ابن عتاب في جوابه أن ذلك البنيان غير مفيت لها، واحتج بالتي في كتاب الشفعة، فيما باع دارا ابتياعا فاسدا لم يفتها حوالة سوق ولا تغير بناء.

قال ابن القاسم: وإنما أعرف الفوت الهدم. أو يكون المشتري قد بنى فيها بنيانا البيوت والقصور، فهذا فوت أيضا. فلم ير البناء اليسير فوتا حتى يكون قصورا أو بيوتا ولما ذكر ابن القاسم هنا، نظائر في الواضحة والعتبية.

[من اشترى حانوتا بقرب دار بائعا فألفى فيها حفرة لمرحاض الدار]

وسئل أبو عمر أحمد بن عبد الملك الإشبيلي المعروف بابن المكوي عن رجل باع حانوتا من رجل، وللبائع دار تلاصق هذه الحانوت. وفي الحانوت حفرة مرحاض الدار، ولو يعلم المبتاع بها حين التبايع فأراد تبقيتها فمنعه المبتاع وقال بيعك للحانوت بجميع حقوقه ومنافعه يقطع حجتك وحقك من الحفرة.

فأجاب بأن المبتاع بالخيار في التزام الحانوت بعيبه أو تركه. وقاسها على المسألة التي في كتاب الكفالة في العبد يكون لسيده عليه دين فيبيعه السيد على أن يتبعه بالدين، فيريد المشتري إسقاطه عنه. فقال مالك: الدين لازم. وللمشتري رد العبد بلك إن لم يرد أن يتمسك به وأخذ الثمن.

وأجاب ابن زرب وجميع الفقهاء: إن بيعه للحانوت قاطع لحقه في الحفرة، وقاسها القاضي بمسألة أصبغ في جامع البيوع، فيمن باع عرصته

[268/6]

وسئل شيوخ الأندلس عن رجل أحدث مسجدا, وأن أهل الشر يختلفون إليه متبرجات النساء, قد جعلوه ذريعة لذلك, ووقف المشهود عليه على ما شهد به, فقال إني لم أر بذلك إلا الخير, ولا علمت أن علي فيه حرجا فعرفوني برأيكم إن كنتم ترون هدم المسجد وضم بانيه إلى الانفاق في ذلك وفيما يلزمه فيما أحدثه لاحتمل عليه إن شاء الله تعالى

فأجاب جميعهم إلا ابن السليم إن كان هذا الرجل بنى المسجد في حقه فلا سبيل إلى هدمه ويمنع كل من قصده للشطارة, وإن كان بناه في غير

[

قيل : لأن العمل في عينه ، وهو إحدى المسائل التي تستوي فيها المنافع وإن تعذرت فسخ الكراء والعقد الذي بين المتعاقدين الذي يتعين المستوفي به المنافع كذا الصبيان صبي المكتب والطير وفرس الأترى والرياضة وزاد بعضهم حصاد البقعة والحائط والثوب الذي لا يوجد نظيره غالبا .

[ هل يضرب ابن خمس سنين من الصبيان أو أقل أو أكثر ؟ ]

وسئل هل يضرب ابن خمس سنين من الصبيان أو أقل وأكثر إلى عشرة إذا ضحك في الصلاة أو تركها أو شرب مسكرا ؟

فأجاب : إن كان ابن عشر سنين زجره عن ذلك وإن عاد أدبه وأما في شربه المسكر فجائز تأديبه عليه وأما ابن خمس سنين فيرجره عن شرب الخمر وعن الضحك فإن عاد زجره زجرة ثانية فإن عاد أدبه على قدر احتماله وقوته ، ولا حد في ذلك وهذا إذا نهاهم الأدب عن شرب المسكر ، وإن كانوا يسقونهم يتوقف عن ضربهم ، قيل ويؤدب الآباء .

[245/8]

[246/8]

[ ما يأتي به الصبي زاعما أن أبويه أعطياه ذلك ]

وسئل عن أخذ ما يأتي به الصبي للمعلم ويزعم أن أباه وأمه أعطت ذلك له .

فأجاب : إن جرت عادة بهدية الأب للمؤدب فجائز قبوله وتصديقه ، إلا أن يأتي بما يستكثر أن يكون الأب بعثه به أو في غير وقت اعتاده منه فيسأل عن ذلك أبويه حكى ابن الرقيق أن عبد الله بن غانم القاضي كان له ابن فجاء من عند معلمه فسأله عن سورته وحفظه فقرأ عليه أم القرآن فأحسن في قراءته ، فدفع إليه عشرين دينارا فلما جاء بها إلى ابن غانم فقال له : رددتها استقللتها ! فقال المعلم ما أتيت من هذا ، وإنما ظننت ظنا فقال له لحرف واحد مما علمته يعدل الدنيا وما فيها .

قيل : وصدق لأن الدنيا ما تزن عند الله جناح بعوضة من أحوالها فأحرى في أمور الآخرة .

وسئل هل يهب الصبي الكسوة والقبضة من تمر أو شبهه .

فأجاب : لا تجوز هبته لذلك ولا لغيره .

وسئل عن صغير عند معلم صغيرا أو كبيرا ورفع إلى المؤدب ما يلزمه ؟

وسئل فقهاء سبتة وغيرهم عن أهل ميراث تقاسموا ميراثهم وأحضروا غلاما من التركة فقال بعضهم لبعض من اشتراه بعشرة بشرط العتق فهو له، فقال وكيل بعض من غاب منهم قد التزمته بالثمن على الشرط المذكور وبشرط شورى موكلي، ثم جاء من عنده فقال قد رضي بفعل، ثم سئل الغائب بعد ذلك فقال نعم، ولكن قلت له إن استقام وأنكر الإمضاء مطلقا، هل يلزم إقرار الوكيل ههنا على موكله في إمضاء العتق؟ وإن لم يلزم فما حكم هذا البيع؟ مشكورا مأجورا إن شاء الله.

فأجاب محمد بن عبدالله إذا شهد على ما ذكر فوق هذا فلا يجوز بيعه ويعتق عليها، وبالله التوفيق.

وأجاب ابن رشد: تصفحت السؤال ووقفت عليه وإن ثبت على الموكل رضاه بما فعل وكيله من التزامه إياه له بشرط العتق لزمه ذلك، وإن لم يثبت ذلك عليه لم يلزمه، ورجع العبد على الشركة بينهم وبالله التوفيق.

وأجاب يوسف بن أحمد: وفقنا الله وإياك، إذا ثبت أن الوكيل استوجبه لموكله بشرط العتق، وثبت توكيله إياه على ذلك لزم الموكل ووجب عليه عتقه إن اشتراه له وكيله على إيجاب العتق، وإن لم يثبت التوكيل لم يلزم الموكل

[232/9] ذلك إلا أن يثبت أنه رضي، أو يقر بذلك، فإن أنكر حلف ورجع العبد على الشركة، وبالله التوفيق.

وأجاب محمد بن إسماعيل: إمضاء الأمر لفعل المأمور لازم للأمر واستثناؤه إن استقام ليس بمؤثر في العتق، والله أسأله التوفيق برحمته.

وأما الحرص على الشهادة قبل السؤال ففيه تفصيل ، إذ لا يخلو أن يكون الحرص على التحمل أو الأداء أو القبول . فالأول كالمختفي ليشهد ، فالتعويل على القرائن في التهمة أو عدمها ؛ والثاني إن كان حقا لله فإن الشهادة فيه تقبل وإن لم يدع ذلك مدع ، ويلحق بهذا القسم ما مازجه حق المخلوق ، إذ كل ما لا يجوز التراضي به ولا الموافقة عليه فلا يجوز السكوت عليه ، كشهادة بحنث من حلف بالطلاق مع بقائه على المرأة أو نكاحه رضيعة أو ملاعنة ، والشهادة بالتحبيس على غير معين وأشباه ذلك . وإن كان حقا لمخلوق كالأمور المالية ، فإن لم يعلم صاحب المال بماله أو كان غائبا فالشهادة بها عاملة ، وإن علم أو كان حاضرا فادعى حقه فأتى الشهادة ليشهد [208/10] ولم يستدع فهذا هو المذموم في الحديث فيتهم ، فإن ظهر منه بالقرائن الحرص على القبول أتهم . وحاصل هذا التفرقة بين أن يشهد امتثالا لأمر الله فلا يتهم ، أو ليعده الناس عدلا فيتهم .

وأما التأسي بالاشتراك فهو أن تلحقه معرة كبيرة من الكبائر إما من فعله كالزاني يحد أو من غير فعله كولد الزنى ، فإذا تاب لم يقبل في مثل ما لحقته المعرة فيه .

وأما رفع معرة الرد فكالعبد والنصراني والصبي وأشباههم يشهدون عند الحاكم فيردون ثم يعيدونها بعد زوال المانع ، فهذا فيه تفصيل ، فإما أن يرفعها إلى الحاكم أو لا ، وإذا رفعها فإما أن يردها أو يقف عنها فلا يقبلها ولا يردها . فهذه ثلاثة أقسام ، فالأول أن يردها فلا تقبل إن أعادها لأن كل من ردت شهادته لمعنى فزال المعنى فأعادها اتهم . والثاني أن لا يرفعها كما لو قيل للحاكم عندي شاهد عبد فقال لا أقبله ثم أتى بعد العتق فشهد فلا تهمه . والثالث أن يرفعه فيقف الحاكم ثم يعيدها بعد زوال المانع فالظاهر القبول لبعد التهمة .

قال : وهنا أحكام للعطف على ما تقدم :

كانت له إحداهما بإسماعيل في غير حال الكبر، ولم يتقدم له في ذلك رغبة ولا سؤال، ولم يختلف في أن إسماعيل هو الأكبر.

وإذا ثبت أن البشري التي في هود والحجر والذاريات هي بإسحاق، فدلالة كون البشرى في الثلاثة المواضع على لسان الملائكة الذين أرسلوا إلى

[210/11] إهلاك قوم لوط دل على أن البشرى التالية بإسماعيل، وهي التي في الصافات، وبدلالة البشرى بإسحاق بعد الفداء فدل ذلك على أن إسماعيل هو الذبيح لما بينا أنهما بشارتان له، واحدة مكررة في الثلاثة مواضع بإسحاق، وأخرى في موضع بإسماعيل. ومن دلائل القرآن أن بعض المفسرين:

قال في قوله تعالى في مدح إسماعيل: ﴿إنه كان صادق الوعد﴾ إن ذلك الصدق هو صبره على الاضجاع للذبح، وإتمامه لما وعد أباه إذ قال له: ﴿افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين﴾. فصبر حتى أضجع وصبر عند أخذ السكين للذبح، ولم يرجع عما وعد أباه من الصبر على الذبح حتى تفضل الله عليهما بالفداء، فلذلك مدحه الله بصدق الوعد وأثنى عليه.

المعيار المعرب والجامع المغرب · الجزء ١ · الصفحة ٢٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المعيار المعرب والجامع المغربج ١ · ص ٢٥٢