قلت: أحدهما من حيث كونه أحدهما مشترك بينهما, ولا نسلم تعلق الطلب بنوعه أصلا أو ضمنا لعدم إمكانه مجردا. وقد علمت أن شرط المطلوب الإمكان, وإنما يتعلق الطلب بالجزئي لإمكانه, ومتى حصل الجزئي في الوجود مع الواجب المذكور قطعنا أن حصوله يتم بدونه لجواز وقوعه مع مقابله. سلمنا تعلق الطلب بالمشترك في الجملة لكن لا مجردا لاستحالة
[200/1] ما لا يطاق, إذ وجود المطلقات في الأعيان مجردة محال, بل لتعلق الطلب به مضافا إلى الجزئي الممكن. والمضاف إلى الجزئي الممكن حصة من المشترك لا كله. وما من حصة وقعت مع الجزئي خارجا إلا وتقطع أنه ليس من ضرورة حصول الواجب خارجا مصاحبته لها. لجواز إيقاعه مع أخرى في ضمن جزئي.
فإن قلت : لا شك في تحريم ترك الطريقتين معا, لأن جواز تركهما معا يفضي إلى ترك الواجب المذكور, إذ لا طريق لأدائه إلا وقوعه في أحدهما من حيث هي, وتحريم الترك من خصائص الواجب. فإذا امتنع أن يكون كلاهما واجبا من طريق ما لا يتم إلا به لما ذكر. وجب أن يكون الواجب أحدهما من حيث هو, كخصال الكفارات.
لا ... قلت: إن سلم ذلك فلا يضر, إذ المدعي غنتاج إياه كل منهما, وهو باطل لما مر أحدهما من حيث هو والله أعلم.
[تعيين أئمة للمذاهب الأربعة بالمسجد الحرام]
فوجد كذلك. وأما الآثار فقد روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لا كنيسة في الإسلام. ذكره أبو عبيد. وروى سالم بن عبد الله عن أبيه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر أن تهدم كل كنيسة لم تكن قبل الإسلام، ومنع أن تحدث كنيسة ذكره ابن بدران وهو من أقران الباجي.
[ كتاب القائد إلى عمر بن الخطاب حين صالح نصارى الشام]
ولما ساق ابن حبان الاحاديث المتقدمة بأسانيده قال: أخبرنا أبو يعلى الموصلي قال: حدثنا الربيع بن ثعلب قال: حدثنا يحيى بن عقبة بن أبي العيزار،عن سفيان الثوري والربيع بن نوح السدي عن طلحة بن مصرف، عن مسروق عن عبد الرحمان بن غنم أنه كتب إلى عمر بن الخطاب حين صالح نصارى الشام.
=فأجاب : وقفت وصل الله حفظ سياطتكم وعلو مجادتكم ، على نص الرسم المجتلب بمقلوب هذا ، وهو قاصر عن إيجاد الحكم من ثلاثة أوجه :[205/3]أحدها أنه لم يتضمن ثبوت بعد الولي العاقد عند القاضي ، وأنه ابن عم ، كما ثبت عنده قرب القائم وأنه عم ، ولا بد في فسخ النكاح المنعقد من ثبوت موجبات الفسخ كلها ، ولا يكفي اعتراف العاقد الآن ببعده ؛ لأنه يحاول بذلك فسخ ما عقد ، وليس ذلك بيده . والثاني أنه لم يذكر فيه يمين الأقرب أنه لم يعلم بالنكاح فسكت عليه إقرارا له ورضى به ؛ لأن حاله بقرب موضع سكناه مظنة لعلمه ، وسكوته مع العلم مظنة لرضاه به .
وسئل عمن حلف باللازمة على ربيبه ألا يدخل دار سكناه بقاء أمه في ملكه، وكانت الدار التي في اعتماره بينه وبين زوجه أم المحلوف عليه، ثم أنها اكترت دارا أخرى وسكنتها هي وزوجها الحالف المذكور، وصار الربيب
[221/4]
[222/4]
المحلوف عليه يدخل الدار المكتراة، فوجهت الحالف إليكم لتسألوا عن نيته، وبما يظهر لكم يكون العمل في شأنه.
فأجاب: سألت الحالف فزعم أنه إنما حلف على تلك الدار الأولى وعينها، فاستفسرته عن سبب يخص تلك الدار المعينة فلم يذكر شيئا. فانظروا أنتم في ذلك نظرا آخر وابحثوا عنه، فإن ظهر سبب يخصها فلا حنث عليه في دخول الربيب غيرها، وإن لم يظهر ذلك فلفظه يقتضي أن لا حنث إن زعم أنه أشار إلى الدار، والمقصود يقتضي ثبوت الحنث،وقد أفتى كثير من المتأخرين بمراعاة اللفظ عند اقتضاء عدم الحنث، فافعلوا ذلك هنا بعد يمينه على تعيين الدار.
[من حلف باللازمة ألا تبقى امرأته في ملكه ثم طلقها ومات قبل تمام العدة]
ففي المدونة: قال ابن القاسم وما كان عيبا عند الناس فهو عيب يرد به إذا كان ينقص من الثمن، ثم قال بعد ذلك ناقل هذا من المدونة وهو صاحب النهاية والتمام في علم الوثائق والأحكام فإذا وجد المبتاع بالدار عيبا ينقص من الثمن فإنه يثبت له خيار الرد، فقوله ما كان عيبا بلفظ من ألفاظ العموم تدخل تحته هذه المسألة التي وقعت وسواها إذ قد ثبت أنه عيب عند الناس ينقص من الثمن، واللفظ يحمل على عمومه، ومن ادعى التخصيص فعليه البيان حسبما فهمناه من أصل الفقه، ومن ذلك قول الحافظ أبي عمرو في كافيه: وكل عيب ينقص من الثمن ويرغب الناس عنه يعني المبيع فالرد به واجب، ومن ذلك قول ابن رشد ما نصه: وبالجملة فاصل المذهب أن كل
[208/5]
ما أثر في القيمة أعني ينقص منها فهو عيب، ومن كلامه أيضا في موضع آخر والأصل أن كل ما حط القيمة يجب به الرد، وهو الذي عليه فقهاء الأمصار، ورأيت لشريح رضي الله عنه في بعض ما قضي به ما هو أشد الأشياء مطابقة لهذه النازلة التي نحن بسبيلها، ولها مقدمة وهي من تمام بيانها، وهي أن أبا عبيدة معمر بن المثني قال كانت العرب تستحب الهقعة في الفرس وهي دائرة بجنب الفرس، قالوا لأن أهنأ الخيل المهقوع حتى أراد رجل شراء فرس مهقوع فامتنع صاحبه من بيعه منه فقال:
وسئل ابن عتاب عمن ابتاع دارا وبلط مجلسها بالرخام وبنى يها غرفة، وركب فيها أبوابا في بعضها، ثم أصاب فيها عيبا قام فيه على بائعها منه. وأثبت العيب والبناء الموصوف، وحيز وأعذر إلى البائع في العيب وما ثبت، وقال: إنه لا مدفع عنده في ذلك إلا ما توجبه السنة، وكان بائعها منه قد ابتاعها من آخر، فأعذر إليه، فقال: إن القائم إنما بنى ما بقي في الدار من أنقاض كانت فيها وأنه هدم منها ما بنى بعد معرفته بالعيب.
فأجاب: إن رفع البائع الأول قبل كمال الحكم بين الآخر والمبتاع منه، خطأ من الفعل وإنما كان الواجب أن يحكم على بائعها بالرد من المشتري ثم يقوم هو على بائعها منه إن شاء، وليس بناء المشتري فيما ما ذكر مفيتا لها.وله ردها بالعيب الثابت. ويقال له: اقلع رخامك وخذ أبوابك ونقضك وما فيه منفعة لك، وليس ما أحدثه فيها من ذلك يوجب اشتراكا إذا رد ولا له إمساكها من أجله والرجوع بقيمة العيب.
وأجاب ابن القفطان: إن اليمين تلزم المشتري أنه ما علم بالعيب قبل بنائه، لادعاء البائع الأول عليه ذلك فإذا حلف كان مخيرا في حبس الدار وأخذ قيمة العيب من بائعها منه أو يردها ويكون شريكا بما زاد البنيان فيها. وإن نكل عن اليمن أعدت السؤال عن ذلك ولم يكن في السؤال، فيلزمه الجواب عنه وقيل عنه إنه قال: وإن نكل لم يكن رجوع على البائع منه بشيء.
وأجاب ابن مالك: لا يمين على المشتري في دعوى البائع الأول إذا قال بائعها منه إذا أعذر إليه، لأنه لا مدفع عنده فيما أعذر فيه إلا ما توجبه السنة.
قال: وللمشتري حبس الدار إن شاء، والرجوع بقيمة العيب من ثمنها. وإن شاء ردها وأخذ ثمنها وكان شريكا فيها مع بائعها بما زاد به قيمة البنيان في قيمتها إن كان زادها وإن كان نقصها ذلك واختار ردها بالعيب فعليه
[267/6]
قيمة ما نقصه ذلك، يقتطعه البائع من ثمنها ويدفع إليه باقيه.
فلا يصل منه نفع إلى محتاج أبدا فراجح والله الموفق, ما ذهب إليه ابن الماجشون وأصبغ وبه أخذ القاضي ابن رشد في فتياه أن يرم مسجد من وفر مسجد, وهذا كله مما يتعلق بتوجيه الفقه في الجملة, وفي هذا الزمان ما يوجب المسارعة إلى استنفاذه الأوفار في سبل الخيرات, فإن في بقائه موقوفة تعريضا بها للتلف, فلقد شاهدت غير مرة أيدي أهل العداء والظلم الذين لهم استطالة تمتد في أوفار الأحباس وتصرفها في وجوه فاسدة فلو سورع بها إلى وجوه البر ما وجدوا إليها سبيلا, هذا ما عندي فيما سألت عنه, والله ولي التوفيق بفضله, وكتب سعيد بن محمد العقباني لطف الله به بمنه.
[218/7] [إذا تعطل مصرف الحبس صرف في مثله]
وسئل ابن دحون عن رجل حبس حبسا وشرط أن ينفذ عنه في مصالح حصن من حصون المسلمين في وجوه ذكرها فتغلب العدو على ذلك الحص.
فأجاب: تنفذ الغلة في حصن غيره في مثل تلك الوجوه.
وسئل ابن أبي زمنين عن امرأة حبست على ابنة لها صغيرة دارها التي تسكن فيها وجعلت قبض ذلك إلى أبي الصبية, هل يكون حوزا تاما إن ماتت الأم في الدار المحبسة أم لا؟
فأجاب: لا يكون ذلك حوزا تاما وأراه ضعيفا, وليست هذه المسألة كالتي تتصدق على زوجها بالدار فتموت فيها, لأن على الزوج سكنى زوجته, قيل له فترى هذه الدار المحبسة على الصبية إن لم تخرج الأم منها إلى أن تموت موروثة؟ قال نعم.
[ينفق البيع في الفرس الموسوم بسمة الحبس]
وسئل ابن الفخار عن نصراني باع فرسا موسوما بسمة الحبس من مسلم.
فأجاب: عليه أن ينقض البيع لأنه مكروه أن يتاجروا... وقال لو أمضى البيع لكان ذريعة لبيع الخيل المحبسة, لأنه من كان بيده كان بيعه من غيره, ويتداولونه في البيع من يد إلى يد.
[اختلاف شيوخ الأندلس في هدم مسجد يقصده أهل الشر]
إذا اشترط المعلم الختم ، فأخرج الأب ولده قرب الختم أو مات الصبي ]
وسئل عمن اشترط على أبي الصبي ختما وشرطوا ما لكل ختمة فوصل الصبي إلى قرب من الختمة نحو قد أفلح وسال سائل فيخرجه أبوه ويرده عند آخر هل هي للمعلم عند قرب الختمة هل تجب أم لا ؟
فأجاب : إذا قارب الختمة وقد اشترطها وجبت للمعلم الأول ولا يصح للمعلم الثاني شيء ولو اشترطها المعلم الثاني على الأب لكان له ذلك إلا أن يقول أبو الصبي ظننت لا يلزمني للأول شيء فيحلف عليه وكانت للأول ولو علم بوجوبها للأول واشترطها الثاني ورضي بذلك لزمه لهما ولو مات الصبي عند قرب الختمة لزمت الأب ولو ترك المعلم التعليم وقد قارب الختمة فلا شيء له فيهما قيل لأن الانفصال كان منه لا من الصبي .
ومن كلام أبي الطيب بن خلدون : أما الصبيان الذين يرجعون عندك وقد قرؤوا ملحونا على غيرك فللا ختمة لك عليهم فيما كانوا ختموه عند غيرك إلا ان يشترط ذلك عليهم لأنك ذكرت أن العادة عندكم لا تؤخذ الختمة إلا .
[244/8]
[245/8]
أن آبائهم إنما أدوا الختم لظنهم أن الأولين علموهم تعليما مستقيما غير ملحون فأما إن أعطاهم يعلمون أنهم علموهم ملحونا ودخل المعلم الثاني على ما تقدم من العادة في ذلك فلا ختمة للثاني فيما تعلم عند الأول ، إلا أن الأول لا يطيب له أخذ من الختمة ويلزمه ردها وأما الذي رجع عندك في بعض الختمة فلا يسوغ ما يعطى إلا بعد علم الأب بقدر ما تعلم عندك ؟
[ إذا مرض الصبي المتعلم السنة كلها أو بعضها ]
وسئل عن الصبي إذا مرض السنة كلها أو بعضها هل تلزم الأب الأجرة أم لا ؟
فأجاب : إنما تجب على الأدب من الأجرة ما بقدر ما صح الصبي ، ولو مرض السنة كلها فلا أجرة للمعلم .
وسئل عن صبي توفي وترك أمه وورثته يحيطون بماله فذكرت الأم أنها حامل هل تصح قسمة المال أم لا؟ ونص السؤال في صبي توفي وترك أمه وأخته شقيقته وأخته لأبيه، وعصبة، فلما كان بعد موت الصبي المذكور ذكرت أمه أن بها حملا هل تصح قسمة مال الصبي أم لا؟ وهل يقال لزوج الأم المذكورة أن يعتزلها حتى يتحقق من الحمل الذي ذكرت أم لا؟ وكيف وجه الاعتزال أبأن يتحول الزوج عن الدار التي يسكن مع الزوجة فيها إلى دار غيرها أم ذلك موكل إلى ديانته؟ ويقال له اعتزلها فقط، وكيف إن أغفل الورثة قسمة ذلك الميراث إلى أن ظهر بها الحمل، وبينته القوابل، فادعى العصبة المذكورون أن سبب الحمل لم يكن إلا بعد موت الصبي المتوفي؟ فهل تدين المرأة في ذلك ويصدق قوله؟ بين لنا الجواب في ذلك موفقا مأجورا إن شاء الله تعالى.
[231/9] فأجاب بأن قال: تصفحت سؤالك هذا ووقفت عليه، وإذا قالت أم المتوفي أنها حامل لم يقسم ميراثه حتى تضع حملها، فإن ثبت ما قالت بأنها حامل بشهادة النساء كان له الميراث إن وضعته لأكثر من ستة أشهر، ولم يكن له ميراث إن وضعته لأكثر من سنة إلا أن يكون زوجا ميتا أو غائبا يعلم أنه لم يصل إليها بعد وفاة ابنها، ولا تصدق المرأة ولا زوجها إن كان حاضرا أو ولدته لأكثر من ستة أشهر في أنها لم يطأها بعد موت ابنها من غيره ليكون على يقين من طلب ميراث ولده منها إن أتت بولد لأكثر من ستة أشهر، لأنه يصدق في وجوب الميراث له بما يدعيه من أنه لم يطأ زوجته بعد وفاة ابنها إذا لم يعلم صدقه في ذلك بمغيبه، وبالله التوفيق.
[مسألة]
وكل هذا يجب أن يراعيه المجتهد بحسب الوقائع ، فإن الصور لا تنحصر وقرائن الأقوال متعددة ، فقد يكون العدل مبرزا والتهمة أضعف بالنسبة إليه ، وقد يكون غير مبرز فتقوى التهمة بالنسبة إليه ، وقد تقوى في بعض الصور دون بعض .
[مظان التهم القادحة في الشهادة]
فإذا ثبت هذا فلنرجع إلى الوجوه التي هي مظان التهم القادحة ، وهي ترجع إلى تصوير الدعوى بصورة الشهادة ، ولكنها إذا فصلت جملتها فهي على أوجه الشهادة للنفس : القرابة ، الصادقة ، العداوة ، الشذوذ ، الحرص على الشهادة قبل أن يسألها ، التسلي بالاشتراك ، رفع التعيير للرد .
أما شهادة الخصم لنفسه بغير واسطة فواضح أو بواسطة شهادة العامة يحرج شهود القتل خطئا ، وشهادة الرجل لمن هو في عياله بمال وشهادته بمال [207/10] لمديانه المعسر وما أشبه ذلك ، فيتضح الحكم بالرد في كثير من الصور .
وأما القرابة فيحتمل القسم ، فمنها قريبة جدا تتنزل من الإنسان منزلة الشغاف كعمودي النسب والزوجين ، ومنها ما لا يكون كذلك كبني العم ، وهذان القسمان بين حكمهما في لحوق التهمة وعدمها . ومنها ما يتوسط بين القسمين فيقع الخلاف ، وينبغي أن لا يهمل النظر في موجبات التهم في كل نازلة ؛ فقد يشكل الأمر فيهما إذا شهد لابنه على أمه أو بالعكس ، أو شهد الأب على بعض بنيه للآخر ، لأن المانع في هذه الأشياء هي التهمة فلا بد من اعتبارها عينا في كل واقعة .
وأما الصداقة فعلى ضربين ، أحدهما صادقة الإسلام والجوار وشبهها فلا تهمة ، والثاني صداقة ملاطفة وممازجة وهي كشهادة الأخ أو أضعف إلا أن يطرأ فيها ما لم تفض العداوة إلى الخروج عن مقتضى الشرع ، والثاني تراعى فيه التهمة إذا قويت .
وأما الشذوذ فكشهادة البدوي على القروي في المال ونحوه مما العادة أن لا يشهد فيه إلا أهل الحضر ، بخلاف شهادته في قتل أو جرح أو طلاق يسمعه وهو مار بالطريق . وحاصله أن كل شاهد في شيء لا يستشهد في مثله عادة فهو متهم .
209/11] الواحد وهو إسحاق. وإذا كان الذي في الحجر والذاريات هو إسحاق بلا اختلاف فالذي في الصافات إسماعيل هو الذبيح. ومن دلائل القرآن أيضا أن الله ذكر في والصافات أن إبراهيم قال: ﴿رب هب لي من الصالحين﴾. فسأل الله في ذلك قال الله: ﴿فبشرناه بغلام حليم﴾ فنص على أمره له بذبح الغلام وأعلمنا في الحجر أن إبراهيم لما بشر بغلام أنكر ذلك وقال: ﴿قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون﴾ فعلم أنه لم يتقدم له فيه رغبة ولا سؤال. وهو إسحاق بلا اختلاف وكذلك أعلمنا ان امرأته أنكرت ما بشرت به وصكت وجهها واعتذرت بالكبر والعقم كما اعتذر إبراهيم بالكبر، فدل ذلك على أن إسحاق أتى من غير سؤال منهما، إذا لو كان سؤال ورغبة منهما أو من أحدهما ما أنكر ذلك، لأنه موضع شكر لا موضع إنكار فدل ذلك على أن الذي أمر بذبحه في والصافات هو إسماعيل أعطاه الله إياه من بعد رغبته وسؤاله فيه. وهو الذي أمر بذبحه في نص الآية. وإذا كان إسحاق أعطيه من غير سؤال ولا رغبة، لأنه ابن سارة وجب أن يكون الذي أعطيه برغبته وسؤاله إسماعيل إذ الا ثالث والذبيح إسماعيل بهذا النص الظاهر. ومن دلائل القرآن أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم بشر بإسحاق في حال الكبر، يدل على ذلك قوله في هود حكاية عن زوجة إبراهيم سارة، إذ قالت: ﴿وهذا بعلي شيخا﴾. وقوله في الحجر: ﴿أبشرتموني على أن مسني الكبر﴾ وقالت سارة: ﴿ءالد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا﴾. وقد ذكر المفسرون انها كانت ابنة تسعين سنة وقيل ابنة سبع وتسعين سنة، واكان إبراهيم صلى الله عليه وسلم ابن مائة سنة وبشر في والصافات وهو في حال معاندة لوالده وللكفار وكسر أصنامهم ومجادلتهم ولم يذكر ذلك في غير هذا الموضوع مع البشري فدل اختلاف حالتيه أنهما بشارتان من الله.