تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

199/1] مما لا يتوصل إلى الواجب إلا به. ألا ترى أن السنة أمرته بأن لا يوقع الظهر إلا سرية, فلو أوقعها جهرية لكان مخالفا للسنة مع كونه قد توصل إلى الواجب الذي هو القراءة. فأنت ترى كيف تبين أن ما حكم الشرع بسنتيه غير ما اقتضى القياس وجوبه, فانتفى الإشكال وهو المطلوب والله تعالى أعلم.

وأجاب عنه كبير طلبتها الفقيه أبو عبد الله محمد بن سليمان بان قال: أقول إن الدليل لا ينتج إلا بعد صحة مقدماته أو تسليمها عقليا كان أو نقليا أو مركبا منهما كهذا, والمقدمة الثانية غير صحيحة, إذ ليس من ضرورة إيقاع الواجب المذكور خارجا مصاحبته لأحدهما تعينا, وإلا لم يحصل في الوجود إلا معه إذ معنى عدم غتمامه إلا به حيث يكون شرطا عقليا مقدورا أي حصوله في الوجود موقوف عليه, كترك ضد الواجب عند أدائه, وفعل ضد المحرم إذ لا طريق لتحصيل الواجب إلا بترك ضده ولا لترك المحرم إلا بفعل ضده عقلا. فهذا الذي يجب لوجوب مستلزمه, لأنك إذا مشيت الدليل المذكور فيه وجدت الثانية من مقدماته صحيحة يتناولها الأصل المسلم الدال على تصديقها لعمومه ينتج, وإن مشيت الدليل فيما نحن فيه وجدت ثانيته غير صحيحة لأنه متى وقع الواجب المذكور في الوجود مع أحدهما في محله وفي غير محله قطعت أنه ليس من ضرورة حصوله في الوجود\ مصاحبته للواقع منهما, لجواز وقوعه مع مقابله.

فإن قلت: لا يلزم من عدم انتاجه وجوب كل منهما تعيينا, أي لا ينتج الوجوب مطلقا إذ لا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم, لأن من ضرورة حصوله خارجا مصاحبته لأحدهما من حيث كونه أحدهما.

فأعلموا، نور الله بصائركم، وطهر من اتباع الهوى سرائركم، أن الشريعة المحمدية نسخت كل ملة، وشفت القلوب السقيمة من كل علة، إذ برزت شموسها ساطعة، وبدت براهنها قاطعة، وقام بحفظها العلماء الاعلام، مكلفين بحراستها على مرور الأيام، واعتنوا ببيان حكم مسألة السؤال عصرا فعصرا من زمن الصحابة إلى هلم جرا. وسنورد عليكم من كلامهم ما لا يبقى معه لبس، ولا تتشوف إلى غيره نفس. وأصل ذلك أحاديث مروية عن خير المرسلين، وآثار وردت على وفقها عن الصحابة والتابعين، اعتمد عليها قديما وحديثا علماء المسلمين. فقد روى أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ﴿اهدموا الصوامع واهدموا البيع﴾. وروى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال لا تحدث كنيسة في الإسلام ولا يجدد ما هدم منها. وروى ابن عباس رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: لا خصاء في الإسلام ولا بنيان كنيسة. ذكر هذه الأحاديث ابن حبان في كتابه الذي ألفه في شروط أهل الذمة وأبوعبيد القاسم بن سلام في كتاب الأموال، وكل من هذين الامامين في طبقة ايمة الحديث الخمسة المشهورين. وروى ابن عباس أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تكون قبلتان في بلدة واحدة ذكره أبو داوود. وأخرج البغوي نحوه بلفظ: لا تصلح قبلتان في أرض واحدة، وساقه ابن المناصف في كتابه الانجاد في آداب الجهاد محتجا به على مسألة السؤال. وروى ابن حبيب عن ابن الماحشون قال: سمعت مالكا يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ترفع فيكم يهودية ولا نصرانية،وقال يعني الكنائس والبيع. وهذه الأحاديث من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم إذ هو مما أخبر به قبل وجوده

[236/2]

[237/2]

*وسئل : بما نصه الحمد لله جوابكم متعنا الله ببقائكم ، في الواقع بمقتضى هذا الرسم المكتتب هنا ، ونصه : حضر فلان أخو والد الزوجة للأب فلانة المذكورة في رسم الصداق المقيد أعلاه ، وادعى أن الولاية على الزوجة موقوفة له ، وأنه الأقعد بها لكونه أخا والدها للأب ، وثبتت دعواه لذلك بواجب الثبوت ، وأعذر في ذلك لمن يجب الاعذار إليه ، فلم يكن له مدفع ولا مقال ولا اعتراف بصحة ما ذكره العم للأب فلان المذكور ، وأن المسألة جوزت عليه جون مشورته ويغير إذنه ، وأنه لم يعلم بذلك ولا سوغه وجملة مسافة ما بين سكناهما نحو خمسة عشر ميلا يجب معها أن يبعث إليه فيها ، وثبت ذلك من اعتراف من أعذر إليه بما ذكر بواجب الثبوت أيضا ، وسئل العم المذكور ممن وجب النظر له بواجب الشرع ، فاقتضى نظره وفقه الله أن خيره في إجازة ما عقده ابن عم والد الزوجة على ما ادعته أمها من غير ثبوت ، أو رده لكونه قبل البناء ، أخذ بقول من يرى ذلك من العلماء رضوان الله عليهم ، فاختار العم رد النكاح وفسخه ولم يجزه ولا سوغه ، وأشهد على نفسه برده ، وأنه لم يبق للزوجية حكما ، بانت بالرد المذكور الزوجة من متزوجها أعلاه ، وانحلت العصمة بينهما على الواجب في ذلك ، وشهد على العم للأب بما فيه عنه ، وعرفه وبحال صحة وجواز ، وأشهده من وجب بثبوت ما ذكر ثبوته من الإعذار لمن يجب ، وثبوت اعتراف من أعذر إليه بما ذكر اعترافه به في كذا ، ومما ذكر من موجب الرد كون أخ الزوجة من أهل الشر ، وأنه يتوعد أخته وأمه والزوج بالقتل إن وقع بينهما دخول وبناء وثبت ذلك ، وربما أن بسبب ذلك سهل الأمر في الاعذار كما وصف ، والزوجة يتيمة بكر مهلة ، وإنما قدم عنها من يعذر إليه فيما ذكر ، وبينوا لنا الحكم في ذلك مأجورين عليه مثابين .

وسئل: عما حلف باللازمة ألا يجر خطا في أرض زوجته طول بقائه دون ممتع فيها، ثم أنه شارك رجلا آخر في زوج بقر كانا للحالف، وقال للشريك أحرث أنت تلك الأرض فأنا لا أحرثها، فحرثها الشريك وبقي الحالف يسقيها ويكفلها،وربما اشتغل الشرك واحتاجت إلى الحرث

[220/4]

[221/4]

فاكترى الحالف من يحرثها. فهل يا سيدي عليه حنث بسقيه وكفالته واكترائه من يحرثها، إذ ذاك كله من توابع الحرث أم لا؟ بينوا لنا ذلك كله مأجورا مسددا.

وإن حكم عليه بالحنث فللزوجة بعد سبعة أعوام وحملت للأول دخوله فيها، فلما جاءت للوضع أنفش يسيرا وبقى الجنين الستة أشهر أو السبعة يتحرك مدة ويسكن أخرى إلى الآن، فبهذا تكون عدتها إذا جاوزت أقصى مدة الحمل من وقت الطلاق بينوا لنا وجه الصواب من ذلك، والله سبحانه يديم لنا بقاءكم والسلام عليكم.

فأجاب: أما مسألة الحالف باللازمة لا يجر خطا في تلك الأرض أن الظاهر من هذا اليمين انسحابها على عمل الأرض كله، وأن جر الخط عبارة بطريق المبالغة على العمل كله، فعلى هذا يحنث بما عمل من السقي وغيره إلى أن يظهر في خصوص القضية انصراف قصده إلى الحرث بخصوصه، فإن ظهر هذا فإنه ينظر إلى ما يدعيه من قصد المباشرة. فلا يحنث بحرث غيره وإن كان بأمره، بعد أن يحلف على قصده أو من عدم قصده إلى المباشرة وانصراف ( ... )(¬1) إن لا ينتفع مالك الأرض في أرضه بما هو من جهته، فيحنث بالحرث من قبل الغير بإذنه أو كرائه.

ومسألة الحمل إنما يعتبر فيها أقصى الأمد بعد الطلاق، وأما وهي في العصمة وتحت الزوج للوطء فلا. فهذا ما ظهر تقييده فيما سألتم عنه والسلام عليكم من معظم سيادتكم فرج ورحمة الله.

[من حلف باللازمة على ربيبه ألا يدخل دار سكناه، فاكترث الزوجة دارا أخرى]

وتقدير عدم الدفع فيما ثبت من ذلك استعجالا، إذ ليس وقت الشورى إلا وقت تمام الإعذار فاختلفوا علي فمنهم من قال ليس بعيب ومنهم من قال هو عيب يسير لا يؤثر في رد ولا قيمة، ومنهم من قال هو عيب يؤثر في ذلك، أما من قال منهم ليس بعيب أو هو عيب يسير فلم يأتيا بما ذهبا إليه بدليل إلا مجرد قولهم ليس في هذه المسألة نص كأن كل مسألة لا يحفظ في عينها شيئا أو لا يحفظ لها نظيرا أو لا يفهم مواضع أخذها من كليات الفقهاء يقتضي أنه ليس فيها فلترد عنده ويقع الإنصاف، والذي يذهب إلى الرد أو القبول من غير حجة فجهله أوضح م، أن ينبه عليه، ومن قال لا يوجد نص في أن هذا عيب لا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون لا يدري مدلول لفظ النص عند عرض النصوص عليه وهو مفرط لعدم تمييزه وإما أن يكون عالما بمدلول النص ولكنه لم يقف عليه لعدم استقرائه لذلك وبحثه عنه واستقرائه الجهد في النظر، والنص فيه ثلاث اصطلاحات قيل ما دل على معنى قطعا ولا يحتمل غيره قطعا كأسماء الأعداد وقيل ما دل على معنى قطعا وأن احتمل غيره كصيغ الجموع والعموم فإنها تدل على أقل الجمع قطعا وتحتمل الاستغراق وقيل ما دل على معنى كيف كان وهو غالب استعمال الفقهاء، فإذا تقرر هذا فنقول: المسألة منصوصة على أصل هذه التفاسير.

فأجاب: عليه حميل بالمال، وتعتقل الدار في مدة الإعذار.

[265/6]

وأجاب ابن عتاب بمثله في الحميل، قال: ولا تعتقل ولا يخرج القائم عنها، لأنه هو الطالب، وله ترك طلبه هذا متى شاء. وإسقاط اتباع البائع بهذه العيوب متى أحب فلا معنى لعقلة ما هذا سبيله، وهو خلاف عقلتها في الاستحقاق ونحوه ثم أعيد الكلام فيها مع ابن مالك فقال: لا عقلة فيها فقيل له: قد قلت قبل هذا أنها تعتقل فقال: يمكن، ولكن هذا الذي أرى الآن أنها لا تعتقل.

وأجاب: ابن القطان بأن قال: لابد من عقلتها، لأن الحكم مترقب فيها، ولطلب مبتاعها صرفها والخروج عنها.

[من اشترى دارا ووجد بها عيوبا تخفى عند التقليب]

وسئل ابن عتاب عمن ابتاع دارا فأصاب بها عيوبا يخفى بعضها عند التقليب ويظهر باقيها.

فأجاب: ينظر إلى التي تخفى، فإن حطت من ثمن الدار ماله بال، فللمبتاع صرفها بذلك على بائعها، وإن كان الذي يصخه من ثم الدار يسيرا، رجع بقيمة ذلك على البائع وأمسك الدار.

وأجاب ابن القطان: إن المبتاع يحلف في التي لا تخفى أنه ما رآها إلا عند قيامه بها، وتصرف الدار بذلك على بائعها. واستدل بما ذكره ابن حبيب عن مطرف وأصبغ فمين ابتاع عبدا أو غيره، وأشهد أنه قد قلبه ورضيه،ثم قام فيه بعيب أنه إن كان مما يخفى مع التقليب، حلف أنه لم يره ورد به.وإن كان مما لا يخفى لزمه ولم يرد به. ولو لم يشهد على نفسه بالتقليب والرضا لكان له أن يرد في الوجهين. وبما رواه أبو زيد عن ابن القاسم في النوادر أنه لا يمين على من رد بعيب إلا أن يكون ظاهرا لا يشك فيه.

ابن سهل جواب ابن عتاب أصح في النظر من هذا. وما احتج به ابن القطان هو الحجة لابن عتاب فتدبره.

[266/6]

[من اشترى دارا ثم وجد بها عيبا بعد أن تصرف بالبناء والهدم]

وأما القول بانه لا يستنفذ أصلا ويشتري به أصول فيلزم عليه أن يتزايد الوفر أبدا مع المنع من الإنتفاع به, إذا كلما زدنا أصلا ازدادت غلته إلى الغلة

[217/7] الأولى يتزايد اتساعة, ونحن نمنع من صرف الزيادة في سبل الخير بما نستوفره نزيد به أصلا آخر, وهكذا نبقى أبدا نزيد أصولا لا نصرف لها غلة في سبل من سبل الخير, إذ الفرض أن الجهة التي سمى الواقف قد اكتفت ببعض الغلة من قبل شراء الأصول, فغلة هذه الأصول مستوفرة, والجهة المسماة غنية عنها, وغيرها لا سبيل إلى الصرف فيها, فتصير تلك الأصول كأوقاف لا مصرف لها, ويستحيل أن يكون وقف لا مصرف له, وقصارى ما يوجد في الوقف أن لا يسمى له الواقف مصرفا والحكم حينئذ صرفه باجتهاد, فكذلك الوفر عندنا بابه باب الوقف الذي لم يسم له الواقف مصرفا, لأن الفرض أن الواقف خرج عن جميع الغلة لوجه الله تعالى, وسمى مصرفا تقع كفايته ببعضها فالزائد لم يسم له مصرف فسبيله ما قلت لك, وهو أن يصرف بالنظر في الوجه الذي أنفع للمسلمين وأرفق بهم وهو أيضا يلزم أن ينقطع أجر الوفر على المحبس إذ لا فائدة له في الوقف إلا في إجراء الصدقة كما في الحديث المشهور عنه - صلى الله عليه وسلم - "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية" ونحن قد منعنا الوفر من الجري ولا يقال شراؤنا الأصول بالوفر صدقة على المحبس, لأن الصدقة إيصال النفع إلى المحتاج أبدا, وهذا القول منع صرف الوفر والأصل كله عندك.

فأجاب : إن شرط إن جاءته دراهم ختمة أو نكاح أو ولادة أو قدوم غائب صرفالصبيان فإن كان يكثر مدة ويقل أخرى فلا يجوز وإن كان يقع ولا يكثر وقوعه فلا بأس به . وإن شرط تخليتهم في الجمعة مرتين يعني غير يوم الجمعة والخميس فهذا معلوم لا يبالي سيما اليومين أولا وإرساله الصبيان بعضهم خلف بعض فجائز بعد إذن آبائهم ويسلم ذلك في العقد ليستأذنهم بعد وصلاته على الجنازة خفيف إن وقع وكثرته وقلته لا تجوز ولو اشترطه وصلاة الضحى إن كانت بعد أن أتى الصبيان على ما ينبغي من عرضهم فلا بأس بركعات خفيفة وتنقله بين الصلاتين وهو وقت تعليم الصبيان في بلدهم فلا تفعل حتى يفعل بهم ما جرت عادتهم من التعليم وحديثه مع إخواته لا ينبغي أن يأتى من ذلك ما يقطعه عن حاجته فيهم ويمنعهم ما عاهدوه من التعليم وأرجو أن يكون الأمر الخفيف خفيفا واشتراطه لا يصح لأنه مجهول وكذا مجهول وكذا قيامه معه إلى داره إذا قرب وهو أمر خفيف يقع في الفور بخفيف

[ ما يلزم معلم الصبيان أن يعلمهم زيادة على حفظ القرآن ]

وسئل عن المعلم هل يلزمه أن ينظر في ألواح الصبيان هل فيها خطأ في

[243/8]

[244/8]

الأحرف أم لا وكيف إن شرط ألا ينظر في ذلك ؟

فأجاب : يجب عليه أن ينظر في ألواحهم وإصلاح ما فيها من خطأ وشرط عدم النظر خطأ لا يجوز ابن سحنون ينبغي أن يعلمهم إعراب القرآن ويلزمه ذلك والشكل والهجاء والخط الحسن وحسن القراءة بالترتيب وأحكام الوضوء والصلاة وفرائضها وسننها وصلاة الجنائز ودعاءها وصلاة الاستسقاء والخسوف .

ابن عرفة محمل قوله عند إعراب القرآن هو تعليمه معربا بلا لحن فيه والإعراب النحوى متعذر وحسن القراءة إن أراد به التجويد فهو غير لازم في عرفناه إلا من شهر بتعليمه وأما أحكام الوضوء وما بعده فواضح عدم لزومه وكثير من المعلمين ولا يقومون بذلك .

[

فأجاب إن أردت بما أشرت إليه إباحة أخذ الطعام من ثمن الطعام هو جنس مخالف لما اقتضى فهذا ممنوع في المذهب، ولا رخصة فيه عند أهل المذهب كما توهمت، قال ولست أحمل الناس على غير المعروف المشهور من مذهب مالك وأصحابه، لأن الورع قل بل كاد يعدم، والتحفظ في الديانات كذلك وكثرة الشهوات وكثرة من يدعى العلم ويتجاسر على الفتوى، ولو فتح لهم باب في مخالفة المذهب لاتسع الخرق على الراقع، وهتكوا حجاب هيبة المذهب، وهذا من المفسدات التي لا خفاء بها، ولكن إذا لم يقدر على أخذ الثمن باع به إلا أن يأخذ منه طعاما فليفعل ذلك على وجه يسوغ بأن يأخذ الطعام منهم من يبيعه على ملك منفذه إلى الحاضرة،

[230/9] ويقبض البائع الثمن ويفعل ذلك بإشهاد وبينة من غير تحيل على إظهار ما يجوز وبالله التوفيق.

[من لا ورثة له يأخذ ماله للمسلمين عامل البلد الذي يستوطنه]

وسئل ابن رشد رحمه الله من مدينة شلب عمن مات في بلد وتخلف فيه وفي بلد آخر مالا، وليس له وارث غير جماعة المسلمين، وليس أحد البلدين له وطنا، فأراد صاحبه أخذ المال(¬1) الذي في غير بلده، وكان البلد الذي لم يمت فيه وطنا فأراد صاحبه أخذ المال الذي تخلفه الميت في البلد الذي مات فيه هل له ذلك أم لا؟

فأجاب: إن عامل البلد الذي فيه استيطان المتوفي أحق بقبض ميراثهن مات فيه أو في غيره، كان ماله فيه أو في سواه من البلاد وبالله التوفيق.

[مسألة في الميراث عليها أجوبة]

والثالث البراءة من تهمة تتطرق إليه أو يجلب بشهادته مصلحة ويدفع مفسدة فلا يوثق بقوله لظهور الميل إلى جهة فتسد فيه الذريعة على أصل المذهب . وأصل اعتبار هذا الشرط حديث لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين ، ووجه المعنى فيه ظاهر جدا وإن كان الموضع محل اجتهاد ، فإن ميل الطباع للملائم ونفورها عن المنافر قد يغبر في وجه العدالة . فمن اعتبر أصل العدالة أجاز على الإطلاق ، ومن اعتبر غالب الحال منع ، والمذهب أن الغالب هو [206/10] المعتبر ما لم يؤد إلى الحرج . وعلى ذلك بنى بعد أن تأصل في هذا المعنى أصلا يرجع إليه في كل مسألة ، فاعلم أن التهمة الملصقة بجانب العدل قد تكون بحيث يخرج عادة عن حال الاعتدال إلى الانحراف ، وقد تقضي العادة بعدم خروجه ، وقد يتردد في ذلك بسبب تردد العوائد وأشكالها . فمنعه في الحديث شهادة الخصم ظاهر لأنه لم يدع الحق على خصمه إلا وهو قاصد لأخذه منه متى قدر عليه ، ويحتمل ذلك أن يكون بحق أو بباطل أو بوجه شبهة أو نسيان أو نحو ذلك . ومع هذا فلا يخلو عن معاوضة ، فإن المنكر أيضا مدع براءة نفسه ولم يكن ذلك منه إلا مع العزم على المنع ، فلو قبل قول الخصم لقبل قول الآخر فادى قبولهما إلى عدم قبولهما ، وذلك تناقض فالظاهر أن أحدهما فبطل ، وذلك مقتضى الانحراف عن الاعتدال . لكن لما لم تتعين جهة تعمد الباطل من أحدهما لم يقدح ذلك في ظاهر عدالتهما . وشهادة الأجنبي على الأجنبي المشاركة في الحرفة أو النسب أو الجواز ظاهرة الجواز وإن أمكن الخروج عن الاعتدال لكنه خلاف الظاهر . وبين هذين مراتب يقع النظر فيها بحسب القرب من أحد الطرفين والبعد من الآخر ، وقد تتوسط فيقضى إما بالرجوع إلى أصل العدالة وإما إلى التوقف في القبول له أو المنع منه دفعا للمتوقع من طرف الانحراف .

ومن دلائل القرآن أن الله جل ذكره ذكر البشارة لسارة وإبراهيم بإسحاق على لسان الملائكة المرسلين إلى إهلاك قوم لوط وكررها للأفهام في مواضع فقال في هود: ﴿وامرأته قآئمة فضحكت فبشرناها بإسحاق﴾. وقال في الحجر: ﴿قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم﴾ وقال في والذاريات: ﴿وبشروه بغلام عليم﴾. فوصف إسحاق بالعلم في الموضعين، ثم قال في: والصافات: ﴿فبشرناه بغلام حليم﴾. فوصف الغلام ها هنا بالحلم. فدل اختلاف الصفتين على الموصوفين، ولا اختلاف أن الموصوف بالعلم في والذاريات والحجر هو إسحاق، لأنه كان على لسان المرسلين إلى إهلاك قوم لوط، ولأنه قد ذكر امرأة إبراهيم في والذاريات، كما ذكرها في هود وسارة هي أم إسحاق بلا اختلاف، وهي امرأة إبراهيم، فدل اختلاف الصفتين في الغلامين أنهما اثنان، كما دل اتفاق الصفتين في الحجر والذاريات أنهما

[

المعيار المعرب والجامع المغرب · الجزء ١ · الصفحة ٢٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المعيار المعرب والجامع المغربج ١ · ص ٢٥٠