تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما على تسليم ما أبديته ... فلسانك التحريك فيه واجب

وهو الموصل والصفات توابع ... والحكم للمتبوع أمر غالب

[197/1]

وإذا نظرت نصوصهم وفهمتها ... ألفيتها والشك عنها جانب

هم قيدوا ما رمت أنت خلافه ... والقيد لا يدنو إليه الواجب

هذا جواب مقصر في فهمه ... لكنه عند الأكابر صائب

وأجاب عنه قاضي قسطنطينية وفقيهما أبو عبد الله سيدي محمد الزنديوي(¬1):

هذا السؤال يثير نفي وجوبها ... أو أن كلا الوصفين فيها واجب

لا من سؤالك بل حقيقتها هما ... أعني قراءتها أجب فتجاوب

لكن جوابي عنهما إن شئته ... فاسمع أقل إن أنت فيه راغب

يا موردا قولا بغير تأمل ... غطت على الأفكار منك غياهب

ليس الوجوب بمطلق فيحله ... من قولهم ما لا يتم الواجب

وتجيء الأقوال الثلاثة فوقها ... إن كان شرطا فالوجوب مصاحب

أما المقيد لا وجوب لقيده ... فوجوبه بالقيد عنه مجانب

والقيد عندك سرها أو جهرها ... فلذاك سنا والمقيد واجب

وأجاب عنه الفقيه زيان الزواوي من طلبة قسطنطينية:

تحصيل ماهية القراءة دون ما ... تعيين قيد يقتفى ويصاحب

لوجوب فاتحة الكتاب وجوبه ... لا يمتري فيها اللبيب الناجب

وخصوصه بالسر أو بالجهر في ... بعض المواضع سنة لا واجب

وأجاب عنه الفقيه ابراهيم بن غلام الله منهم:

الواجب التحريك لا أوصافه ... من سره أو جهره يا صاحب

فيصح تبديل السرار بضده ... والجهر بالإسرار أمر صائب

كالحج للبيت العتيق محتم ... برا وبحرا ليس فيه واجب

[198/1] ... وكلا الطريقين موسع لالازب

فكما فهمت وجوب حجك مطلقا ... فيلوح والإشكال عنه جانب

فكذاك فافهم ما بدا لك مشكلا

الأول في الكنائس، فإن كانوا في بلدة بناها المسلمون فلا يمكنون من بناء كنيسة، وكذلك لو ملكنا رقبة بلدة من بلادهم قهرا، ولكن لو أراد الإمام أن يقرر كنيسة من الكنائس القديمة ويقرر منهم طائفة بجزية ففيه وجهان، والأصح وجوب نقض كنائسهم. أما إذا افتتحت بالصلح على أن يسكنوها بخراج ورقبة الأبنية للمسلمين وشرطوا بقاء كنيسة جاز؛ وان أطلقوا ففي وجوب ذلك اتماما لما صالحنا عليه من التقرير وجهان. قوله اتماما لأنه يمتنع عليهم القرار دون متغبد وجامع، وأما إذا فتحت على أن تكون رقبة البلد لهم وعليهم خراج فهو بلدهم ولا تنقض كنائسهم، والظاهر أنهملا يمنعون من إحداث كنيسة، ويجوز لهم فيه إظهار الخمر والناقوش وغيره.

[234/2]

[235/2]

وحيث مامنع من الإحداث فلا يمنع من عمارة القديمة إذا استرمت، فلو اتهدمت ففي جواز إعادتها وجهان، وفي توسيع حيطانها وجهان. ولا يلزمهم إخفاء العمارة، وضرب الناقوس يمنع منه كإظهار الخمر، وقيل هو تابع للكنيسة.

قلت: تأمل قوله فإن كانوا في بلدة بناها المسلمون فإن دليل واضح في أن ما أحدثه ملاعين اليهود من الكنائس بالقصور التواتية وغيرها من بلاد الجريد المسامتة لتلول المغرب الأوسط لا تقر بل تهدم، وليست من متعلق خلاف ابن القاسم والغير الواقع في كتاب الجعل والإجارة بحال كما توهمه من أفتاهم بذلك من فقهاء تلمسان وفاس حسبما سطرناه عنهم قبل هذا، وهو غلط فاحش عصمنا الله من الزلل، ووفقنا لصالح القول والعمل.

ثم قال الغزالي: الثالث يمنعون من ركوب الخيل البغال النفيسة ولا يمنعون من الحمير، وليكن ركابهم من الخشب. ويمنعون من جادة الطريق ويضطرون إلى المضيق إذا لم يكن الطريق خاليا.

الرابع: ويلزمهم الغيار، وذلك المرأة في الحمام وخرجه، وفيه وجهان، وهل ذللك واجب أو مستحب فيه وجهان. وأما ترك الكنيسة وما يتعلق بها فواجب. انتهى محل الحاجة منه.

=فأجاب : وقفت على السؤال المكتتب بالمقلوب ، والحكم في ذلك أن المرأة التي ولدت البنت إن لم يكن بين إصابة الزوج لها وبين ولادتها إلا ما ذكر من المدة دون كمال ستة أشهر ، فإن النكاح بحكم الشرع ؛ لأنها قد ظهر أنها تزوجت في عدة أو في استبراء من ماء فاسد إن كانت قد طرأ عليها شيء ، فلا يحل لها البقاء على ذلك النكاح ، وإذا فسخ النكاح ولم يطن الزوج وطئها بعد ولادتها ، فقد انقضى استبراؤها من وطئه الذي وطئها وهي حامل ، وإن كان قد وطئها بعد الولادة ، فلا بد من استبرائها من ذلك الوطء بثلاث حيض ، وبعد ذلك تحل للأزواج ، وهل لذلك الزوج أن يتزوجها بعد ذلك الاستبراء أم لا ؟ تنظر المرأة في نفسها فإن علمت أنها لم يطرأ عليها شيء لا مع ذلك الزوج قبل عقد النكاح ولا مع غيره ، فلا يحل لها ولا تحل له أبدا على المشهور ؛ لأنه قد ظهر أنه تزوجها ودخل بها في العدة[203/3]من الزوج الذي كان قبله ، وإن علمت أنه طرأ عليها طارئ مع ذلك الزوج أو مع غيره قبل تزوجه ، وظهر لها أن تلك البنت كانت من الوجه المحرم في الشريعة ، فلهذا الزوج أن يتزوجها بعد الاستبراء المذكور على المشهور .

[من تزوج امرأة لها صداقها وأشهد الشهود بدون ولي]

*وسئل : عمن تزوج امراة ودفع لها صداقها ، وأشهد الشهود بينهما دون ولي ، واحتمل الزوج الزوجة لداره وجلس عندها يوما كاملا ، وخرج آخر النهار وطلقها دون بناء بها ، واعترفت أنه دخل عليها وبقي بعد ذلك نحو الخمسة عشر يوما ، وخاف من الحاكم وتزوجها بعد ذلك بولي وصداق ، فهل يقام على هذا النكاح الثاني وهو فاسد ، وهل ترجع المرأة إلى زوجها الأول ، فإنها كانت مطلقة بالثلاث أو لا ؟ فعسى يا سيدي جوابكم بما يجب في المسألة والله يبقيكم .

فأجاب: إن حنث الرجل الحالف المذكور بالأعلى في يمينه تلك فعليه كفارة يمين بالله تعالى في قوله بالله الذي لا إله إلا هو ورب هذه القبلة، وعليه في قوله وما يحل للمسلمين يحرم عليه طلاق البتات في زوجه المدخول بها، إلا أن يدعي أنه نوى إيقاع لفظه بذلك على ما عدا المرأة فهل نيته وإن كان على يمينه بينة. رواه أصبغ عن ابن القاسم، وحكاه ابن القاسم عن غير واحد من أهل المدينة، فلم يروا عليه شيئا إذا حاشى الزوجة. قيل لابن القاسم وإن كانت عليه بيمينه بينة؟ قال نعم. وهو قول أشهب أيضا. وينبغي مع قيام البينة عليه أن يحلف بالله تعالى لقد نوى بيمينه ما سوى الزوجة. وإن كانت مستفتيا دون بينة عليه. وتوجيه اليمين عليه مع البينة منصوص عليه في رواية في العتبية.

أما إذا كان الحالف المذكور لم يحنث في يمينه وأراد أن يرشد بنته لتسقط عن زوجها ما شاء من صداقها فلا يخلصه ذلك من الحنث، لأنه تسبب في الإسقاط والأخذ فيه (¬1) حين رشد لأجله، إلا أن يكون قصده حين حلف ألا يحط من الفرار من التبعية ومن ضمان ما يسقط من مال المحجوزة فلا حنث عليه مع هذا القصد، إذا هو رشدها. وتسببه بعد ذلك بالإسقاط لهذا الحالف حلية في التخلص من بتات الطلاق في زوجه، بأن يطلق زوجه واحدة تملك بها أمر نفسها دونه، ثم يحط عن صهره من مهرها ما شاء، ثم يراجع زوجه فيكون حنثه والزوجة في غير عصمته فلا يلزمه فيها أي شيء بعد المراجعة، ولكن عليه كفارة يمينه بالله تعالى. وهذه الحيلة إنما تفيد إذا لم تكن بينه وبين زوجه طلقتان والسلام على من يقف عليه من كابته فرج.

[من حلف بأيمان المسلمين تلزمه ألا يحرس فلان ماعزه، وأعطاه لراع آخر]

وسئل عن رجل تشاجر مع حارس المعز فيما ضيع له، فحلف الحارس

[219/4]

[220/4]

الذي أفتى به الأستاذ أبو سعيد رحمه الله ليس من العيوب التي ذكرها الفقهاء في الدور، وإنما يكون مستنده والله أعلم شمول مثل تلك الكلية من إطلاقات الروايات المذهبية أو مخرجة على ما وقع لأهل الشورى بقرطبة في الرد بعيب كثرة البق في الدار حسبما يأتي بعد هذا، ولم يتنزل الأستاذ رحمه الله لما نقص من ثمن الدار بالعيب وتحريره بعشر أو ربع أو ثلث على حسب الخلاف في ذلك وحينئذ يتبين الرد، ومثل هذه النازلة هي نازلة القاضي أبي البركات بن الحاج رحمه الله بمالقة وقد كتب له الوزير الحاجب أبو نعيم رضوان البصري وزير الدولة النصرية على عهده بعرفه باستشكال الفقهاء بالحضرة لما حكى عنه، فأجابه بعد اختصاص صدر الكتاب بما نصه: اعلم أن إبراهيم الرري الجندي قام على عائشة زوج سعيد الصفار في الرياض التي اشترى الكائنة بالرياض الشرقي من مالقة بعيب وهو أن امرأة قتلت في الرياض المذكور قبل شرائه لها وأنه لم يعلم بذلك فاستنابت عائشة زوجها سعيدا المذكور في الكلام مع الرري وتقيد من القائم ونائب المقدم عليها في ذلك مقال وجواب مقتضى المقال أن امرأة قتلت بالرياض المذكور قبل شراء القائم لها من زوج سعيد، وأنه لم يعلم بذلك إلا بعد الشراء، وأن الرياض بسبب هذا القتل يوحش ساكنيه وينفر نفوسهم عنه ويأبى العيال والأولاد سكناه وتتراءى لهم بسبب تلك الوحشة خيالات شيطانية مفزعة مقلقة.

ابن سهل وهذا الذي قاله هو الفقه عندي فيها إن حقق ورثة المرأة أالدارين مسوقتان، وأما إن قالوا لا علم لنا بذلك، إلا ما تضمنه الصداق من التحديد، وطلبوا بذلك، والزوج منكر، فحقق دعواه أنه لم يسق إلا الواحدة، فالقول قوله مع يمينه.

قال لنا أبو عبد الله عند التكلم في هذه المسألة:

سئل إسماعيل القاضي إذا قيل في التحديد: حدها في الشرق

[263/6]

الشجرة، هل تدخل في البيع؟ فوقف عن الجواب. ثم قال بعد ذلك للسائل: قرأت باب كذا في كتاب سيبويه فدلني على أنها تدخل في البيع هكذا غالب ظني حكى لنا وفيه نظر فتدبره.

[من خلف ملكا في قرية وزعم بعض ورثته أن له بها ملكا آخر]

وسئل ابن زرب عن الرجل يستخلف ملكا في قرية، فيزعم بعض ورثته أن له ملكا فيها بغير ذلك الميراث.

فأجاب: إن كان له فيها ملك بغير الميراث بابتياع أو غيره، كان القول قوله. مع يمينه فيما يقربه من جملة ما في القرية من تركة المتوفى، وإن لم يعلم ذلك وعلم أنه لم يكن له ملك فيها بغير ذلك الميراث فجميع ذلك موروث إلا أن يقيم البينة أنه كان له فيها ملك خالص بغير ذلك الميراث. وكذلك الرجل تشهد بينة أنه غصب ملكا لرجل بقرية،ولا يعلم أن له بتلك القرية ملكا غير الذي شهد عليه بغصبه. ويزعم أن له فيها ملكا، فإنه يحال بينه وبين ذلك الملك، ويكلف بإقامة البينة على أن له فيها ملكا غيره، فإن أقام بينة وإلا أخرج عنه. وإن شهدت عليه بينة بالغصب، ولم يعرف الملك المغصوب، ولا علم إن كان له في القرية ملك غيره أم لا فإنه يقال له: أبرز الملك المغصوب إن كان لك في القرية المشهود به عليك واحلف أن لك الباقي ويكون ذلك لك.

[ما الحكم فيمن خلف بنين وبنات وأموالا لم يقسموها، وزعم البنون أنهم يختصون بأملاك اشتروها لأنفسهم؟]

وسئل القاضي أبو عثمان سيدي سعيد العقباني رحمه, عن مسألة جامع جبس عليه أناس أحباسا, وفي المحبس ملوك وغيرهم, ثم في الأحباس المذكورة وفر على ما حبس عليه المحبسون, فهل يا سيدي يصرف من ذلك الوفر في وجوه البر؛ كالتدريس وما أشبهه أم لا؟ أو يصرف من وفر أحباس الملوك دون غيرهم؟ والسلام عليكم ورحمته تعالى وبركاته.

[

وسئل عن معلم الصبيان سنة فعند انقضائها حضر بعض آباء الصبيان فقال لا أجلس العام الثاني إلا بشرط الختام كلها فقال له الرجل إلى الثلثين فإن آباء الصبيان لا يعرفونها فقال المعلم كذا وكذا إن قعدت ولم يشترطها فلما حضر انقضاء العام حضر الآباء واشترط عليهم ذلك وبعد يوم أو يومين حضر بعضهم أو لم يكن حضر فرضى أو كره وأخرج ولده ومنهم من كان مسافرا فأقام ولده في الكتاب ثم حضر فرضي أو كره هل يبرأ المعلم أم لا ؟ وكيف إن أراد بعد الشرط أن يترك أحدا منهم ؟ وكيف لو دخل آخرون هل يلزمه الشرط أولا ؟ وكيف إن قال أحد من الأولين إن أدخلتنى أخرجت ولدي فقال المعلم أنا أقرئه لله ؟

فأجاب : إن شرطها على كل من حضر من الأباء فلا شيء عليه وإن أخرج بعضهم وقد كره الشرط فلا شيء على المعلم إلا أن يكون ممن حضر الشرط فيحنث المعلم إلا أن يريد أنه شرط ذلك ومن شاء أقام أو رحل فلا شيء عليه إلا أن يريد ولا أخذتها واما من قال له أنا أعلم ولدك لله قبل

[241/8]

[242/8]

أن يدخل معه على شرطه فهو حانث إلا أن تكون له نية

[ معلم أراد ضرب صبي فجازت إلى آخر ]

وسئل عمن أراد ضرب صبي فجازت الضربة إلى آخر أو خوف كذا الدرة على صبي فجاءت في أخر أو ضرب الصبي على فعل شيء ثم تبين أنه لم يفعله يتحلل للصبي أو الأب أو لا شيء عليه ؟

فأجاب : إن كان فعله على وجه الخطأ فلا شيء عليه في الحكم ما لم يكن جرحا ومن جهة التنزه يتحلل من الصبي وهو حسن غير لازم .

[ من اشترط على آباء الصبيان الختم كلها إلا ما استثنى ]

إن قاعدة مذهب مالك أن سبب انتقال ملك الموروث إلى الوارث الموت لا قسمة التركة فإذا مات الموروث انتقل الملك بأثر حصول الموت إلى من كان وارثا شرعيا قسمت التركة أم لا وعلى هذا المعنى تضافرت نصوص مالك وابن القاسم وغيرهما في المدونة وغيرها فلاحظ في ذلك للمرتد راجع الإسلام قبل القسمة أم لا، وإن جاء نقل في المذهب بخلاف هذا فمشكل على قواعد المذهب وعلى قواعد الشريعة، وأيضا فما ذكر أولا هو المشهور المعمول به، فلا ينصرف إلى غيره مع وجود التقليد في المفتي كزماننا، وأنا لا أستحل إن شاء الله في دين الله وأمانته أن أجد قولين في المذهب فأفتى بأحدهما على التخيير مع أني مقلد بل أتحرى ما هو المشهور والمعمول به، فهو الذي أذكره للمستفتى ولا أتعرض له إلى القول الآخر فإن أشكل على المشهور ولم أر لأحد من الشيوخ في أحد القولين ترجيحا توقفت، وقد نقل عن الإمام المازري على إمامته أنه كان لا يفتى بغير المشهور من مذهب مالك، ومحله من العلم ما قد علم، أما نقل مذاهب فقهاء الأمصار سوى مذهب مالك والفتوى بها بالنسبة إلينا فهو أشد، لأنها مذاهب يذكر لنا منها أطراف في مسائل الخلاف، لم نتفقه فيها، ولا رأينا من تفقه فيها، ولا من عرف أصولها، ولا دل على معانيها، ولا حصل قواعدها التي تنبني عليها، فنحن والعوام فيها سواء، فكما أنه لا يحل للعامي الذي لم يقرأ كتابا ولا سمع فقها أن يأخذ كتب الفقه فيقريها لنفسه، ويفتى بما حصل منها على علمه، كذلك من لم يتفقه على مذهب غير مالك وإن كان إماما في مذهب مالك، اللهم إلا أن يرضي الورثة أن يعطوه من حظوظهم بقدر حظه من التركة، لو كان مستحقا هبة منهم له، وتفضلا عليه واستيلافا له ليرجع إلى دين الحق، فذلك لهم إن

[

وقال أيضا : العدالة معتبرة في كل زمان بأهله وان اختلفوا في وجه الاتصاف بها ، فنحن نقطع بأن عدالة الصحابة لا تساويها عدالة التابعين ، وعدالة التابعين لا تساويها عدالة من بعدهم ، وكذلك كل زمان مع ما بعده إلى زماننا هذا . فلو قيس عدول زماننا بعدول الصحابة والتابعين لم يعدوا عدولا لتباين ما بينهم في الاتصاف بالتقوى والمروة لكن لابد من اعتبار عدول كل زمان بحسبه ، وإلا لم تكن إقامة ولاية يشترط فيها العدالة ، بل لو فرض زمان خال من العدول جملة لم يكن بد من إقامة الأشبه فهو العدل في ذلك الزمان ، إذ ليس بجار على قواعد الشرع تعطيل المراتب الدينية لإفضائه إلى مفاسد عامة يتسع خرقها على الراقع ولم شعثها (كذا) وهذا الأصل مستمد من قاعدة المصالح المرسلة . انتهى .

قيل : ومثل ظرف الزمان في المسامحة في عدالة من اشتمل عليه من الشهداء هو ظرف المكان ، فليس العدول في الحواضر الآهلة بمن للاختيار [205/10] فيهم مجال من يعتمد عليه في هذا المقام كالعدول في البوادي الذين يضطرونهم إلى شيخ الموضع ووزيره . وفي طرر ابن عات ما يشهد لذلك فانظره هناك . وقال أيضا من فصل : العدالة مشترطة في الولايات الدينية والدنيوية ، إذ لا تقوم مصالح الولايات على التمام إلا بها . ودليله الاستقراء في الواقع ، ولذلك اتفق المسلمون عليها في الجملة ، فتشترط في الخلافة والوزارة والعرافة والحكومة على اختلافها ، كما تشترط في الولاية والشهادة والفتيا والإمامة وأشباهها ، لكن ليس كل عدل يصلح لكل ولاية تشترط فيها العدالة ، إذ لا تقوم مصالحها بذلك في مجاري العادات دون أن ينضاف إليها أمور تستنهض بها تلك المصالح .

[الأوصاف المعتبرة في الشهادة]

ولنشرع من ذلك في الكلام على الأوصاف المعتبرة في الشهادة ، وجملتها ثلاثة أوصاف .

وسئل الشيخ الأستاذ المفتي أبو محمد مكي بن أبي طالب القيسي، رضي الله عنه وغفر له عن تفسير الذبيح من هو؟

فأجاب بما نصه: الحمد لله على آلائه، ونشكره على نعمائه، ونصلي على خير خلقه، محمد النبي وعلي أهله. اختلف العلماء في الذبيح فقال ابن عمر، ومعاوية بن أبي سفيان، ومحمد بن عبد العزيز، ومجاهد، ومحمد بن كعب القرطبي، والحسن البصري، وسعيد بن الشيب، وهو أحد قولي ابن عباس. وروي مثله عن مجاهد أيضا رضوان الله عليهم أجمعين: قال أبو محمد لمن قال: إنه إسماعيل حجج ودلائل من القرآن وكذلك لمن قال إسحاق فلنبدأ بدلائل القرآن أنه إسماعيل، ثم نتبع ذلك دلائل الأخبار.

فمن دلائل القرآن قوله تعالى: ﴿فبشرناها بإسحاق﴾ يعني سارة. لأنها أم إسحاق باجماع ثم قال: ﴿ومن وراء إسحاق يعقوب﴾ وهو ولد الولد فبشر الله إبراهيم عليه السلام وسارة زوجته بولادة إسحاق، وبشرهما أن إسحاق يعيش حتى يولد له ولدا اسمه يعقوب فكان في ذلك إعلام من الله لإبراهيم أن الله يمد في عمر إسحاق حتى يكون له ولد، وأنه ممن لا يموت صغيرا فغير جائز أن يأمره بذبح إسحاق وهو دون البلوغ. وقد كان أعلمه أنه لا يموت حتى يكون له ولد. فكأنه أمره بذبح من قد أعلمه أنه لا يذبح، وهذا غير مستقيم. وقوله: ﴿فلما بلغ معه السعي﴾ يدل على أنه كان دون البلوغ ولم يقل أحد من الناس أن إبراهيم أمر بذبح ولده وولده قد ولد له ولد، وإنما أمر بذبحه وهو صغير. فإذا دلت الآية على بقاء إسحاق حتى يكون له ولد ولم يجز في العقل أن يأمر الله بذبح إسحاق وهو صغير وقد أعلمه أنه لا يموت دون البلوغ دل على الذبيح ليس هو إسحاق. وإذا

[

المعيار المعرب والجامع المغرب · الجزء ١ · الصفحة ٢٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المعيار المعرب والجامع المغربج ١ · ص ٢٤٨