وأجاب عنه فقيه الجزائر أبو الحسن علي بن محمد الحلبي بأن قال قولكم في كلام ابن الحاجب إنه أشكل عليكم وهو مشكل كما ذكرتموه وقد اضطرب فيه كلام شارحيه, فذهب فيه كل واحد منهما غير ما ذهب الآخر. وأقرب ما فيه إلى الصواب والله أعلم أن يحمل كلامه على المعنى الذي ساق عليه ابن بشير المسألة, فإنه قال: فإن ذكر صلاة لا يدري يومها بعينه صلى صلاة واحدة بلا خوف. وإن شك هل هي من السبت مثلا أو من
[190/1] الخميس؟ فها هنا قولان, أحدهما أنه يصلي ظهرين ينوي بكل واحدة منهما يومها من المشكوك فيهما, والقول الثاني أنه يصلي ظهرا واحدة ولا يضيفها ليوم معين. فقول ابن الحاجب فإن علم عينها دون يومها معناه جهل اليوم التي هي منه, وهو يشمل بظاهره صورتين, إحداهما أن يجهل من أي يوم هي من أيام الأسبوع, وهذه الصورة هي التي أراد المؤلف بقوله ولم يعتبر عين الأيام اتفاقا على ما قاله ابن عبد السلام وسيدي بركات الباروني في كلامهما على المسألة, وهي المسألة الأولى من أم ابن بشير. وأما الصورة الثانية أن يعلم أن وقتها منحصر في أعيان بعض أيام الأسبوع, ويشك من أي تلك الأعيان هي, كما إذا نسي صلاة معينة من الأربعاء أو الخميس وشك أيهما هي ونسي الترتيب فيما بين الأيام على ما قاله ابن فرحون, لا يدري هل بقوله: وكذلك لو علم أعيان بعضها ونسي الترتيب, يعني بين الأيام التي هي منها . والله أعلم. وقولكم كما أشكل على قول خليل الخ, عبارته تلك تبع فيها ابن هارون وليست بصراب, لأن نصوص المذهب صريحة بأن ذاكر صلاة معينة من يومين لا يدري من أيهما هي يصليها وحدها إما مرة أو مرتين, ولا قائل بأنه يصلي خمسا والله اعلم.
[قياس الاخالة وقياس الشبه]
ذكرنا ابقاء ما بني من الكنائس بشرط عدم تعديهم في بنائهم المذكور , وأما أن
ثبت تعديهم فانه يجب هدمه . ونحو من هذا المعني لابن شاش في جواهره ,
ولا معارضة بين قوليهما ما ذكرناه . والله سبحانه أعلم وهو تعالي الموفق
للصواب بفضله . وكتب مسلما علي من يقف عليه عبد الله الفقير الي الله
عيسي الماساوي لطف الله تعالي وسامحه بفضله .
[227/2]
[228/2]
كنائس بيت المقدس لا تهدم لأن الصحابة فتحوة صلحا
ومن كتب ابن زكري ايضا ما نصه :
الحمد لله والصلاة والسلام علي نبينا ومولانا محمد رسول الله . من عبد
الله أحمد بن محمد بن زكري التلمساني خار الله له , وأنجح في رضاه قصده
وأمله , الي الأخ في الله أبي محمد عبد الله بعد السلام عليكم , قد ووردت علي
اسئلتك وأنا مشغول البال من أجل كثرة الأشغال, ووردت علي اثرها كتب
وسؤال من قبل النغيلي طالبا الجواب في قضية الكنائس التي سألت عنها . فأما
أجوبة أسئلتك فقد حصلت والحال علي ما وصفت لك , وسيقع الجواب له
عن سؤاله ان شاء الله عز وجل . وما عندي في القضية الا ما وقع به الجواب
لك , وكان ذلك اثر جوابي في قضية وردت علي من المشرق مثل قضيتك .
وحاصل سؤالها : كنيسة في بيت المقدس لأهل الذمة أراد بعض الفقهاء
هدمها , فهل تهدم أم لا
فأجبت عن السؤال وهو مكتوب في رق بما حاصله: إن بيت المقدس
قد استفتحه الصحابة رضي الله عنهم صلحا من غير خلاف بين أهل السيرة
والتاريخ. وما استفتح صلحا للصلحي الإحداث على مذهب المدونة،
فكيف يهدم ما هو مبني من قبل الفتح؟ وقد طلب صاحب السؤال تسجيله
في كل البلد إلى أن يصل فسجل علي وسافر حامله في طرائد البنادقة في هذه
السنة. وأما كنائس البلاد الصحراوية فأقرب شيء في تلك البلاد أنها مملوكة
لأهلها بالإحياء والاختطاط، ويبعد فيها أن تكون عنوية أو صلحية. ولا سبيل
إلى هدم ما وجد فيها من الكنائس إلا إذا اثبت أن أهل تلك البلاد أنها ملكوا
=فأجاب : لا تسقط حضانة الأم ولا الفرض الواجب للبنت ، إلا بدخول الزوج بها مع كونها تطيق الوطء ، ولا تسقط بعقد النكاح على البنت ،[196/3]ولا يمكن الزوج منها وهي غير مطيقة للوطء ؛ لأن ذلك إضرار بها وحيلة على إسقاط حق الأم في حضانتها ، ولا تنتزع الابنة من أمها إلا بالتزويج مع كونها تطيق الوطء ، قاله فرج وفقه الله .
[من تزوج بكرا وطلب من أمها البناء بها فأبت ، فحملها إلى داره وخلا بها ثم ادعى أنها ثيب]
*وسئل : عن إنساء تزوج بكرا وطلب أمها بالبناء بها ، فأبت إلى أن رمى يده في البنت وحملها لداره وخلا بها أياما ادعى أنه ألفاها ثيبا ، وأنكرته هي في ذلك ، وذكرت أنه لم يمسها هو ولا غيره ، وقدم القاضي امرأتين من القوابل للنظر إليها وشهدتا أنها غير عذراء ، فأمر القاضي أم الزوجة برد ما قبضته لابنتها من مضمن الصداق ، وكتب رسما بإشهاد الزوج على نفسه باستيفائه من أم الزوجة حميع ما كان دفعه لها إلا خمسة عشر درهما ، وذكر فيه أن الزوجية انفصلت منه بسبب العيب على السنة في ذلك ، هذا نصه . فلما وصلت إلى ههنا ، أتتنا أم الزوجة متظلمة واستظهرت برسم يتضمن نظر امرأة من أهل أندرش من القوابل العارفات مخاطب من القاضي ، وأنها ألفتها عذراء ، وقالت إن كانت مطلقة فثم من يتزوجها ، وإن كانت غير مطلقة ، فاحكم على زوجها بما تقتضيه الأحكام الشرعية ، فاستحضرت الزوج فسألته بمحضر شاهد عدل ، فذكر أنه احتمل الزوجة المذكورة لداره وخلا بها أياما ، وأنه اعترض عنها إلى أن زال ذلك عنه ووطئها فوجدها ثيبا والبنت منكرة للوطء .
في الاستحقاق، وأنه ما باع على ابنته المحجوزة ولا فوت بوجه من وجوه الفوت ولا أخرجها عن ذلك بسبيل، ولا خالع الزوج على إسقاطه،وأنه لباق على ملكها حتى الآن، والسلام على سيادتكم من معظمها فرج.
[من حلف بالطلاق البتة لوالدته أن لا يدخل لها بيتا فكلمها في بيته أو في الرحبة]
وسئل ابن لبابة عن امرأة ولدان، وكانت لها أرض فتصدقت من بضع أرضها عل الولد الواحد، فقام الذي لم تتصدق عليه فحلف لوالدته بالطلاق البتة إن أنت أمضيت الصدقة لأخي ما دخلت لك بيتا، فأمضت الصدقة للولد، فامتنع الولد من دخول بيت الأم، إلا أنه يجتمع معها في بيته فيكلمها وتكلمه، أو في الرحبة، فهل يحنث الولد بكلامها إياه؟ أم لا يحنث إلا بدخول البيت كما حلف، ولم تكن له نية حين حلف إلا بهذا اللفظ.
فأجاب: إن كان نوى ترك مجامعتها فحيث ما جامعها حنث، وإن لم تكن نيته إلا ما لفظ به فقط فلا شيء عليه في كلامه ولا في مجامعته،ولا حنث عليه.
[من حلف لزوجته إن لم ترد الثوب فهي طالق، حنث إن لم ترده في ثلاثة أيام إلى خمسة]
وسئل أبو صالح عن الذي حلف لامرأته إن لم ترد الثوب إلي أنت طالق، فلم ترده، وقد مضى لذلك نحو ستة أشهر منذ حلف.
فأجاب: إن لم ترده إليه في ما بين ثلاثة أيام إلى خمسة أيام فهو حانث، قيل له فلا ينفعه إن ردته إليه بعد ذلك، إذ لم يوقت لرده أجلا؟ فقال لا، إذا طال هكذا.
[210/4]
[211/4]
[من علق طلاق امرأته على خروجها من الدار أثناء سفره فأخرجها صاحب الدار]
وسئل ابن لبابة عن رجل قال لامرأته إن خرجت من هذه حتى أقدم من سفري فأنت طالق، وكان يسكن بكراء فأخرجها صاحب الدار.
فأجاب بأن قال إن لم تخرج طائعة فلا شيء عليه وتلزم البيت التي تخرج إليه.
[من حلف بطلاق امرأته ألا تعير غرائر لأحد، فدخلت جارة وأخذت غرارة مبسوطة في البيت]
والمراد بالزينة الوجه واليدان إلى الكوعين وعبر عن هذين العضوين بالزينة لأن الوجه محل الكحل في العينين واليدين محل الخاتم فهو من المجاز تسمية للشيء بملابسه ومجاوره لكن هذا في الصلاة وفي معاملة الناس للضرورة على الوجه المتقدم ومذهب مالك رضي الله عنه جواز كشف المرأة وجهها ويديها لأجنبي لكن على الوجه المذكور وفي كتاب الظهار من المدونة جواز نظر الأجنبي إلى وجه المرأة، وفي كتاب طلاق السنة منها في الرجل يطلق زوجته ثلاثا فيجحد الطلاق وعلمته هي أنها لا تتزين له ولا يرى شعرها ولا وجهها ولا يأتيها إلا وهي كارهة فحمل ابن محرز هذه الرواية التي في طلاق السنة على أن لا تمكنه من ذلك لأن قصده التلذذ بها ولا شك في المنع على هذا الوجه أما إن وقعت خلوة فذلك ممنوع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إياكم والدخول على النساء » وقال صلى الله عليه وسلم « لا يخلون رجل بامرأة فإن ثالثهما الشيطان » وكذلك إن وقع إكثار من جلوس النساء للصناع وطول مقام من المرأة لغير فائدة أو في أوقات يخاف فيها التطرق إلى الفساد مثل أوقات القائلة
[199/5]
وسئل عبد الله بن أبي زيد عن رجل ذكر أنه ألفى بيد خادم له مالا، وأنه ابتاعها من رجل ويخشى أن يكون المال للبائع، فحضر بائعها منه، وقال: إن المال الذي ألفى بيدها مالي وكان قد ابتاعها المدعي في المال من رجل، وتوفي ذلك الرجل، وثبت موته، وأن أهل الإحاطة بوراثته في علم من ثبت ذلك بهم عند القاضي ابناه. فحضر أحد الابنين مجلس نظر القاضي فوقفه(¬1) إن كان يدعي في المال الذي بيد الخادم بسبب أبيه أم لا؟ فقال: لا حق لي فيه، ولا هو لأبي ثم حضر الثاني فقال: إن المال من مال أبي وأنه يعرف ذلك فعرفوني بالواجب في ذلك مأجورين.
فأجاب: إن أثبت عندك البائع الثاني أن المال له قضيت له به قبل أن يعذر إلى المدعي من ولد المتوفى أن المال لأبيه، فإن أتى بشيء يوجب له نظرا نظرت له، وإن لم يثبت عندك بائع الخادم أن المال له وقفته حتى ينكشف عندك ما يجب النظر فيه إن شاء الله.
وأجاب محمد بن يبقى بن زرب: إذ قد تبرأ المبتاع الآخر من المال، وادعاه بائع الخادم منه، وأنه ماله لا مال الخادم، فإن أثبت ابن البائع الأول أن ذلك من مال أبيه فما كان بيد الخادم في وقت بيع أبيه لها، كان له نصيبه منه، وإن عجز عن ذلك حلف البائع الثاني أنه ماله وملكه لا مما اشتراها به،ولا كان بيدها ولا من مالها فيحين ابتياعه لها، فإذا حلف بذلك كان
[254/6]
أحق بجميع المال، وله رد اليمين على ابن البائع الأول. فإن حلف كان له نصيبه منه. وكان الباقي للبائع الثاني. وإن أثبت البائع الثاني ملكه لذلك المال، أخذه دون يمين.
208/7] مصرفها من سلفها للأسارى بموضع كذا, وإن يستوسق في دفعها بالرهان والضمان, وكان حين قبض الماء قبضه في دنانير عينية وفضية, وزعم أنه نقصه حين صرف الفضية إلى العينية مائتا دينار ثنتان وستون دينارا فضية في النقص والزيوت, ثم زعم أنه خرج من يده عن أجرة على كتب رسوم وقبض ما عهد به في غير حصته وفي قيمة رهان سرقت له من داره, وفي فداء أسيرين من العدوة لم يستوثق منه, وفي صرف ذهب بدراهم ناقصة وزيوت ستمائة دينار وستة عشر دينارا فضية, وتبقى عليه بعد ذلك عدد له خطر نحو المائة والخمسين من الذهب العين, وهذا يقتضي أن ما نقصه لا يطالب به لأمانته, وذكر أنه فعل ذلك محتسبا وإن طولب بما ضاع فطلب أجرة على حبسها وربما دفع بعض المال في غيرهما حبس فيما يخاف عليه التلف لأجل خوفه من أهل الدعارة.
فأجاب: أما ما ذكره المحتسب من انه نقصه في المصارفة بحسب وجود النقص والزيوت فيما قبض, فالقول في ذلك قوله لأنه أمين, وكذلك يكون القول قوله فيما دفع منه على كتب الرسوم وأجرة من شخص إلى قبض ما عهد به من المال في غير حصن المحتسب, إلا أن يأتي في ذلك كله بما يستنكر, وكذلك لا ضمان عليه فيما سرق من الرهان إن كان لم يضيع في حفظها, والقول قوله في أنه لم يضيع, وأما ما ضاع من المال لكونه لم يستوثق ممن دفع إليه برهان ولا بضامن, فإنه يصمن لأنه متعد في دفعه بغير رهن ولا ضامن لمخالفة الشرط, وكذلك يضمن كل ما تلف من المال مما دفع في غير مصرفه لتعديه, إلا أن يثبت ما يقتضي سقوط الضمان عنه عند أهل العلم, وأما طلب هذا المحتسب الأجرة, فإن كان طلب الأجرة على مجرد الحفظ, فليس له على ذلك أجرة, فقد قال العلماء لا أجرة للمودع على حفظ الوديعة, وأما إن طلب الأجرة على قبض الشيء من المال من تركة من عهد به, أو على سفره لقبض شيء منه؛ أو صرف منه, فإن أقر أنه فعل ذلك محتسبا فلا أجر له, فقد ذكر في السؤال أنه فعل ذلك,
[
فأجاب : المشهور فى هذه المعمول عليه انفساخ الإجارة نعم تفارق احصده ولك نصفه في أن هذا لم يقبض الحاصد زرعه لبقاء حق التوفيه فيرجع على الآخر مصيبة نزلت بالآجير والمستأجر والله اعلم .
وأجاب الحاج القاضي محمد بن أحمد العقباني : هلاك ما حصد وما يحصد مصيبة نزلت بالأجير والمستأجر والله أعلم .
وأجاب عمه القاضي سيدى ابراهيم العقباني : يلزم رب الفدان أجرة المثل فيما عمل له الأجير وهلك الزرع من صاحب الفدان ومصيبته عليه سواء كانت العقدة صحيحة أو فاسدة وبسط ذلك لا يحتاج إليه لأنه يبدو بأدنى تأمل والله أعلم .
وأجاب فقيه الجزائر أبو العباس بم محرز : إذا كان الانر كما ذكؤ فإن كان عقد الإجارة وقع بعد أن استحصد الزرع وعرفا صفته بفرك بعض سنبله ورؤية حبته فالعقد صحيح وما هلك فضمانه في رب الزرع إذ فيه توفيه وعليه للأجير بقدر ما عمل والله تعالى أعلم .
وأجاب فقيه الجزائر أيضا أبو الحسن على بن محمد ابن الحلي : أما قولكم إن قلتم بصحة الاجارة أو فسادها الجارة المذكورة صحيحة إن
[232/8]
[233/8]
كانت بعد أن يبس الزرع في ثالث مسألة من سماع ابن القاسم في الجعل والإجارة قال ابن القاسم كا ما جاز بيعه جاز الاستيجار به على الوجه المذكور وفي النوادر : قال مالك ولا بأس بالشراء من حب زرع بعينه يابس على الكيل وهو يتصعد كذا إلى خمسة عشر يوما وينقد الثمن انتهى فإذا جاز بيعه أو بعضه على الكيل جاز الاستيجار به على الوجه المذكور وإذا وقع الاستيجار به وضاع قبل قبضه جرى على الخلاف فيمن أسلف له وأسلم على معين وضاع ذلك المعين أنه لا شيء للمسلف أو للمسلم قاله البرزلى في أول البيوع ونقله أيضا عن أحكام إبن سهل وصوب بعض الشيوخ أنه لا شيء له ونقله أبو الحسن الصغير في كتاب الرهن عن المارزي والله الموفق للصواب .
[ المقاطعون يؤخذون لجميع القيام بمشونة الزرع فيهلك ]
ونزلت مسألة أخرى من هذا المعنى: قامت امرأة متملكة عند إبراهيم بن يحيى المعروف بابن السقاء تدعى الحرية وأنها ابنة فلان من سبتة، وشهد لها عنده شاهدان على عينها، أنهما يعرفانها بسبتة منذ سبعة
[221/9] أعوام أو نحوها تتصرف تصرف الأحرار، زاد أحدهما وأنها حرة، وقال الآخر أعرف لزيد الذي ذكرت ابنة إلا أني لا أعلم أهي هذه أم لا؟ وقبل شهادتهما وأعذر إلى مالكها، ولم يكن عنده مدفع، وحكم بحريتها وإطلاقها، وذكر في كتاب حكمه أنه شاور في ذلك أهل العلم فأفتوه بالحكم بها، وخاطب للمحكوم عليه قاضي طليطلة أبا زيد بن الحشاء ليعديه على بائع المرأة منه، إذا كان ساكنا بها، وثبت عند أبي زيد الخطاب والحكم وأعدى المحكوم عليه على البائع منه، وسجل بذلك وكتبت السجل ونسخت فيه حكم ابن السقاء وسأل المحكوم عليه بطليطلة أن يخاطب له قاضي بطليوس، وقال إن بائعها منه بها فكتب له إلى قاضيها يومئذ أبي عبدالمالك مروان بن محمد، فوصل إليه الكتاب والمكتوب له، وقد هلك ابن السقاء فامتنع القاضي من إعدائه وقال أحكام ابن السقاء غير جائزة عندي، وانصرف الطليطلي دون شيء، وأخبرنا بذلك بطليطلة ثم سرت أنا إلى قرطبة وبلغني أن أبا زيد شاور فقهاء طليطلة في أحكام ابن السقاء هل هي نافذة أم مردودة؟ فأفتوا أنها جائزة، وخطب بذلك قاضي بطليوس للمحكوم عليه المذكور، فاعترض بعض فقهائنا في شهادة الشهيدين للمرأة عند ابن السقاء لأن أحدهما كان شهد أنه يعرفها حرة تتصرف تصرف الأحرار الأمد المذكور، وقال الآخر: أعرفها تتصرف تصرف الحرائر هذه المدة، ولا أدرى أهي ابنة فلان، فقال أبومحمد بن الخراز منهم وآخر معه شهادتهما مختلفة، فلا يجوز الحكم بها، فكتب قاضي بطليوس أبوعبدالمالك إلى قرطبة يستفتى عن ذلك.
فأجاب ابن عتاب: الشهادة عاملة وحرية المرأة ماضية والحكم لها بذلك نافذ غير مردود.
وأجاب السيوري عن هذا السؤال : إذا استقر في نفسه خط فلان من كثرة الترداد بعد أن كان أصله تحقق عنده فليشهد به . ابن عرفة : كنت عند الشيخ ابن عبد السلام فدخل عليه عدل من عدول تونس رفع له على خط فقال له : هل أدركت صاحبه ؟ فقال لا فلم يعمل برفعه . فلما خرج قال يصح للإنسان أن يشهد على خط لم يدركه بسنه كما يشهد على خط الشلوبين لكثرة تكرره بالأخبار علينا(¬1) وإنما لم نجز شهادة هذا على الخط لأني توهمت أنه لا يميز الخطوط ، وهذا نحو ما ذكره هنا ، وزاد فيه أن تكون له قريحة تمييز وفطنة واختلف في الرفع على خط الشاهد عند موته أو غيبته . منهم من يقول المشهور العمل به ، ومنهم من يقول المشهور عدم العمل به . ابن عات عن المحتج ( كذا ) الخط عندنا شخص قائم ومثال مماثل تقع العين عليه ويميزه العقل كما يميز سائر الأشخاص والصور ، فالشهادة على الخط جائزة . وكذا حكاها أبو إسحاق عن مالك وأصحابه أن الخط شخص يميزه العقل ، فكما يجوز في الأشخاص مع جواز الاشتباه فيها فكذا في الخط وعن الأبهري فكما تجوز الشهادة على الصور وإن كان يشبه بعضها بعضا إذ الاختلاف فيها أغلب .
قيل : هذه المسألة تدل على مسألة كان ابن عرفة رحمه الله ينقلها عن شيخه ابن عبد السلام وهو من شرط الشهادة على الخط حضوره لتقام الشهادة على عينه ، كالشخص المجهول إذا شهد على عينه . فقول الشهود في وثائقهم ووقف على رسم يقتضي كذا لا يعول عليه لأنها كالشهادة على مجهول المقصود معرفة عينه . وكان غيرهما من الأشياخ لا يتفطن لهذا ويرى أنه [198/10] يحصل له الترجيح للملك ، وكذا التنبيه على أن فلانا وصى . وإذا أريد إثبات ذلك من غير إشكال فيشهدون على القاضي أنه ثبت عنده رسم كذا ، وأن فلانا وصى ونحو ذلك فتكون شهادة على حكم القاضي .
[من وجد كتاب بخطه يسب فيه رجلا ويقذفه قذف الحد]
فلو كان ما قلت لكان الكلام: ولقد هم بها ويأبى الله ذلك وما أنزل به من سلطان. والقرآن من أوله على تأويل المخالف لا يثبت به له شيء، ولا مستند له فيه. وهو محل النزاع، فلا حجة فيه. فتعين صرف الهم في حقهما إلى ما يفيد معنى لم يتقدم ذكره، وذلك أن المرأة كانت تجد في نفسها عزة لكونها امرأة العزيز، وربة المنزل، وأنه في كفالتها وتحت حكمها، وأنها نزلت له عن رتبتها، وأطلعته على مكتوم أمرها وجاءت عليه بنفسها وألقت عليه جلباب حيائها، فلم يلتف إليها ولا عرج عليها ولا وجدت عنده إلى ما دعت إليه ولا نالت مما رجته سوى أنها امتلأت عليه حقنا وغضبا وعدته مشمتا بها إذ لم يقض لها أربا فهمت به أي تأخذه بالعقوبة انتصارا لنفسها لما جعلت إبايته عصيانا لأمرها. فالهم هنا كما في قوله تعالى: ﴿وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه﴾. وهم أيضا هو بدفعها عن نفسه ومقابلة ما يقع من فعلها ذلك بمشاكلة ومثله كما تقول: كان بيني وبين فلان كذا وكذا وقال لي كذا وكذا. وقلت له حتى لقد هم بي إذا أردت بلوغ الغاية في المغاضبة. وبهذا يستقيم إيراد القصة مكملة مرتبة على حسب وقوعها في
[