أحدهما أن المعنى إذا علم كون الصلاة مثلا ظهرا أو علم أنها من الخميس أو الجمعة فإنه يصلي الظهر مرة واحدة, ويكون الضمير عائد (كذا)
[189/1] على الأيام, وبهذا يوافق هذا الوجه تقرير خليل المتقدم, ويحتمل على بعد أن يعود على الصلوات الخمس وبه يفارق ما قال خليل كما باينه في أنه يصلي الظهر مرة واحدة كما قلناه, فإن المشار إليه بقوله وكذلك إنما هو قوله صلاها ولم يعتبر الخ, والإشارة على تقدير خليل إنما هي إلى قوله صلى خمسا. وهذا التقرير أقرب من الأول.
الوجه الثاني: أن يكون الضمير المضاف إليه بعض عائدا على الصلوات الفائتة, والمشار إليه هو قوله صلى خمسا. وصورة المسألة أن يكون تذكر ظهرا مثلا وصلاة اخرى ولم يدر عينها إلا انه تحقق أنها غير ظهر وإنما هي شائعة, في غير الظهر من سائر الخمس, ولم يدر مع ذلك هل هي من اليوم الذي الظهر منه أو من غيره؟ فإنه يصلي خمسا. وأما لو تذكر ظهرا وصلاة أخرى شائعة في الصلوات الخمس فإنه يصلي الظهر ويصلي خمسا. وهذا الوجه هو الذي منع خليل وابن عبد السلام أن يحمل كلام المؤلف عليه, وهو بين والله أعلم.
وأجاب عنه الفقيه أبو علي سيدي منصور بن عثمان: الذي ظهر لي فيه ما مشى عليه ابن عبد السلام, وأن الضمير المضاف إليه بعض يعود على الأيام, ويكون المؤلف تعرض للكلام على الصلاة المعينة مع جهل الأيام, ومع العلم بها ونسيان الترتيب فيها. فالإشارة بقوله وكذلك لقوله وإن علم عينها دون يومها صلاها, أي وكذلك إذا علمها وعلم الأيام ونسي ترتيبها. ونسيان الترتيب في اليومين يدل على تعدد الصلاة المنسية. ولهذا جاء التخريج في مقابلة المشهور والله أعلم. وأما قول الخليل فهو مشكل جدا, أو غير صحيح. نعم ما أشار إليه ابن عبد السلام من الاعتراض راجع إلى مقتضى الفقه لا إلى تفسير المسألة, وفي اعتراضه بحث فانظر فيه وتأمله.
المسألة أخذ الشيخ أبو الحسن اللخمي في تبصرته علي المدونة فقال في ترجمة
من اجر داره ممن يتخذها كنيسة في الفصل الأخير منها بعد فراغه من نقل
كلام ابن القاسم وكلام غيره في المسألة ما نصه : وطاهر قوليهما أن القديم منها
يترك , انتهي .
[226/2]
[227/2]
وهذا الطاهر صحيح نقله الشيوخ وسلموه كالشيخ أبي الحسن الصغير
وغيره ممن تكلم علي المدونة . وهذا الطاهر المفهوم من كلام أبي عبد الله مالك
بن أنس رضي الله عنه يوخذ مثله من كلام الشيخ ابن القاسم وهو القول
الثاني من القولين اللذين أشار اليهما الشيخ أبو الحسن اللخمي بقوله : وطاهر
قوليهما أن القديم من البناء يترك لأنه يحتمل أنهم انما بنوا الكنيسة لأنه عهد
وفي لهم به , فيجب بقاؤه حتي يثبت أنهم تعدوا في البناء فيجب هدمه . واحتمال
بنائه انه وقع منهم علي وجه التعدي مرجوح بعيد في النطر لأنهم ذميون أذلة
صاغرون , ويبعد في حقهم التعدي لصغرهم وذلتهم , فيبعد في النطر وجود
التعدي منهم علي بنائها علي طول ذلك بعد بنائه ودوامه من غير نكير عليهم ,
فيبعد لذلك تعديهم كما ذكرناه .
توات وغيرها من مدن الصحراء مما اختطه المسلمون
وتوات نحوها من مدن الصحراء مما اختطه المسلمون . والاختطاط
عطيه الامام لهم موضعا يبنون فيه واباحة ذلك لهم . والخطة بكسر الخاء هي
الأرض التي يعلم عليها الرجل علامة بخط يدل علي اختيار المعلم بناء الموضع
المعلم واحتيازه . ومنه خطط الكوفة والبصرة قاله الجوهري في " صحاحه " . ومدن
الصحراء ونحوها كلها اجعة الي الاختطاط , فان شرط الذميون شرط اتخاذ
كنيسة لهم جاز ذلك ان كانت مصلحة ذلك أعطم من مفسدته , ويوفي لهم
بذلك كما قال مالك وابن القاسم رضي الله عنهما , وليس ما ذكر باثر المسألة
التي قرر فيها ما ذكر بمعارض لما في بيان ابن رشد حيث قال : وأما ان كانت
قراهم في بلد الاسلام فليس لهم الا أن يكون لهم أمر أعطوه , لأنا انما
والثالث قول مالك في كتاب ابن حيب أن الطلاق يلزمه فيها بمراجعة القديمة ، إلا أن يدعي أنه لم يرد أن لا يجمع بينهما ، وإنما أراد أن لا يروعها بإدخال ضرة عليها وقت حلها مع بقاء زوجيتهما ، فتكون له نيته ، وهذا القول مقصور على الطوع بعد العقد كما في هذه النازلة ، فإن كان شرط فيه لزمه الطلاق عند المرجعة ، والقولان الأولان جاريان في الشرط والطوع معا ، وهما على مراعاة الغالب من القصد واعتبار اللفظ ، وهي كمسألة من حلف أن لا أدخل على فلان بيتا فدخل المحلوف عليه على الحالف ، فقد قالوا يلزمه الخروج من ساعتئذ ، وإلا حنث ، وهذا على قياس المشهور ، وقد اشرتم في مكتوبكم إلى وجه الفقه في المسألة ، والأصل الذي انبنى عليه المشهور من القصد إلى معنى واعتبار بقاء المالك ، فكان ذلك من سداد النظر ، وتلتفت المسألة إلى أصل آخر ينتظمهما وهو تعليق الطلاق على عقد النكاح قبل وجوده ، وفيه من الخلاف ما قد علم ثلاثة أقوال في المذهب : اللزوم وهو المشهور ، ونفيه لابن عبد الحكيم والمخزومي وغيرهما وهو مذهب الشافعي ، والنهي عنه ابتداء ، فإن وقع مضى ولم يفسخ قاله ابن القاسم في العتبية ، وأفنتى به صاحب الشرطة ، قلا فيها وقد كان ابن المسيب يقول دعها وأثمها في عنقي ، فهذا منتهى القول في المسألة ، والسلام الأكمل على سيادتكم من معظمها ومكبرها موالي شكركم فرج ، ورحمة الله وبركاته .
[من له بنت في حضانة أمها يغرم عليها الفرض ، فزوجها من عشرة أعوام فرارا من الفرض]
*وسئل : عمن له ابنة في حضانة أمها يغرم عليها الفرض ، فزوجها من عشرة أعوام فرارا من الفرض .
بعد ذلك، ولا شيء له في امتهان ما يأخذه في زمن آخر. وهذا كله إذا أشهد وقت الإبرد، فإن لم يكن منه إشهاد حينئذ ولا قيام بالقرب فيهما دون السنة، فجميع المورد مال البنت وملكها، والسلام عليكم من معظمكم فرج.
وأجاب عن مسألة تظهر من الجواب إذا لم يثبت نقل السؤال، نصه:
سألت عما تقيد في هذا الكتاب من اعتراف والد الزوجة بما اعترف لها من أصول التوت وغيرها، فأجابت بنفوذ ذلك للبنت الزوجة المذكورة مالا من مالها، ومسقطا لحكم الحيازة فيها بسبب تعلق حق الزوج بالاعتراف المذكور وما عقده عليه، وإن كان الوالد قد أمسك شيئا من الأملاك المعرف بها وبقي ذلك بيده في استغلاله بعد خروج الزوجة بنته إلى دار زوجها، فعلى الأب ما يجب بسبب ذلك لبنته بعد ظهور استغلاله وثبوته، وحلف للبنت يمين القضاء، وأنها لم تترك ذلك لوالدها صلة ولا حسبة من لدن ملكها أمر نفسها إلى الآن،وأنها على طلبها لوالدها أو لتركته بما يجب لها بسبب ذلك. قال هذا كاتبه مسؤولا منه ذلك فرج.
[من نحل زوجته عقارا فاستحق بعضه وفارقها قبل الدخول]
وسئل عن رجل ساق لزوجته ملكا من أملاكه واستحق بعضه وفارق الرجل الزوجة المذكورة قبل البناء وتوفي وقسم متروكه، ثم قام والد الزوجة يطلب ما يجب لبنته في الملك المسوق، زاعما أن الصداق كان قد ضاع له ولم يجده إلا بعد موت الناحل وقسم تركته.
فأجاب: إذا ثبتت الشهادة بالنحلة على الناحل في عقدة النكاح فقد حصل الملك للزوجة على الشيء المنحول من غير افتقار إلى حيازة على المعمول به من القولين، وهو المشهور،ثم لا يسقط حقها بسكوت والدها وتركه القيام بما يجب، لأنه إذا قام إنما قيامه بحق غيره لا بحق نفسه، وطلاق الزوج لا أثر له في تملك الزوجة للنحلة، لكن يحلف الأب هنا اليمين المعروفة
[209/4]
[210/4]
فأجاب: الحمد لله، والصلاة والسلام على محمد رسول الله، تصفحت السؤال المكتوب فوقه، فأما المسألة الأولى فهي غير جائزة لما فيها من التحجير والظلم والغبن ويؤول إلى أكل أموال الناس بالباطل لأن من بخس في ثمن سلعته أكل من ماله ما بخس فيه بغير حق قال الله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ﴾(¬1) وهذه المسألة أكل المال فيها من غير تراض، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام... الحديث»(¬2) وقال صلى الله عليه وسلم «من غشنا فليس منا» (¬3) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»(¬4) وأما المسألة الثانية فاشتراء المرأة وبيعها من الرجال أو استيجارها إياهم في عمل ومباشرة ذلك بنفسها للضرورة والحاجة إذا لم يقع فساد ولا تهمة ولا خلوة ولا ميل لشهوة فاسدة جائز، ولا يضر كشف وجهها ويديها بذلك كما تكشفهما في الصلاة وعلى هذا حمل جماعة من العلماء قوله تعالى ﴿ ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ﴾ (¬5)
وأجاب ابن حارث: إن كان الشاهدان يعلمان أن البائع الثاني متسور بالظلم، أو متعديا (كذا) بالغصب فشهادتهما ساقطة في الوجهين، لوقوفهما عن القيام في ذلك، إلا أن يكون المشتري الأول حاضرا وعالما بما كان من البيع الثاني، فلا يكون سكوت الشاهدين على الإنكار جرحة فيهما، لحضور صاحب الحق، فتجوز شهادتهما حينئذ في البيعتين جميعا، ثم ينظر، فإن كان المشتري الأول ساكتا ولم يذكر البيع حتى مضت مدة فسخه يمكنه القيام فيها، فلم يقم، فقد سقط حقه الذي قام به، ولزمه البيع. وإن قام بالحضرة فهو على حقه، ويطلب ببينة جميع ما قام فيه. وإن كانت شهادتهما ولا علم لهما بتسور ولا غصب، لكان على ظاهر تمكين المشتري الأول إلا أن يزيل ملكه بوجه من الوجوه التي تزول الأملاك. فشهادتهما جميعا صحيحة. لأنه ليس على الناس أن لا يشهدوا حتى يمتحنوا بواطن الناس. وما فعلوه في أملاكهم، على أنهم يعرفون بعلم قلوبهم ما شهدوا عليه في البيعتين، فإن لم يعرفوا ذلك إلا من خطوطهم، ولا يعرفون باطن ما أشهدوا عليه فالشهادة تامة على كل حال.
وأجاب محمد بن مسور: لا تستقيم الفتيا حتى يؤرخ الشهود شهادتهم ببيع المرأة من غالب، فإن كان تاريخ شرائه بعد تاريخ شراء عبد الملك من خلف، فشهادتهما في البيعتين تامة، فإذ لا ينكر أنه زال حال ملكها عن عبد الملك إلى المرأة ثم بيع المرأة لها وقد قطعا بملك المرأة لها إلى أن عقدت فيها البيع.
[253/6]
وإن كان تاريخ شراء غالب أقدم من شراء عبد الملك، فشهادتهما ساقطة في الصفقتين، إن كانا عالمين أن البائع الثاني متسور بغصب أو بظلم، وإن كانا لا يعلما، فالأمر في شهادتهما على ما قاله الفقيه أبو عبد الله بن حارث، ولا تخرج الدار عمن ألفيت في يده إلا بغير هذا من الشهادة إن شاء الله.
[من اشترى جارية وألفى بيدها مالا فتنازعه بائعها منه وبعض ورثتها من هذا البائع]
وسئل عن رجل شهد عليه شاهدان أنه أوصى بتحبيس نصف موضع من /207/ ثلثه يكون وقفا على قارىء الحديث بالمسجد الجامع, إلا أن أحد الشاهدين كتب بعد شهادته: أشهده الموصي ابن فلان المذكور أن نصف الموضع المذكور إنما يتعين للقارىء بالمسجد المذكور وتقيد في رسم آخر ما مضمنه الشهادة على والد العاهد المذكور أنه سلم في العهد التسليم التام ورفع النزاع فيه والإعتراض ولم يكن للموصي وارث غير والده, وبالمسجد المذكور قارىء بين العشائين وآخر بعد الصبح, على أن وقت العشاءين بقي مدة دون قارىء نحو عامين بعد أن قرأ فيه قارىء سنة ثم قارىء آخر وقت السحر ما زال معمورا طول هذه الأربعة الأعوام, فلمن ترى يكون فائد العامين اللذين لم يقرأ فيهما بين العشائين؟ هل لهذا القارىء الأخير أو لقارىء وقت السحر؟.
فأجاب: الذي يظهر لي في الحبس المذكور منذ سلم فيه الوارث, أن يختص به قارىء واحد بالمسجد المسمى, لا أنه يقتسمه القارئان فيه, عملا بظاهر لفظ المحبس, حيث قال: على القارىء للحديث بالمسجد الجامع, ويكون تعينه إلى نظر الناظر في الحبس وإن رأى أن يجعله مناولة(¬1) بينهما في أوقات مختلفة فذلك له إذا لم يثبت تخصيصه بقارىء بين العشائين شهادة كاملة, لكني استحسن للناظر أن يجعله للقارىء بين العشائين استحسانا, لصدق لفظ المحبس عليه, لأنه قارىء في المسجد مع موافقته زيادة الشاهد الآخر على تقدير صحتها, أما في العامين اللذين لم يقرأ فيهما إلا قارىء واحد بعد التخبيس فهو له إذا لم يزاحمه غيره- والزيادة لم تثبت
[الناظر في مال الحبس لا يضمن إلا إذا خالف ما شرط عليه]
وسئل أبو عبد الله بن علاف عن رجل بيده مال محبس على فداء الأسارى جملته ستمائة دينار من الذهب العين, وبيده تقديمات من القضاة تتضمن ثبوت أمانته, وشرطوا عليه فيها شروطها, منها أن لا يصرفها إلا في
[
فأجاب : يلزمهم كراءه ومضيه معهم قيل له : فإن آجر نفسه من آخر بعد طرده كيف ترى ؟ وهل فسخ الثانية إن أردوا أم لا ؟ فقال لي : إن قالوا امض عنا فلا حاجة لنا بك إلى أقصى الحج وعليهم البقية فلا قيام لهم وإن لم يقولوا غير امض عنا فقط فهذا محتمل فيحلفون أنهم ما أرادوا إلا منعه في وقت دون أقصى السفر ثم لهم فسخ الإجارة قيل له : فإن ثبت أنهم طردوه للأبد أيحاسبوه فيما قبض في الثانية ؟ فلم يجب على هذا الفصل وجوابه يحاسب على ما مضى ويأخذ قصاصه من جميع الأجرة وما يأتى فهو له عليه لثبوت الفسخ فيما بينهم وبينه إذا رضي بذلك وإن لم يرض بذلك وقت المحاسبة وسئل عن قول ابن القاسم إن السلعة إذا ردت بعيب رد السمسار الجعل فهل الحكم كذلك إذاكان البائع هو المستأجر ؟
فأجاب : الأجرة بخلاف الجعل ولا يرد .
[ الفرق بين الأجير على حفر بئير يتهدم وعلى نسج ثوب فلا يتم ]
وسئل عن الفرق بين الأجير على حفر بئير فتهدم قبل تمامه فله بحساب ما حفر وبين الثوب يهلك قبل تمام الصنعة فيه لا شيء له .
فأجاب : بأن البئير كل ما حفر فيها بقيت منفعته لصاحبه والثوب لا منفعة فيه إلا بتمام العمل قيل فإن عمل وقد تم بالبينة فهو مستكمل وأنت توجب الإجارة في نصف البير فهو أحرى له قال هذا لم يزل في
[231/8]
[232/8]
ضمانه وإن تم لا ضمان عليه في البير فبقيت التوفيه بالضمان حتى يوفيه قيل وعلى أصل ابن المواز أن المصنوع له قابض للصنعة فكلما ثبتت فيه صنعته فله بقدرها .
[ من استأجر على حصد زرع بقدر معلوم ]
وسئل سيدى محمد بن العباس عمن استؤجر على حصاد زرع بآصع معلومة منه فحصد منه نصفه فنزل عليه الجيش فأجاحه كله فهل لكل واحد منهما على صاحبه مطلب أو لا شيء له لأنها مصيبة نزلت بهما ؟ وما ترون ؟
220/9] صحة ابتياعه وأن المملوك كان ملكا لبائعه ابن سهل، وقد ذكر لنا ابن عتاب مثل هذا من اتفاق الشيوخ على ذلك، إذ كثر بيع الأحرار في فتنة ابن حفصون.
قال: ونزلت بابن عبدالرؤوف صاحب المظالم بقرطبة أبي عبدالله من ذلك مسألة ادعت مملوكة أنها حرة الأصل، وأنها من يابرة ولها بها أهل، فوقفت أياما ثم رجعت عن دعواها وقالت كذبت ما أنا إلا مملوكة، فشاور في ذلك، فقالت طائفة لا يسمع رجوعها، لأنها قد استحقت حريتها بدعواها، فليس لها أن ترق نفسها.
وقالت طائفة يسمع منها وتبقى مملوكة لسيدها، قال وهو رأيي، وبه أفتيت، واختاره القاضي ابن بشر، قال وهو في أحكام ابن زياد على هذا الاختلاف، والذي ألفيت أنا في هذه الأحكام من هذا المعنى أتتنا رحمنا الله وإياكم، امرأة تزعم أنها حرة وادعى رقها رجل فوضعتها على يد أمين حتى أنظر في أمرها ثم أتاني الرجل بعد أيام فذكر أنها مقرة لها بالرق الذي كانت أنكرته، فقالوا يجب في ذلك أنها إن كانت مجهولة الأصل فإقرارها بالرق لازم لها وجائز عليها، وترد إليه بعد الإعذار إليها في إقرارها بملكيته لها، قاله ابن لبابة وغيره هذه التي في أحكام ابن زياد، ولم يذكر فيها خلافا ولم يذكر لنا ابن عتاب إذ ذكر ذلك ما في سماع ابن القاسم فمن ذلك من قول مالك أنه يسمع نزوعها إلا أن يخاف أنها نزعت لشيء خافته وأرادت ذكره فاستحييت منه، وخفت أن يقول لي ليست كالتي اتفق الشيوخ عليها، قال لنا: وقلت في جوابي: وإن أمكنك الكشف عن أمرها وكتابك إلى جهتها التي سمتها بقصتها كان حسنا، وربما خفت عندك دعواها وكان ابن حفصون قد ثار في شتر في أيام الأمير منذر بن محمد بن عبدالرحمن بن عبدالحكم، وكانت وفاة المنذر سنة خمس وسبعين ومائتين.
قلت : تقدم من كلام ابن المناصف عدم إعماله مطلقا في الموت والعزل ، وهذا كله مع عدم التسجيل .
[196/10]
[خبر العدل لا يحصل العلم وحده]
وسئل عبد الجليل الربعي فقيل له إذا أخبرك أبو عمران الفاسي أن هذا خط فلان هل تقطع بهذا الخط وتقول إنه خط فلان من غير استناد إلى شيء غير ما أخبرك الشيخ لثقتك به باختباره وصدقه ؟
فأجاب : إذا أخبرني الشيخ أنه شاهد صاحب الخط يكتب فهو واحد عدل لا يوجب خبره العلم ، ولو أخبرني عن رأيه فيه لداخلني الشك لتجوزي عليه قلة تمييز الخط ، والشهادة عندي على الخط لا تجوز إلا على الخطوط الجلية المعروفة التي لا يقدر على التزوير عليها .
قيل : هذا نحو قول سحنون لو أخبرني عمر بن عبد العزيز برؤية الهلال ما صمت ولا أفطرت ، يريد أنه خبر عدل خاصة ولا يحصل العلم وحده .
[الشهادة على خط الميت]
وسئل السيوري هل تجوز الشهادة على خط الميت وعل الشاهد إذا لم يذكر المجلس ؟
فأجاب : لا تجوز الشهادة على خط الشهود ولو عرف الشهود خطه ، وما هو عندي فيه خلاف ، فإن الأزمنة حالت وحال الناس فكثر الضرب على الخطوط وقل تمييزهم لها .
وسئل اللخمي عمن بخط عدل أو فقيه واحد هل هو من باب الخبر أو من باب الشهادة فلا يجوز أقل من اثنين وصاحب الخط حي أو ميت ؟ إذا تقررت معرفة الخط في نفسه فهل له الشهادة عليها والقطع بها أم لا ؟
فأجاب : إذا أراد أن يعمل بقول فقيه فإخبار واحد عدل به كاف في باب الخبر كما يخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم حيا كان أو ميتا . وأما الشهادة ولو أخبره بذلك أربعة من الشهود كان بابها باب القطع ، بخلاف باب الأخبار . ولو تكرر عليه خطه حتى لا يشك فيه صح أن يشهد أنه خطه ، لأنه [197/10] إذا تكرر وطال حصل العلم به كما نقطع بخطوط قوم ماتوا وما أدركناهم . وهذا عندنا في خطوط كثيرة كما يقال عندنا خط ابن عمر وخط( )(¬1) وغيرهما كثيرا ، وقد اشتهر وحصل القطع به .
وهذا كله في غاية الوضوح والبيان. فكيف نحمل ما جاء بعده من لفظ همت به، المستغلق إبهاما، الكائن في النفس بمنزلة الخطرات الأول، العارضة، على أنه إخبار ثان مما بيناه(¬1)، والنص عليه في الآية قبله. ونحمل على هذا الكلام الله تعالى مع أن له محملا سواه، يفيد معنى زائدا ويجري على ما تقدم. لا ينافره ولا يأباه. ألا ترى أن مثل هذا لو وقع فيما بيننا لكان للسامع أن يقول: قد تقدم تحديثك بهذا وبسطه، فلم كررته في لفظ إنما ينبيء عن ذكره في النفس وعن إرادته؟ إنك ما أفدت شيئا. ولا يحسن إيراد الحديث فمثل هذا لا يحسن أن يحمل كلام الله عليه، ولا أن يفسر الهم به، لأنه تكرار لا يفيد، ووضع لا يليق بوجيز الكلام وبليغه. وأيضا فإن جملة
[200/11] همت به، جاءت مصدرة بلام الابتداء وحرف التحقيق الذي يصير الكلام بهما بمنزلة المقسم عليه. وما ذلك إلا لتاكيد الخبر، والاعتناء بالإعلام به. فكيف يذكر بعد هذا الاستفتاح ما قد سبق بأبين من هذا، كمن يستفتح الكلام مؤكدا فإذا أصغي إليه لا يقول شيئا.
فإن قلت: إنما المراد ما عطف على همت به. وذكرت همت به توطئة له.
قيل لك: لو كان كما قلت، لاقتضى الإيجاز الاستغناء عن هذه التوطئة، لأنه قد نبين أنها تكرار أقرب إلى المعنى منه إلى الاختلاط بكلام الناس، فكيف بالكتاب العزيز؟ وأيضا فإن كلام العرب على تقديم ما بيناه أهم وهم به أعنى قاله سيبويه رحمه الله: