وسئل بعض شيوخنا عن كيفية التخريج في الصور التي قال ابن الحاجب: ويستر العريان بالنجس إلى قوله وخرج في الجميع قولان, يعني بالجميع الصور الثلاث المذكورة في كلامه.
فأجاب صفة التخريج في الأولى أن يقال: التعري عند ابن القاسم في الصورة الثانية مقدم على الحرير, والحرير في الثالثة مقدم على النجس, فيصير التعري مقدم على النجس لكونه مقدما على الحرير, والحرير مقدم على النجس, فيصير المقدم على المقدم على الشيء مقدما على ذلك الشيء. وصفته في الثانية أن نقول: الحرير مقدم على النجس في الثالثة, والنجس مقدم على التعري في الأولى, والحرير مقدم على التعري. وصفته في الثالثة أن تقول: النجس مقدم على التعري في الأولى والتعري مقدم على الحرير في
[187/1] الثانية, فالنجس مقدم على الحرير, فصح التخريج في كل صورة من الصور الثلاث والله تعالى أعلم.
وسئل غيره عنها إلا أن السؤال بعبارة أخرى, ونصه: جواب سيدنا عن الثلاثة الصور التي نص عليها ابن الحاجب في النجس والتعري والحرير, والتعري واجتماع النجس والحرير. الصورة الأولى من لم يجد إلا ثوبا نجسا فإنه يقدم النجس على التعري, الصورة الثانية من لم يجد إلا ثوب حرير فإن ابن القاسم يقدم التعري على الحرير, الصورة الثالثة إذا اجتمع النجس والحرير فإن ابن القاسم يقم الحرير على النجس, وقد خالف أصله, لأن من أصله تقديم التعري على الحرير.
الثاني الامن من أن سؤدي انكار المنكر الي منكر أكبر منه , كمن ينهي
عن شرب الخمر بحيث يؤول نهيه الي قتل نفس , فان لم يومن ذلك لم يجز التغيير كما
ذكر من أراد هدم الكنائس المسؤول عنها . فبتقدير أن يكون بقاؤها منكرا
لم يجز تغييرها ان كان ذلك يؤدي الي القتل والقتال بين المسلمين , فلا سبيل
الي تغييرها علي أهلها وهم من أهل الذمة . وقد اتفق العلماء علي تحريم القتال
الذميين وهم لم ينقضوا العهد , فلهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم الا ان
ينقضواعهد الذمة , وحيث لم ينقضوا عهد الذمة يكون قتالهم حرابة ومن باب
السعي في الفساد في الأرض , فالساعي في ذلك مندرج في أية الحراة وهي
قوله تعال ( انما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض
فيادا أن يقتلوا الأية )
الثالث أن يعلم المنكر أو يغلب علي طنه أن انكاره للمنكر مزيل له ,
فان لم يعلم ولا غلب علي طنه لم يجب التغير , الشرطان الأولان في الجواز ,
والثالاث في الوجوب , فاذا عدم الشرط الأول الثاني لم يجز الأمر ولا النهي ,
واذا عدم الثالث ووجد الأول والثاني جاز أن يأمر وينهي . ويدل علي وجوب
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالشروط الثلاثة قوله تعالي ( والمؤمنون
والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر .
وقول رسول الله صلي الله عليه وسلم : " والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف
وتنهون عن المنكر ولتأخذن علي يد السفيه ولتأطرنه علي الحق أطرا
او ليصرفن الله قلوب بعضكم علي بعض ويلعننكم كما لعن بني اسرائيل كان
اذا عمل العامل منهم بالخطيئة نهاه الناهي تعزيزا فاذا كان من الغد جالسه
وواكله وشاربه وكأنه لم يراه علي الخطيئة بالأمس فلما رأي الله ذلك صرف
قلوب بعضهم علي بعض ولعنهم علي لسان نبيه داود وعيسي صلي الله
علي نبنا وعليهما سائر النبييئين والمرسلين , واخر دعوانا أن الحمد
لله رب العالمين , وكل ما وقع في السؤال من الحجج والمحاجة صواب أرانا
[
*وسئل : عن امرأة شهد لها زوجها في كتاب صداقها معه بعد تاريخه المؤرخ به ، بأنه زادها في الصداق الواجب لها فيه الربع الواحد في دار سكناها مشاعا معها الربع ومعه بالنصف ، والنصف من قسيمة فدان له في موضعه ، ثم أن الزوج المشهد توفى بعد ذلك بنحو عام ، وكانت وفاته في الدار ساكنا مع زوجته المذكورة معه ، وكانت قسيمة الفدان المذكور خارجة عن جهة[193/3]الزوج ، بأن عمرها عم الزوجة المذكورة وازدرعها كتانا بينهما بسبب اشتراكهما في الأرض على الاشاعة .
=أجاب وقفت على السؤال ، والحكم في ذلك على المشهور أن لا يصح للمرأة في موت زوجها إلا ما قبضته منه واحتازته في حياته من يده وفي صحته ، ويبطل بالموت ما لم تقبضه ، فعلى هذا إن ثبت للزوجة ما ذكرته من خروج قسيمة الفدان عن جهة لتخلي من الزوج عنها ، وإذا لم يثبت لها ذلك فهي كهبة لم تتم فتبطل ، فأما الدار تصح للزوجة الزيادة التي زادها منها لعدم الحيازة فيها ، لاستمرار سكناه فيها إلى وفاته ، ولا يعتبر سكني الزوجة معه ؛ لأن اليد في السكنى إنما هي للزوج ، فإن هي المرأة حكم من قبض بتصحيح الزيادة بدون افتقار إلى حيازة ، بناء على قول من قال بذلك من أهل المذهب ، فيجب العمل بمقتضى ذلك الحكم ، والسلام عليكم من كاتبه فرج .
[من دخل بزوجته قبل قبضها ما نقد من الصداق]
*وسئل : عن الزوج يدخل بزوجته قبل قبضها ما نقدها من الصداق .
=فأجاب : وقفت على ما سألتم في مكتوبكم عن نقد المهر إذا حصل الدخول ولم يستوف بالقبض ، وهو واجب للزوجة على زوجها بكل حال ، تطلبه به متى شاءت ، ولا يسقطه الدخول ولا طول العهد كتب في كتاب الصداق ، ولا براءة له منه إلا بالبيان ، أو لم يكتب وإنما الذي فيه المقال إذا طلبته الزوجة وادعى الزوج أنه كان قد دفعه قبل البناء ، أما إذا وافق على أنه لم يدفع فلا مقال له .
[بنت زوجها الأبعد مع وجود الأقعد]
ولا يلزمه الطلاق في امرأة يتزوجها بعدها، إذ قد حنث في الأولى، كانت في منصبه أو دون منصبه. ولا يختلف عندي في هذه لأنه يحنث بالأقل، وإنما اختلف فيمن حلف أن يتزوج علي امرأته، فقال المغيرة لا ينفعه حتى يتزوج امرأة تشبهه وتشبه زوجته، لأن ذلك أغيظ لها. قال ابن المواز وقد سهل فيه ابن القاسم وروى عن مالك مثل قول المغيرة بخلاف هذه المسألة. والسلام على من يقف عليه من محمد بن علاق.
[من طلق زوجته البكر قبل البناء ومات عن قرب فأنكرت الزوجة الطلاق]
وسئل من قبل القاضي أبي يحي بن عاصم الأستاذ أبو سعيد بن لب بما نصه:
سيدي صدر العلماء، وعالم الفضلاء، حفظ الله جلالكم، وأوجب علي إفادتكم بالحسنى،لكم الفضل وجزيل الأجر في الجواب عما يأتي ذكره: رجل أوقع طلاقا على زوج له بكر قبل البناء بها ووجه لها مبارة بالطلاق، ثم لم يلبث إلا نحو عشرين يوما وتوفي. كان حين إيقاع الطلاق صحيحا دون مرض ولا ألم، فربما غابت المرأة على المباراة حين علمت بوفاة زوجها المذكور، ولم يظهر بالطلاق إلا شاهد واحد، فهل ترث ويلغى حكم الطلاق بالشاهد الواحد؟ أو يثبت الطلاق بالشاهد الواحد ولا يكون لها ميراث؟ وهل تحلف على المباراة؟ أوضحوا ما يظهر لكم في القضية يعظم الله أجركم.
فأجاب: وقفت يا سيدي، وصل الله سيادتكم، وحفظ مجادتكم، على المسألة التي سطرتم، والواجب في ذلك أن يطالب الوارث القائم بشهادة الطلاق باليمين على صحة ما شهد به الشاهد، فإن حلف اندفع ميراث الزوجة، وإن نكل حلفت الزوجة أنها ما علمت من زوجها طلاقا إلى وفاته وترثه، فإن نكلت فلا ميراث لها. هذا على مذهب ابن القاسم، وخالف أشهب فقال لا يحلف مع الشاهد في نكاح ولا في طلاق، فتنحصر اليمين على هذا القول في جهة الزوجة، فتحلف أو تنكل، ويكون الحم على ما ذكر
[206/4]
[207/4]
وهل سمع قضاء في باب الاقتضاء الشبيه بهذا من يلزم للمدين قضاء الوازن على الناقص بل كلام الفقهاء في الجواز إن رضي وهذه شيعة بشيعة، ولا سيما من ذي رتبة رفيعة، والمسألة منصوصة بصريح الحكم في المختصرات والمطولات فكيف يصح لدي ديانة تعليق أحكام الله تعالى بالتخريجات مع وجود صريح المنقولات كما هو منصوص في التلقين وغيره؟ انتهى، قال المقري رحمه الله ومما وقع فيه النظر والمذاكرة مع بعض الفضلاء بفاس نازلة وهي أن رجلا زوج ابنته من رجل وشرط في نحلتها دنانير معلومة فلما أراد البناء طلبه أبو الابنة بأن يعطيه عروضا عوضا من تلك الدنانير فتنازعا فحلف بالطلاق الثلاث أن لا يأخذها فطلق الزوج البنت ثم بدا لكل منهما فتراجعا لتجديد العقد أو إرادته فسأل الحالف هل يجوز له أخذ العروض في المسألة الثانية؟ فقال ذلك الفاضل له ذلك ولا يحنث إذ ذاك عصمة أخرى بمنزلة ما لو تزوجها غير ذلك الزوج، وقال على حزازة في النفس من هذا فخالفته وقلت بالمنع والحنث إن فعل، وبيانه أن اليمين أبدا ينتظم تارة من أمور ثلاثة وتارة من أمرين أحدهما البساط وهو السبب المولد لليمين ولفظ اليمين والثالث النية لتعيين مراد اللفظ وربما انعدمت النية فتبقي اليمين منعقدة بالأمرين الأولين، وقد تحقق بالبديهة مخالفة اللفظ للبساطة بالذوات والنية أيضا ممتازة عن البساط إذا البساط أمر اتفاقي والنية إرادة منشأة من الحالف ثم هي بالنسبة إلى مدلول اللفظ قد يتماثلان بحيث يكون قصده ما دل عليه صريح اللفظ من عموم أو خصوص، وقد تخالفه بزيادة المراد المنوي على مدلول اللفظ، وقد تكون أنقص منه، فالأول والثاني لا شك في قبول الناوي فيما نوى قضاء وفتوى، والثالث فيه تفصيلات باعتبار نفس النية وباعتبار نفس القضاء والفتيا، والفقه البسيط كفيل بذلك، وإذا لم تكن له نية تصحب اللفظ تقرر مدلوله أو تصرفه إلى بعضه كما في النازلة فالمعروف من المذهب بناء الفتيا على
وسئل هاشم بن أحمد عمن أنكر بيع ملك قيم عليه فيه بعيب، ثم أقام بينة أن المبتاع اعتمر ذلك الملك وعرضه للبيع بعد ا طلاعه على العيب.
فأجاب: الذي أقول به إذ قد أثبت عندك ابن يعلى ما قد أثبت وأعذرت في ذلك إلى رشيق ثم ادعى مدفعا فيما أنكره، ثم قام بينة تشهد أن ابن يعلى قد علم العثور ورضيه، فإن هذا تناقض من رشيق وقد أكذب كل بينة تشهد له، وأسقطها بما ذكره لإنكاره البيع، وانتفائه منه. وأرى أن يقضى لابن يعلى عليه، ولا تسمح له حجة بعدها.
[قول الموثق في وثائق البيوع: بمنافعها ومرافقها لا يفسخ البيع]
وسئل سعيد بن عبد ربه عمن باع دارا ثم أراد فسخ البيع وقال: إنه وقع في كتاب الابتياع بيع الطرف والأفنية. وزعم أن هذا مما يفسخ به البيع.
فأجاب: ليس يفسخ البيع عندي في الدار بما جرى في وثيقة الابتياع من ذك الطرق والأفنية إذ من اللفظ المستعمل في أشربة الدور، أن تباع بمرافقها ومنافعها كلها، الداخلة فيها والخارجة عنها. وطرق الدور وأفنيتها
[250/6]
من مرافق الدار ومنافعها الخارجة عنها، وليس يقع البيع عليها، إنما يستثني منه البائع المرافق للدار وبالله تعالى التوفيق.
وأجاب ابن حارث: أجوبة أصحابنا -حفظهم الله- في هذه القضية صحيحة إن شاء الله وبه أقول.
ولقد رأيت ذكر الأفنية في وثائق الأئمة من شيوخ بلدنا مثل أبي صالح وابن مزين وجماعة غيرهم لا يرون الأفنية الداخلة في البيع إلا الأفنية المملوكة، ولا يريدون بذلك، ولا يعنون إلا الأفنية الخارجة عن ملك البائع. وكذلك معنى الموثق في ذكر الطريق. هذا ما عندي. والله أسأل التوفيق.
[لا قيام لمن باع أملاكا وأشهد بتسليم البيع ثم قام يطلبها]
وسئل هاشم بن محمد بن خزينة عمن باع أملاكا ثم قام يطلبها ثم أشهد بتسليم ذلك البيع وإمضائه، ثم قام بعد التسليم يطلبها.
205/7] فأجاب: أما مسألة البناء على المقابر بناء مسجد أو صومعة, فقد قال مالك في مقبرة داثرة بني فيها مسجد يصلى فيه: لا بأس به, وإنما أباحوه في الداثرة دون الجديدة, لأنها يخاف في الجديدة نبش العظام, وذلك لا يجوز, فإن أمن من ذلك بأن يكون البناء فوق القبور دون حفر يصل إلى مواضع العظام فذلك جائز, وما في الجديث من النهي عن اتخاذ القبور مساجد, فإنما ذلك مخافة أن تعبد القبور, كما كان اتفق لمن سلف قبل هذه الأمة, أما إذا كان المقصود عبادة الله مع الأمن من ذلك الخوف في هذه الأزمنة, فلا حرج إلا من تاحية نبش العظام خاصة.
[بيع الأب ما وهبه لابنه قبل بلوغه]
وسئل عن بيع رجل وهب لابنيه الصغيرين في حجره أملاكا هبة تامة وحبس في أثناء رسم الهبة جميع الموهوب لهما لمدة من خمسة عشر عاما لا يباع شيء من ذلك ولا يفوت حتى تنقضي المذة المذكورة, فإذا انقضت تنطلق يد كل واحد من الموهوب لهما على ما وهب, وعلى حكم التحبيس عند رسم الهبة, ثم توفي الواهب قبل إتمام المدة بعد أن باع بعض تلك الأملاك. فلما توفي الواهب قام الموهوب لهما على المشتري يريدان انتزاع الأملاك التي بيده, ويطلب هو الثمن من تركة الواهب فهل لهما ذلك أم لا؟
فهو ضامن لأنه يؤذى غروس الزيتون وأما إن كانت هناك مراعي فيوكل أرباب رعاة يحفظونها حتى يخرجونها من الغروس ويبعدون بها إلى المراعى فإن شذ منها شيء من المراعى فلا ضمان عليه وعلى أصحاب الغروس دفعهم وماأفسدته من الغروس التي يضمنونها فهي على أربابها وإن عظمت بخلاف جناية العبيد لأن التفريط من أرباب المواشي .
[هل يدافع على الدواب المرسلة في كرم الناس إذا أصابتها الغارة ]
وسئل ابن عرفه عن الغارة تصيب البهائم التى تكون في الكروم ويقدر الإنسان على الذب عليهم حتى تسلم البهائم .
فأجاب : لا يفعل ، وهم ظلمة فلا يعانون بوجه من الوجوه ، لأن في إعانتهم تتميما للجرأة على أموال الناس .
[ من رفع أحدا إلى حكام الظلم هل يلزمه ضمان ما أغرمه . . ؟]
وسئل الأستاذ أبو سعيد بن لب عما تعم بع البلوى من رفع بعض الناس بعضا إلى حكام الظلم والجور المتسلطين على أموال الخلق وأبدانهم بمجرد الدعوى بغير شبهة لا سيما إن كان ذا مال وذا عفة وخيرة ففيهم تقع العجائب فإن أهل الشر يدفعون عن أنفسهم بشرهم فهل يلزم الرافع غرم تلك الأموال المأخوزة بسبب رفعه أم لا ؟
فأجاب : أما التسبب في غرم مال بغير حق بشكوى مبطلة مع تقدم علم المتسبب بالغرم وثبوت الشكوى المبطلة يلزمه غرم ما تسبب فيه بعد تعذر استرجاعه من المباشر
وسئل ابن أبي زيد عن حراز الزيتون ليلا ونهارا على أنه إذا كان وقت الحرز يخرصون الزيتون ويأخذونه على ذلك الحرز كل قفيز كذا فإذا حرزوا فمنهم من يسلم له زيتونة ومنهم من له ذمام فيترك له ومنهم من ليس له جهة فيعطي فيكتبون زمام الحرز يدفعونه إليه فيتقاضى ذلك والناس كما ذكرت منهم فيكتبون من يعطي ومنهم من له جهة فهل تجوز هذه الإجارة أو لا ؟
[228/8]
[229/8]
وكيف لو رضى بعضهم بهذا الإسقاط وبعضهم لم يرض ؟
فأجاب : هذه إجارة لا تجوز. فإن وقعت كان له على كل واحد أجرته فيما حرز له
فأجاب: إذا عجز الرجل عن نفقة أم ولده فالاستحسان أن حكمهن حكم الحرائر في التلوم الشهر ونحوه، فإن لم يجد شيئا اعتق عليه لأنهن إن تركن بلا إنفاق متن جوعا، وحكاه ابن عتاب عن أشهب، ونزلت واختلف فيها شيوخنا المتأخرون فقال بعضهم بهذه الرواية، وقال أكثرهم: لا يعتق بعجزه عن النفقة بخلاف الحرة، ويصير من فقراء المسلمين كعجزه عن نفقة ولده، فالواجب على القاضي في المسألة المذكورة أن يعرف المحكوم عليه بالبينة التي شهدت عليه ويعذر إليه فيما شهدت به عليه من سائر فصول المسألة ويمكنه من طلب منافعه واستيفاء حجته، فإن أتى بشيء نظر له، وإلا أمضى عليه الحكم السابق، وهي بسبيل الحكم على الغائب في إرجاء الحجة.
وكتب ابن سهل إلى ابن عتاب في سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة بعقد استرعاء في إثبات حرية نصه: يشهد من تسمى في هذا الكتاب من الشهداء أنهم يعرفون الآن فلان ابن فلان بعينه واسمه ونعته كذا حرا ابن حرين لم يجر لأحد من الناس عليه ملك ولا شبهة رق في علمهم إلى حين شهادتهم هذه وتأريخها كذا قال وسألته عن فائدة قول المورث حرا ابن حرين وهو لو كانت أمه حرة، وأبوه عبدا لكان حرا، وعن قوله في العقد علمهم هل يوهن العقد فكتب إليه بخط يده: العقد عامل فيما قصد به إليه من إثبات الحرية ولا علة في قوله ابن حرين لأنه صفة بحرية أبويه، وأراد التعريف أنه ابن حر لا ابن عبد من حرة، ولو قال ابن حرة لاكتفى وقوله فيه في علمهم يرجع على قوله لم يجر عليه ملك لأحد إلى آخر الكلام، وهو الذي يجب أن يقال فيه إذ قد تقدم القطع على المعرفة بالحرية في صدر العقد بقوله
[218/9] يعرفونه حرا ابن حرين، وهذا لا يكون إلا على البت، ولو كان على العلم لم تكن شهادة توجب حكما، وبالله التوفيق.
[من أعتق نصيبه من عبد فلما طالبه شريكه بقيمته قال: يقوم على أنه سارق آبق]
وسئل ابن مضا عمن عرف بالظلم والغضب شهد عليه عدول مبروزن بأنه غضب ملكا لرجل ، فأعذر إليه وضربت إليه آجال وتلومات فانقضت ولم [193/10] يأت بشيء ولم يحكم عليه حتى أتى بشهود زكاهم غيرهم يتضمنون العداوة بينه وبين الشهود بسبب الدنيا وحطامها ، هل تجوز هذه الشهادة أم لا ؟ لكونهم ليسوا من أهل التبريز وقلة المعرفة بالشهادة والجهل بذلك .
فأجاب : إذا كان الشهود كما وصفت من الجهالة وقلة المعرفة بالشهادة ، فشهادة هؤلاء غير جائزة ولا مقبولة .
وأجاب أبو الأصبغ بن ادريس إذا قبل شهود العدالة وثبتت عدالتهم وهم من أهل المعرفة بمعنى العداوة جازت شهادتهم فيها ، وإلا لم تجز .
وأجاب ابن سليمان : اختلف قول مالك في هذه المسألة ، فروي عنه أنه يقبل التجريح بالعداوة والهجرة ، إذ يمكن ذلك من الصالح ، وبه قال أصبغ . وروي عنه أنه لا يباح تجريح المبرز بعداوة ولا غيرها . والذي أقول به إن كان المشهود عليه بالحالة الموصوفة من عدم القبول فالظالم أحق بالحمل عليه ، وإلا قبلت بالعداوة ممن هو فوقه ودونه ومثله .
وسئل عبد المنعم عن رجل شهد على امرأة أو رجل لا يعرف اسمه . وكيف شهادة السماع ؟
فأجاب : الشهادة فيها على قدر ما يستقر في النفس ويحصل القطع حتى يكون كالمشاهدة ، فإن حصل ذلك شهد وانتفع بشهادته إن عدل ، وإلا فلا تجوز شهادته .
[المطلوب في الشهادة غلبة الظن بصدق شهودها]
وسئل أبو القاسم بن عبد الملك الخارجي عمن يغيب عنها زوجها بعد عقد النكاح وقد دخل بها أم لا ، فيطلبون النفقة أو الطلاق ويشهد من يحضر من الناس على معرفة أنهن زوجات لأزواجهن حتى غابوا ولو حضر الأزواج لعرفهم العدول الشاهدون في أصل العقد ، فهل تقبل شهادة هؤلاء ؟
فأجاب بأن المذهب منطبق على طلب العدالة ، وهي تختلف باختلاف أحوالها ، فتارة تقع على الاختيار من غير ضرورة قصد التوثق فشرطها العدالة .
[
قيل لهم: معلوم أنكم لا تقولون: إن الأمر بلغ هذا، ولكنكم ذكرتم مبادئ قبيحة، ومقدمات خبيثة وأكوانا محرمة، وهتك أستار محترمة، أتجوز إجابة المراودة، واستعمال الخطأ إلى ما ذكرتم من القعود بين الرجلين، والخلوة، والمكاشفة، والانتهاء إلى حل التكة والسراويل؟ أيهون قول هذا كله بغير علم عند الله؟ ﴿وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم﴾. وأين أنتم من قوله تعالى: ﴿لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين﴾. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿وراودته التي هو في بيتها عن نفسه﴾. الآية... تأمل رحمك الله ما في هذه الآية من صون عرضه، ولطيف التنبيه بمحاشاته من أفعالها على ذكائه وفضله، وسله من موجب مكرها كما تسل الشعرة من العجين بقوله تعالى ﴿وراودته﴾ نسب المراودة لها وأفردها بها. ثم قال: ﴿التي هو في بيتها﴾. فوصل التي هو في بيتها، وذلك لأنه لا يدل إلا على الاستقرار والسواء خاصة. وعدل سبحانه عن أن يذكرها باسمها أو بصفة لها، أو يقول امرأة العزيز، كما قال في الآيتين بعد ذلك، ويصل التي بغير هو في بيتها مع كثرة ما يمكن من أنواع الملابسات والمخالطات، لأن السواء والاستقرار هو الذي لا عيب فيه على يوسف عليه السلام، ولا شك في صحة أصله إذا كان سيدها قد قال لها أولا: ﴿أكرمي مثواه﴾ إذا رجى الانتفاع به. وأن يتبناه، فكان ثواؤه في بيتها عليها كالأمر المفترض ولم يكن دخوله للبيت لإجابة دعائها، ولا لموافقتها على أمر عرض. فإذا اعتبرت وصل التي بما يقتضي الاستقرار والثواء وجدته في دفع التهمة عنه من قبيل صرف السوء والفحشاء. وسبحان الذي لما أراد أن يعلم بشدة حرصها عليه وأنها غلقت
[