فأجاب بأجوبة منها أنه يفر من الآذان لئلا يشهد به للمؤذن, إذ لا يسمعه شيء إلا شهد له يوم القيامة. قال بعض الشيوخ كأنه من فرط حسده يروغ عن الشهادة له وإن علم أنه مستغن عنها, كما ترى الحسود يتلكأ في الشهادة لمن حسده بفضيلة أو حق, وإن كان في غنى عن شهادته لقيام غيره بها. ولكن هذا الجواب يرد عليه مثل السؤال الأول وهو لم خص الآذان بشهادة كل شيء سمعه دون الصلاة, فكأنه لم خص الآذان بفرار الشيطان منه, فقال لأنه خص بشهادة الأشياء له. ومنها أن الآذان بمثابة دعاء الملك بخاصته لحضور سر, وإذا دعا الداعي تميزت خاصة الملك لك م غيرهم. قال بعض الشيوخ وهذا جواب غير محصل, فإن التمييز إنما يكونن عد حضور السر, فكان فرار الشيطان من الصلاة أنسب لهذا المعنى, إذ هي السر الذي دعا إلى حضوره. وقد سماها النبي صلى الله عليه وسلم مناجاة فقال إن المصلي يناجي ربه فلينظر بما يناجيه. ومنها أنه يفر من الآذان ويرسل على المصلي ليقع اختبار المخلص من غيره. قال بعض
[179/1] الشيوخ وهذا قاصر جدا, على أنه لم يرد على ما في الحديث من تسلطه في الصلاة وعدم تسلطه في الآذان ولم يجب عن السؤال بشيء. وهذه الأجوبة على وهيها أمثل ما حكي عنه.
وأجاب غيره بأنه يمكن أن يقال إن طاعة الله بالجملة محاربة للشيطان وجهاد له, والعدو إنما يفر عند كشف الغطا وبلوغ الغاية في المجاهدة بالعدواة, وليس في العبادات أبلغ في هذا المعنى من الآذان انتهى.
وعرض هذا الجواب على الشيخ الفقيه الصالح أبي محمد عبد الله بن السيد بمدينة طرابلس فاستحسنه وقال: إن هذا يؤكده قوله صلى الله عليه وسلم: ساعتان تفتح لهما أبواب السماء وقل داع ترد عليه دعوته, حضرة النداء للصلاة والصف في سبيل الله, يعني أنهما ساعتا جهاد.
الفجيجي , ونفيا لخلاف الذي نقلته وقالا انه ليس بموجود في النازلة . والمغيلي
في بعض الأوقات علي رؤوس الاسهاد يدعي الاجماع ويقول لمن يدعوه الي
هدمها تهدم وان أدي الي قطع الرؤوس , ومن مات ممن يريد هدمها فهو من
أهل الجنة , ومن الخرين فهو من أهل النار . وحكم علي منع من هدمها
بالنار لأنه رفع دين الكفر ونصره وقرر بيتا يسبب فيه رسول الله صلي الله عليه
وسلمونحو هذا من التغليط . وقال مرة لمن يخاطبه وهم كثيرون : هذه الجنة
مهذا النار يشير الي مكانين من ارض ومن هدمها فله الجنة , ومن حماها فله
النار , وقال في ذلك الموطن وفي غيره : هذه محبة رسول الله صلي الله عليه
وسلم, وهذه محبة اليهود , فأختاروا أيها شئتم , يشير الي ان تقريرها محبة لهم
ولما هم عليه من الكفر , أعاذنا الله واياكم من ذلك , ونحو هذا من الأمثلة
وضرب المثال بأيات فرأنية وأحاديث نبوية ينفر بها من تقريرها استنزل بهم
أكثر البلد بنسبتهم الي حب الكفر وأهله , والمسلمون براء من ذلك بحمد الله
تعالي .
واحتجا علي ما ادعياه من الاتفاق بنص ابن شاس وصاحب البيان
فقالا , ان ملك نوضعها اما أن يكون بيع أو غيره وكلاهما ممنوع , وتعقب ما
ذكرته ان الغير يخالف فيه ما اختطه المسلمون تمسكا بطاهرها , لا سيما اختصار
البرادعي , فانه قول مالك في بلاد الاسلام وذكر قول ابن القاسم في
البلد الذي اختطه المسلمون , فأطلعتهما علي نص ابن عرفة , اما المغيلي فتأملته
ما شاء ثم أجابني بأن قال : ما اختطه المسلمون ليس كما فهمته بل هو البد
الذي أذن الامام في بنيانه بعد الفتح ليسكنه المسلمون مع الكفار . ومرة قال
[216/2]
[217/2]
لبلد الذي أخذه المسلمون ثن سكنه االمسلمون معهم ,. ومسألة النزاع الفبلد الذي بناه
المسلمون لأنفسهم ثم نزل أهل الذمة عليهم , فقلت له كلام ابن عرفة
لا يعطي ذلك لأنه قال فسكنوه معهم وهو مقتض أن سكني أهل الذمة بعد
=فأجاب : وقفت على السؤال المكتوب بمحوله ، والجواب أن الكراهة في ذلك محمولة على كراهة التنزيه لا التحريم ، كما أمر بالستر عند قضاء الحاجة لما فيه من الحياء والاحتشام ، وقد جاء الحض في الشريعة على الحياء وأنه من خصال الإيمان ، ولهذا كره أن يطأ الرجل زوجه إن كان هنالك من لا يفهم ولا يسمع من صغير أو نائم ، فقد كان ابن عمر يخرج النساء والجواري حتى[186/3]الصبي في المهد ، وروي يكره أن يكون معه في البيت من البهائم ثم وكل كل ذي روح مبالغة في تحصيل الحياء والاحتشام ؛ لأنه إذا فعله بحضرة الصغير من الناس ، أسرع إلى التساهل في فعله بحضرة من يحتشم منه ، فالكراهة على التنزيه ، فهذا هو المنصوص ؛ لأنه قد ثبت إباحة الوطء وهذا هو الأصل ، إلا أن يعرض له مع ذلك كشف العورة أو غيرها مما يثبت تحريمه ، وبلفظ الكراهة نقله ابن أبي زيد قال في النوادر : من كتاب ابن المواز كره مالك أن يطأ الرجل امرأته أو أمته ومعه في البيت من يسمع حسه . وقيل عن ابن الماجشون أنه قال لا ينبغي أن يكون معه في البيت نائم أو غير نائم صغير أو كبير ، فنقله قول ابن الماجشون بعبارة لا ينبغي ، دليل على أن الكراهة على التنزيه ؛ لأن المعتاد من هذه العبارة أنها لا تقال إلا في ذلك . وكذلك ما نقله عن مالك أنه كرهه أيضا محمول على التنزيه ؛ لأنه إذا لم تحتف به قرينة تدل على التحريم(¬1)
فأجاب: قد اختلف العلماء قديما وحديثا فيمن قال لزوجه هي عليه حرام على أقوال كثيرة، ذكر ابن العربي منها خمسة عشر قولا يتحصل منها في المذهب خمسة أقوال، فقال مالك وابن القاسم هي ثلاث في المدخول بها، وينوي في غير المدخول بها لنيته من واحدة أو غيرها. وقال عبد الملك هي ثلاث على كل حال. وقال أبو مصعب وابن عبد الحكم هي ثلاث في المدخول بها، وفي غيرها واحدة. وقال عبد العزيز بن أبي سلمة هي واحدة رجعية مطلقا. وروى ابن خويز منداد عن مالك إنما هي واحدة بائنة في المدخول بها وغيرها. وكان بعض الأشياخ رحمه الله ممن له الفتوى ببلدنا هذا يعتمد هذه الرواية ويفتي بها، ويرى أن ذلك جار على مذهب المدونة المتقدم ذكره، لأنه إنما فرق فيها بين المدخول بها وغيرها، لأن البينونة لم تكن عندهم إلا بالثلاث في المدخول بها. أما عندنا فإنها تبين بالواحدة، فالمدخول بها اليوم نظير غير المدخول بها إذ ذاك، فحكمها واحد. وقد أشار إلى هذا الشيخ أبو الحسن اللخمي في بعض أبحاثه، وقد رجح ابن رشد القول بتصديق من يزعم أنه لم يرد بالحرام الطلاق، وصححه وجاءت به الرواية في العتبية. ومن باب أولى تصديقه إذا زعم أنه أراد غير الثلاث. فمن أخذ بها القول الأخير فهو مخلص إن شاء الله.
[197/4]
[198/4]
[من غضب وقال عن زوجة لم يدخل بها هي عليه حرام ثلاث مرات]
وسئل عمن له زوجة لم يدخل بها فقال في حال حرج هي عليه حرام ثلاث مرات، ثم قال بعد ذلك في فور واحد أشهدك على أنها مطلقة.
فأجاب: ينوى هذا القائل هي عليه حرام، فإن نوى بها الثلاث لزمته، وإن قال إنه لم ينو بها الثلاث، فإن كان قوله اشهدوا بطلاقها متصلا بالتحريم فتلزمه طلقتان، طلقة بالتحريم وهذه الأخرى، وإن لم يكن متصلا به وكان بعد سكوته فلتزمه طلقة واحدة بائنة بالتحريم خاصة.
[ممن قال لزوجته أنت عليه حرام]
وسئل عمن قال لزوجه أنت علي حرام.
فأجاب: عن ذلك بأن النظر الفقهي فيما في الذمم منها الحكم بالوازن، وله وجه من النظر ومدخل في ظاهر النقل، أما الوجه من النظر فهو أن السكة واحدة باقية لم تتبدل، والذمة انعدمت في ذلك الوقت بذلك الناقص على وصف جوازه بجواز الوازن إذ ذلك هو الوصف الجاري والعادة الشائعة فإنما كان التعامل عليه بوصفه لا بنفسه لأن تنزيل العقود المطلقة على العوائد المتعارفة أصل من أصول الشريعة، ومن المعلوم أن البائع إذ ذلك لو قيل له تقبل الدرهم على أنه في مثمونه نصف الدرهم ما قبله ولا رضيه ولا باع له أحد فحين انعدمت الذمة بالدرهم على هذا الوصف طرأ عليه وهو في الذمة ذهاب وصفه وصار إلى اعتبار وزنه، فإذن ليس هذا الناقص على الوصف الذي عقد عليه البائع عند بيعه وكان وقت هذا الطارئ في ذمة المطلوب وفي ضمانه فيجب أن تكون الخسارة فيه منه ويجب للطالب درهمه الذي عقد عليه بوصفه الذي قصد وليس حينئذ بعد قطع الناقص إلا الوازن وصار بذلك يشبه ما في الذمم من السلع في باب السلم لا يلزم صاحب الحق فيه أن يأخذ إلا ما كان موافقا لما وصفا أو لما عينه العرف حيث يعتمد على العرف إذا أطلق، والدراهم أمكن في هذا الاعتبار من السلع لأنها لا تراد لأنفسها بل لأغراضها، ومسمى الدرهم في العرف الشائع غير مسمى نصفه الذي هو القيراط، ودليل اعتبار ذلك الوصف عند الفقهاء مسألة العتبية وهي أن
[191/5]
فأجاب: الواجب أن يؤخذ منه بالأكثر مما اشتراه به، أو ما يساوي على ما يعرف من حاله في بلده ويرجى أن يفتكه به أهله، لا قيمته التي يساوي على وجهه دون الاعتبار بحاله وما يعرف من الرغبة في فدائه.
وأجاب ابن الحاج الواجب أخذه بالثمن الذي بذله فيه،ويعطى مع ذلك ما لزمه من نفقة وكسوة. دليله ما في سماع أشهب أن على المسلمين فداءهم بأنفسهم وأموالهم. وهذا آكد مما أونجب - صلى الله عليه وسلم - من تقويم نصيب الشريك للضرر.
ونزلت عند ابن رشد فحكم فيها بذلك. وكذلك لو اشتراه بثمن كثير في الظاهر، ليقطع ذلك ما يأخذه منه أعطي فيه القيمة.
[من ابتاع الدار المكتراة واشترط أن الكراء عنه محطوط]
وسئل فقهاء قرطبة: أو محمد عبد الله بن موسى الشارقي(¬1)، وأبو محمد ابن دحون(¬2)، أبو محمد بن الشقاق(¬3). عن المكتري إذا ابتاع الدار المكتراة وشرط أن الكراء عنه محطوط.
فأجاب بأن ذلك لا يجوز، وقال ابن دحون هذا إن كان إسقاط الكراء مشترطا في أصل العقد وإن وضعه البائع عنه بعد عقد البيع جاز.
وقال عبد الله بن موسى الشارقي: وأجازه ابن جرج (كذا) وهو خطأ. يريد لأنه ابتاع الدار والكراء الذي عليه بالثمن الذي دفع، فصار ذهبا وعرضا بذهب، وهو بين الفساد. هذا إذا كان قد أكرها من المبتاع لها، ولو باعها. من غير المكتري بعد عقد الكراء، فإن لم يعلم الأجنبي المبتاع بالكراء فهو عيب إن شاء رد البيع، وإن شاء أمسك وإن علم به فلا رد له ولا حق له في
[241/6]
وبيان كونه مخالفا للمعنى المقصود أنه لا يوجد محبس حبس معقبا يقصد فيه أنه لا يدخل الولد إلا إذا دخل والده, هذا ما نظنه يوجد, ثم إنه أيضا لو اعتبرنا اللفظ للزم إذا مات الحفدة دنية في حياة الولد المحبس عليه أن لا يكون لأولادهم شيء, بل ولا لغيرهم, فمن شرطت رجوعه إليه بعدهم وهذا غير مرادها وقصدها, بل المفهوم من قولها فمن انقرض إلى آخر ما ذكرته ان تعم الجميع بالنفع, ولا يقال إن ابن الابن ينطبق عليه ولد, فيدخل في لفظ الأولاد من قول المحبسة, فإذا مات ولدها المحبس عليه المذكور فيرجع الحبس المذكور إلى أولاده, ولايدخل فيه اولاد البنتين بل ابن البنتين ليس بولد لأنا نقول إن قولها إلى أولاده إنما المراد به, أولاد الصلب بدليل ما ذكرته بعد ذلك من التعقيب وبالله التوفيق. هذا جوابهم رضي الله عنهم الذي ارتضوه في النازلة المذكورة وتقلدوا الفتيا به, وكتبوا بذلك خطوطهم في أواسط شهر ربيع
[197/7] الثاني عام اثنين وسبعين عيس بن علال المصمودي ومحمد بن موسى بن محمد بن معطي, وإبراهيم بن عبد الرحمان بن الإمام, وعبد الرحمان بن أبي موسى بن محمد بن الإمام وعبد الواحد بن عبد الله بن أبي موسى بن الإمام وأبو علي بن عبد البر انتهى.
وأجاب أصبغ بن سعيد : إن كان إقرار ابن عطية بالدين والشركة قائمة بينهما فيقبل قوله وإن كان ذلك بعد تفاصيل وتخاصم قد طال فلا يقبل قوله على شريكه . والله الموفق للصواب .
وأجاب ابن زرب : الديون التي أقر بها ابن عطية فإن قام أصحابهما فيها وادعوها لزمتهما جميعا إذا كان إقرارهما قبل مفارقتهما لأن إقرار الشريك جائز على شريكه لمن لا يتهم . ولابن عطية أن يأخذ سعيدا شطر الستة والثلاثين دينارا التى أقر بقبضها فإن أدعى أن ابن عطي أخذ مثلها حلف ابن عطيه على ذلك وله رد اليمين إن شاء الله قال في اختصار الحديريه كلام هشام ابن خزيمة فى النفقة مشكل ويمكن أن قد سقط منه شيء وهكذا هو في الأصل قال اللخمي في كتاب التبصرة له : إذا كان الشريكان لا عيال لهما سواء أو بينهما الشيء اليسير فأنفقا كانت النفقة ملغاة وسواء كانا في بلد واحد أو في بلدين اتفق سعرهما أو اختلف هذا هو الظاهر من المذهب قال وإذا أقر أحد الشريكين في حال شركتهما أو عندما أراد الافتراق بدين لمن لا يتهم عليه جاز ويختلف إذا أقر لمن يتهم عليه أراد الافتراق بدين لمن لا يتهم عليه جاز ويختلف إذا أقر لمن يتهم عليه كالأب والابن والزوجة والصديق الملاطف قال ففي المدونة أنه لا يجوز إقراره وقيل إن أقراره جائز قال وإذا افترقا ثم أقر أحدهما بدين وما أشبه ذلك لم يقبل إقراره إذا طال الافتراق قال ويختلف إذ أقر بقرب ذلك وادعى أنه نسي على قولين قال وكذلك يختلف هل يغرم جميع ما أقر به أو ما يقر به .
[ادعاء الشريك اختصاصه بشيء ]
قال وإذا تقاررا أنهما شريكان في التجارة كان ما بأيديهما من التجارات بينهما وإن قال أحدهما هذا المال ليس من الشركة إنما أصبته من ميراث أو جائزة أو ما هو بضاعة أو وديعة صدق مع يمينه إلا أن يقيم الآخر البينة أنه من الشركة وأنه كان في يده يوم أقر بالشركة كان منها ، لأن العين من التجارة .
[219/8]
[220/8]
210/9] الثمن والغبطة فعتق الذكر أفضل بما خصه الله به وفضله عليها من الإمامة والشهادة والجهاد، ولو استوى العبدان والأنثيان في الثمن فالأفضل أعظم أجرا، ولا خلاف في هذا وإنما اختلف في الكافر إذا كان أكثر ثمنا من المسلم فقيل الكافر أفضل لعموم الأثر، وقيل المسلم أفضل، ومعنى الحديث مع استواء الرقاب وكذا عتق الكفار فالأكثر ثمنا أفضل من ذكر أو أنثى فإن استووا في الثمن فالذي أقوله أن عتق الأنثى أفضل لمحل نكاحها، ففي عتقها منفعة ولا منفعة في الكافر إذ لا جزية عليه إن أعتقه مسلم وعلى من يرى عليه الجزية عتقه أفضل من الأنثى لأن الجزية أعم نفعا للمسلمين من نكاح الأمة.
[مسألة في معنى قوله صلى الله عليه وسلم: واشترطي لهم الولاء، فإن الولاء لمن أعتق]
وسئل عن معنى قوله عليه الصلاة والسلام في حديث بريرة لعائشة رضي الله عنها: ((واشترطى لهم الولاء، فإن الولاء لمن أعتق)) فكيف يصح أمره عليه الصلاة والسلام بشرط هو باطل في الحديث نفسه بقوله : ((الولاء لمن أعتق)) وخطب بإبطال الحديث بطوله، وهل يصح أخذ من أخذ منه أن من أراد شراء سلعة أو تزويج امرأة فشرط عليه شروطا في اعتقادهم لازمة وعلمهم ببطلانها أنه يجوز، وهم لم علموا عدم إمضائها لما عقدوا ذلك.
فأجاب : إن كان الموثق يعلم أن الذي أعطاه ذلك عارف بما يعطي على مثلها ساغ له أخذه إذا رضي منته في الزيادة ، وله الخيار في رده . وإن كان يعلم أنه لا يعرف ما يعطى على مثلها لم يسغ له أخذ الزيادة إلا بعد أن يعرفه بما زاد ، وهما في الزيادة بالخيار الدافع في استرجاعه والقابض في قبوله . وإن كان يجهل حاله فلم يدر هل هو يعرف ذلك أم لا ؟ فإن كان من حذاق أهل الحاضرة وممن يباشر تلك الأمور فهو محمول على العلم ، ولكن تعريفه أحوط ، وإن كان بدويا أو مغفلا أو امرأة لا تباشر ذلك حمل على الجهل . انتهى .
[السمسار بين الناس والقاضي يؤدب أدبا موجعا ويضمن]
وسئل الأشيري عن طالب يتوسط بين الناس والقاضي فيما يأخذه من الجعائل على الأحكام ، ويستنهض الناس لذلك ويقف بينه وبينهم واشتهر بذلك اشتهارا مستفيضا .
فأجاب : إذا كان الأمر كما وصفت فعلى فاعله الضرب الموجع من السجن ، ويلزمه غرم ما أخذ لنفسه وما دفع إلى القاضي بيده . ثم إن قامت له بينه أنه دفع ذلك للقاضي رجع عليه إلا أن يشاء الدافع تركه وإتباع القاضي فله [185/10] ذلك ، وإن غرمه له رجع بذلك على القاضي لأن ما أخذه من الظالم ليدفعه إلى من ظلم فيه فهو في ذمته يغرمه ، ثم يرجع هو على الظالم إن قدر عليه . وأعوان الظالم فيما أخذوا من الظلم كالظالم وإن لم يأخذوا لأنفسهم فهو واجب عليهم . ولمن أخذ منهم أن يرجع على الظالم أو من قبض .
[التعريف بالمرأة عند الشهادة عليها]
وسئل اللخمي عن الشهادة على المرأة هل يجتزى فيها بتعريف جماعة نسوة من غير نظر إلى وجهها ؟ وهل يجتزى بشهود التعريف ولو كانوا عامة لا يكتبون أسماءهم أم لا ؟
وأما قولك إن أذنت لي في أن أشرح لك حالي بأبلغ من هذا فعلت، فقد أذنت لك في ذلك، ووقع لك الشرح، ولكن تكون في ذلك بمنزلة من يعرض دقائق علته على من استحكمت فيه تلك العلة أو ما هو أشد منها، فأني يجدي له ذلك فائدة في الاستشفاء الذي قصده، والبرء الذي اعتمده، ولا بأس إذا اشتركنا في العلة أن أعرض عليك أمرا استحسن لنفسي ولغيري أن أكون عليه، ونسلك في ذلك سبيل الأدب، ونريح في الحال الراحة من التعب، وهو أن نضرب عن تلكم العلل والأمراض صفحا، ونكون أبناء وقتنا ويكون عملنا فيه ومعاملتنا أن نطالع النعم التي لله تعالى علينا، متبرئين في ذلك من حولنا وقوتنا، متعلقين بالله تعالى التجاء وافتقارا في أن يوفقنا لشكرها، ونقتصر على هذا، ونجعله وظيفة كل زمان يمر علينا، ولا نطلع إلى غير ذلك، ولا نتشوق إليه، ولا نحرص عليه فاللجا والافتقار والتواضع والانكسار هو الباب إلى كل خير لا غير، ثم إن صدرت منا صورة طاعة
[191/11] رجونا فضل من تفضل بها، وأوصلها إلينا، وإن وقعت منا معصية، خفنا عدل من قضى بها وقدرها علينا، فالتزام حال العبودية لا يليق بالعبد سواه، ولا أعلم مقصدا صحيحا حاشاه، كالشخص الذي لوى رأسه تحت طي جناحه. وما أحسن حال من تحقيق بذلك، وما أعلى مقامه، فنسأل الله تعالى أن يرحمنا به، إنه الجواد الرحيم.
فتدبر يا أخي ما عرضته عليك، وألقيته إليك، فإن ظهر لك صوابه واستحسنته، فشأنك وإياه، فالتزمه واجعله قبالة قلبك، وداوم عليه على أي حالة تكون، وإلا فما عندي ما أقول لك. والأبيات التي ذكرتم في غاية الحسن والملاحة، وسرها ولبابها ما تضمنه عجز البيت الرابع. والله الموفق ،لا رب غيره وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما والسلام عليكم.
والأبيات المذكورة هي هذه:
قد كنت أحسب أن حبك هين ... تفنى عليه لطائف الأرواح
وظننت جهلا أن وصلك يشترى ... بكرائم الأموال والأرباح