178/1] إلى معناه كان يجنح مولانا الوالد في الجواب, وحاصله على تقدير مولانا الوالد أن الآذان لما كان ذكرا من الأذكار شرع على الوجه المعروف للإعلان بدخول الوقت, وافعلان بذلك على ما عهد لا يتعلق للشيطان بإفساده مطمع, فإن فائدته تحصل بمجرد إعلانه وهي إسماع الناس, فيحصل العلم بدخول الوقت ويكون التهيؤ للإجابة. فلما انقطع طمعه هرب حسدا وغيظا. ونص ما قاله عياض في هذا الوجه, وقيل بل ليأسه من وسوسة الإنسان عند الإعلان وانقطاع طمعه أن يصرف عنه الناس, حتى إذا سكت رجع لحاله التي أقدره الله عليها وتشغيب خاطره ووسوسة قلبه انتهى. والصلاة والله أعلم لما كان زمنها طويلا واشتملت على أقوال وأفعال وطلب فيها الإخلاص وكانت عماد الدين, ابتلي الناس فيها بوسوسة اللعين, إلا من عصم وهدي إلى صراط مستقيم. عصمنا الله وإياكم من وسواسه.
وسئل الفقيه الزاهد أبو محمد المرجاني التونسي عن مثل هذا السؤال في مجلسه, فقيل له ما السر في فرار الشيطان من الآذان دون الصلاة مع أن شانها ومقامها أعظم؟
ولعل اذن الغلائف منذ قديم الزمان لهم ينتزل منزلة العهد الذي ذكره ابن
القاسم في قوله الا أن يكون لهم عهد فيوفي به . وفي لفط أخر أمر أعطوه .
وحملني هذا النطر نازلتان ذكرهما البرزلي :
أولاهما : لابن الحاج اذ قال : ما طلبه النصاري الداخلون من العدوة من
بناء وبيع كنائس في موضع استقرارهم , فأجاب : هؤلاء النصاري وصفوا
بالمعاهدين , وذلك يقتضي ثبوتهم علي ما سلف لهم من العهد والعقد من
الذمة , والوفاء لهم واجب , مباح لكل طاتئفة منهم بناء بيعة واحدة لاقامة
شريعتهم , ويمنعون من ضرب الناقوس , لأن أمير المؤمنين أمر ينقلهم من
جزيرة الأندلس للخوف منهم والحذر للمسلمين . ورأيت لبعض المالكيين
نحوه , وهو الصحيح عندي , وتميزت هذه المسألة عما اختلف العلماء فيها
قديما وحديثا من المالكين وغيرهم فلم ار لذلك لاختلافهم هنا وجها انتهي :
يشير الي ما وقع من الخلاف في كتاب الجعل والاجازة منها , فانطروا وفقكم
الله كيف جعل العهد السابق موجبا لبنائهم في المكان الذي انتقلوا اليه ,
وهؤلاء أهل الذمة يغلب علي الطن أنهم انما انتقلوا الي البلاد الصحراوية من
مكان لهم فيه عهد اما لطلم أو غير ذلك .
والثانية : وقعت بتونس , وهي ان النصاري أحدثوا كنيسة في فندقهم
وجعلوا عليهم شيئا يشبه الصومعه فطلبول بذلك فأتوا بكتاب العهد , فوجد فيه
أنه لا يحال بينهم وبين أن يبنوا بينا لتعبداتهم , واعتذروا عما رفعوه بأنه .
[215/2]
[216/2]
للضوء فبعث القاضي اليه فوجده لذلك . وهذا ايضا حفطكم الله تقتضي
أن لمن له الأمر أن يأذن فيها ببلد الاسلام لمن نزلها من الكفار .
وهوأيضا طاهر قولها الا أن يكون أمر يعطوه , والغلائف يشبه أن
يكونوا كذلك لأنهم انما نزلوها بأمرهم مع تقرير علمائهم لذلك منذ قديم
الزمان .
وخالفني المغيلي وقال ان هدمها واجب , وقال : لا يعلم فيها خلافا ,
وقال لا يفتي بتقريرها الا دجال . وكان هذا الجواب هو رأي السائل
*وسئل : عن وطء الرجل زوجته ومعه في البيت أحد صغير أو كبير نائم أو يقظان ، هل ذلك على التحريم كما هو صريح كلام الشيخ المتيطي ، أو علة الكراهة كما قد يظهر من كلام غيره من الأشياخ ممن تقدمه أو خلافه ، وإذا كان بيانا فهل يكفي في ذلك حائلا تعليق ساتر من كتان أو غيره ، مع تحقق نوم من معه أم لا ؟ ولا يخفى ما في ذلك من المشقة العظيمة على ذي العيلة والقلة والمسكن الضيق ، ولا سيما في زمان البرد ، فلكم الفضل في بيان ذلك مأجورين مشكورين والله سبحانه يبقي النفع بكم .
وسئل الأستاذ أبو عبد اله الصباغ عن الرجل يقول لزوجته هي علي حرام كلحم الخنزير، ما يكون حكمه؟
فأجاب: إن لم يقصد القائل بأنت حرام الطلاق الثلاث لزمته طلقة واحدة تملك المرأة بها نفسها، لأن العرف اليوم أن الطلاق بائن بغير خلع، ولم يكن ذلك في الزمن الأول، فلذلك قال في المدونة: إذا قال ذلك في المدخول بها ولم ينو لزمته الثلاث. وكتب محمد بن يوسف الصباغ.
[من قال لزوجته هي مطلقة محرمة في فور واحد]
وسئل عمن قال لزوجه المدخول بها هي مطلقة محرمة في فور واحد. وقد سئل عن نيته في ذلك فقال ما نويت شيئا، وإنما ذلك قول جرى على لساني من غير نية شيء، فماذا يلزمه في هذا القول؟
فأجاب: يلزمه طلقتان، طلقة بقوله مطلقة، وطلقة بقوله محرمة هذا إن لم يقصد بقوله محرمة المحرمة الثلاث. والمدخول بها وغير المدخول بها في لفظ التحريم اليوم سواء، لأن الناس اليوم إنما يطلقون طلاقا بائنا تملك نفسها بنفس الطلاق وبقوله محرمة، وإن قصد البينونة بقوله مطلقة لوقوع اللفظتين معا في فور واحد.
[من حلف باللازمة على زوجته ألا تفعل فعلا ففعلته]
وسئل الأستاذ أبو عثمان الألبيري عمن باللازمة على زوجته
[196/4]
[197/4]
لا تفعل فلا ففعلته، فزعم الحالف أن نيته في اليمين أن يطلقها طلقة واحدة إن حنث.
فأجاب: وقفت على السؤال أعلاه، والجواب أن الحالف إن كان نوى باللازمة طلقة واحدة كما زعم فإنه يحلف أن نيته باللازمة كانت طلقة واحدة ويطلق طلقة بائنة ثم يرتجعها بولي وصداق.
وسئل أبو عبد الله بن أبي سراج عمن قال لزوجه هي علي حرام كلحم الخنزير، ماذا يلزمه في يمينه من الطلاق؟ وقد سئل الحالف فقال إنه لم ينو الطلاق الثلاث.
وأهملوا الوزن جملة فصار ذلك عادة حتى ربما يعتقد لزومها بمكان استمرارها فكانوا لذلك يتعاطونها في المبايعات على كثرة حتى صار من عنده شيء منها يريد الخروج عنها في أي غرض حضر من غير مبالاة بغلاء ولا رخص لتوقع قطعها ويقبضها من يأخذها يجريها مجرى الوازن الكامل في التعامل بها وأصل جريانها إنما كان بالطوع كما وصف وباع أولئك التجار على ذلك بحيث ذكر وكما وصف وبقيت لهم في ذمم المشترين أثمان من تلك المعاملات، ثم نفر الأمير بإلزام الناس الوزن على ما ضربت عليه السكة وأن لا يتجاوز شيء من النقص فمالوا عما يجب لهم في اقتضاء تلك الأثمان من وازن وناقص إذ لم يرضوا بالناقص إلا لكونه كالوازن في أكثر المعاملات.
الآجال التي وقع البيع عليها، وما سوى ذلك حال، ثم ينظر الزائد في هذه القيمة على الثمن الأول، فيكون هو المحاباة يحاصص بها المشتري الموصى لهم بالثلث في الثلث. فحق الورثة منتصر في ثلثي التركة وثلثها مستحق لأهل الوصية بالثلث والمحاباة، فغن كان مجموعة التركة الذي يقدر على تحصيله ألف دينار ذهبا، والمحاباة مائة دينار، وكان الثلث مقسوما على أحد عشر لذي المحاباة جزء ولأل الوصايا والموصى لهم عشرة أجزاء.
[ما قيل في ثمن الجاه، هل يتصدق بثمنه طعاما أو يصلح به مسجدا؟]
وسئل الفقيه أبو عبد الله القروي عن مسألة ثمن الجاه، هل يجوز أخذه على نية التصدق به أو لا يجوز؟ وعلى تقدير جوازه أيما أولى في هذا الزمان التصدق بثمنه طعاما أو إصلاح مسجد وما كان في معناه؟
بينوا لنا ذلك بيانا شافيا لله عز وجل، والله يحفظ علينا وجودكم، ويبلغ في رضاه مقصودكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فأجاب: الحمد لله اختلف علماؤنا رضوان الله عليهم أجمعين في حكم ثمن الجاه، فمن قائل بالتحريم بإطلاق، ومن قابل بالكراهة بإطلاق ومن مفصل فيه. وأنه إن كان ذو الجاه يحتاج إلى نفقة وتعب وسفر أو ترداد مشي فأخذ مثل أجر مثله في ذلك جائز، وإلا حرم.
وعلى كل تقدير، لا ينبغي الإقدام عليه للتصدق به ولا لبناء مسجد ونحوهما، بل الأولى عدم الدخول في هذه المضايق وفي المعنى.
بنى مسجدا لله من غير حلة ... فجاء بحمد الله غير موفق
كجارية تزني وتطعم جائعا ... فياليت لم تزن ولم تتصدق
إن السلامة من سلمى وجارتها ... أن لا تحل على حال بواديها
وكتب محمد القروي لطف الله به بمنه وفضله وكرمه.
[240/6]
[حكم الأسير لا سبيل إلى فكاكه إلا بعلج بيد من أبى بيعه]
وسئل ابن رشد عن أسير لم يوجد سبيل إلى افتكاكه إلا بالعلج الذي أبى صاحبه بيعه إلا بأضعاف ثمنه.
196/7] حبسهما بنصها, ويحتمل أن يريد به نصيب الذي حصل له الانتفاع به فلا يدخلان, ولفظهما صالح للاحتمالين معا, ومسألة مالك رضي الله عنه ليس فيها احتمال من جهة اللفظ لأن يدخل بنو الولدين اللذين ماتا قبل أن يحصل لهما نصيب, ومع ذلك قال لهم يدخلون في نصيب الولد الذي مات بعد أبويهم مع من بقي من الولد, مع أن المحبس شرط أن من مات ولا ولد له رجع نصيبه لأخوته, فألغى مالك رضي الله تعالى عنه الشرط, ولم يعمله فكيف لا يلغى في مسألة السؤال التي فيها الاحتمال المذكور آنفا, وهذا هو الفرق أيضا بين مسألة السؤال ومسألة السبيل التي شبهها بها بعض المفتيين على توجيه التونسي لها أعني مسألة السبيل. وأما على توجيه اللخمي لمسألة السبيل فلا يحتاج إلى فارق بينهما, وهذا على مذهب ابن القاسم في مسألة السبيل. وأما على مذهب عبد الملك فيها فواضح دخول من ذكر في الحبس المذكور اعتبارا بمجرد اللفظ كان مخالفا للمعنى المقصود ونحن غنما اعتبارنا بالمعاني المقصودة من الأفاظ دون مجردها وهذا من تقرير القاضي أبي الوليد بن رشد رضي الله تعالى عنه في هذا المعنى.
ووصفه من النفقة التى أنفقها سعيد على نفسه فى المدة المذكورة من الخمسة عشر شهرا وقال سعيد إنه إنما أنفق مثل الذى أنفقه أحمد وأنه لا يعرف مقدار ما أنفق ولكنه مقر بالنفقة ولا يعرف قدرها فالقول قول أحمد في عدتها أنه يعرفها ويضفها ثم يؤدي إلى أحمد بن عطية العدد الذي ادعى جهله فإن قامت لسعيد بن عمر بينة على أن أحمد أنفق مثل الذي ذكره وادعاه وحلف عليه من نفقة سعيد لزمه غرم ما أنفق وإن لم يكن لسعيد عليه بيينة حلف ابن عطية على قدر ما أنفق وازمه ذلك إن كان مقرا بقدر يقينه وإن كان منكرا لزمته اليمين وله ردها إن أحب وما أقر به سعيد من قبضه من مال الشركة من ستة وثلاثين دينارا وزعم أن شريكة أحمد قبض مثلها فإن كان أحمد مقرا بما ذكره سعيد فقد استوفى قبضها وصار كل واحد منهما إلى حقه وإن أنكر أن يكون قبض ستة وثلاثين دينارا كما قبض شريكه حلف بالله ما قبض من هذا العدد شيئا ولزم سعيدا ما أقر به من قبضه وأما الديون فإن ثبت أنها من رأس المال فقد لزمتهما جميعا في رأس المال الذي جعلاه وإلا لم يلزم سعيد بن عمر منها إلا ما أقر بمعرفته منها وبالله التوفيق .
[إقرار أحد الشريكين بدين في مال الشركة ]
وأجاب ابن حارث بمثله وفي قوله وما أقر به ابن عطية من ديون الناس وأنها في هذا المال الذي بأيدهما فالقول قوله في ذلك وهو مصدق على شريكه لأن الشريكين كل واحد منهما أمين لصاحبه في تجرهما وقول كل واحد منهما مقبول في ذلك مع يمينه أنه جعل الذي أخذه من الناس في المال المشترك ولم يحتجنه لنفسه خاصة ويقبل قول سعيد بن عمر في تسشميته لنفقته بعد أن قال إنى لا أعرفها لأن من جهل شيئا يمكن ان يعلمه بعد جهله ويذكره بعد نسيانه ويحلف أنه ذكر ذلك بعد نسيانه ولا يقبل قوله إنه أنفق من ماله بعد إقراره انه أنفق ذلك من مال الشركة مثل ما أنفق صاحبه ويلزمه ذلك في ذمته إن شاء الله
[218/8]
[219/8]
وسئل ابن رشد من مالقة، سأله القاضي أبو المطرف الشعبي عمن عقدت لمملوكها عتقا قبل سبب وفاتها بشهرين وشرطت فيه إن تعوقت أن أبقت أو تخلقت فلا عتق لها بسبب ما ذكر، ثم أرادت بيعها فمنهم من جعله خلافا لاحتمال أن تباع اليوم وتعتق غدا بموت السيدة.
فأجاب: لها رد العتق وبيعها إذا كان تعوقها قبل إيجاب الخدمة لقوله عليه الصلاة والسلام: ((المؤمنون عند شروطهم)) فإن ثبت تعوقها أو ما ذكر معه وقفت حتى يمضي شهر كامل وهي صحيحة فيكون لها بيعها وإن ماتت قبل الشهر أو مرضت مرض الموت أعتقت من رأس المال ولا رد ( )(¬1) إلا أن تعوقها كان في زمن الحرية بدليل وجوب كراء خدمتها زمن الشهرين ( )(¬2) في رواية عيسى عن ابن القاسم، وجوابى هو على هذه الرواية التي جرى العمل عليها وعلى قول أشهب في الذي يعتق عبده قبل موته بشهر إنه يعتق من ثلثه بعد موته فيجوز لها بيعها إذا ثبت تعوقها المشروط إذ لا عتق إلا بعد الموت وفيها قولان آخران غير هذين.
[هل عتق الذكر والأنثى من عبيد المسلمين سواء؟]
وسئل هل عتق الذكر والأنثى من عبيد المسلمين سواء أم لا؟
فأجاب: الأكثر ثمنا أعظم أجرا لقوله عليه الصلاة والسلام: ((أفضل الرقاب أعلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها)) فعمم وأما إذا استوى الصنفان في
[
مسافرون يكتبون بأن فلانا مات ، أو يخبر بموته رفقة كبيرة أو صغيرة]
وسئل السيوري عن مسافرين تأتي كتبهم إلى أهليهم فيخبرون فيها أن فلانا مات ، أو تأتي رفقة كبيرة أو صغيرة فيخبرون أن فلانا حضرنا موته ويقولون مات في البلد ونقل إلينا أو يذكر هذا الاثنان والثلاثة ونحوها ، هل تعتد امرأته ويقسم ماله بذلك أم لا ؟
فأجاب : شهادة السماع ليس بشيء . وأما الجماعة التي قالت حضرنا موته فقال ابن القاسم عشرون يقبل قولهم ، ثم ذكر ما تقدم لسحنون وابن أبي زيد والأصوليين من تحصيل العلم ، فإن وقع منهم النكاح على هذا نقض وألحق الولد للشبهة ، وإن وقع النكاح بعد العدة كما يجب في نفس الأمر مضى ولم يرد .
وأجاب غيره : شهادة الاستفاضة في هذا لا تصح عند أهل العلم .
وسئل ابن عتاب عن رجل ينتمي إلى الفقه ليتوصل إلى بعض خدمة السلطان راغبا أن تقصر عليه عقود الوثائق ، فأجابه السلطان إلى ذلك وعهد [184/10] إلى من ببلده ألا يعقد أحد وثيقة إلا أهل المتفقة ، فهل تجوز شهادته وإمامته إذ هو إمام أم لا ؟
فأجاب رحمه الله : لا أكثر الله أمثال هذا الفقيه ، إذ قد طلب ما لا يحل له فلا تجوز شهادته ولا إمامته . ابن سهل : ولو كان السلطان قصر ذلك عليه لتمهره بالعقود وثقته وتقصير غيره عن إدراكه فيها ولم يطلب هو ذلك ولا رغب فيه لكان حسنا من فعل السلطان ، ولهذا أمر على النظر للمسلمين في مصالح دينهم ودنياهم .
[إذا أعطي الموثق عن وثيقة كتبها من المعتاد]
وسئل بعض الشيوخ عن الموثق يكتب وثيقة فيعطى عليها من الأجر أكثر مما يعطى على مثلها ، هل يسوغ للكاتب أخذ الزائد أم لا ؟
وقال رضي الله عنه مجاريا لصديقه السيد أبي العباس المراكشي بما نصه: الحمد لله لما وقفت على كتابك، ورأيت فيه المنزلة التي أنزلتني فيها، والحالة التي أنا في خاطري عليها. والأمر بالضد والعكس. وستر الله الجميل هو الذي يحبب الناس إلى الناس وقد انكشف بعض حالي لمن كان
[190/11] في غاية الغرام لي، فمقتني وأبغضني، وهجرني ورفضني، ولا أدري هل أصاب في ذلك أم أخطأ؟ فعش بهذا الاعتقاد بي نفسا من قبل أن ينكشف لك من أمري ما كان على غيرك ملتبسا. وقد عز علي تعبك في قلبك وبدنك، من أجل ما توهمته مني، ولكن لا يضيع لك ذلك عند ربك.
وأما ما ذكرت من حالك مع نفسك وهواك وشيطانك فأنا في ذلك مثلك أو أشد، وخصوصا لما جئت لهذه البلدة وحصلت فيها الخطة التي هي من أكبر سبب الفتن على حال كبر في السن، وضعف في القوى الحسية والقلبية، وافتراق من الانتقال للدار الآخرة إلا أنك زدت علي بالعزيمة التي بها تعاطيت تلك الأعمال التي تلونت فيها وتقلبت في سفرك وحضرك، فإني لم أتشاغل بشيء من ذلك ولم أخذ نفسي به فأنت عليل ولكنك ناولت الأدوية، وباشرت الأطباء، فلم يغن ذلك عنك في نظرك شيئا. وأما أنا فقد ألفت العلل، وجبنت عن تناول أدويتها الكريمة، مع علمي بالهلاك كالذي يؤول إليه حالي ورضائي به، فنسأل الله تعالى أن يصلح من أحوال جميعنا ما فسد إن كان مجرد اللسان يكفي في هذا الغرض المعتمد.