175/1] مالك في الموطأ. والأول هو الجاري على أصل المذهب فيمن ذكر سنة بعد تلبسه بفرض كناسي السورة حتى ركع أو تكبيرة العيدين أو الجهر أو السر. وقد يفرق بين الوضوء والصلاة بأن سنة الصلاة ينوب عنها السجود وتأخير سنة الوضوء تنكيس من غير ضرورة. ورجح بعضهم قول أشهب فيمن رجع بعد اعتداله فإنه كمن تعدى الميقات, فلما أحرم رجع إلى الميقات أنه لا يفيده رجوعه. ورد بأن احرامه فوت بمنزلة رجوع القائم من اثنين, وإنما يظهر من رجع قبل ركوعه من رجع إلى الميقات قبل احرامه. ويقوم منها أيضا إذا فرغ المؤذن يوم الجمعة فاعتقد الإمام أنه الثالث فقام وشرع في الخطبة, ثم سمع المؤذن فإنه يتمادى لكونه تلبس بفرض. ووقعت بتونس بجامع القصبة بقاضي الجماعة أبي مهدي عيسى الغبريبي فتمادى. ووقعت لبعض الشيوخ بجامع الزيتونة فرجع, والصواب الأول.
قلت: ووقعت بجامع غرناطة للشيخ المحدث المسن الخطيب العلامة البليغ أبي عبد الله محمد بن رشيد الفهري رحمه الله. قال ابن الخطيب في كتاب الإحاطة: حدثني بعض شيوخنا قال, قعد يوما يعني ابن رشيد على المنبر, وظن المؤذن الثالث قد فرغ, فقام يخطب والمؤذن قد رفع صوته بأذانه, فاستعظم ذلك بعض الحاضرين, فهم آخر باشعاره وتنبيهه وكلمه آخر فلم يثنه ذلك عما شرع فيه وقال بديهة: أيها الناس رحمكم الله إن الواجب لا يبطله المندوب, وإن الآذان الذي بعد الأول غير مشروع الوجوب, فتأهبوا لطلب العلم وانتبهو, وتذكروا قول الله تعالى وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا. فقد روينا عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: من قال لأخيه والإمام يخطب أنصت فقد لغى, ومن لغى فلا جمعة له, جعلنا الله وإياكم ممن علم فعمل, وعمل فقبل وأخلص فتخلص(¬1) وكان ذلك مما استدل به على قوة جنانه, وانقياد لسانه لبيانه. انتهى.
[
فقال بن زرب ك لا بل يرجع اليهم , وليست هذه مثل تلك , وأشار الي
ما في سماع بن القاسم من كتاب الهبات والصدقات فيمن وقف ببابه سائل
فأخرج له درهما أو كسوه فوجده قد أنصرف قال لا يأكل ويتصدق به , لانه
انما أخرجه لفداء قوم بأعينهم , فلما استغني من ذلك رجع اليه , قال ين سهل
الدليل علي صحة ماقاله القاضي بن زرب رحمه الله ما في سماع أصبغ في
الجنائز قال : سمعت ابن القاسم عن مالك فيمن هلك فلم يكن له كفن
فطلب له في الناس فجمع له عشرون درهما فكفنه رجل من عنده وبقيت
الدراهم فأراد غرماؤه أخذها أو ورثته , قال ليس لهم ذلك وترد الدراهم الي
أهلها , وقاله ابن القاسم الا ان يشاؤوا أن يسلموها لورثته ,
وأحب الي لأصحابه ان يفعلوا . وفي سماع ابن ابي يزيد الغمر مثله .
ومسألة المسكين في كتاب الصدقة والجامع والعارية لمالك كما نقدم يعطيه غيره
من المساكين وما رأه عليه بواجب انتهي . قالوا وهذا بخلاف من أعطي زكاة
فلم يأكلها حتي أستغنب فانه يأكلها لنه قد أخذها بوجه جائز , ولو اعطيته
ليغدو بها فانه يردها , وان اعطاها ابن السبيل ليتحمل بها فلم يتحمل لأنه
يردها . وعليس هذا من اعطي مالا ليقرأ عليه فلم يقرأ فانه يرده .
[212/2]
[213/2]
الحاقط التادلي والشيخ أبو يعزي .
وذكر الشيخ أبو محمد صالح عن الحافط التادلي رحمه الله أن والده أعطاه
مالا ليقرأ عليه فلم يجد في نفسه غرض والده , فرد المال الي والده وقال له لم
اجد الغرض الذي قصدت , قال فأخذه والده بيده وحمله الي ابي يعزي فدعا
له وقال : فتح الله لك المدونه كما فتحها لسحنون , فكان من التادلي ما كان ,
وقوله في المدونة فليرد عليهم الفضلة بالحصص قيدها اللخمي بما اذا لم يدر
لأيهم هي أو كان قد خلط المال . وأما ان عرف من اي الاموال هي فانها
تكون لصاحبها. كان هو المعطي اولا أو أخرا . انطر تمامه . وقيد بعضهم
المدونة ، وغن كان ذلك طوعا من هذا الرجل بعد عقد طاع لها به دخل أو لم يدخل ، فقول مالك : إن له بينة في أن لا يدخل ثانية على زوجه الأولى ، فهذا الوجه مع مراعاة الخلاف في أصل المسألة كما ذكر ، يقرب الأخذ به لمكان الضرورة ، أما أن أراد فراق الأولى من غير إحداث مراجعة لها على من يتزوج بعدها ، فلا يبقى خلاف ولا[183/3]كلام ، لكن هذا قد يحول دونه حسن العهد وكرم النفس ، وهذا مع ما جاء من الحث على ذلك في الشرع ، فهذا ما ظهر لي تقييده في النازلة(¬1).
[من اتفق مع امرأة على التزويج وشهد بالتزويج عدول على أن القاضي ولي المرأة]
*وسئل : عن رجل اتفق مع امرأة على التزويج وشهد عليهما بالزوجية عدول ، فسأل الشهود الزوجة عنت يعقد عليها من ولي فقالت للشهود القاضي ، فذهب الزوج للقاضي وكتب له بتزويجهما ووضع اسمه في الصداق ، وشرحه للشهادة على عوائدهم وذهب به الزوج ، وقبل وصوله إلى الشهود رجعت الزوجة وبدا لها في نكاح ذلك الرجل ، ورجعت به إلى القاضي وطلبت منه أن لا يزوجها منه ، والزوج يقول : قد شهد عليها بأن القاضي هو وليها وفوضت أمرها إليه ، وقد أذن في الشهادة عليه وكتب اسمه ، وعادتنا أن نكتفي بذلك في ولاية القاضي .
=فأجاب : أما مسألة النكاح فقد لزم العقد فيها وتم على ما وصفتم
[من طلق زوجته وكانت له بنت منها ، فخطبها منه شخص ادعت أمها أنها أرضعته]
فلم يوجب عليه طلاقا، وألزمه ما سوى الطلاق مما ينسحب عليه اللفظ. فهذا الرجل الحالف بها في المسألة إذا لم تكن يمينه بمحضر بينة، ينظر إلى قصده وينزل يمينه على ما يقتضيه من حكمه، فإن كان أراد حين حلف أن الطلاق لا يلزمه بتلك اليمين لأنه قصد الحلف بغيره لا به، فتلك النية كمسألة ابن رشد، وإن كان حين حلف لم يستحضر في نيته طلاقا لا بالتزام ولا بإخراج، فإن لفظه يشمله والعرف يوجبه. وهذا ما عندي في تلك النازلة.
[من طلق زوجته طلقة ثم حلف بالأيمان اللازمة ألا تكون له زوجة طول حياته]
وسئل عمن طلق زوجه طلقة مملكة، وأن بعض معارفه قال له راجع زوجك، فحلف له بالأيمان اللازمة لا تكون له زوجة بطول حياته، وذلك بالشهادة عليه، فما يكون حكمه؟
فأجاب: الظاهر من أمر هذا الحالف أنه حلف باللازمة على ترك المراجعة، فإن هو راجع لم يلزمه في الزوجة المراجعة بشيء، وليكفر ثلاث كفارات أيمان بالله على قول من يقول بذلك من أهل العلم، إلا أن تكو نية التزام حكم النازلة في تلك الوقعة بعد المراجعة، فلا سبيل إلى مراجعتها على هذا القصد، لأنه إن فعل لزمه فيها، وإن لم يقصد هذا فلا يلزمه طلاق إلا في زوجة أخرى إن كانت عنده يوم اليمين.
[من حلف باللازمة على زوجته إن خرجت أن يرقدها في الدار شهرا]
وسئل عمن حلف باللازمة تلزمه على زوج له أنها إن خرجت من الدار من غير اختياره فإنه يرقدها في الدار شهرا، وسئل عن قصده بالوقاد فقال: أخبطها حتى ترقد بسبب الخبط شهرا. ثم إنها خرجت بغير اختياره، فما يكون الحكم في شأنه؟ والرجل من أهل الدعارة وتخشى سطوته، فلكم الفضل في الجواب عن ذلك مأجورا.
[193/4]
[194/4]
إن إعطاء الشفاعة يوجب ملكها لمن أعطيها وفي كلام الفقهاء الأولين والسلف الصالحين البيع إلى العطاء والسف إلى العطاء ومرادهم به إيصال الأرزاق إلى أصحابها والمرتبات إلى أربهابها واستمر ذلك العرف الأول إلى زماننا وفي العرف المعلوم الآن أعطاني الوالد أعطتني الوالدة كل هذا إنما يراد بلفظ الإعطاء في جميعه حصول ملك الشيء للمعطى له والعدول عما شهدت به اللغة حسبما استعمله الوحي والنبوءة وشهدت به الأعراف السابقة واللاحقة لا يصح ولا يسوغ، ويهديك إلى هذا أيضا من كلام الموصي يفعل به ما يشاء إذ الشأن في الأوصياء أن تتبع وصيتهم بالترغيب والترهيب فيما يوجب المحافظة على مال اليتامى وأن يتصرف فيه بالإصلاح والإحسان لا أن يتبع ما يوجب التساهل فيه وقلة المحافظة عليه وأن وقع في كلام الشيوخ كاللخمي وغيره رضي الله عنهم شيء في لفظ الاعطاء يخالف ما شهدت به الأدلة فلقرينة في تلك النوازل دلت على أن المراد أن الآخذ يصرف ذلك في غيره، وحيث لا قرينة فاللفظة دلالتها على نقل الملك كالصدقة والهبة وكم في المدونة منه انظر ذلك في أول كتاب الصدقة ففيه كثير من ذلك ففي فاتحة صدقة التهذيب ومن تصدق على رجل بدار فلم يقبضها المعطي حتى باعها المعطي ومر في الكلام مستعملا في كله المعطي والمعطى والعطية في معنى نقل الملك إلى مفعول أعطى وكذا في آخر كتاب الصدقة من ذلك أيضا، وقد وقع في بعض أسمعة العتبية عن مالك فيمن أوصى لرجل بمائة درهم فقال أعطها إياه وخذوا منه خمسة دنانير لي عليه فقال الموصي له ماله على شيء فأطرق فيها ثم قال ما أراه
[188/5]
واعترض نظار المشايخ وحذاقهم إطلاقه المنع فيه دون تفصيل الحال في المسلم إليه. وهو مقيد عندهم بما إذا لم يكن من أهل صنعة عمل الجص والآجر، كما اعترضوا إطلاق المدونة الجواز في المسألة على قولي مالك وابن القاسم وهو مقيد بأن يكون الأجير صاحب صنعة عمل الجص والآجر فيصير تأخر النقد جائزا كالشراء من الخباز والجزار الدائمي العمل كل يوم خبزا أو لحما والثمن معجل أو مؤجل إذا شرع في العمل. قال في التجارة لأرض الحرب: وقد كان الناس يتبايعون اللحم بسعر معلوم، يأخذ كل يوم شيئا معلوما، ويشرع في الأخذ ويتأخر الثمن إلى العطاء. وكذلك ما يبتاع في الأسواق ويسمى ما يأخذ كل يوم. وكان العطاء مأمونا ولم يره دينا بدين انتهى.
وفي العتبية عن مالك عن سالم بن عبد الله(¬1) قال: كنا نبتاع اللحم من الجزارين بسعر معلوم، نأخذ كل يوم رطلين أو ثلاثة، يشترط أن يدفع ذلك الثمن إلى العطاء.
مالك ولا أرى به بأسا إذا كان العطاء معروفا. ابن رشد ولاشتهارها
[236/6]
سميت بيعة المدينة. أو يكون المأخوذ من مادة الجص والآجر شيئا يطول أخذ جملته حتى يكون أخذ المعجل منه يسيرا في جهة ما يأخذ منه لا قدر للمعجل منه لكثرته فيجوز، لأنه قد تأخر جله لمثل أجل السلم.
قلت وعلى هذا الوجه فلا يتعرض على المسألة بالسلم الحال، ولا يستفاد أيضا إقامته منها. وإن أقيم جوازه من كتاب الغرر والمرابحة والشفعة والهبات من المدونة وهو نص رواية أبي تمام في نقل النهاية.
وقال ابن أبي زمنين في مسألة الجعل والإجارة هذه: هي مسألة لا يحملها القياس، وإنما هي استحسان واتباع وقال سحنون: لا تحتملها الأصول. قال في التنبيهات: ومنعها عبد المالك في الثمانية.
[الإجارة على التسفير]
وقال بعض المتأخرين تؤخذ مسألة التسفير المتداولة بين الطلبة غربا وشرقا من هذه المسألة. وصوب أخذه منها شيخه أبو عبد الله بن عرفة رحمه الله.
وتقيد تحته ما نصه الحمد لله سيدي رضي الله عنكم ومتع المسلمين بحياتكم, جوابكم في مسألة وهي أن المحبس عليه المذكور أعلاه, كان ينتفع بالحبس المذكور اعلاه إلى أن توفي رحمه الله وترك ابنا وابنى بنتين توفيتا في حياة أبيهما المحبس عليه المذكور قبل أن يصير إليهما من الحبس شيء وصار ابن الابن المذكور ينتفع بجميع الحبس المذكور إلى أن توفي وترك ولدا وصار ولده ينتفع أيضا بجميع الحبس المذكور دون ابني البنتين المذكورين لكون البنيتن توفيتا قبل أن يحصل لهما من الحبس المذكور نصيب, والمحبسة قالت في حبسها المذكور, أن من انقرض من أولاد ولدها المحبس عليه المذكور عن عقب, كان نصيبه لعقبه؛ على ما فسرت في رسمالحبس المذكور, والمراد من سيادتكم أبقاكم الله تعالى أن تتأملوا هذه المسألة وتمنعوا النظر فيها, وفي المسألة التي نقلها ابن بطال من كتاب ابن المواز عاطفا إياها على مسألة المجموعة وهي المذكورة في الجواب المقيد أعلاه,
[195/7]
فالذى أراه أن يحلف المقارض أحمد فى مقطه الحق بالله لا إله إلا ما أكل من
[214/8]
[215/8]
مال اليتيم الذي كان عنده قراضا شيئا ولا تعدى فيه ولقد تلف بالخسارة والكساد في الأسواق من غير تفريط ولا تضييع ولا خيانة وتسقط عنه السبعمائة مثقال والاثنان والسبعون مثقالا فإن نكل عن اليمين غرمها وإن أمكن قطع هذه المسألة بالصلح فهو الصواب حملنا الله على الصواب .
وأجاب ابن سهل : يا سيدي ووليى قد نص مالك وأصحابه فى غير موضع من أمهات كتبنا أن العامل في القراض أمين مصدق في ضياعه وتلفه والخسارة فيه وفي صرفه إلى ربه إن كان قبضه بغير بينة مع يمينه على ذلك إن كان متهما إلا في صرفه إلى ربه فإنه يحلف وإن كان أمينا ثقة غير متهم وهو كالوديعة في هذه الوجوه وقد قال مالك إنه يصدق إذا ادعى أنه انفق من مال نفسه في سفره مائة درهم ليرجع بها في القراض وله ذلك وإن لم يكن في المال ربح وإذا كان الامر فيه عندهم على هذا فالعامل أحمد مصدق مع يمينه في مقطع الحق على ما زعم من الوضيعية في تجارته بهذا المال وإن خان اليتيم في شيء منه يبرأ من ذلك الناقص من رأس المال إذا لم يشهد عليه بما يوقن به أنه اختار هذا الناقص ولم يوضع وفيه ولو كانت الشهادة متظاهرة قاطعة بأنه لم يوضع أحد في صناعته ومتجره ذلك كمثل تلك الوضيعية التى ادعى هو أنه وضع فيه لوجب الغرم عليه هكذا ذكره بعض الشيوخ وينبغى أن لا يحلف اليمين المذكور إلا بعد الإعذار إلى محمد بن عافيه الذى كان ناظرا لليتيم معه فيما أثبته من النفقات والدفع عندك ليلا ينكره ابن عافيه محمد بن عافيه بما يوجب عليه الغرم وإذا حلف أحمد هذه اليمين واقتضاها طالبه جعفر وثبت ذلك عندك سجلت بجميعه سجلا يكون على نسخ ليكون بيد الحالف منه نسخه وبيد الطالب أخرى سوى التى تكون في الديوان إن شاء الله .
[215/8]
[216/8]
[إذا طاع العامل بضمان مال القراض ]
207/9] حمل الأمر على مقاصد الناس وجهلهم ببعض الأحكام وطرقها والاحتمال فيما هو نص لاختل أكثر الرسوم بل يحمل الشهود ما تحملوا ومن وقع منه تفسير في إجمال لم يفسره فأمره إلى الله سبحانه، وليس لزوجها مقال في ذلك هذا هو المشهور من المذهب، وهو قول ابن القاسم ومطرف وأصبغ وبه القضاء وعليه العمل لأنه لم يزل ملكها عنها وإنما منعت من بيعها، وقد كان لها ألا تبيعها بلا تدبير، ولا يباح لها بيعها لتخلقها وتعوقها وفسادها وعدم امتثال أوامرها هذا هو المعروف من المذهب وقول ابن لبابة بإباحة ذلك شذوذ لا عمل عليه بحيث لو حكم بع القاضي لنقض حكمه، والخلاف الذي هو في التدبير إنما هو ثبت أنها ليس مال غيرها وما أشبه ذلك فهنا يختلف هل تدبيرها كعتقها أم لا؟ ولم يثبت في مسألتكم وبتقدير ثبوته فالمدة طويلة أعني مدة التدبير فعندي أن الخلاف ينتفي من المسألة رأسا، والله سبحانه أعلم، وقد كنت قررت هذه الفتوى لزوج صاحبة النازلة فاحذر من التماس مخرج لا يخلص عند الله سبحانه وإياكم وبنيات الطريق، فربما أفضت بصاحبها إلى النار، وكتب مسلما عليكم عبدالله بن محمد بن موسى بن محمد بن معطي العبدوسي وفقه الله تعالى.
[مسألة]
وسئل ابن رشد عن سبخة من أرض بين أراضي قوم محدقة بها لم يدعها أحد إلى أن قام رجل يطلبها وأقام بينه غريبة من غير أهل الموضع والبلد يشهدون أنها ملكه ، وقام سائر الجيران ينكرون ذلك زاعمين أنها لجميعهم منفعة لقربها من أراضيهم وأنه لا ملك فيها لغيرهم ، هل تقبل هذه البينة وهي بهذه الصفة وفي البلد أعداد من الناس وقد مضت أعصار لم يشهد أحد قط بمثل شهادة أولئك الغرباء ؟ وهل يقبل مقال المجاورين لها بدعواهم أنها من حقوقهم وأفنية أراضيهم ؟ أو ما يكون حكمها ؟ بين لنا جوابك مأجورا إن شاء الله .
فأجاب : تأملت سؤالك هذا ووقفت عليه ، وإذا كان في البلد من العدول جماعة من أهله لا يدعون في السبخة حقا ولا يعرفون للقائم فيها ملكا فشهادة الغرباء له بها غير جائزة ، والواجب أن تبقى على حالها مسرحا لجميعهم ومنفعة لعامتهم وبالله التوفيق .
[181/10] [الشهادة على امرأة لا يعرفها الشهود]
وسئل السيوري عن امرأة إذا لم يعرفها الشهود ، هل يجمع عليها نساء ورجال غير عدول حتى يحصلوا العلم فيشهد بذلك أم لا ؟
فأجاب : أما ما وصفت من الجمع فهو ما تقدم من علم الضرورة عند المتكلمين ، واختلف الفقهاء فيما يحصل العلم من العدد ، فعن ابن القاسم العشرون كثير ، وعن سحنون هم قيل ، وان كان ابن أبي زيد يقول ثلاثون . ولا ينظر إلى قول المتكلمين وهو الأصل ، إلا أنهم لم يعتبروا لكونهم يتعذر عليهم شرط العلم عن المتكلمين فينحوا إلى العدد ، إلا أنهم لابد أن يكونوا لا تلحقهم التهمة .
[إذا شهدت البينة على امرأة متنقبة يعرفونها كذلك ، ولا يعرفونها بغير نقاب]
وسئل عبد المنعم الكندي عمن شهد على امرأة ولا يعرفها ، وإنما يعرف أن لفلان ابنه على السماع فكيف يشهد عليها ؟
[حكم لباس العالم لزي مطروز]
وسئل رضي الله عنه عن وجه لبسه لنصافية بطرز على عاتقها كان يخطب بها.
[188/11] فأجاب بما نصه :الحمد لله يا أخي، وفقنا الله للعمل الصالح بفضله. يكفي في جواب ما سألتم عنه من شأن اللباس، أني لم أدع مالا يخالف ظاهر الزي، ولم أتصف به. وقد لا تعدمون التصريح بذلك في مواضع من تلك الرسائل التي تطالعونها وتعاطي ما ليس يواطئ عليه القلب من الأعمال والتروك لأجل نظر الناس تصنع وتكلف، وإن اتفق أن يتكلف ذلك لأجل توهم نفع يقع للغير بسبب ما يراه لم يقع ذلك الأمر على ما ينبغي. ثم إن اعتماد الأسباب وجعلها هي الأمر المهم، ليس من شأني ولا أرى به، وكثيرا ما يعتمدها الناس، ثم لا ينجح لهم أرب، وكثيرا ما يلفقها(¬1) بعضهم ثم يظفر بكل ما طلب، ثم إن لبس ذلك الثوب ليس لي فيه غرض أهم من أنه لائق بالتجمل المطلوب في اليوم الذي يقع فيه لبسه، ولم أتكلف شراءه ابتداء، وإنما جاءني عفوا صفوا فلبسته لذلك الغرض، ولغرض آخر يقع مني استمرار لباسه، وهو ما وقع في الوجود مما هو غاية الكمال فيه وهو تحين مني طليبا(¬2) في أمره وقولهم ما شاء الله أن يقولوا ذلك الذي يكرهون مني، ذلك يشتهيه قلبي، لكن لو لم يقع لي تألم بتعاطي ما يخالف مرادهم لحصلت على أعظم الغبطة ويأبى الله إلا ما يريد.