فأجاب قال بعض المتأخرين إن ذلك لا يجوز لوجهين: أحدهما أن
[172/1] الإمامة إنما وردت في الصلاة, وهذا ليس بصلاة. والثاني ان المشهور أنه لا يفتقر إلى إحرام, وما لا يفتقر إلى احرام فليس بصلاة.
فإن قيل: هذا يبطل بسجود التلاوة فإنه يسجد به أحدهم وليس في ذلك إحرام.
قيل: سجودهم معه ليس باتباع, ألا ترى أنهم يسجدون وإن لم يسجد قاربها.
قلت: وفيه نظر, لأنه يلزم مثله في الإمام إذا ترك ركعة وسبحوا به فانصرف ولم يصلها أن لا يكون مقتدى به فيها, بل يقال هم مقتدون به فيها, فإن لم يفعلها هو فعلوها هم كالركعة المتروكة انتهى.
قلت: ومن هذا المعنى اختلاف الشيوخ فيمن أدرك من صلاة الإمام السجود البعدي فقط فأحرم وجلس معه حتى سلم ثم قام للقضاء, فهل تصح صلاته أم لا؟ فقال بعضهم لا تصح لقول المدونة في كتاب الصلاة ليستا من الصلاة, فقد زاد فيها ما ليس منها. وقال بعضهم تصح لقوله قبله لو قدمه صحت ولو كان من غيرها لبطلت. قيل ونحو هذا الخلاف ما في سماع عيسى لو لم يدرك من صلاة اللإمام شيئا, وتبعه في البعدي جهلا ثم قام للقضاء صحت عن ابن القاسم رعيا لسفيان وبطلت عند عيسى. ابن رشد وهو القياس على أصل المذهب لأنه أدخل في الصلاة ما ليس منها. ولو لم يدرك المسبوق إلا السجود البعدي, ثم لما قام يقضي اقتدى به آخر, فهل تصح صلاة المأموم أم لا؟ فقال بعضهم لا. قيل والجاري على أصل المذهب الصحة, لأنه منفرد في أحكام الإعادة في الجماعة اتفاقا.
[إمام التراويح يقوم لثالثة ولا يرجع]
وسئل سيدي أبو القاسم بن موسى العبدوسي عم سيدي عبد الله المتقدم الذكر عن إمام في التراويح قام إلى ثالثة فسبحوا له فلم يرجع, ماذا يفعلون إن عقد الثالثة أو خافوا عقدها؟ وما الحكم في صلاته وصلاة من تبعه لما لم يرجع معتقدا ان الاتباع يلزمه أن أكمل الثالثة وجلس وسلم منها؟ وقال إنما لم أرجع لاعتقادي أن من استقبل قائما لا يرجع ولو سبح به.
[
حقيقة الصلح , وما يمتنع منه وما يجوز .
ومما ينبغي أن يذبل به ما وقع من جواب السؤال بيان حقيقة عقد
الصلح لغة وشرعا , وبيان الممتنع والجائز بمال أو بغير مال , وهو المعبر عنه في
[209/2]
[210/2]
كتب الفقه بالمهادنة والهدنة . الجوهري . هادنة صالخة . والاسم الهدنة . وأما
حقيقته في العرفالفقهي فهو عبارة عن توافق امام المسلمين والحربين علي
ترك القتال بينهم مدة لا يكون فيها تحت خكم الاسلام , فقولنا الامام يخرج
من سواه من المسليمين , اذا حصل منه ذلك لم يتم ولوكان امام السرية .
وبقية الرسم مخرج للأمان والاستيمان. وذكر المدة غير مقيدة فيه اشارة الي أنها
موكله الي اجتهاد الامام مالم يطل ويفهم ذلك من تنكيرها فانها للنوعية .
وأما حكمه فالجواز ان أقتضي مصلحة للمسلمين . والمنع ان تضمن
مفسدة عليهم . قال بن حبيب عن بن الماجشون : ان رجا الامام فتح حصن
لم ينبغ له صلح أهله علي مال , وان كان علي اليأس منه فلا بأس بصلحهم
علي غير شيء كصلح الحديبية . وان لم يتضمن الصلح مصلحة ولا مفسدة فهو
مكروه لما فيه من توهين الجهاد , فان نزل مضي ما لم تتبين فيه مفسدة بعد
عقده فينقض , قال الشيخ ابن ابي يزيد عن سحنون : لو وادعهم الامام علي
مال ثم بانا له ضرر للمسلمين لم ينبذه حتي يرد ما أخذه منهم . وكذلك
ان بان ذلك لمن بعده , ولا يحبس من المال بقدر ما مضي من الأجل . قال
سحنون وليس الأمام نقض الصلح لغير بيان خطأ فيه , ولو رد ما أخذ
الا برضي من عاقده . ونقل الشيخ أبي يزيد عن ابن المواز أنه قال : كره
علماؤنا المهادنة علي أن يعطينا أهل الحرب مالا كل عام . قال محمد : وانما
هادن النبي صلي الله عليه وسلم أهل مكة لقلة المسلمين حينئذ . هذا ما يتعلق
بالصلح علي مال يأخذه الأمام أو بغير مال . واما لو وقع بمال يعطيه المسلمون
لهم , فقال المازري لا يهادن العدو بأعطائه مالا لأنه عكس مصلحة أخذ الجزية
من أراد تثقيف شورة ابنته عنده ، مخافة غيبة الزوج عليها]
*وسئل : عمن أراد تثقيف شورة ابنته عنده مخافة غيبة الزوج عليها . =فأجاب : أما ما طلبه الأب من تثقيف الشورة عنده خوفا أن يغيب الزوج على شيء منها ، فإن للوالد تثقيفها وحفظها لبته وصونها من الضياع ؛ لأنه القابض لبنته والناظر لها ، ما لم يثبت فيه أن ممن يتهم ببيعها أو إتلاف عينها ، فالوجه حينئذ أن تكون بيد أمين يتفقان عليه ، وهذا إنما هو فيما زاد على ما[181/3]اشترى بغير النقد ، وعلى ما لا بد منه من غاء ووطاء مما يلبس عادة في البيوت ويفترش وينام عيه ، إذ لا بد من بقاء مثل هذا في بيوت البناء غرفا وعادة ، إنما الكلام فيما زاد على هذا .
[حكم إجابة الداعي على وليمة النكاح مع ما تشتمل عليه من الملاهي]
*وسئل : الأستاذ أبو سعيد بن لب عن إجابة الداعي إلى وليمة النكاح مع ما تشتمل عليه من الملاهي وأصوات النساء والطر المزنج وغير ذلك .
=فأجاب : الحكم في حضور وليمة النكاح التي تكون على ما وصفتم جواز التخلف عنها ، وقد شرطوا في توجه الحضور على المدعو إلى وليمة النكاح خلوها عن المنكر والباطل ، وأما سماع الطر بتلك الزنوج المعروفة ، ففيه اختلاف بالإباحة والكراهية والمنع ، لكن جرت عادة الشيوخ العلماء وأيمة الفقهاء بحضور موضع ذلك وسماعه ترخصا لمكان الخلاف .
[من تطوع بتحريم من يتزوج على زوجه ، ثم عدم الاستمتاع بها لداء أصابها]
أراد بقوله طول بقائي، أي طول بقائي مستديما للسكنى أن يكون بر في يمينه، إذا هو خرج من وتده بأهله إلى موضع غيرها على مسافة قصر الصلاة فأكثر، ويسكن به بأهله شهرا على أكثر ما قيل في ذلك، ثم يعود إلى سكنى وتده إن شاء، ثم يكلم من حلف ألا يكلمه لأنه وقت في يمينه الامتناع من التكلم باستدامة السكنى بالحاضرة في الوقت، فإذا قطعها بسكنى موضع آخر ثم عاد فإنما هو مستأنف للسكنى لا مستديم، والحال التي وقت باستدامتها قد انقطعت. هذا على مراعاة لفظ الحال إن لم تكن له نية تخالفه استحضرها في نفسه، وهو قول أصبغ، وما له في سماع سحنون ومحمد بن خلد، فقد روى ابن القاسم عن مالك فيمن يحلف بطلاق كل امرأة يتزوجها مادام خليطا لأبيه ثم ترك مخالطته ثم تزوج ثم أراد الرجوع إلى مخالطته أنه كره ذلك واستثقله خاصة، قالوا ولم يقل إنه إن خالطه مراعاة بمقتضى لفظه، وإنما استثقله من أحبه بمقتضى قصده، لأن الظاهر أنه أراد ألا تكون له زوجة وهو مخالط لأبيه في ماله ليلا يظن به مثلا أن يرهب بمال أبيه في الإنفاق على زوجه، فراعى البساط وكره واستثقل، وراعى اللفظ فلم يحنث. وأصل أصبغ ومن ذكر معه التعويل على اللفظ، وهذه المسألة شبيهة بالنازلة. وما ذكره السائل من أن تعمل على الحنث بعد بينونة الزوجة، يراجعها ويبقى على تكليمه لمن ذكر، فإنما هو قول أشهب، وإنما أصول المالكية في بعض روايات العتبية، وحكاه ابن حارث عنه وذكر أن الداودي كان يتقلده ويفتي به، لكنه شاذ في المذهب وعلى أصل الشافعة يرتفع عنه عود اليمين عليه بعد المراجعة فيما دون الثلاث، حتى يحنث في العصمة وحينئذ واليمين والحنث في التزام المال للمسلمين صعب، لأن الطلاق إن سقط بعد المراجعة على القول الشاذ، فقد لزمه مقتضى لفظه حين حنث، وذلك قبل أن يراجع أشياء أخر من كفارات وأيمان وغيرها حسبما هو مسطور في كلام الأيمة.
فأجاب: أكثر الفتاوى على حلف من له الحق يوم طلب الحق قال فضل: ألا ترى أن الحق يجب للصغير بشاهد واحد أنه لا يحلف الأب ولا الوصي عن الصغير؟ قلت وهذه المسألة من مغفلات المذهب، وقد كتبت فيها نصوصا وظواهر وأدلة أخرجتها من حيز الإغفال إلى الظهور، والحمد لله، وبه التوفيق، ولا شريك له.
[الدين إذا كان برسم وطال عهده هل يبطل بالقدم أم لا؟]
وسئل سيدي عبد الله العبدوسي عمن له دين على رجل برسم وللرسم المذكور مدة من أربعين سنة فهل يبطل الدين لتقادم عهده أم لا؟
فأجاب: طول المدة المذكورة لا يبطل الدين عن المديان المذكور، ولا خلاف في ذلك، وإنما الخلاف إذا كان الدين برسم وطالت المدة جدا وادعى المديان اقتضاءه ولم يكن هنالك ما يدل على أنه لم يقضه من مغيب أو إكراه أو إنكار أو غير ذلك، فقيل يقبل قوله في القضاء مع يمينه، وقيل لا يقبل، وهو المشهور، وإن كان بغير رسم فقيل يقبل قوله في القضاء مع طول المدة مع يمينه على المشهور ولا سيما إن كان رب الدين محتاجا والذي عليه الدين مليا أو كانا حاضرين ولا دلالة بينهما تمنع من الطلب وبالله تعالى التوفيق.
[186/5]
[قاتل العمد إذا مات هل تطلب الدية من تركته؟]
وسئل سيدي قاسم العقباني عن القاتل عمدا بموت فتطلب الدية من تركته.
فأجاب: إنما يجب في قتل العمد القصاص فيسقط الطلب، ولا سبيل إلى مال القاتل ولا غيره، والله الموفق بفضله.
[من دفع عند موته صندوقا لأمين وأوصاه أن يدفعه لابن أخيه
هل يختص به أم لا؟]
وسئل اللخمي عن القيمة إذا وجبت في بيع فاسد أاستحقاق أو شبه ذلك. على من أجرة المقومين؟
فأجاب: هي على البائع الآخذ للقيمة. لأنه طالب بالثمن فعليه تقديره.
[من استحقت الدابة من يده ثم اشتراها هل يرجع على البائع بثمنها؟]
وسئل بعض الشيوخ عمن استحقت الدابة بيده ثم اشتراها، هل يرجع على البائع بالثمن أم لا؟ وشراؤه يضعف حجته.
فأجاب: اختلف في المسألة على قولين، ذكرهما سحنون في أقضيته. والأولى وضع القيمة ولا يشتريها ويأخذ الدابة ويذهب بها إلى بائعها. ثم إن شاء اشتراها بعد ذلك انتهى.
قال بعض الشيوخ: وكثيرا ما يقع يصالح فيه، عن المستحق فيدفع فيه ثمنا ويمتاز به. فإن كان بعد ثبوت الاستحقاق فيسقط من ثمنها(¬1) لأجل يمينه. فإن قلنا: إن يمين الاستحقاق لا بد منه. فلا يتوجب على البائع طلب، لترك ركن من أركان الحكم. وإذا بطل الركن بطل الكل.
وإن قلنا: إنها استحسان للاستبراء في جريها على المسألة الأولى نظر. وإن صالحه قبل الثبوت فلا مقال له ولا تتوجه على البائع دعوى.
[من أثبت دينا على ميت وجب عليه يمين القضاء]
وسئل التميمي عمن أثبت دينا على ميت بالعدول وقال الوصي وسائر
[233/6]
الورثة: نحن نعلم الدين ونتحقق أنه باق إلى الآن فأخذ في دينه دارا خلفها الميت بثمن قاصهم به من دينه.
فأجاب: لا تسقط اليمين عن صاحب الدين. وأرى أن يحلف بالله حيث يجب أن دينه لباق إلى حين قيامه على الورثة ويمضي البيع، فإن نكل عن اليمين رد البيع في حظ اليتيم وصح في باقيها.
[حكم الصلح عن يمين القضاء]
وسئل ابن رشد سأله القاضي أبو الفضل عياض عمن أثبت دينا على غائب ووجب على مثبته أن يحلف يمين القضاء، فهل يجوز أن يصالح على الغائب في اليمين إذا دعي مثبت الدين إلى ذلك؟ وقد رأيت لمن لا يعتد به من الموثقين إجازتها إذا شهد فيها بالسداد.
192/7] فلم يجعل ابن رشد رحمه الله قول المحبس: ومن انقرض منهم رجع نصيبه إلى عقبه, إن النصيب لا يضاف إلا لمن استحقه, وتعين له الإنتفاع في الحبس حقيقة, بل ألقي مراعاة ذلك, وجعل الإعتبار لما ذكره المحبس من التعقيب خاصة, فمهما انتهى المرجع إلى طبقة بانقراض من شرط المحبس صيرورة الحبس إليهما بعد انقراضه وجب لتلك الطبقة الدخول في المرجع, وإن لم يتعين لمن عقبه, من أب أو أم أو جد في الحبس نصيب ولا تقدم له به انتفاع ولا استغلال فهذا ابن رشد رضي الله عنه قد أوجب الدخول في الحبس في هذه المسألة التي بنو بنات المحبس بما شرط المحبس من التعقيب, فيتعين بذلك دخول أحمد وفاطمة المذكورين في حبس جدهما للأم محمد بن حدون(¬1) المذكور في النازلة على الشرط الذي ذكرته المحبسة فاطمة الشريفة المذكورة إذ هو رضي الله عنه المقلد في المسائل وإمام يرجع إليه ويقتدى به في حفظ الرواية, فعند ذلك حكم من ذكر أعزه الله لأحمد وفاطمة المذكورين بالدخول في الحبس المذكور, ومشاركة أبي القاسم المذكور في الإنتفاع بجميعه, على حسب الشرط الموصوف اتباعا لما حكم به ابن رشد رضي الله عنه في النازلة الموصوفة, واقتداء به في ذلك حكما أنفذه وأمضاه, وأوجب العمل به وارتضاه بعد تقصيه الواجب في ذلك والمطالعة والبحث والإستكشاف, ولم يوجد ما يخالف كا حكم به من ذكر من نص لقائله أو تأويل للمتقدم يبطله, وأشهد بذلك على نفسه, وسجل به من أشهده به وهو بمجلس نظره, ومقعد حكمه وقضائه من المدينة المذكورة, وفي تاسع يوم لشهر جمادى الأخرى عام سبعة وسبعين وسبعمائة.
إليه فيكون القول قوله مع الاستظهار باليمين على أحد القولين فى توجيهها وهو الأصوب فى هذه الأزمنة لما غلب على الناس من الخيانة وقلة الأمانة لكن بعد البحث والنظر فيما يعينه من الأسباب ومما ينظر فيه دخول هذا الموضع بمال الناس وقت الحصار أو توقعه بظهور مخايلة ، وهل هذا تفريط وتضييع أولا ؟ ولا يكون القول قول العامل بأول الأمر ومجرد الدعوى عند كثير من أهل المذهب . قال الباجى فى المنتفى : لو ادعى الخسارة ولم يبين وجهها فقد قال بعض أصحابنا إنه يضمن وفى مقرب ابن أبى زمنين ما نصه : وقد أخبرني أبى رحمه الله إنه كان جالسا عند محمد بن عبد الملك بن أيمن فأتاه رجلان فقال أحدهما دفعت إلى هذا الرجل ثلاثين دينارا قراضا فرد على عشرين وزعم أنه خسر الباقى فقال للعامل أين ذهبت العشرة ؟
المتيطي آخر كتاب الغصب: ويصدق المسترعى فيما يذكره من التوقع وإن لم يعرف الشهود في الاسترعاء ذلك، وإنما جاز الاسترعاء في الحبس ونحوه من هبة وصدقة وعتق وتدبير لأن المحبس ونحوه متبرع ولا يجوز الاسترعاء عند من يراه نافعا فيما خرج على غير عوض وأما غيره فلا اتفاقا.
[205/9] ... ... ... ... [مسألة]
وسئل عبدالحميد بن أبي الدنيا عمن طلب بكالىء ابنته فادعى الزوج أنه لا مال له إلا ما على ملكه من الربع ونصف رمكة وأقام على ذلك بينة فقال صهره لك وصيف وخادم فقال الزوج بمحضر شهود: الوصيف والخادم حرة فقام الصهر محتسبا عليه في الحرية لهما فقال أردت الحرية، أنها ولدت منى، والصيف كنت دبرته فأطلقت عليهما لفظة الحرية وأقام شهادة في التدبير واسترعاء شهادة في الولادة منه ولم يثبت الاسترعاء إلى الآن، وسئلت الأمة فذكرت أنها أم ولد منه، وما ورد في الحديث جارية أعتقها ولدها هل هو صحيح أم لا؟ وكيف لو ثبت الاسترعاء بأنها أم ولد هل هو نافع أم لا؟ وكان هذا الاسترعاء في مجلس القاضي.
وفي النوادر: من خطب من رجل ابنته أو سام سلعة أو سئل بيع عبد فقال :هو حر ثم قال أردت اعتذارا أن ابن القاسم قال يقبل، وفي العتق إشكال إلا أن يبين أن من ساومه ممن يخاف منه أو ممن يحجر عليه فأمر بين، وقال ابن حبيب في العتق لا يقبل منه، فهل هذه من هذا الباب أو بينهما فرق، وإن قبلتم قوله فهل يستظهر بيمين أم لا؟ وكيف إن نكل عنها؟
فأجاب : أعزكم الله تعالى وإيانا بتقواه ، ووفق الجميع منا لما يحبه [178/10] ويرضاه . هذه المسألة وقعت فيها إطلاقات العلماء نحن ذاكروها إن شاء الله تعالى . حكى ابن رشد في اختصار المبسوطة ليحيى بن اسحاق عن عبد الله بن وهب أنه يقول : لا تجوز شهادة القارئ على القارئ ، يعني العلماء ، لأنهم أشد الناس تحاسدا وتباغضا . وكان سفيان الثوري يري هذا ويقول : لا تجوز شهادة عالم على عالم للبغي والمنافسة ومن طريق المحاسدة . وقال الحسن بن أبي جعفر : أنا أجيز شهادة القارئ في كل شيء إلا بعضهم على بعض فإني وجدتهم أشد الناس تحاسدا من التيوس . وفي نقل ابن سهل عن المبسوطة عن ابن مهدي قال : سمعت الثوري يقول : ما أخاف على دمي إلا الفقهاء والقراء من أصحابي . وهذه إطلاقات يعظم موقعها ، ويجب أن يحقق موضعها ، لانقسام العلماء إلى صالح يحجزه عن البغي والحسد دينه ، وصالح يغلبه هواه فلا يبالي حيث تستهويه شياطينه . وهذا الثاني هو الأغلب والأكثر ، والأول يقل . فلا جرم إذا شهد قارئ أو طالب على مثله وكان بصفة العدالة في ظاهر حاله موجبا لإلحاقه للقسم النادر فتجوز شهادته لأن العدالة تنفي كل تهمة ، وكونها شهادة قارئ على قارئ وهما مظنة الحسد والتباغي يوجب الظنة فتسقط الشهادة . ولما تقابل موجب القبول وموجب الرد كان الحكم برد الشهادة أولى لوجهين ، أحدهما الصالح الذي لا يدع الناس أكثر وأغلب من الصالح الذي يدع ، وكان الحكم للأكثر والأغلب دون النادر الأقل . ولم يكف ظاهر العدالة الذي نفى الظنة في البغي والحسد إذ هما من الأوصاف الخبيثة .
وهذا ما ظهر لي ولم أتعقل ما كنت كتبت به إليكم ثم راجعه السائل وهو الشيخ الفاضل أبو العباس المراكشي بما نصه: هذا الكلام صحيح في نفسه، غير أنه لا يستفاد جميعه من الآية الكريمة، ومن أين يلزم من سبق جميع المصائب في كتاب انتهاء المصاب أو غيره من الفرج بما أوتي وأين وجه أخذه من الآية الكريمة؟ وأقل ما يؤديه من الألفاظ قول القائل بعدم ذكر المصاب وما قيل من خير فكذلك فما وجه الاستغناء بذكر أحد الطرفين دون الآخر؟
فأجاب رضي الله عنه، بما نصه ومن خطه ما نقلت: اختلف الناس في معنى قوله: ﴿ما أصاب من مصيبة﴾. فقال بعضهم ما حدث من حادث
[186/11] خير وشر، على معنى لفظ أصاب، لا على عرف المصيبة، فإن عرفها في الشر، فعلى هذا يسقط السؤال ولا يحتاج إلى قول القائل: وما قيل من خير فكذلك، لأن الخير مذكور فيها بالنص كالضر سواء. وقال آخرون: إنما أراد عرف المصيبة وهو الشر، وخصها بالذكر لأنها أهم على البشر. فعلى هذا الخير في الآية كالمنصوص عليه، فلا حاجة أيضا إلى ذلك القول، بمنزلة قوله تعالي: ﴿سرابيل تقيكم الحر﴾. يعني: والبرد. فالبرد في الآية كالمنصوص عليه. فحصل من هذا أن الأسى والفرح في الآية الكريمة ترتبا ترتبا مساويا على ما تقدم من ذكر المصيبة على القولين، وسقط قول السائل: ومن أين يلزم من سبق المصائب في كتاب انتهاء المصاب أو غيره عن الفرح بما أوتي وظهر وجه أخذه من الآية الكريمة.
[إنعام الله على العباد رغم ارتكابهم للمخالفات]