تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. الحمد لله دائما ولا حول ولا قوة إلا بالله وحده. الجواب والله الموفق للصواب بفضله, أن الالتفات في الصلاة مكروه كراهة شديدة. ويدل على ذلك الأخبار الصحيحة الحسنة. فمن ذلك ما أخرجه البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها قالت:

[169/1] سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في الصلاة, فقال: هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد. وأخرج أبو عيسى الترمذي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلحظ في الصضلاة يمينا وشمالا ولا يلوي عنقه خلف ظهره. وقال فيه حديث حسن غريب. ونقل أبو بكر ابن يونس عن ابن حبيب قال, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم, إياكم والالتفات في الصلاة فإنها الهلكة. وفي حديث آخر: أما يخشى الذي يحول وجهه في الصلاة أن يحول الله وجهه وجه حمار, إلى غير ذلك مما ورد في هذا الباب من التشديد في هذا مما لا تسعه هاتان الدفتان. وقال في المدونة في آخر كتاب الصلاة الأول منها: ولا يلتفت المصلي, فإن فعل لم يقطع ذلك صلاته, وغن كان بجميع جسده. زاد في المقرب ورجلاه إلى القبلة, يريد أو يشرق أو يغرب, وهو تفسير لما فيها. وقال ابن بطال في شرح البخاري: الالتفات في الصلاة مكروه عند العلماء, وذلك إذا رمى ببصره يمينا وشمالا وترك الاقبال على صلاته. ومن فعل ذلك فقد فارق الخشوع المأمور به في الصلاة. ولذلك جعله النبي صلى الله عليه وسلم اختلاسا يختلسه الشيطان. قال المهلب قوله اختلاس هو نص على احضار المصلي ذهنه ونيته لمناجاة ربه وممن كا ن لا يلتفت أبو بكر وعمر رضي الله عنهما, ونهى عنه أبو الدراداء وأبو هريرة رضي الله عنهما. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: عن الله لا يزال مقبلا على العبد ما دام في صلاته مالم يحدث أو يلتفت.

حبيب في مختصر الواضحة : لو ان رجلامن المسلمين أسر رجلا قائدا من

المشركين ففدي نفسه منه باليسر وهو لا يعرفه , ثم تبين له ذلك قبل أن

يلحق بدار الشرك , فاحتج المسلمبأنه لوعرفه لم يرض منه بذلك الفداء أن

الرضي يلزمه , وهو حر يخلي سبيله . وقد سألت عن ذلك غير واحد من أهل

العلم فقالوا مثله , فانطر الي هذه المسألة وما فبها من الفوائد العاضدة لمسألتنا .

فان عبد الملك بن حبيب من القائلين بمنع الفداء ولم ير الفسخ في هذه

المسألة بعد وقوعها , مع أن التصراني قائد والفادي له غير الامام وفداؤه

بالكثير مضر يالمسلمين مخالف للنطر المصلحي ولما تقرر أقوال العلماء , واما

فداؤه باليسير فأمر بين الفساد يكاد لا يوجه قائل به في المذهب , لكنه لما وقع

لم يجز فسخه ولا رجوع النصراني الي الرق عند عبد الملك بن حبيب

ولا عند غيره من العلماء , وان كانوا يمنعون ذلك ابتداء أشد المنع , لكنهم

كرهوا الفسخ بعد الوقوع ولم يروه صوابا رعيا للخلاف الذي في أصل

المسألة , فان الفداء بالمال من المسائل المختلف فيها الشائعة ابتداء عند كثير من

العلماء , ومع ان المسلم الفادي له بين العذر في طلب الرجوع عليه بكونه

لم يعرفه , فبهذه المسألة وشبهها من المسائل ينبغي أن تنطر مسألتنا وأن يحتج

بها علي صحتها . والحمد لله علي ما هدي اليه من صحيح النطر , ومن به

التوفيق الي الصواب , وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله . انتهي .

مجاهدون يغيرون علي أطراف مراكز العدو ال1ي صالحه السلطان .

وسئل بعض فقهاء التلمسان بما نصه : سيدي جوابكم عما عمت به

البلوي في بلدنا وعطم من أجله الخطب واتسعت به المقالات . وذلك ان

الخليفة أصلحه الله صالح هؤلاء النصاري الذين أخذوا سواحلنا الي أجل

[206/2]

[207/2]

معلوم , والمسلمون يرون ان جهادهم من أعطم القربات فصاروا يغيرون علي اطراف

بلدهم فيقتلون ويضيقون يبهم , هل ذلك طاعة أو معصية |. والفرض أن

=فأجاب : بما نصه : تخصكم حكم الله كمالكم بوصول كتابكم الكريم في قضية الزوج القائم على زوجه بدعوى البرص ، فرأيت لكم فيه نظرا جميلا وبحثا حسنا حفيلا ، والذي عندي في القضية أن النظر فيها في أمور ثلاثة : أحدها أن ما ادعاه من البرص محتاج أولا إلى إثباته ؛ لأن والد الزوجة لم يوافقه عليه ، إنما قال بابنته لمعات في جسدها لا يدري ما هي ، ولا شك أن الزوج مدع لهذا العيب فيحتاج إلى إثباته ، وإثباته تارة يكون بقيام البينة أنهم عاينوا العيب وشاهدوه قبل عقد النكاح ، وتارة بحضور البينة في حين الدعوى نساء كن أو رجالا ، فإن كان غموض في معرفة العيب المدعى دعي الأطباء وبقر عن موضع العيب . قال في كتاب المفيد : واختلف إذا كان العيب بغير الفرج هل ينظر إليه النساء ويخبرن عنهن أو يشق الثوب عن ذلك الموضع وينظر إليه الرجال ، فالظاهر من المذهب أن النساء يخبرن عنه ،[178/3]وقال سحنون : إن كان العيب بغير الفرج بقر عن ذلك الموضوع حتى ينظر الأطباء ، قال : ولو أصابتها علة في موضع يحتاج فيه على نظر الطبيب يبقر عن ذلك الموضع لينظر إليه الرجال .

فأجاب: إن كان الأمر على ما ذكر للحالف نيته فيما أراد من مقدار النفقة، وما قصر عنه مع القدرة عليه فهو حانث، ويلزمه الطلاق الثلاث لما كان شكه هل حلف بالثلاث أو الواحدة على ما في المدونة، وأنه إن تبين له في العدة أنه أقل فلها الرجعة. وإن ذكر بعدها كان خاطبا من الخطاب ويصدق. قال عبد المالك في المجموعة: بعد يمينه. قال في المدونة: وإن بقي على شكه حتى تزوجها رجل آخر ثم طلقها واحدة أو اثنتين لم تحل له إلا بعد زوج، وكذا بعد ثان وثالثا ومائة زوج. وهذا كله إذا لم تقم بينة وإنما طلق في ذلك استبراء لدينه. وأما لو قامت عليه بينة باليمين وطلب الحكم بالنسبة إلى فصل القضاء فهو مصدق أيضا من جهة أنه متطوع، إلا أن تأتي بمحال أو بعده عرف وشبهه، كما قال أبو الأصبغ ابن سهل في المتطوع بالنفقة أو غيرها يذكر أنها أراد مقدار كذا.

لكن هنا لطيفة وهي أن الالتزام لما كان بيمين فلا يقضي على الملتزم به على المشهور من المذهب. وقوله في المدونة وغيرها إنما يقول له القاضي يجب عليك ذلك وأنت مطلوب به عاص في تركك إياه إلى غير ذلك، وينظر بعد في تحنيثه، فإن ذكر ما يصدق في مثله صدق وسقط عنه الحنث، والذي يصدق فيه أن بدعي عادة الرجل المنفق عليه أو ما يحتمل من المقادير أنه أراده، ويحلف على ذلك على قاعدة المذهب فيمن قامت عليه بينة يقضي عليه بها وادعى نية محتملة حسبما ذكره ابن رشد في غير موضع من كتابه في رسم كتب من

[186/4]

[187/4]

سماع ابن القاسم من كتاب الأيمان بالطلاق وغيره. فإن نكل عن اليمين، فإن أنفق عليه مقدار عادة المنفق عليه يلزمه الحنث، وينظر مع ذلك إلى عسر الملتزم ويسره، فإن قصر عنه فهو حانث، ويلزم بالطلاق كما قدمنا في المدونة وإقراره باليمين هل هو كقيام البينة أو هو كالمستفتي قولان مخرجان؟ ذكرهما ابن رشد وبالله التوفيق.

[من خاصم زوجته وحلف ألا يدخل شهود داره تلك الليلة فحضر بعض أقاربه للصلح وهم شهود]

آخر والابنة معها، ثم تزوج الابنة رجل وأقامت معه نحو الستة أعوام وهي تأخذ حظها من غلة ملك أبيها، ثم قامت الأم المذكورة على ابنتها المذكورة وسائر ورثة أبيها المتوفى تطالبهم بصداقها فقالت لها البنت وسائر الورثة ما منعك من طلبه في حياة زوجك وبعد وفاته المدة المذكورة كلها؟ فقالت إنه كان يضرني بالضرب والتهديد وبالقتل على ترك صداقي له غذ كان يريد فراقي، وقد كان رجلا مهابا لصا من اللصوص ففررت بنفسي منه واختلعت بصداقي وأاقمت على ما ادعته من ذلك بينة، فقال لها الورثة قد تزوجت غيره وكنت في موضع أمن في حياته وبعد وفاته كذلك فما منعك القيام بما تدعيه؟ فقالت أما مدة حياته فكنت في بعضها في موضع أمن لكن لم أجد من يطالبه ولم يكن له هو في موضع قرار نتمكن فيها من طلبه إلى أن مات، وأما سكوتي بعد موته فظننت أن سكوتي في حياته مبطل لحقي فهل ترون سيدي سكوتها هذه المدة مبطلا لحقها مع إقامة البينة على ما ادعته من الضرر أم لا يضرها في ذلك؟ بين لنا ذلك.

فأجاب: أكرمكم الله تعالى إذا كان الأمر على ما ذكرتموه فلا تصدق المرأة في دعواها الجهل بسقوط حقها بموت مفارقها لأنها ادعت في ذلك ما لا يشبه، وقيامها على الورثة المذكورين ساقط تعد بسكوتها المدة المذكورة مجيزة للخلع، قال ابن القاسم الهندي إذا مضى لسكوتها أمد الحيازة وأنكر ذلك ابن سهيل وقال بل إذا مضى لها من المدة ما تعد به مجيزة وذلك العام والعامان سقط قيامهأ، قال في موضع آخر وقد اختلف فيمن سكت عن الجهل فماله من الحق فمذهب أصبغ أن ذلك مسقط لحقه وكذلك هذه على قوله لو صدقناها في دعوى الجهل، وبالله تعالى التوفيق.

[مسألة فيمن أحدث عليه ضرر في ملكه فاسترعى أنه غير راض به]

وسئل ابن لبابة ومحمد ابن وليد عن رجل نازع يهوديا في ثوب باعه اليهودي ادعى المسلم أنه باعه من اليهودي ولم يقبض ثمنه، وادعى اليهودي أنه سمسار، وأنه أمره ببيعه وبعته ورددت إليه ثمنه وأخذت أجرتي.

فأجاب: الذي يذهب إليه جل أصحاب مالك وسحنون. القول قول اليهودي مع يمينه. وقالوا: كل من أقر بشيء وكل إلى أمانته، فلا يتعدى إلى ذمته.

ابن سهل قول المدونة في القراض: وقال ربه: بل أسلفتك، فالقول قول رب المال إذا قال قرض والعامل قراض. وقولها في الوكالة في مسألة

[228/6]

الحنطة والتمر خلاف هذا الجواب. ألا ترى أنه جعل صاحب المال هو الذي يصدق؟ والصواب أن يكون جوابهم في المسألة بما في العتبية في عين مسألتهم في رجل أتى إلى رجل فقال له: هات ثمن الثوب الذي بعتك فقال له: ما بعتنيه ولكن أمرتني أن أبيعه. القول قول صاحب الثوب، ويحلف أنه ما باعه منه يريد لنفي دعواه الوكالة. فإن نكل حلف الآخر وبرئ.

ابن سهل وزاد ابن لبابة زيادة لم تقع في الرواية وهي قوله: وقد ضاع مني. انظر تمامه. قيل ونحو جوابهم في سماع أشهب من الدعوى والصلح فيمن قال لرجل: لي عليك عشرة من ثمن سلعة بعتها لك وقال الآخر: لا ولكن لك عندي عشرة وديعة، وضاعت. القول قول مدعي الوديعة يحلف لقد ضاعت.

ابن رشد. هذا واضح لأن مدعي ثمن السلعة مدع فعليه البينة والآخر مدعى عليه. ولا يؤاخذ أحد بأكثر مما أقر به على نفسه.

[ إذا وقع التشاح في السكة فيقضي بالوازنة من سكة البلد]

وسئل أبو عمر(¬1) عمن باع سلعة بعشرة دنانير هل يقضى له بها وازنة وإن جرت الناقصة بين الناس أم لا؟

فأجاب: يقضى له بها وازنة من سكة البلد ولو جرت الناقصة بين الناس وجازت بينهم لأنه على وجه الرضا والطوع منهم وعند الاختلاف والإيمان يحكم بالوازنة من سكة ذلك البلد.

[من أوصى لرجل بدنانير، ثم تحولت السكة إلى أخرى]

وتقيد بطرة هذا الرسم المنصوص أسفله, بعد افتتاحه من اوله إلى آخره ما نصه: قام عند قاضي الجماعة بمدينة فاس محمد بن أحمد بن عبد الملك الفشتالي حفظ الله مجده, وانجح في كل الأمور قصده, وحرسها أبو العباس أحمد بن أبي بكر اللمطي وهو يتكلم في ذلك عن نفسه وعن أخته لأبيه فاطمة نيابة صحيحة في ذلك, فذكر له أعزه الله تعالى أن جدتهما للأم فاطمة بنت الشيخ الشريف المعظم الأفضل الأكمل أبي عبد الله محمد الحسني المذكورة محبسة في الرسم المقيد هذا بطرته اليمنى وأسفله, وهي التي كانت حبست على ولدها محمد المذكور معها في الرسم المذكور ما ذكر, حسبما فسرت /190/ وشرطت من العقب, والمرجع على الترتيب الذي ذكرت في رسم الحبس المذكور, وصح الحبس المذكور بحيازة ولدها المحبس عليه المذكور المواضع المحبسة المذكورة وانتفاعه بها طول حياته, وكان محمد المذكور محبسا عليه المواضع المذكورة ولد له من الأولاد خمسة محمد وسونة أم أحمد القائم المذكور وخالته عائشة أم أخته فاطمة المذكورة ورحمة وزند(¬1)

وأجاب : أما أن تكون معهم شريكا فى الفضل فهذا حرام لأنه لم يدر ما باع ولا درواهم ما ابتاعوا فإن كان البيع لم يفت فسخ فيه البيع إلا أن يفوت بحوالة الأسواق أو ما أشبهه فيرد إلى القيمة يوم وقع البيع .

وأجاب ابن لبابة : الأمر كما قال إلا أن يكون اشترط جزءا من الربح على أن يكون عليه من الخسران بقدر ذلك فلا يتبعه بثمن الجزء فيكون جائزا ، لأنه إنما باع من سلعته جزءا واستبقى جزءا فإن لم يكن كذلم وإنما استثنى ربع الفضل فقط فأفتى كما أفتى .

[209/8]

[210/8]

[حكم من أرسل عروضا مع آخر لرجل ، فباعها ودفع الثمن ]

وسئل ابن زرب ، سأله الفقيه الصدينى الفاسى ، عن رجل من أهل فاس أرسل عروضا إلى رجل بسجلماسة ، فباع الرسول العروض بسجلماسة ودفع ثمنها إلى الذى أرسلها إليه فقال الذى بعثه إنما أمرتك أن تدفع إليه العروض لم آمرك بالبيع ، وقال الرسول بل أمرتنى ببيعها وأن أدفع إليه ثمنها.

فأجاب من حوله بأن قال الرسول ضامن ، فقال لهم القاضي ما هكذا أفتيت فيها . ثم قال لهم إذا بعث الرسول ألم يبعثه على الأمانة ؟ فقالوا نعم ! فقال لهم فمن كان أمينا لم يضمن إلا ببينة تقوم عليه بالتعدى وإلا فلا ضمان عليه . ومثله ما روى عيسى عن ابن القاسم فى الرجل يبعث مع الرجل البضاعة إلى الرجل فيرسلها الرسول مع غيره إلى الذى أرسله فتضيع فيقول لم آمرك بذلك فالقول قول الرسول لأن الأصل فى هذا أنه على الأمانة فمن يرد أن يخرجه عن صفة الأمانة فعليه إقامة البينة .

وأما الذي أوصى له بشقص ممن يعتق عليه بقول الشيخ أن ابن القاسم فيه بعد لا يصح له، وما قاله ابن القاسم هو الحق، ولابن القاسم قولان لمن يكون الولاء إذا لم يقبل الموصى له الوصية، فعلى قوله أن الولاء

[202/9] للموصى له كان بيده قال إن قبل الموصى له الوصية وإلا فاعتقوه عنه وعلى قوله للموصى كان الوصية تضمنت إن قبل الوصية وإلا فاعتقوه عني فإن قبل قوم عليه بالنسبة وبنفس القول أن يعتق، وما توجبه السنة هو خلاف ما يقصده المتبايعان، ويجب على اعتلاله متى قال بيعوا عبدي من فلان أو ممن أحب لا يجوز لأنه بيع بثمن مجهول متى قبل لأنه لا يعلم الثمن إلا بعد التقويم بل هذا نفس البيع بثمن مجهول، لكنه لما قصد المعروف وحطيطة ثلث الثمن عنه خرج عن حد المكايسة إلى حد المعروف الذي أجيز من أجله الهبة للثواب والذي أوصى له يمن يعتق عليه أقوى من جواز التقويم عليه ولا يقال فيه بيع بثمن مجهول لعدم علم المكايسة التي يصح البيع بعدمها ويبطل بوجودها، وأما على أحد قولي ابن القاسم أن الولاء للموصى له ففي كل الوجهين وجب عتقه على الموصى فكأنه واهب بقيمته، وهذا الوجه خارج عن حد التبايع، فمتى وصى ببذل القيمة فهو واهب وبالله التوفيق.

قلت : جرى عمل بعض قضاة المغرب في هذا الزمان باستحسان ترك الاستفصال بعد ستة أشهر من أداء الشاهد شهادته معتلا بأن هذه المدة مظنة نسيان الشهادة ، والحق خلاف هذا كله . والله سبحانه أعلم .

وخبر أمور الناس ما كان سنة ... وشر الأمور المحدثات البدائع

يحكى عن بعض الملوك المتأخرين أنه كتب إلى فقيه من الفقهاء أن الناس قد فسدوا فاكتب لي أن أحكم فيهم بما يليق بهم ، فإني استوفيت لهم المطالب الشرعية فأكل الناس بعضهم بعضا . فقال له : لو علم الله مصلحة لهذه الأمة غير الشريعة التي اختارها على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم لاختارها لهم ، فلا حكم إلا ما جاء به الشرع ، والسلام .

قال مالك بن أنس : لن يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها .

وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه : لست بمبتدع ، ولكني متبع .

[من تكون عنده شهادة فلا يقوم بها حتى تطول المدة أو يموت المشهود له أو عليه]

وسئل الأستاذ أبو سعيد ابن لب عن رجل تكون عنده الشهادة فيتركها [175/10] ولا يقوم بها حتى تطول المدة أو يموت المشهود عليه أوله .

فأجاب : أما مسألة الشاهد يترك القيام بالشهادة حتى تطول المدة أو يموت المشهود عليه أوله ثم يقوم ، ففيها ثلاثة أقوال ، أحدها لابن القاسم في سماع عيسى من العتبية : رد الشهادة بجرحة العلم ، وهو لم يقم بذلك من غير مانع يضطره إلى ترك القيام ، وقاله أصبغ . وهذا يعم الأموال والفروج والرقاب : والثاني قول أشهب بصحة الشهادة ، قال ولا يلزم الشاهد أن يعلم الناس ولا أن يخاصمهم قال ابن رشد : ظاهر هذا القول الإطلاق في حق الله تعالى في طلاق أو عتاق أو في حق الخلق في الأموال . الثالث قول سحنون بالفرق بين حقوق الله وحقوق الخلق ، فيرد في الأول وينفذ في الثاني .

وسئل عن اللعب بكومة التراب التي يطعن فيها الأعداء.

فأجاب بأن قال: لا بأس بذلك، ما لم يعطل عن الصلوات.

[النظر النظر في الكتف]

وسئل عن النظر في الأكتاف والغبار والرصاص الذائب.

فأجاب بأن قال: لا يحل ذلك لأحد.

[لا يباح أكل مال الغير إلا بإذن ربه]

وسئل عما يأكله الإنسان لغيره، هل ينتفع به إذا حلله له ربه أم لا؟

فأجاب: كل شئ يأكله الإنسان من مال غيره فإنه ينتفع به إذا حلله له ربه، إلا خمسة أشياء: الرشوة في الحكم، وصلوات الكاهن، ومهر البغي، وأجرة المغني، والنائحة ومن جمع الحق على(¬1) أهله. فهؤلاء الخمس لا ترد على أربابها، إنما تصرف في مصاريف الخير والبر.

[ما سر التعبير بقوله تعالى: ﴿يرتع ويلعب﴾؟]

وسئل القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى كيف جاز لله أن

[183/11] يخبر عن يوسف وإخوته باللعب وهم أنبياء، واللعب مكروه، حيث قالوا: ﴿أرسله معنا غدا يرتع ويلعب﴾؟

فأجاب: بأن قال: الجواب والتوفيق بالله سبحانه يهبه لمن يشاء: إن قولك كيف جاز لله أن يخبر عن إخوة يوسف باللعب؟ كلام جاهل، لم يتدرب بالعلم ولا تأدب بآداب الدين، وإنما يقال في نحو هذا من المشكلات إذا وقع ما الحكمة في قول الله كذا؟ وقوله: إن الله أخبر عن إخوة يوسف وهم أنبياء، بأنهم يلعبون، جهل من وجهين:

أحدهما ان الله تعالى إنما أخبر عما أخبروا به على أنفسهم وأعلمنا ما قالوه وذكر لنا ما ذكروا كما ذكروه.

الثاني أنا لا نعلم أنهم أنبياء في وقت هذا الخبر، نعم ولا نعلم أنهم أنبياء بعد ذلك. ونحن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله، لأننا لا نعين من ذلك إلا من عين.

المعيار المعرب والجامع المغرب · الجزء ١ · الصفحة ٢١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المعيار المعرب والجامع المغربج ١ · ص ٢١٥