فأجاب وقفت على السؤال فوقه, ولا تصلي الثمانية ولا العشرة ولا ما قارب هذا العدد جمعة. ومن راعى العدد من أهل المذهب يقول أقل العدد ثلاثون وقيل خمسون. والمشهوران العدد لا يراعى وأن المعول على عدد تتقوى بهم القرية ويمكنهم فيها مداومة الثواء وتحصل لجماعتهم إقامة أبهة الإسلام. وإذا كانت القرية قليلة البيوت ليست من قرى التجميع, إلا أن حولها قرى صغارا فاجتمع من تلك القرى إلى هذه القرية حتى صاروا جماعة كبيرة, فلا يجوز لهم أن يجمعوا حتى تكون القرية ضخمة جامعة من أمهات القرى في كثرة أهلها واتصال بنيانها الثلاثين بيتا ونحوها. وأما ما ذكر في السؤال أنهم يسكنون في كهوف مفترقون ومغارات فلا يجمع هؤلاء بوجه.
[الصلاة خلف من يشهد في الأمور المخزية]
وسئل هل تجوز الصلاة خلف من يشهد في الأمور المخزية أم لا؟ وهل يعيد صلاته من صلى خلفه أم لا إذا قلنا بالمنع؟ والسلام عليكم ورحمة الله
فأجاب أما مسألة الصلاة خلف الشاهد في الأمور المخزية فالصحيح
[167/1] جوازها إذا كان هذا الإمام مأمونا على ما يتعلق بالصلاة من الطهارة والشروط وغير ذلك مما تحتاج إليه الصلاة ويقدح تركها في صحتها. فإذا أمن جازت إمامته. وإن كان من الانهماك والجرأة بحيث لا يبالي ما ارتكب من المخالفات حتى لا يؤمن أن يصلي بغير طهارة وبغير نية بل هو كالمتلاعب, فمن علم منه ذلك أو ظن فلا تجوز إمامته, ويعيد من صلى خلفه. أما إذا كان الانسان متحريا في دينه محافظا على ما تحتاج إليه الصلاة, غير أنه يتعاطى أمورا لا ترضى فتجوز إمامته. وإن كان لا يصلى إلا خلف من لا يقال فيه ما صلى خلف أحد. وقد ورد في بعض الأحاديث أن الإمام إذا كان ممن لا ترضى أحواله بسبب ما يرتكب, أنه إذا دخل في الصلاة حطت عنه ذنوبه حتى تزكو صلاة المأمومين خلفه, فإذا انصرف من الإمامة رجعت ذنوبه في عينه كما كانت قبل الإمامة.
[إمامة الأعرج والشيخ المنحني]
فان القياس علي الأكثر والأقل في هذه المسألة انما كان يستقيم لو أن العلماء
الذين أوا الفسخ في موضع ولم يروه في موضع اخر فعلوا ذلك جزافا وكيف
ما اتفق من غير علو ولا سبب . وهذا لا يتوهمه عاقل ولا ذو تحصيل , بل انما
فعلوا ذلك لعلة بينة لائحة لذوي الألباب . فحيث وجدت العلة ينبغي أن تلحق
تلك المسألة بنوعهامما فيها تلك علة , واذا لم توجد تلك العلة في مسألة
لم يجز قياسها علي ما فية علة , ولا عبرة في ذلك بالاقل ولا بالاكثر . والعلة في
فسخ بعض المسائل الواقعة دون بعض هي أن الشريعة مبنية علي التسهيل
والتيسير والسمح ورفع الحرج والمشقة عن أهلها , ولا شك أن نقض الأمر
[203/2]
[204/2]
بعد ما ابرم وفرغ منه اشد علي المرء واضعف من منعه ابتداء . بل في نقضه
بعد ابرامه الحرج العطيم والكلفة الشدية والمشقة الصعبة , لكنه لما كان عدم
الفسخ لكلما عقد وترك النفص لكل ما أبرم من الأمور الشرعية يول الي
فساد اشرع وتسهيل السبيل للناس الي أرتكاب ما لا يجوز , وكان مع ذلك
منافرا لما هو أصل مذهبنا من سد الذريعة فعل ذلك حيث تكون له علة
تحسنه وتسوغه , وترك حيث لا وجه له ولا مسوغ , والذي يسوغ ذلك ويحسن
القول به هو أن تكون المسألة غير منافرة لقواعد الشرع منافرة بعيدة ,
ولا مناقضة لغرض الشارع مناقضة شديدة , بل تكون محتملة في معناها متردده
بين المنافرة والملايمة .
وذلك بعينه هو سبب الحلاف في المسائل الفقهية . فان المسألة اذا كان
لها وجهان من الملايمة لمقصد الشارع والمنافرة له كانت مسألة خلاف بين
الفقهاء بحسب الملاحطين لمعني الملايمة والمنافرة . ولذلك كثر الخلاف في
المسائل الفقهيه حتي انه لا يكاد توجه مسألة واحده دون خلاف . وذلك لأجل
أن الأمور كلها أو أكثر لها وجهان من الملايمة والمنافرة . لكن ذلك يقوي
طهوره ويضعف .
فاذا كانت المسألة طاهرة لمنع ابتاء شديدة التحريم لكثرة منافرتها
*وسئل : رحمه الله من غربي مقالة بما نصه : الحمد لله حق حمده ، وصلواته وسلامه على نبيه الكريم ، يا سيدي وبركتي نفعني الله بكم ، وأفاض علينا من بركاتكم ، نزلت عندي نازلة ، وشرحها : أن رجلا تزوج امرأة بحصن أطيبة أيام كانت للمسلمين وبقيت في عصمته مدة ، ثم طلقها طلقة واحدة مملكة ، ثم أراد ارتجاعها فأخذ منها كتاب صداقها وتوجه هو وأخوها إلى القاضي إذ ذاك ، وكتب لهما الرجعة بولاية الأخ وأمرهم بالشهادة ، فبقي الحال إلى الآن ، ووقع بين الزوجين كلام وأرادت الزوجة أن يفارقها ورغبت أن تختلع منه فجاء بها إلي ، فنظرت كتاب الصداق ، فألفيت الرجعة دون شهادة ، فسألته عن ذلك ، فقال : لما كتبت الرجعة أنا وصهري ولي زوجة ، أمرنا القاضي بالشهادة فأنسينا ذلك ، إذ كان ذلك عند نزول النصارى على الحصن ، فلما كنا بسببه من الهم ، نسينا إشهاد الرجعة ، هذا نص كلامه ، والمرأة كذلك قالت : جاء إلى أخي وقال رددتك لزوجك ، فلم اعلم أن الشهادة تقع علي ، فاعتقلتهما بالسجن ، وطالعت محلكم العلي بالقضية ، وكلام أبي القاسم في وثائقه يقتضي أن الشهادة شرط كمال لا شرط صحة ، ولكنه أوجب الحد على تركها ، وقد تعقب ذلك عليه ، ورأيت التعقب وذكر الخلاف وقال : قيل يلزمهما الأدب ، أما مع لزوم الدب فقوله : إنه شرط كمال صحيح ، فانظر سيدي بما منحكم الله من العلم في ذهه القضية ، وابسطوا لي كل وجه فيها ، فإن مواضع الإشكال فيها على أعرضها عليكم ، منها : أنا إذا قلنا لهم الآن اشهدوا هذه الرجعة ، فإن اشهدوا ما حكم ما مضى من الأعوام وما اشتركا من الأولاد ، وإن أبى الزوجان الآن عن الشهادة أو أحدهما ، فإن المرأة لم تقم تطلب الاختلاع إلا وهي قد أظهرت البغضاء ، فهل تجبر على الشهادة أم لا ؟ وهو عن قال هذه الرجعة غير صحيحة فلا ارتجع ولا اشهد على نفسي ، وإن أخذت بأحد القولين اللذين حكاهما ابن القاسم ودرأت الحد[176/3]بشبهة النكاح ،
وسئل الفقيه القاضي أبو علي الحسن بن عطية الونشريسي رحمه الله عن رجل فارق زوجته بطلاق الخلع، فلما مضى صدر من عدتها تحدث في تزويجها
[183/4]
[184/4]
رجل من أهل بلدها ممن هو فوقها في الكفاءة والمال والحسب، فتشوفت هي لذلك فأراد زوجها مراجعتها وألح عليها في ذلك، فقال لها بعض الناس: إنك إن أقررت بأنه كان يحلف بالأيمان اللازمة ويحنث حين كنت في عصمته لا يحل لك مراجعته إلا بعد زوج، فينقطع عنك طلب المراجعة وتصل إلى غرضك من تزويج هذا الرجل الذي أراد تزويجك. فأشهدت على نفسها بذلك بعض العدول. فلما انقضت عدتها انتظرت الرجل الذي ذكر لها تزويجه، فلما امتنع من ذلك أرادت مراجعة زوجها وقالت كنت كاذبة وإنما أقررت بذلك على نفسي لأجل ما سمعت من حديث الناس في شأن الرجل الذي ذكر لي، فهل تمكن من مراجعة زوجها ويقبل عذرها في ذلك مع قيام البينة بذلك؟ فإن الرجل المذكور كان يصرح بذلك للناس ويقول إن انقضت عدتها فإنا أتزوجها، أم لا يقبل عذرها في ذلك، وتكون مأخوذة بإقرارها إذا كان بعد أن ملكت عصمتها؟
فأجاب: أكرمكم الله تعالى إذا كان الأمر على ما ذكرتموه فلا يصدق المبتاع المذكور فيما ادعى من فساد التصيير إلا أن توافقه على ذلك الزوجة المذكورة فيرد البيع والتصيير وتعود الأملاك إلى ورثة الزوج وترجع عليهم الزوجة بكالئها، وإنما رد البيع في الأملاك وإن كانت قد بيعت بيعا صحيحا والبيع الصحيح بفيت البيع الفاسد لإقرار المتبايعين بفساد التصيير، وإنما يفيت البيع الصحيح البيع الفاسد إذا لم يعلم البائع بالفساد، فإن علم وقصد التفويت لم يفت، وكأنه باع ما لم يملك على أصل المذهب، فإن البيع الفاسد لا ينقل الملك، وبالله تعالى التوفيق، انظر قوله في هذا الجواب إلا أن توافقه الزوجة على ذلك فيرد البيع والتصيير وتعود الأملاك إلى ورثة الزوج وترجع عليه الزوجة بكالئها فيه نظر، فإن المانع من فساد البيع دون موافقة الزوجة تعلق حقها ببقائه على ما وقع فلا يصدق عليها كما لا تصدق عليه إن ادعت هي ذلك لأن له أيضا حقا في بقائه كحقها فإذا توافقا على الفساد وجب رد البيع، وإذا كانت العلة هذه فما الموجب لرد التصير من غير موافقة ورثة الزوج على فساد التصيير، فإن لهم حقا في بقائه حسبما عقده موروثهم فلا تصدق الزوجة المصير لها عليهم كما لم يصدق عليها المبتاع منها، وهذا مطرد في كل عقد طرأ بين اثنين فلا يصدق واحد على الآخر فيما يوجب حله، فانظر ذلك.
[مسألة في يتيمة مهملة يسيء عمها معاملتها]
وسئل بعض شيوخ الحديدية، عمن ابتاع أملاكا ثم زعم أن بها عيبا فأنكر البائع الابتياع وزعم أنه لم يبع شيئا، فلما ثبت عليه أثبت اعتمار المشتري للأملاك بعد اطلاعه على العيب وعرضها للبيع.
فأجاب: الواجب أن يقضي على البائع برد الأملاك عليه، ولا يلتفت إلى بينة، لأنه كذبها بقوله: لم أبع منه هذه الأملاك.
[من باع لأجل وحل فأشهد أنه نائب عن غيره ومات الغريم، فعلى من تكون يمين القضاء؟]
وسئل ابن شعيب(¬1) عمن باع متاعا بثمن إلى أجل، ثم اعترف بعد حلول الأجل أنه لفلان، ثم مات المديان فقام المقر له يطلب ثمن المبتاع من تركته، والوارث محاجير فهل يحلف يمين القضاء البائع أو المقر له أو الجميع؟ جوابكم.
فأجاب: للقائم على الغريم أن يحلف البائعين لتمكنهما من قبض الثمن بمقتضى العقد إن كان البيع لأنفسهما، وبحلول أجل الثمن بمقتضى الوكالة إن كان البيع لغيرهما، إلا أن يثبت معرفة الغريم بالوكالة قبل ذلك، فلا يمين عليهما لأن الغريم حين الدفع لهما عالم بأنها وكالتهما وأن قبض الثمن الواجب في الذمة لغيرهما، فإن نكلا عن اليمين غرما الثمن للمقر له لاعترافهما له بأصله بعد استحقاقهما لقبضه، وليس من باب اليمين ليستحق الغير، لثبوت أسبابها قبل اعترافهما بالملك لغيرهما. وهذا المقر له يحلف أيضا إن ادعى القائم أنه قبض من الغريم بعد معرفته بالوكالة، وأتى على
[225/6]
ذلك بوجه يشبه عند الحاكم، ويدعى ذلك عليه البائعان على الوجه المذكور، فلا يستحق المقر له ذلك إلى بيمين في الوجهين.
[من أكرى على سلعة يظنها له، فتبين أنها لغيره رجع بالكراء]
وسئل بعض الشيوخ عن رجل اشترى قنطارا من النيل بمكة شرفها الله ثم أودعه عند رجل من مكة، فلما قضى وطره أتاه فدفع له غيره غلطا فحمله إلى أفريقية ثم تبين له أنه لغيره ممن أتى معه في الرفقة، فقام عليه صاحب النيل فأثبته فهل يلزمه الكراء أم لا؟
فأجاب بما نصه: الجواب والله الموفق للصواب بمنه وفضله أن المسألة ذات خلاف في القديم والحديث, وأن الذي به الفتيا إباحة ذلك وجوازه, وتسويغه وحليته لأخذه. وهذا مروي عن ابن القاسم, رواه عنه ابن حبيب عن أصبغ, وبه قال عبد الملك بن الماجشون وأصبغ, وأن ما قصد به وجه الله يجوز ان ينتفع ببعضه في بعض إن كانت لذلك الحبس غلة واسعة, ووفر بين كثير, يؤمن من احتياج الحبس ليه حالا ومالا. وبالجواز أفتى ابن رشد رضي الله عنه برم مسجد من وفر مسجد غيره, ولهذا ذهب الأندلسيون خلاف مذهب القرويين, وبه قال ابن القاسم والأصح الجواز, وهو الأظهر في النظر والقياس, وذلك إن منعنا الحبس وحرمنا المحبس نت الإنتفاع الذي حبس من أجله, وعرضنا تلك الفضلات للضياع لأن انفاق الأوفار في سبيل الخير كمسألتنا أنفع للمحبس, وأنمى لأجره ولأكثر لثوابه. وأما إن منعنا ذلك وقلنا بشراء الأصول بذلك الوفر, ثم مهما كثر الغلات أيضا واجتمعت اشترينا بها أصولا ثم كذلك لزم منه أمر مستحيل, وهو وجود حبس لا مصرف له وذلك أمر ضروري يلزم من شراء بالوفر مع منع صرفها في غير ما حبس المحبس لأن الغلات تزداد يتزييد الأصول المشتراه فتصير تلك الأصول كأحباس لا مصرف لها, والصرف في سبيل الخير يدفع ذلك ويذهبه, وأما حرمان المحبس من الإنتفاع ولزوم انقطاع أجر الوفر من المحبس فبين أيضا, إذ لا
[
فأجاب : القول قول العامل وله ما جلب لنفسه وقوله مقبول ولا شيء لصاحب المال وحكم العامل مع من دفع إليه المال يقع السؤال عنه فلا جواب عنه .
[ كتب المتقارض بينهم وثيقة بالقراض ثم رجع المال لربه ثم مات ]
وسئل عمن دفع لرجل مالا قراضا فيسافر به للمشرق وكتب بينهما وثيقة فاشترى الرجل بضاعة وحملها فى المركب فلما وصلا لانبدوشه انفتح المركب وخشى عليه الغرق ورد سالما إلى المهدية فدفع البضاعة لرب المال وطلبه بالوثيقة فقال رب المال البضاعة لم تزل مشدودة الى اشتقبال الزمان فيسافر بها فلما جاء إقبال الزمان أخذ أضعاف المال الأول من عند غيره ونسى طلب الوثيقة فبقى مع الثانى نحو خمسة عشر سنة ولم يذكر الرجل أن له قبله شيئا وافتقر واحتاج ولم يذكر شيئا حتى توفى وقد كان خاصمه
[206/8]
[207/8]
قبل موته بسنة على عشرة دنانير فقال مالك على شيء وحلفه القاضى على ذلك ببعض الرباط بمحضر بينة ولم يذكر أن له عليه شيئا غير ذلك توفى فقام بعض الورثة بتلك الوثسقة وأنكر ذلك العامل وقال لو بقى له عندى شيء لخاصمنى عليه .
فأجاب : إذا ثبت ما ذكر من طول المدة واجتماعه به وتمكنه من طلبه وحاجته إلى ماله ودعواه عليه بالعشرة الدنانير ولم يخاصمه إلا عليها واستحلافه وعلم رجوع المركب بالسلعة من بعض الطريق إلى الموضع الذى خرج منه فالقول قول العامل إنه رد إليه مع يمينه لقوة شبهة القراض ويبرأ ومشاهدة أحوالهم .
وكتب بعد الجواب : وقفت على الشهادات التى قام بها العامل وذلك مما يوكد ويقوى براءته ويكون القول قول فى رد المال لدافعه وبراءته منه .
قيل : إنما شدد فى الجواب على العامل لكونه أخذ مال القراض ببينة مقصودة ولو أخذ بغير بينة غير مقصودة لكان الجواب أهون من ذلك .
[حكم دعوى عامل القراض والخوف ]
200/9] الثلث أن الدين مبدأ عليه ولو كان له في حياتها غير الخدمة لجاز له أن يبيعها وإنما أمضينا عتق المبتاع لها حيطة عليها إذ لا يدرى هل يتم لها العتق أم لا؟ فإذا أمضينا البيع لحق عتق المبتاع بطل عقد التدبير الذي من جهة البائع ولو لم يبطل لكان الولاء له، فلما كان الولاء لمعتقها صح بذلك عقد تدبير البائع وإنما شراء التدبير بقوله من قبل أمه إذ كل ذات رحم فولدها لمنزلتها كان الولد من نكاح أو سفاح فإذا تقرر بطلان عقد التدبير من الأم بطل من الولد، ولو رمنا إلزام البائع التدبير في الولد لم يصح، لأنه حدث بعد بيعه والثمن أيضا أخذه عوضا عن الأم خاصة وإذا فاتت بالعتق مضى عقد البيع فيها ولو كان عقد البيع لا يصح لما مضت بالثمن، ولأنها لو هلكت لكانت مصيبتها من المبتاع ولو قلنا إن عقد البيع لا يلزم وإنما وجب ذلك يوم العتق لكان يجب أن يكون على المبتاع القيمة لأن الثمن لبطلان عقد البيع، فإذا مضت بالثمن صح أن يوم العقد وقع البيع صحيحا ولا ولد معها، فصح بهذا ما قاله ابن نافع وسحنون، وإنما اختلف أصحابنا لاختلاف قول هل يمضي العتق أو يرد ولم يقل أحد منهم علمته فانحى إليه، وقوله متى علم المبتاع بالتدبير ينبغي أن يكون بيعا فاسدا لا يصح إذ لا فساد في ثمن ولا مثمون وبين ذلك ابن المواز قال: قال مالك وابن القاسم وأشهب يكون جميع الثمن للبائع متى أعتقه المبتاع ولا يرجع إليه بشيء علم أن مدبرا كان أو لم يعلم، فأعلمك ابن المواز أنه لا فساد في البيع سواء علم المبتاع أو لم يعلم يؤدى إلى القيمة وما علمت خلافا أن السلعة المبيعة متى وجب فيها حق لغير بائعها أن ذلك لا يطلق عليه فساد في عقد البيع، ألا ترى أن علم المبتاع بغصب البائع أن ذلك عقد بيع سلعة بغير إذن مالكها متى أجاز المالك البيع مضت بالثمن ولو كان ذلك فساد في العقد لما صح أن يمضي عقد فاسد ولو كان بيعا في عقده فساد لحق الله تعالى لوجب نقضه على كل
فأجاب : الاستفسار لا حق للمشهود عليه فيه ، وإنما الحق والنظر فيه للقاضي . وسببه إجمال أو احتمال عند القاضي في كلام الشاهد ، فيتطلب الضبط لما يذكره الشاهد . ووجه مسألة الشاهد في هذا أن يقال له ما عندك في كذا وتذكر الذي فيه الاحتمال ، فإن أجاب بما رفع الاحتمال انتفى ، وإلا استجد الحاكم أو الذي ينيبه في ذلك من أهل المعرفة السؤال عما بقي عليه في أشكال . وأما كون الشاهد أدى بغير حضرة عدلين فيتلافى القاضي جبر هذا المعنى بأن يسأل من الشاهد أن يذكر ما شهد به عند مرضيين بالدين والمعرفة ولن يزاد للشاهد في هذا الوجه على السؤال بما شهدت في كذا أكثر ، والحق فيه للحاكم ، وهو ما قد يلقى الحاكم في بعض النوازل من إنكار الشاهد بعد القضية منه أن يكون شهد فيلحق الحاكم في هذا ريبة ، بل وقد قيل إنه يغرم المال الذي فوت بقضائه الذي لم يظهر له مستند إلا بزعمه . وهذا القول وإن لم يكن مشهورا فسد باب التهمة والأخذ بالأحوط أولى . ولهذا يستبين لك أنه لا حق للمشهود عليه في استفسار في وجه ، وما حضوره معه في الغائب إلا لمضارة به لا سيما إن كان المشهود عليه من أهل الاستطالة ومن أهل الدعارة وممن لا يتحاشى قول السوء فإنه لا محالة يؤذي الشاهد ، فكيف يصح أن يسوغ حضوره مع الشاهد مع وصية مولانا الواسع الجود بقوله چ ? ? ? ? ?چ [البقرة : 282] هذا لا يسوغ بوجه . انتهى .
[
وأما من صام للوجوه التي تقدمت فصومه أيضا صحيح. وتلك المقاصد صحيحة فإنه إن وفر الغذاء للعشاء ليلا يتعب بتكسبها، أو احتمي احتراسا من الألم واستراحة من العمل، فهي كلها مقاصد دينية.
وأما من تصدق متلذذا بالعطاء لما في سجيته من الكرم فذلك حسن جدا ودال على أخلاق جميلة، وما أجدر هذا بإفاضة كرم الله عليه ما لم يقصد محمدة أو ملك قلب أحد، فيعود ذلك كله للدنيا.
وأما من حج لرؤية البلاد، فلا يخلو أن يقصد به راحة النفس، فهو حظ عاجل لا ثواب له في خطاه، وإنما يكتب له أجر عمل الحج إذا حصل بمكة. خرج أبو بكر بن داوود مشيعا ببغداد لصاحب له حتى بلغ ذات عرق وهو لا يستطيع فراقه، فلما لبى الناس بالحج سكت، فقيل له: ألا تلبي؟ فقال: لا أفعل. لأني خرجت مشيعا لهذا وقد أخطأ، فإنه قضى حق التشييع، فكان من حقه أن يقضي حق البلوغ إلى موضع الزيارة والكفارة ولو خرج بنية الحج ورؤية البلاد للاعتبار لكانت نيتين ويتضاعف الأجر مرتين.
وأما استراحته من الأنكاد بالخروج للحج أو الهجرة فهو دأب للمرسلين وسنة الماضين.
وقد قال خليل الله: ﴿إني ذاهب إلى ربي سيهدين﴾. وقال كليم الله: ﴿ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما﴾. الآية وكل إذاية قلت أو كثرت كانت في الدين أو في البدن أو في المال إذا توارى عنها المرء أجره الله وأجاره وكفاه.
وأما إذا خرج من الفقر ليلا يعتريه(¬1) في بلده أو لتعذر أسباب المعاش عليه فيه، فإن ذلك جائز، ولا يعارض هذا نية الحج ولا نية الهجرة.
[180/11] وأما تعلم العلم ليحتمي به من الظلم فنيته جميلة لا تؤثر في مثوبة ولا تنقص من أجر وأحق ما وقى به المرء نفسه، طاعة الله وعلمه، فالاستغناء بالقرآن والعلم عن كل شيء أصل في الدين.