تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

165/1] الأصابع من اليد اليمنى في كيفية التشهد. والأكثر على أن الهيئة على صورة عقد الثلاثة والعشرين, ويليه في ذلك ما ذكره ابن العربي, وما ذكره ابن الحاجب لم يذكره غيره, والمراد بالعدد المشار إليه عقد العدد بالأصابع, وكثيرا ما يرد في الحديث الاشارة بذلك. وعقد هذا العدد من الواحد إلى الألف كل عدد له هيئته مخصوصة. وابن بندود في مقالته له باب ذكر فيها هذا العقد بالأصابع وجميع الهيئات بأبدع بيان. وما ذكره ابن العربي يقتضي أن يكون طرف الابهام على الأنملة الوسطى فتكون أنملة الابهام العليا واقعة طرفها على أنملة الوسطى, وهي هيئة الثلاثة والخمسين. وما ذكره الأكثر هي أن تكون الإبهام ممدودة على أنملة الوسطى كالسبابة, وهي هيئة ثلاثة وعشرين. وما انفرد به الحاجب هي أن تكون الخنصر والبنصر والوسطى أطرافهن على اللحمة التي تحت الابهام. وعند الأكثر أن تكون الأصابع الثلاث مقبوضة أطرافهن على بسط الكف فهذا بيان الهيئات الثلاث انتهى.

[رموز الأعداد باختلاف عقد الأصابع]

201/2]

[202/2]

الحق الذين يطالبون كلام الفقهاء بتحرير الحدود المنطقية والاعتراضات

الجدلية , لا سيما كانت المسألة الدخيلة في الترجمة أعم في الحكم من

الترجمة كهذه المسألة , فان الاستشهاد بالأعم علي الأخص سائغ , وهذا طاهر

وموجود كثيرا في تواليف الفقهاء والعلماء . وعلي ذلك كله فنقلنا لما نقلناه

صحيح لم نحرفه عن موضعه ولا بدلناه عن مقتضاه , بل أتينا به علي حسب

ما ألفيناه من الاطلاق في جواز بيع النصاري من النصاري . ولا خفاء بأن

( المقرب ) وشبهه من التواليف التي في معناه فروع عن ( المدونة ) وانما يكتفي بالنقل

منها عن ( المدونة ) لقرب مأخذها وتيسير النطر فيها . فاذا وقع النزاع في الفروع

عدلنا عنها الي الأصل الذي هو العمدة والملجأ لأهل العلم . وقد تبين أن

ذلك الذي نقلناه من ( المقرب ) هو نص ( المدونة ) بعينه , وأنه واقع في غير تلك

الترجمة بل متصلا بذكر الحربيين . فحجتنا به قائمة لا يوهنها اعتراض متعسف

متكلف لما لا يصح , ولا يرد علي كلامنا شئ منه ولله الحمد علي ذلك .

الأعتراض الثامن قوله : ووقع فيه نقل عن الانجاد في فداء أبناء الكفار علي دين

ابائهم كانوا معهم أو لم يكونوا . ثم قال : وهذه مسألة خلاف قد حررها

القاضي " ابو الوليد ابن رشد " في ( البيان والتحصيل ) , وذكر فيها ستة أقوال .

فانطر الي هذه الحيرة المنكرة والمعاندة بما لا يوجب حكما ولا يدل علي معني .

وهل يناقص ما نقلناه نحن عن صاحب ( الأنجاد ) من جواز فداء أبناء الكفار

الذين لم يبلغوا وان المشهور من مذهب مالك تركهم علي دين ابائهم ما ذكره

هذا المتعسف من أن المسألة مسألة خلاف , وابن رشد قد حررها وذكر فيها ستة

أقوال وهل ذلك الا عاضد لما حكيناه عن صاحب ( الأنجاد ) وموافق له فان

نصه علي المشهور يفصح بأن ثم قولا غير مشهور , فلا شك أنها عنده مسألة

خلاف . وانما كان يناقض ما نقلناه بأن يحكي انها مسألة اجماع أو ان المشهور

لكن المقصود من ذلك ههنا أن يقال : إذا اختلفت الأولياء في التزويج وانتقاء الأزواج ، فعقد أحدهم وكان الأبعد من غير مشورة الأقعد وقلنا : يتعقب هذا العقد ، فقد اختلفت العلماء في الناظر فيه والمتعقب له على قولين : أحدهما أنه السلطان ، والثاني : أنه الولي ، وقال صاحب كتاب المنهاج في شرح مشكلات المدونة من قال من العلماء إن تعقب ما عقد الأبعد مع وجود الأقعد هو لمعنى قال المتعقب هو السلطان ، إذ هو الذي كلفه الشرع الكشف عن الأسرار وإزالة الأضرار . ومن قال منهم هو لغير معنى ، قال المتعقب هو الولي ، ثم قال ودليل هذا القول الثاني هو ما وقع لمالك في النكاح الأول في المدونة من قوله في امرأة ذات شرف ودين تزوجها رجل من قريش ذو شرف ودين بغير إذن وليها ، إن شاء أجاز وإن شاء رد ، وهذا رد وهذا ظاهر في أن للولي رد فعلها وإن لم تضع نفسها في دناءة ولا فيما تلحقها فيه معرة انتهى بالمعنى .

وسئل الأستاذ المذكور عمن تكلم مع زوجه وقال إن أعطيتني كذا وكذا طلقتك فأعطته إياه وقبضه وطلبا من يشهد عليهما بذلك فلم يجدا من يشهد ثم بدا لهما في ذلك.

فأجاب: الواجب في ذلك أن يحلف الزوج يمينا بالله أنه ما قصد فعل إيقاع الطلاق على زوجه فلانة ولا اعتقد أنها طالق منه بذلك. فهذا الذي وقع من الحكم في الرواية فيمن فعل فعلا يقتضي الطلاق وزعم أنه لم يقصده.

[من خالع زوجته بالتزام والدها مؤونة الحمل ثم مات الملتزم وماتت الأم]

وسئل عمن طلق زوجه طلقة خلعية وحضر والدها والتزم لها عنه مؤونة الحمل الظاهر بها منه إلى بلوغ الذكر والدخول بالأنثى في ماله وذمته. ثم مات الملتزم. ثم وضعت الحمل والدا ذكرا. ثم ماتت أمه وبقي الولد مع جدته للأم زوجة الملتزم. وترك الملتزم طرازا فكانت الجدة تقبض كراءه حتى تألف من ذلك جملة دنانير. وكان ترك دينا لزوجته جدة الولد من كالئ صداقها، ودينا أشهد لها به في مرضه الذي مات منه، وترك أولادا ذكورا وإناثا وقام الورثة وأثبتوا أن الابن المذكور لم يزل في حضانتها إلى تاريخ وفاتها، وأنها أنفقت عليه من ماله ولم تشهد أنها ترجع عليه، فأراد ورثة الجدة أخذ النفقة التي أنفقت، وأراد والد الابن أخذ نفقة الابن في بلوغه من تركة الملتزم.

فأجاب: الحكم في ذلك وجوب توقيف حظ من متروك الجد حين موته بقدر ما يظن أنه يفي بنفقة الولد من ذلك الوقت إلى بلوغه كما التزم في عقد الاختلاع. ويكون هذا الحظ الموقوف دينا على الجد من جملة ديونه الواجبة عليه، ويورث عنه السائر. ثم لما ماتت بنت الملتزم وهي أم الصبي كان الواجب أن ينظر إلى حظها في بالميراث في والدها جد الصبي من ذلك القدر الموقف فينظر (¬1) فيه حكم التوقيف. ويضاف إلى متروكها للميراث عنها من أصل

[182/4]

[183/4]

وسئل رحمه الله عن رجل توفي وترك أولادا وقدم رجلا على الأيتام ما عدا واحدا منهم فإنه غاب ولم يقع تقديم فباع المقدم على الأيتام الذين قدم عليهم أرضا كان تركها والدهم المتوفي، وبعد ذلك قام الأيتام على المبتاع بسبب أخيهم الغائب الذي لم يشمله التقديم معهم وأرادوا تمييز حظه وإيقافه فذكر المشتري أن الغائب توفي وقامت له بينة بذلك غير أن البينة لم تحقق وقت وفاته هل قبل بيع المقدم أو بعده فهل يحمل على أنه لم يمت إلا بعد البيع حتى يثبت أنه مات قبله أم لا؟ فإن قلتم إنه يحمل على الحياة وقت البيع فهل يلزمهم بيع المقدم فقط في حظ أخيهم المذكور إذا كان باع جميع الأرض ثم ورثوا حظه بعد ذلك أم لا يلزمهم ذلك؟ فإن قلتم إن ذلك

[179/5]

لا يلزمهم فهل للإخوة الشفعة في حظوظهم والأخ لم يثبت موته قبل البيع ولا بعده؟ بينوا لنا ذلك.

فأجاب: أكرمكم الله تعالى إذا كان الأمر على ما ذكرتموه كان القول قول المبتاع المذكور إن موت الغائب المذكور كان قبل بيع المقدم للأرض المذكورة فيكون البيع في نصيبه نافذا لأنه انتقل إليهم بالميراث وقد باعه عليهم المقدم، وإنما كان القول قول المبتاع لأن شراءه كان منعقدا منبرما فلا ينحل إلا بأمر لا شك فيه على مفهوم ما وقع في المدونة من كتاب الهبات فيمن حبس على ولد له كبير وحاز الحبس ثم قيم على الأب بدين لا يدري هل كان قبل الحبس أو بعده أن الحبس نافذ على مفهوم المدونة المذكور، وهو نص في غيرها، وإنما كان الحبس نافذا في المسألة لأنه انعقد وتم بالحوز وإنما أبطله في المدونة إذا كان الولد صغيرا مراعاة لقول من قال إن الحبس من العقود الجائزة يرجع فيه صاحبه ما لم يحز عنه، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وبالله تعالى التوفيق.

[مسألة فيمن اشترى من زوجة ما صيره له زوجها

ثم أقر أن التصيير فاسد]

وسئل عن رجل اشتري جنانا من رجل وفي أسفل الجنان تخم (كذا) قد شق وفوقه أرض منحدرة لرجل قد ابتاعها من رجل، فتشاح الرجلان في التخم، فصاحب الأرض فوق التخم يقول: التخم لأرضي والمبتاع للجنان يقول: التخم لجناني، ولا بينة عدل لواحد، لأن الجنان قديم، وفي

[222/6]

الجنان شجرة قديمة قد شفت على التخم وصاحب الأرض يطلب قطعها لأنه يدعي ضررها في أرضه. ما الحكم في التخم وفي قطع الشجرة؟

فأجاب: الأمر يترك على حاله، ويرتفق كل واحد بما كان يرتفق به إن شاء الله.

[من كان الغالب على حاله الإنكار، فالقول لطالبه كالظالم المعروف بالظلم]

وسئل ابن الفخار عن نخاس باع دابة ثم أنكر.

فأجاب: يمتحن أمره، فإن كان الغالب على حاله إنكار الناس، كان القول قول طالبه مع يمينه، كالرجل الظالم المعروف ظلمه للناس، يطالبه بحق وذكر أنه ظلمه فقال أشهب: القول قول الطالب مع يمينه. وأرى أن يدفع من السوق، ويمنع من التجارة فيه وينادى في الناس أن لا يبايعوه.

[من ادعى على حناط نقص الوزن فالقول قوله مع يمينه]

وسئل عن حناط باع من رجل ثلاثة أرباع دقيق ونقده الثمن وقبض الدقيق، وأتى به إلى منزله ووزنه فنقصه ثلاثة أرطال، فقال البائع: دفعت إليه حقه.

فأجاب: القول قول المبتاع مع يمينه، لأنه ادعى العرف، لأن العرف في الحناطين أن ينقصوا الناس في الوزن وقد ذكرت في الثمانية.

[حكم من باع سلعة إلى أجل ولما لم يحضر المشتري باعها من آخر]

وسئل عن رجل باع سلعة إلى أجل فجاز الأجل ولم يأت المشتري فباعها إلى أجل من غيره، ثم قدم المشتري الأول يريد سلعته، فأنكر البائع أن يكون يعرف من ابتاع منه السلعة.

فأجاب: عليه بالسجن حتى يحضر من ابتاعها منه لأنه إن حضر ربما علم بابتياع الرجل، وإن لم يعلم حلف وحلف البائع لقد باع السلعة بكذا وكذا ويبتاع مثلها ويحلف عليها ويبرأ.

[223/6]

[الإنزال والتحديد في المبيع]

وسئل عن الإنزال في البيع.

فأجاب: الذي يتقلد محبكم بما قيل في بيع الأحباس ما هو المشهور من المذهب أن لا يباع الحبس بحال, سواء كان محبسا أصلا أو اشتري مما يوفر من مال الأحباس, وسواء كان كاملا أو بعضا, وقد أفتى ابن رشد رحمه الله فيما اشتري من مال الأحباس أن يباع إذا رأى ذلك القاضي وكذلك أفتى في ما لا منفعة له في الحال بجواز بيع القاضي له, وذكر ابن عات في طرره أن الأبعاض والأطراف(¬1) من الأحباس يجوز بيعها فانظره فإن اقتضى نظركم بيعه جاز, والله ولي التوفيق بفضله وكتب موسى بن محمد بن معطي لطف الله تعالى به.

[إذا كانت العادة أن السلطان يتسلف من الأحباس فالقول للناظر]

وسئل ولده الفقيه الحافظ أبو القاسم العبدوسي رحمه الله عن رجل كان صاحب حبس في بعض بلد المغرب وقدمه سلطان البلد على النظر في الحبس وعادة أمراء تلك البلدة التسلف من مال الحبس والتوسع فيه فتسلف, فهل يقبل قول صاحب الحبس مع يمينه أن السلطان تسلف ذلك المال جريا على عادة من تقدمه أم لا؟

فأجاب: إذا ثبت أن العادة كما ذكرتم فالقول قوله, وقد وقعت الرواية

[186/7] بهذا منصوصه بنحو ما ذكرنا وكتب مسلما عليكم أبو القاسم موسى العبدوسي, وممن نص عليه المازري وغيره وهو كالإجماع إذ ذاك في أمانته ولا يقول يلزمه ذلك إلا من له غرض باطل, او مداهنة في الشرع والأمر أشهر من ذلك لنتهى. وتقيد بعقبة ما نصه: الحمد الله يشهد من يتسمى عقب تاريخه من الشهداء بان الجواب المرسوم هذا بطرته الذي أوله: الحمد الله إذا ثبت أن العادة كما ذكرتم وآخره والأمر أشهر من ذلك هو جواب الشيخ الفقيه المعظم المدرس المحدث الرواية الحافظ الصدر المعتبر الأشهر الأطهر الأرفع الأفضل الأكمل أبو القاسم العبدوسي على السؤال المرسوم أعلاه الجواب بخط يده من غير شك لحقه في ذلك ولا ريب, وقيد بذلك شهادته في أواخر صفر عام أربعة وثلاثين وثمانمائة عرفنا الله خيره بمنه.

[

فأجاب : إذا لم يوجد المال ولا علم موضعه فمذهب مالك أنه يقضى بالمال دون ربحه من تركة الميت ، إلا أن يثبت البربح وفى الحكم عليه برأس المال نظر ، لاحتمال الضياع والخسارة . ولكنه المذهب ولا يلزم الورثة إعطاء شيء من ربح المال لهذا لأجل إعطائهم الأول إذ لا يلزم من تطوعهم لرجل تطوعهم لغيره .

قيل : ووقعت هذه المسألة فى مقارض أو مبضع معه مات بفاس أو بالأندلس فحكم ابن عرفه فيها بالمال وما تقدم له من الربح واحتج بمسألة وقعت لابن رشد في غلات ربح اليتيم فى الأسئلة له وأخرى فى اختصا الأسئلة أيضا لابن عبد الرفيع .

[من سافر بمال القراض بعلم ربه فضاع ]

وسئل أيضا عن مقارض بأربعين دينارا على أن يصل بها لتونس من سفاقس فوصل لتونس واشترى بها مع غيرها وجعل المتاع فى دار رب الأربعين ثم تيسر له السفر فى البر لقابس فسافر فيه ثم رجع فى البحر فأخذه العدو وجميع ما معه فطلب رب القراض ضمان الأربعين فقال علمت بسفرى لقابس لأجل ان المتاع كان عنده وأنكر علمه بسفره لقابس فأجاب : يستفهم رب المال عن علمه وقت خروجه بالمال لقابس فإن قال علمت بذلك ومكنه ولم ينكر عليه فهو إذن منه ورضى بالسفر به فلا

[204/8]

[205/8]

ضمان وإن أنكر علمه بذلك حلف على ذلك وأنه ما أذن للعامل فى ذلك وغرم العامل المال المذكور .

[الاختلاف هل قراض أم سلف ؟ ]

وفى كتاب محمد : إذا أقر أن لفلان مائة دينار قراضا وتلف قبل العم بها وقال ربها سلف فالقول قول المقر فأما إن عمل وحرك المال فالقول قول رب المال وروى ابن عبد الحكم أن القول قول العامل وأضنها رواية ابن وهب .

من دفع قراضا مركب على أن يحمل سلعة بغير كراء والربح بينهما .

فأجاب : القراض فاسد للزيادة المشترطة على العامل وله إجارة مثله فى عمله وكراء مركبه ولرب المال ربحه وخسارته

وسئل بعض فقهاء افريقية هل يصح ما ذكره الشيخ أبو إسحاق التونسي في كتاب المدبر في مشترى المدبرة تلد عنده من زوج ثم يعتقها أن ابن نافع وسحنون يمضي عتقها ويرق ولدها، قال أبوإسحاق وفيه نظر إلا أن يريد أنه

[199/9] يكون مدبرا كأمه، لأنه لو أعتقها مدبرها لم ينقض تدبير ولدها، وقول أبي إسحاق أيضا لم يذكر إذا علم المبتاع أنه مدبر شيئا وينبغي متى علم أن يكون البيع فاسدا هل يصح هذا الذي أشار إليه على أصولهم أم لا؟ وما أشار إليه أيضا من نصراني هلك وترك مسلما قيمته مائة دينار وخمرا قيمتها مائة دينار، ومائة دينار وولدين نصرانيين أنه يعتق المدبر عليها في قيمة الخمر، وما ذكره أيضا في كتاب الولاء في المكاتب يكاتب عبدا له فعجز الأعلى فأعتقه السيد بعد عجزه أن ولاء الأسفل للسيد قال أبوإسحاق وأحد الأقوال في المدبر يعتق عبده في مرض سيده ثم يصح سيده أن الولاء يرجع إلى المدبر ويلزم صاحب هذا القول أن يقول ذلك في المكاتب هل يصح الجمع بينهما، والكتابة قد سقطت والتدبير قائم؟ وما حجة من جعل الولاء يرجع إلى المدبر وما حجة من منعه؟ وما ذكره أيضا في هذا الكتاب أن ابن القاسم يقول فيمن أوصى له بشص ممن يعتق عليه إن قبله قوم عليه وإن لم يقبله عتق ذلك الشقص ولم يقوم عليه فيه هل يصح إنكاره على قول ابن القاسم أم لا؟ وقوله أيضا إذا أقر المشتري بعد ابتياعه العبد أن السيد أعتقه أنه يعتق عليه بلا خلاف، وإنما اختلف ابن القاسم وأشهب في إقراره قبل الشراء، فعند أشهب يراعى تماديه على إقراره قال فإن مات البائع ولا مال له، ثم مات المعتق عن مال لم يأخذ المشتري منه شيئا لأنه موروث بالولاء يقضى منه ما وجب على البائع من دين ويجعل للورثة ما أنكره منهم، قاله ابن القاسم فيمن استلحق ولدا ثم أنكره ثم مات الولد على مال فلا يأخذه المستلحق فإن مات صار المال لورثته وقضى منه دينه ولو قام غرماؤه وهو حي أخذوا ذلك.

لا يقال : إن العدل الكاتب لا يضع شهادة الشاهد في الرسم حتى لا يشك بأنها مطابقة لألفاظ الرسم ، فكيف يقال إنها شهادة مشكوك فيها ؟

لأنا نقول : قد تطرأ عليه حين سماع من الشاهد غفلة تمنعه استيفاء الفهم منه لسبب يوجبها فلا تكون مطابقة لألفاظ الرسم فتكون شهادة مشكوكا [171/10] فيها كغير العدل الناقل على سواه . ثم لو قدرنا عدم موانع استيفاء الفهم فللقاضي أن يكتفي من العامي بمطلق الأداء اعتمادا على عدالة الكاتب ونباهته ، لأن القاضي على هذا التقدير يكون معتمدا في أداء الشاهد في الرسم على تلقي الكاتب منه لا على تلقي نفسه منه . والمعتبر على ما لا يخفى إنما هو تلقيه بنفسه من الشاهد ، وإلا لم يكن الشاهد مؤديا عنده . وأما استفهام شهود الرسم المبرزين لا يجوز للقاضي أن يبيحه البتة ، إذ ليس الاستفهام عند المبرزين هو الأداء المعتبر ، بل الأداء المعتبر إنما يكون عند القاضي حسبما تقدم ، وإنما هو نقل شهادة . ولا يخفى على أحد أن القاضي لا يجوز له أن يرتب حكمه على هذه الشهادة ، إذ من شروط النقل تعذر أداء الأصل عند القاضي لمرض أو غيبة معتبرة . والأصل هنا حاضر ، والقاضي متمكن من استفهامه عما أبهم فيبطل اعتماده على استفهام المبرزين ، وليس ذلك نيابة عن القاضي كما يتخذ كاشفا في بعض الأمور فيرجع إليه فيما يقوله في الأمور التي أقامه لها ، إذ لو أراد ذلك وقدرنا جوازه لاتخذ لذلك شخصا معينا . والواقع إباحة الاستفهام عند عدل غير معين من المبرزين فكان نقلا فبطل اعتماد القاضي عليه حسبما تقدم .

قال ابن الحداد، راوي الحكاية: وذكرت في ذلك المجلس حديث الرسول: "من استطاع منكم" الحديث وجبنت عن إيراد ذلك عليه في المجلس وأحسبني ذاكرته في ذلك في غير ذلك المجلس فسلم الحديث وخرج ابن داوود من بغداد مشيعا لصاحب له قاصدا الحج وبلغ معه ذات عرق، وهو لا يستطيع فراقه، فلما لبى الناس بالحج سكت، فقيل له: ألا تلبي؟ فقال: لا أفعل لأني خرجت مشيعا لهذا

[177/11] قال ابن العربي وقد أخطأ: فإنه قد كان قضى حق التشييع فكان من حقه أن يقضي حق البلوغ إلى موضع الزيارة والكفارة، لأن هذا غير مناقض للعبادة، بل يسع معها، فإن الحاج إذا ذهب معه بتجارة يبتغي بها الفضل فعمل في كل من الحج والهجرة ولم يخل بمطلوب من مطلوبات حجه، فلا إشكال في صحة القصدين، لأن طلب الفضل مشروع، وعمل الحج مشروع ومثل ذلك في الهجرة فرارا من الإذاية بالنفس والأهل والمال. فإن الهجرة من أمكنة المعاصي مطلوبة عند العلماء، فإذا انضاف إلى ذلك خوف الإذاية صح القصد كما كان شأن إبراهيم وموسى عليهما السلام، بل شأن نبينا عليه السلام وأصحابه إذا هاجروا من مكة إلى المدينة وعدها لهم النبي صلى الله عليه وسلم هجرة إلى الله ورسوله، وإن انضاف إليها قصد آخر، لأن أحدهما لا يضاد الآخر. وقد يكون الإنسان وبما يكسل عن طاعة من الطاعات، فإذا اجتمع مع غيره سهلت عليه. فعمله ذلك بالاجتماع لا رياء فيه فإن حاصله التأسي بفعل الغير. لمثل هذا شرعت الصحبة لأن الصاحب الفاضل عون للإنسان على الخير، وهذا مما جبل الإنسان عليه بل هو في البهائم موجود. فقد قالت العرب العاشية تهيج الأبية، أي البهيمة التي تأبى من أكل العلف إذا رأت أخرى من جنسها تأكل أكلت بأكلها. فليس في هذا العمل شئ ما لم يقصده قصدا.

[مصاحبة النية في الأعمال الأخروية أعمالا دنيوية]

المعيار المعرب والجامع المغرب · الجزء ١ · الصفحة ٢١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المعيار المعرب والجامع المغربج ١ · ص ٢١٠