وسئل عمن تخرج إليه النساء الأجنبيات كامرأة أخيه وربائب أبيه, هل يقدح ذلك في إمامته وشهادته أم لا؟
فأجاب الخلوة بالأجنبية لا تجوز. ومن أصر عليها ولم يتب منها قدحت في شهادته وإمامته. أما الإمام تأتيه الأجنبية إلى منزله تسأله بمحضر زوجته أو بنته فيجيبها بما عنده وهو يكف بصره عن النظر إليها وسمعه عن سماع ما لا ضرورة في سماعه من حديثها فليس هذا بمذموم. وينبغي المباعدة بين أنفاس الرجال وانفاس النساء كما جاء في الحديث.
وأجاب أيضا: الإمام الذي يدخل اليهودي لداره وتخرج له زوجته وأولاده خسيس عديم الغيرة, تجب عليه التوبة منه والانتهاء عنه.
[تأخر الإمام الراتب إلى آخر الوقت]
وسئل عن إمام راتب يجيء أحيانا آخر الوقت ويجد الجماعة تنتظره, فهل له أن يصلي بهم بلا أذان أم لا؟
فأجاب الجواب أن أيمة مساجد الجماعة ينبغي لهم ويتأكد عليهم المحافظة على تقديم الصلوات في اوائل الأوقات, إلا الظهر فالمستحب تأخيرها إلى ربع القامة بعد ظل الزوال. والصلاة في أول وقتها رضوان الله وأحب العمل إلي الله, فكيف يترك المؤمن الحريص على الأجر الشديد الرغبة
[160/1] في الخير رضوان الله وأحب العمل إلى الله إلى ما ليس في درجته, ولا يدانيه في منزلته. فإن شغله شغل أو غلبه نسيان يوما ما فجاء فخاف إن أذن خرج الوقت, ترك الآذان لأنه سنة والصلاة فريضة, ثم يعقد عزمه على أن لا يعود لمثل ذلك, وعلى أن الوقت إذا حضر ترك للصلاة كل شغل. وإذا كان الإمام يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت فينبغي للجماعة أن يقدموا غيره ليصلي بهم في أوله. وصلاة المصلى في أول الوقت فذا أفضل من الصلاة في آخره مع الجماعة.
[إمامة المتصوف الذي يضرب الكف ويرقص]
به من الفقهاء ونطر من اختاره رأه مصلحة للمسلمين من الملوك الذين جعل
لهم النطر في ذلك أقرب الي الحق وانسب الي العلم من الاستشهاد بعمل
قاض واحد , ومدينة واحده , لكنه من ينكث علي مالك رضي الله عنه وعلي
أصحابه بأنهم انفردوا بقولهم ان اجماع أهل المدينة حجة كيف يلتفت الي
استشهادنا بعمل أهل الاندلس في قضيه جائزة لبفقه . فالأولي بنا ان نجري
معه في ميدان التنديد والتشنيع . ونكل له بضاعة من التوبيخ والتقريع , ونقول
له ايها الناقد البصير , والجهيذ النحرير , هبك لم تسمع قول الشاعر
[196/2]
[197/2]
لاتنه عن خلق وتاني مثله عار عليك اذا فعلت عطيم
وأبدأ بنفسك فانههاعن غيها فان أنتهت عنه فأنت حكيم
فهناك يقبل ان وعطت ويفتدي بالقول منك وينفع التعليم
ولا فهمت قول النبي صلي الله عليه وسلم : يبصر أحدكم القذي في
عين أخيه ويدع الجزع في عينيه , ماتصنع بقول الله تعالي (أتامرون
الناس بالبر وتنسون أنفسكم وانتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون ) زعمت أن
هذا الذي قلت به من منع الفداء في الكبار والصغار من أساري الكفار هو
رأي جميع الطلبة من أهل العلم بحضرة قرناطة , ونحن نعلم أنهم يكتبون
عقود افتكاك أساري النصاري رجالا ونساء وصغارا فرسانا ورجالا
لا يمنعون من ذلك أصلا ولا يتوقفون في شيء منه , ولم يزل في القديم
والحديث وحتي الأن ترد علينا العقود بذلك بخطوطهم وخطوط أسلافهم
وعلمائهم وشيوخهم واهل الفتوي منهم , مثيتة بشهادتهم عليها خطاب قضاتهم , ويرد
عليهم أيضا العقود بذلك مخاطبة من سائر البلاد , فيقبل قضاتهم خطابها
ويحكمون بمقتضاها ويسجلها الطلبة عليهم , ولم يمتنع أحد منهم من شيء من
ذلك ولا حفط عنهم توقف فيه ولا أنكار له , فكيف يفعلون ما هو عندهم
حرام لا يجوز ويفتنون بخلافه . ومن يفعل مثل هذا فكيف تجوز فتواه أو يحل
لأحد تقليده في أمر ديني . ومن أعجب ما في هذه القضية وأشنعة نسبة
=فأجاب : الذي يظهر لي في هذه القضية ؛ أن الزوج يلزمه الطلاق ونصف الصداق ، فإن المنقول عن ابن القاسم في رجل تزوج امرأة وتأخر حضور الولي ، فلما كان بعد ذلك قبل أن يحضر الولي أن الطلاق يلزمه ؛ لأن النكاح انعقد بين الزوجين على أن يكون ، فلم يتعلق فساد بالنكاح ، فلا ينحل إلا بطلاق . قال أبو الحسن اللخمي : وحيث يلزمه الطلاق ، يلزمه الصداق ، وأيضا فإن حل هذا النكاح كان من سبب الزوج ، فيؤخذ بالصداق ، وكذلك قضية هذا الرجل مبنية أولا على حضور الولي ، ولما امتنع من تخليص القضية ، كان حلها من فعله ، فيلزمه نصف الصداق ، كما يلزمه الطلاق .
[من مات عن ابن له صغير قام عليه ناس بديون استغرقت تركته]
*وسئل : عن الذي مات عن ابن له صغير قام عليه ناس بديون استغرقت[170/3]التركة ، من جملتها : صداق ورثة الابن المذكور عن أمه هو من قبل والده المتوفى المذكور .
=فأجاب : لا شك أن يمين القضاء منظورة من الابن الصغير ؛ لأنها بمنزلة يمين الغائب البعيد الغيبة إذا قام وكيله بحق على غريم ، فادعى الدفع لرب الحق ، فإن الوكيل يحلف ما علم بقبض موكله ويقضي له ، فإن حضر الموكل حلف واستحق القبض ، فإن نكل يحلف المطلوب ويسترد ما قبضه وكيله ، فيحلف حينئذ أو يرد ، فقضية هذا الصغير من هذا القبيل ، فإنه بمنزلة الغائب البعيد الغيبة ، بل هو أعذر من الغائب ، فإن الغائب كان يمكنه أن يحلف وحينئذ يوكل على طالب حقه ، والصغير لا قدرة له على اليمين حتى يكبر ، ثم إن الصغير هذا لابد أن يتقدم من قبلكم من يطلب حقه في تركة والده بسبب هذا الصداق المتخلف عن أمه وسب الأعذار في الديون المقدم بها على تركة والده ، فهذا المقدم يحلف أنه لا يعلم براءة الوالد المذكور من ذلك الصداق بوجه ، ويدفع له حق الابن المذكور ، هذا أعظم ما يلزم في ذهه القضية ، والله تعالى هو الموفق بمنه .
[وصية عقدت على محجورتها نكاحا من غير مشاورة المشرف]
لم يكن زمنه طلاق بائن بغير خلع إلا بالثلاث. أما حين حدث في هذه الأزمنة المتأخرة الطلاق البائن للزوجة تحرم على زوجها، فإذا حرمها بعد الدخول وقال نويت طلقة بائنة فالحق أن يسمع منه قوله، ويكون في هذه الأزمنة حكم المدخول بها وغير املدخول بها واحدا في أنه ينوى، إذا المعنى الذي قال مالك ينوى في غير المدخول موجود في المدخول بها في هذه الأزمنة المتأخرة، فيتحد الحكم وتقبل منه نيته. وبهذا كان يفتي من تقدم من محققي الأشياخ، ويترجح هذا المأخذ من رواية ابن خويز منداد عن مالك أن التحريم طلقة واحدة بائنة، واختار مقتضي هذه الرواية القاضي الحافظ أبو بكر بن العربي رحمه الله، فقال عند ذكر الاختلاف في هذه المسألة: الصحيح أنها طلقة واحدة لأنه لو ذكر الطلاق لكان أقله وهو الواحد، إلا أن يعدده، كذلك إذا ذكر التحريم فيكون أقله إلا أن يقيده بالكثرة. مثل أن يقول أنت علي حرام إلا بعد زوج، فهذا نص على المراد انتهى كلامه. فإذا انضاف إلى ما صححه القاضي أن المحرم نوى الواحدة، فلا خفاء في صحة إلزامه ما نوى من غير زيادة. فعلى هذا يكون العمل إن شاء الله. والسلام على من يقف على هذا من محمد الحفار.
[من تطلق عليه الزوجة التي تزوجها بعد اليمين]
وسئل عن مسألة الذي تطلق عليه الزوجة التي تزوجها بعد اليمين أم لا؟
فأجاب: المعمول به في ذلك أن ينظر إلى يوم الحلف، فإن كان ذلك تزوج زوجة ثم حلف وقد تزوج أخرى فإنها تطلق عليه من كان في عصمته يوم الحف، ولا معتبر بحاله يوم الحنث. هذا الذي تتضمنه قواعد الفقه. فمن كان غير متزوج فحلف باللازمة أو طلاق، ثم تزوج بعد يمينه ثم حنث فلا شيء عليه في هذه الزوجة، لأنه يوم الحلف لم تكن في عصمته زوجة. فلا يلزمه طلاق في زوجته الآن، وكذلك إن كان متزوجا فحلف ثم ماتت
[176/4]
[177/4]
فأجاب: أكرمكم الله الظاهر من سؤالكم أن المقدم المذكور باع الملك المذكور وقبض ثمنه للغرماء المذكورين قبل يمي القضاء، فإن كان كذلك فبيعه ذلك وقضاؤه مردود لأن الغرماء لا يثبت دينهم إلا بعد يمين القضاء ولا يتم الحكم إلا بها فينزع الملك من يد مشتريه ويعاد إلى يد الصبي ثم يقوم فيه الغرماء بديونهم فإن أثبتوها وحلفوا بيمين القضاء استوجبوا بيع الملك المذكور وقبض ثمنه ولا ينتفع الصبي بدعوى أمه أن زوجها كان فوت لها وأنها هي خرجت عنه لولدها إلا أن يكون على أصل ذلك بينة، وكذلك إن لم يثبت الدين إلا بقول المقدم فلابد من نقض البيع حتى يعذر فيه أعني المقدم المذكور إلى الصبي فإنه شاهد ولا يلزمه إقراره لوجهين أحدهما خروجه من الولاية والثاني لأن إقرار من يلي اليتيم لا يلزم إلا فيما ولي فيه المعاملة مثل بعت واشتريت وما أقر فيه على الميت فهو فيه شاهد وبالله تعالى التوفيق.
[شاهد العرف بالمظالم بين أهل الظلم هل يكون كالناطق فيحلف معه أم لا؟]
وسئل رحمه الله عن شاهد العرف بالمظالم الجارية بين أهل الظلم والجور والقهر والغلبة في أخذهم أحدا من الناس ثم يدعي أنهم أغرموا مالا ولا شاهد على ذلك فهل يكون شاهد العرف بذلك كالناطق فإن من أخذوه لا يخرج من أيديهم على غير شيء شاهد له بما يدعيه أم لا؟ فإن قلتم بأنه كالناطق فهل بيمين أو بغير يمين؟ وإذا قلتم بالغرم هل يرجع المأخوذ على من شكاه إلى الظالم أو إنما يرجع على الظالم المتولي للأخذ؟ بين لنا ذلك بيانا شافيا.
فأجاب: أكرمكم الله تعالى إذا تقرر العرف في ولاة الظلم وأجنادهم بقيم المال ممن أخذوه ظلما وقبضوا عليه كان القول قول المأخوذ منه فيما غرمه من المال إن نازعه في ذلك الآخذ له ويحلف المأخوذ لأن العرف شاهد لمدعيه ويقوم في ذلك مقام الشاهد الناطق على ما وقع في أكثر المواضع، ويجب
[174/5]
وإذا لم يثبت علم أبي سعيد بما ذكرنا بقي لفظ الوكالة عاما يشمل الباني وغيره مع أن بيع ذلك من الباني دون غيره فيه تحجير على المسلمين وبخس لأملاكهم، فإنه إذا علم الباقون أنه لا تباع إلا منهم، لم يعطوا في القاعة إلا بخسا من الثمن، ومع أن الشهادة بما ذكر من العادة باطل، لأنه إنما تصح الشهادة بذلك لو وقع ذلك كثيرا قبل خرق السياج في بيعها ممن يريد شراءها من غير البانيين لها، فيمنع من ذلك، ويقال له: لا تبعها ممن بنى بها ويتكرر ذلك كثيرا حتى يحصل به العلم للشاهد. وبيع قاعات الجزاء لم تجر العادة ببيعها إلا نادرا بالوسائل، قضاء لحاجة لأجل احتياج بيت المال لبيعها. فكيف يشهدها هؤلاء في أمر نادر لا يفيد إلا ظنا بل شكا أو وهما على القطع؟ ستكتب شهادتهم ويسألون. ومن علم أحوال البلد في ذلك قطع بخطاهم ووهمهم لرد الحس والمشاهدة عليهم وتكذيبهم في ذلك.
وأيضا فعلى تقدير صحة هذه العادة فيقال لهم: إنما جرت العادة بذلك حين كان بيت المال غينا عن بيعها عموما. وقد احتاج حين توكيله إلى بيعها
[216/6]
وانخرق السياج في بيعها وبيع غيرها، فوجب أن تكون وكالة عامة فيها وفي غيرها على تقدير علم أبي سعيد بالعادة التي ذكرتم، مع أن بيد خصم المستظهر براءة بخط الحاجب اللباي تتضمن الإنكار على من قال إن الوكالة قاصرة على ما ذكر، وأنها عامة فيا باع الوكيل المذكور وغيره، ولا شك أنه كان وكيلا مفوضا إليه في جميع أمور المسلمين، وذلك منه كالأخبار عن أبي سعيد أن إمضاء ما فعله وكيله أولا كالإنشاء لتوكيله. وهذا يعضد ما قلناه أولا. وإن كانت الحجة لا تستقل به، لكنه عقد وتقوية لما قلناه.
180/7] والخدمة, وكان إمامنا رحمه الله يقف على الجواب في أرض المنستير ومغارستها ومحرثها لأجل هذا الذي أشار إليه سحنون رحمه الله, ولأجل غير ذلك من العلل, فإذا جرى الأمر على أن يسلم للفقير بقدر كفايته على حسب ما شرطناه فيه, فإن الزائد على ما ألفيناه للفقير وكل ما بيد الغني من هذا على الوجه الذي وصفنا ينظر فيه, فإن قدر على نزعه من يده وإعطائه إلى فقير لا شيء في يده مما يقصد للرباط ويستعين بما يعطى عليه ولا يمكنه السكنى والقرار إلا بما يعطى من هذا فإنه يسلم إلى
(
198/8]فأجاب ابن عتاب: لها سياقتها، فإن كان باع زوجها النصف الباقي على ملكه أو أقل منه كان لها الأخذ بالشفعة إن كانت لم تعلم بالبيع، وإن علمت فلا شفعة لها لطول المدة، وتكون الأملاك مشتركة بينها وبين المبتاع بالنصف. وإن كان ابتاع منه أقل من النصف فالزوج أيضا شريكهما بقدر ما بقي. وإن كان باع أكثر من النصف وثبت أن المرأة علمت بذلك مثل أن يبيع ثلاثة أرباع الأملاك فهو رضى منها ببيع حصتها، فيكون لها من الثمن ثلثه ويبقى لها نصف سياقتها وهو ربع الأملاك، وإن لم يثبت أنها علمت حلفت أنها ما علمت ببيعه ولا رضيت به بعد علمها ولا أذنت ولا أنكرت(¬1) سقط قيامها وطلبت الزوج بالثمن الذي باع به. وما اغتله الزوج من السياقة فعليه غرمه للزوجة وما ابتاعه من عرض أو غيره بما اغتلته فلا شيء للزوجة فيه.
وأجاب ابن القطان: البيع شائع في الجميع وليس للمرأة إلا نصف ثمن المبيع إذا لم يكن لها عذر يمنعها من القيام المدة المذكورة، وما تجربه الزوج مما اغتله فالربح له إذا فعل ذلك لنفسه، وعليه لها ما اغتل من حصتها.
ابن سهل في بعض ألفاظه جواب اعتراض، وأصل جوابهما في هذه المسألة ما وقع في المختلطة فيمن ابتاع عبدا فباع نصفه من يومه ثم استحق رجل ربع جميع العبد، قال ابن القاسم الربع شائع في جميع العبد ويأخذ المستحق الربع من البائع والمبتاع، ويرجع المبتاع على بائع النصف منه بقدر ما استحق من ذمته من العبد إن شاء أو يرد إن شاء. وجواب ابن القطان مبني على هذا. وقال سحنون هذا خطأ، ولا استحقاق إلا على ما بقي بيد البائع دون ما باع، وعلى هذا أجد جواب ابن عتاب في مسألة السياقة وهو الصواب فيها. وأما مسألة العبد فالصواب فيها قول ابن القاسم أن الاستحقاق شائع في الجميع لأن البائع فيه غير متعد في الجميع لأنه باع ما يملكه ثم طرأ
[198/8]
[
194/9] جميعها أو لا ففي جميعها، قلت لا يلزم من جعل ابن القاسم قبض الأوائل ليس قبضا للأواخر في فسخ الدين لاشتماله على مفسدة الربا إذ هو ربا الجاهلية أو من رباها أن يطرد ذلك في كل ما يتبخر قبض أوله دون آخره، فيمتنع ولو لم يشتمل على مفسدة الربا كهذه الأشياء التي مثلنا بها في مورد البحث والسؤال ألا تره يقول بجواز جعل منافع العين رأس مال سلم لأن اللازم على جعلها رأس مال السلم ابتداء الدين بالدين وهو أخف حسبما رتبه الشيخ أبوالقاسم بن محرز رحمه الله في ذلك، فإذا أجاز ذلك وألزمه فيه مع منعه اشتراط تأخير رأس مال السلم فوق ثلاثة وجعل قبض أوائل السكنى فيه قبضا لأواخره فلأن يجوز ذلك في فرض نازلتنا أو ما كان في من نمطها ويلزم بقيته بعد موت المعمر أو فلسه مع انتفاء المانع الربوي المذكور آنفا أحرى وأولى وأيضا ضمان منافع العين المفسوخ فيها الدين إنما هو ممن عليه الدين إذ على ملكه نتقاضى بدليل ما لو تهدمت الدار وهلكت الدابة أو مات العبد قبل الاستيفاء ولا كذلك في مسألتنا إذ المنافع على ملك المعمر ومصيبتها منه، وأيضا لو لم يجعل قبض الأوائل هنا قبضا للأواخر، بقبض محل المنفعة، وهي الأصول والرقاب لبطلت الهبة فيهما أو بعضهما بموت معطيها وموجبها أو فلسه قبل استيفائها في صحته وقيام وجهه، وذلك ما لا سبيل إليه إذ لا يستطاع أكثر من ذلك ولا كذلك تصييرها عن دين لقدرة صاحبها على بيعها أو بيع محلها لتأدية ما عليه، ألا ترى أن تجويز الاستحقاق لا يمنع من صحة البيع بالإجماع وإن كان فيه غرر لأنه من الغرر الذي لا قدرة على رفعه إلا بسد باب البيع والشراء بالكلية، وهو من الضرر بالناس والحرج بحيث لا يخفي على أحد.
وأجاب ابن أبي عرجون بأنه إذا استراب الشهود من البشر الذي وصفته في جميع فصول العقد ولم يحقق عنه ما يوجب حكما بطل كله . وكذلك إن غابوا أو ماتوا قبل أن يستكشفوا . والبشر أشد من المحو عند بعضهم وأكبر ريبة . قال محمد بن عياض : هذا جواب حسن معرب عن صدق صاحبه . وأما قول الثاني في جوابه ما يبطل العقد أو لا يبطله فمراده والله أعلم أن لا يصح أن [167/10] يكون في موضع البشر غير ما كتب عليه . وفي أحكام ابن زياد : فهمنا وفقك الله الصداق الذي فيه جل سطر ممحو وكتب فيه ذكر الرحيل عن قرطبة أو عن موضع من المواضع ، فرأينا الكتاب كله يصح غير الشرط فإنه يسقط إذا محي إلا أن تثبته البينة ، فإن لم تشهد عليه حلف الزوج بالله ما أعرف هذا الشرط ولا شرطته على نفسي لزوجتي . فإذا حلف سافر بزوجته حيث يشاء . قاله محمد بن لبابة وابن وليد . ومن العتبية : روى أشهب عن مالك فيمن قام بصك على ميت فيه كذا وكذا صاع عجوة ، وعلى موضع العجوة محو ولم يشهد على الصك إلا كاتبه فعرف ما فيه إلا العجوة فإنه ليس بكتابه وقد محي فلا يدري أعجوة هو أم لا ؟
قال مالك : أنتم لا تختلفون في غير العجوة فأرى أن يحلف مع شاهده أنه عجوة وأن هذا الحق له ويعطاه . وقال بعض الموثقين : إذا كان المحو أو اللحق في اسم من أسماء الله تعالى أو اسم نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أو غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لم يعتذر منه قطعت الكتاب واستأنفت غيره إجلالا له . قال ابن عياض : ما قاله صحيح ، إذ لا يصح الاعتذار عن ذلك لقبح النطق به ولا يصوب تركه دون اعتذار تسامحا ، وإن لم يعتذر معنى وترك التسامح في هذا أحوط وأرفع للإشكال ، فرب يسير محو أو بشر أو لحق أخل بالعقد ، وربما أدى إلى بطلانه وهذا فصل ينبغي للكاتب أن يتحفظ منه ، والله يعصم .
فأجاب: إذا جهل معناها الظاهر، فلا يجوز أن يستشفى بها فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الرقا قال: "اعرضوا علي رقاكم" فلما عرضوها قال: "لا أرى بأسا من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل" وإنما أمر بعرضها لأن من الرقا ما يكون كفرا.
[ينهي عن تعلم ما يعرف بعلم جلب الجان]
وسئل أبو محمد عن رجل يعرف بعلم، وعنده كتب فيها جلب الجان وأموالهم والعفاريت ويعزم بصرع المصروع ويزجر مردة الجن، ويحل من عقد عن امرأته، ويكتب كتاب عطف الرجل لامرأته، ويزعم أنه يقتل الجن أترى بهذا بأسا إذا كان لا يؤذي أحد؟ أو ينهاه بدءا أن لا يتعلمه أحد.
فأجاب: إذا كان لا يقتل أحدا ولا يصرع بريا فلا شئ عليه وينهى عن ذلك بدءا أن يتعلمه.
[ما يكتب لتمتين العلاقة الزوجية]
وسئل عمن يكتب كتاب عطف للمراة إذا أعرض عنها زوجها أو خاصمها فكتب لها ذلك فيغفل عنها أو يكف شره عنها هل ترى بذلك بأسا؟
فأجاب: أما بين الزوجين فأرجوا أن يكون خفيفا إذا كتب القرآن وغيره مما لا يستنكر ولا يشطط في جعله.
[هل يعتبر أصحاب الألعاب البهلوانية سحرة؟]
وسئل عن هؤلاء الذين يجلسون في الطرقات، ولهم ملاعب يظهرون للناس أنهم يقطعون رأس الإنسان، ثم يدعونه فيجيبهم حينا ويجعلون من التراب دراهم ودنانير، ويقطعون السلسلة فهل تراهم بهذا الفعل سحرة؟
[172/11] فأجاب: إن لم يكن فيها كفر فلا شيء عليه وهذا إنما خفة يد ملاعب.