152/1] كان يصلي بصلاة عليه السلام في مرضه والناس يصلون بصلاة أبي بكر. ثم قال وأما لغير ضرورة فالقياس بطلان صلاة المسمع دون من اقتدى به انتهى. والذي يظهر في صحته أن فعله مع الضرورة متأكد حفظا لصلاة الناس ولا يحسن أن يقتدي بعضهم ببعض ويؤدي ذلك في الجماعة العظيمة جدا إلى فساد نظم الصلاة. وقد كان ابن عبد الحكم يأمر به المؤذنين لهذه المصلحة, ولا ينبغي فعله من غير حاجة إليه, ولا إشكال حينئذ في كونه منهيا عن الإقدام عليه ابتداء ويبقى النظر إذا وقع من غير ضرورة في صحة الصلاة. فأما المأمومون إذا كانوا يسمعون صوت الإمام فلا كلام في صحة صلاتهم, لأن اقتدائهم حينئذ بصلاة إمامهم. وأما المسمع فالصواب صحة صلاته, لأن الفقهاء قالوا إن الذكر إذا كان في محله من الصلاة وجهر به المصلي قاصدا للتفهم فإنه مغتفر, وكذلك القراءة في محلها كاتفاق أدخلوها بسلام آمنين عند من استأذن من أراد الدخول, قالوا لأن التفهيم هنا في حكم التبع. ومسألتنا من هذا القبيل. وإذا كان الذكر لم يتفق للمصلي في صلاته وإنما استعمله لمجرد التفهيم فالصحيح عند العلماء والمعتمد أن الصلاة لا تبطل بذلك. وقد قال ابن حبيب: ما جاز للرجل أن يتكلم به في صلاته من الذكر والقراءة فيجوز أن يراجع بذلك رجلا أو يوفقه. وقد استأذن رجل ابن مسعود وهو في الصلاة فقال: أدخلوا مصر إن شاء الله آمنين. فهذا ما ظهر لي في المسألة والله المستعان.
قال ابن رشد في البيان بعد ما حكى اختلاف ابن القاسم وأشهب في ذكر الله وقراءة القرآن إذا رفع المصلي بذلك صوته لأبناء رجل, ثم قال, وانظر في تكبير المكبر في الجوامع هل يدخله هذا الخلاف أم لا؟ والأظهر أنه لا يدخله, لأنه مما يختص باصلاح الصلاة. ويشهد له حديث صلاة الناس بصلاة أبي بكر خلف النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه, فنفى دخول الخلاف وذلك عند الحاجة إليه انتهى.
ال1ي يعلم ما في القلوب غير الله تعالي . وهل بمكن أحدا من الناس أن يعلم
ما كان في قلب ذلك العلج قبل الأفتكاك أو بعده. ولو أمكن اطلاعنا علي
ذلك بنوع من الأنواع لما حكمنا عليه الا بطاهرة , اذ البواطن انما يحكم
بحسب مقتضاها علام الغيوب . واما البشر فلم يكلفهم ذلك ولا أمرهم به ,
وليس يمكن احدا من الناس الاطلاع علي ماكان يعتقده ذلك العلج الا بما
يخبرنا به بلفطه ويفصح عنه لسانه , وذلك يحتمل الصدق ولاكذب , فاقراره
بذلك الان لا يفيد شيئا في أبطال حق سيده أو غيره من البشر , ولا يقول به
أحد من أهل العلم . وعي تسليم تصديقه فيما يقوله ان من انه كان قد
اعتقد الاسلام بقلبه قبل عقد الافتكاك لا يفيد بذلك شيئا فانه قد اعترف
بالكفر حين عقد الأفتكاك وشهد بذلك عليه العدول , ولا شك ان أقراره
بلسانه عمل علي مل أعتقد بقلبه ولم يفصح به لسانه , علي أنه لم يقل ذلك
ولا أقر بانه أعتقد شيئا قط منه , فهذا الأستدراك وجميع ما وقع فيه من الخطأ
وألتوهم الباطل لغو لا معني تحته ولا فائدة في ايرادة الله الموفق للصواب.
ولما اتي بهذا الأستدراك الغريب الذي أخترعه أراد أن يردفه بنطيره
[190/2]
[191/2]
ويشفعه بمثله بأن المملوك صغير والصغير لا يجوز فداؤه , فاستدرج
لذلك بان قال فأن قال قائل هذا المملوك مراهق معه حكم يخصه , ولعل
فداءه جائز عند القائلين بمنع فداء غيره , وقد كان قبل ذلك الحق المراهق
بالكبير وحكم له بحكمه وقطع بذلم وأحتج عليه , لكنه لما أراد أن يشعر بأن
هذا المفتك صغير جعل ذلك المراهق ذريعة لذلك , فأورده هذا السؤال وأخذ
يذكر المراهق وينطر هل له أحكام تخصه ويشير الي العلامات التي تدل
علي البلوغ من الانبات وغيره .
يمنع فداء الأسير الصغير طمعا في اسلامه .
ثم قال . وأما ان كان العلج لم يراهق ولا انبت فحكمه حكم الصغير ,
وهو منع الفداء اتفاقا , اذا لم نجد في المذهب من يقول بجولزه , والذي يقال
=فأجاب : ذكرت في سؤالك هذا ، أن الأمر تم على جميل ، وبعد ذلك سأله أن يكتب له مائة دينار مهرا ، ولعلك أردت أن الأمر الذي تم على جميل هو الرجوع إلى الإركان إلى عقد النكاح على الوصف الأول من أن يكون المهر خمسون مثل النقد ، تراضوا على ذلك ولم يعقدوا عقدة النكاح لأمر يريدونه ، وقد بينوا أنهم قد عقدوا من الرضا على ما لا يحتاج إلى معاودة ، ثم وقفت المسألة في رفع المهر على مائة دينار ، فتوقف والد الزوج وحلف على ذلك ولم يصف يمينه على أي وجه وقعت ، وهل بقي يطلب بالرضا والإركان الذي تم أمره على جميل ، لكنك ذكرت أن كانت بعد ذلك خطبة على يد[163/3]قاضي البلد ، دل آخر ما ذكرت منها على أنها إنما كانت من أجل هذا الخاطب الأول ، ولم يصف أن الخطبة انصرمت ولا وصفت ما يدل على انصرامها ، وفيما وصفت أن القاضي احتج على أب الصبية اعترف عنده أن الصبية أمرها موقوف لهذا الخاطب ، فأجابه إلى ما أراد وقال له : أصلح لي أمر أولادي والأمر تام على ما تحبه ، ففارقه على ذلك ، فهذا الذي وصفت لي ثبت وصح أنه على ما دل عليه هذا الكلام رضي ، وأركان كله ، وأنه مربوط بالأمر الذي وصفت أنه تم على جميل ، وأن يمين الخاطب إنما كانت على أنه لا يجيب إلى تمام المائة ، إذ قد تم الرضا بالمهر أنه خمسون دينارا ، فليس في يمينه نقض ذلك الرضا ، إلا أن يتبين ما نحله بيانا لا إشكال فيه ، واستثناء أب الصبية على القاضي أمر ابنته في مثل هذا ، لا يخرجه من إركان قد تم ، ورضا قد وقف أمر الصبية على إيجازه حسبما وصف الإركان ، فإن ثبت أن عقدهم للأجنبي وقع بعد الإركان الذي لم يجب ، والأجنبي الذي عقد له عالم ليس عنده فيه شبهة ، فقد تزوج من نهاه النبي صلى الله عليه وسلم عنها أن يخطبها على خطبة أخيه قبل أن يترك الأول ويأذن له في الخطبة ، ومن فعل ذلك بثبت ويقين ، فقد ركب النهي ، وإن كان من بلدكم من أهل العلم فقد وقفوا على صحة هذا
السبب لوجوده. ومن النصوص الدالة على دفع نظره ما حكى الشيخ في النوادر من كتاب محمد من قوله: ومن أصلهم أنه إذا تزوج امرأة فأرضعت صبيا قبل دخوله بها أن ذلك الرضيع لا يكون ابنا له، وإن كانت صبية فهي ربيبة له انتهى. وأما المدونة فلا أعلم فيها ما يدفع نظره ولو بدلالة مرجوحة فأحرى بظاهرة، بل قيل فيها ما يدل بعمومه على أن الوالد المذكور يكون ابنا للرجل، لما كان بعيدا. وذلك قوله: وإن أرضعت ذات الزوج صبيا وهي ترضع أو بعد فصال ولدها وهي حامل أو درت عليه ولم تلد قط فالصبي ابن للزوج انتهى. فقوله أو درت عليه أعم من أن تكون مدخولا بها أم لا.
هذا إن كان هناك ما يدل على عموم هذا اللفظ كالشرط أو غيره، وإلا فمطلق المدونة كالعام على ما قيل. وإن لم يذكر الشيخ حين كتب هذا من النصوص غير نصها لم يكن توقف في المسألة، بحيث يحيل على النظر بعيدا. وسببه ما يقتضيه ظاهر إطلاقها وعمومها من نشر الحرم وما يقتضيه القياس من عدمه. ويحتمل أن يكون توقفه وما أشار إليه من النظر من حيث إن النص عدم نشر الحرمة مع اقتضاء إسناد الحكم إلى مظنة نشرها، كما اعتبره بعض العلماء في لحقوق النسب بمقتضى الزوجية، وإن علم أنهما لم يتلاقيا إلا أنه يبقى النزاع في اعتبار كون هذا مظنته.
[استشكال عبارة استثناء الفقهاء أربع نسوة مما يحرم من الرضاع]
وسئل رحمه الله عن إخوة اقتسموا أرضا وانعقد بينهم في ذلك عقد ذكر فيه وأخذ فلان بروا من بور كدية إلى جهة أرض أبي القاسم، وهو موسوم بالحجارة من أسفله إلى أعلاه، وأخذ فلان أعني أحد إخوته بقية البور المذكور ومات آخذ البور فقام الآن ابنه وادعى أن البور المذكور آخذ من أفل البور إلى أعلاه، واحتج بما في الوثيقة من قوله لما يلي أرض أبي القاسم وبقوله من أسفله إلى أعلاه فقال الضمير فيها عائد على البور وبعض البور المذكور الذي ادعاه الآن لما يلي أرض أبي القاسم هو الآن بيد عمه آخذ بقية البور المذكور، فزعم العم أن ما بيده من جملة ما صح في قسمته ورد حجة ابن أخيه في قوله لما يلي أرض أبي القاسم بأن قال له البور الذي كان لوالده هو كما ذكر في الوثيقة لما يلي أرض أبي القاسم ولا يلزم من هذا اللفظ أن يستطيل البور مع أرض أبي القاسم إلى أفل البور المذكور، والضمير في قوله من أسفله إلى أعلاه هو عائد على القدر دون البور، فهل يكون القدر المذكور من أسفل البور إلى أعلاه كما ادعاه وارث الأخ أم لا يكون منه إلا ما فضل عما بيد عمه مما ادعاه وباليد التي له فيه؟ وأشكل الأمر في ذلك، وهذا يا سيدي ما أمكن بيانه لكم فانظر ذلك وأجبنا بما تراه، والله يحفظكم ويديم عزكم وبقاءكم، والسلام عليكم يا سيدي ورحمة الله وبركاته.
فأجاب: أكرمكم الله تعالى إذا كان الأمر على ما ذكرتموه كان القول قول العم المذكور مع يمينه فيما بيده من البور المتنازع فيه بحيازته إياه إذا أشبه ذلك قسم الناس ولم يكن فيه غبن كثير، والضمير من أسفله ومن أعلاه عائد على القدر، والمجرور من ذلك متعلق بموسوم، فالضمير عائد على ما يتعلق به المجرور، ويبعد أن يتعلق أعني المجرور ببور على أنه صفة له أو حال منه فيبعد أن يعود عليه الضمير، ويقوي قول العم أيضا قوله في العقد إلى جملة أرض أبي القاسم وبالله التوفيق.
[168/5]
[
لأنه يكون حينئذ غررا، فلما أجاز بيعه قائما دل على أنه لا يجوز انتزاعها فإذا لم يجز انتزاعها لم يجز بيعها لأن مشتريها حينئذ يكون غير متمكن منها.
فإذا تقرر هذا فحكم القاضي على تقرير ثبوته باطل من ثلاثة أوجه: أحدها أنه بناه على صحة تملكها مع محاجيرها لجميع القاعة. وقد تقدم بطلان ذلك، وما بني على باطل فهو باطل. والوجه الثاني أنا لو سلمنا صحة تملكهم لذلك، لم يكن لهم أخذ النقض بقيمته منقوضا بل بقيمته قائما، لأنه قد تقرر في المذهب أن الباني في أرض غيره على ثلاثة أوجه: أحدها أن يبني بغير شبهة كالغاصب فهذا إنما له قيمته منقوضا أو يؤمر بالقلع.
والثاني أن يبني بشبهة ويدخل على التأبيد كالمشتري، فهذا له القيمة قائما.
والثالث أن يبني بشبهة إلى مدة ولا يدخل عليه التأبيد، فاختلف إذا تمت المدة، هل له قيمته منقوضا؟ وهو قول ابن القاسم، أو قائما؟ وهو قول مطرف وابن الماجشون. والباني في أرض السلطان على وجه الاستيجار هو بان بشبهة غير متعد في بنائه. والعادة فيه إنما يدخل على التأبيد وإن ذكر في عقد الاستيجار إنه إلى مدة فإنما يدخل الناس فيه على التأبيد فعليه يحملون. ولا يعتبر اللفظ في العقود إذا كان مخالفا للمقصود.
ومن الدليل على أنه عرف الناس أنهم يقولون: جزاء المخزن أنه الحر الصغير، وأنهم يتجنبون جزاء الرعية دون جزاء المخزن، وثمن جزاء المخزن أكثر من ثمن جزاء الرعية. وأنهم يعقدون الجزاء من المخزن ويكتبونه إلى عشرة أعوام، وربما لا يفرغون من البناء حتى يمضي جل المدة أو جميعها. وهذا أظهر من أن يفتقر إلى دليل.
فأجاب بما نصه: الجواب أن ما فعله مستغرقو الذمة بالتباعات وقد جهل أربابها وأيس من معرفتهم, أو علموا وجهل ما ينوب كل ماينوب كل واحد منهم من حبس أو غير ذلك من المعروف على ذراريهم أو غيرهم غير سائغ ولا نافذ إذ هم بامتناعهم من جريان الحكم عليهم في حكم المفلس المضروب على يديه في المشهور من المذهب, نعم ينفذ من تصرفاتهم فيما بأيديهم من الأموال ما تصرفوا به على الفقراء والمساكين, أو وضعوا ذلك في وجه من وجوه الخير فيما فيه مصلحة عامة للمسلمين, على القول أن مصرف ذلك مصرف الفيء وقد نص أحمد بن نصر الداودي رحمه الله على منع وصاياهم وردها ومثل ذلك في أحكام القاضي ابن سهل, قال أحمد: لأن ما بأيديهم للمظلومين إن علموا, او للمسلمين إن جهلوا وبالله التوفيق, وكتب عيسى بن علال خار الله له ولطف به, وتقيد بأسفله أشهد الشيخ الفقيه الأجل العالم العلم المدرس المفتي الصدر الأوحد الأفضل الأكمل أبو مهدي عيسى بن الشيخ الأجل الفقيه الصالح المتبرك به ابو الحسن علي المدعو بعلال المصمودي على نفسه أن الجواب المقيد أعلاه الذي أوله: الحمد الله وآخره خار الله له ولطف به, هو جوابه على السؤال أعلاه, الذي ارتضاه في المسألة المذكورة وأخذ به, اشهادا تاما عرف قدره, وشهد به عليه, وهو بحال كمال الإشهاد من عرفه في عشي يوم الإثنين تاسع رجب المبارك عام ثمانية وثمانين وسبعمائة, وفي إشهاده أعزه الله أن ما وقع فيه من مصلح غير مستعذر عنه, وذلك إن علموا هو من إصلاحه والحاقة بخط يده وفي تاريخه محمد بن محمد بن يحيى الصنهاجي, وأحمد بن محمد بن أحمد بن عمر وتقيد عقبه أديا فاستقل انتهى.
[وصية وارث مستغرق الذمة]
فأجاب: كلا الأمرين لا يجوز أن يعقد الشركة به، لأنها شركة وأجرة، والأجرة بيع من البيوع. وقال مالك لا يجوز بيع وشركة في عين المبيع وإنما تصح الشركة بالتكافي في الأموال والأبدان، فإذا وقعت على صحة فمن خدم منهما وتجر دون صاحبه فهو متطوع.
[شريكان في غنم يسوقانها للحاضرة باعها أحدهما على الصفة، وباعها الآخر]
وسئل العتبي عن أشراك بينهم غنم يسوقونها إلى السوق للبيع، فقال
[190/8]
[191/8]بعضهم نقدم نحن إلى المدينة ندل التجار على هذه الغنم ونخبرهم بما يشترون ها هنا، فتقدم بعضهم إلى الحاضرة وتخلف بعضهم خارج الحاضرة مع الغنم، فدخل أولئك المصر فأعلموا بها التجار فباعوها منهم على الصفة، وباعها أيضا المتخلفون حيث هم بها وقبضها المشتري الخارج وانتقد الثمن، لمن ترى البيع؟
فأجاب: البيع للذي اشترى أولا، إلا أن يقبضها المشتري الآخر، فإن قبضها المشتري الآخر فهو أولى بها، فالقابض أولى أبدا. قيل له: فإن المشتري الذي لم يقبض يجاحد المشتري القابض ويقول لم يقبض الغنم ويقول هو قد قبضها، على من البينة؟ قال على القابض البينة أنه قبض.
[شريكان بالأبدان مرض أحدهما وخدم الآخر]
وسئل الفقيه أبوبكر محمد بن مغيث الطليطلي عن شريكين اشتركا بالأبدان يمرض أحدهما ويخدم الآخر.
فأجاب: إن كان المرض يسيرا فهو متطوع له، وإن كان طويلا فله الأجرة فيما عمل، وذلك إذا كان في العمل لشريكه رجحان يعود عليه منه، إلا أن يكون الخدمة في اليسير فهي مسألة انفردت عن سائرها فلا أجرة له وإن طال لأنه متطوع، فقيل لشريكه وقيل لرب البير(¬1).
[ادعاء أحد الشريكين ذهاب المال]
وسئل ابن مزين عن رجلين اشتركا في مال التجارة فادعى أحدهما أنه قد ذهب المال، أيقبل قوله؟ وهل ترى عليه يمينا؟
فأجاب: إن كان عدلا مرضيا لم يحلف، وإن كان متهما ظنينا حلف.
[شريكان غاب أحدهما فاقتضى الآخر دينا لهما فضاع]
وسئل الشيخ أبوالحسن القابسي، رحمه الله، عن مسألة الهبات لابن المواز إذا وهبه حليا قال يعوضه فيه عروضا، وقد قيل إنه جائز أو يعوضه من الذهب فضة ومن الفضة ذهبا، قيل لشيخ فإن فات الحلي قال يقضى لهم بالعروض نقدا، قيل له لم ولا كان يلزمه عينا؟ قال لا لأنه إنما يقضى له بالذي يلزمه لو كانت قائمة لأنه يجوز أن يعاوض، قيل له فإن كان له على رجل عروض مثله إلى أجل هل يجوز أن يحيله عليه؟ قال لا يجوز ذلك، قيل له لم؟ أليس بالعروض يقضى؟ قال: قد قال في القول الآخر أنه يجوز أن يعوضه العين، وإن كان هذا فيصير فسخ الدين في الدين. وقد إذا وهبه هبة/ص189/فلم تتغير فأثابه أكثر من قيمتها فأبي أن يقبل أكثر، وقال لا أريد أن يكون لك على فضل، قال الذي أرى أنه يقضى عليه إذا عوضه ما يثابه الناس، وإن كان أكثر، قال لأنه يقول له أنت إنما وهبت على الثواب والناس يقصدون بأن يثابوا بأكثر، فأنت قد قبلت منه الذي يقصدون إليه الناس، ثم تريد أن ترده إليه، قيل له فإن فاتت يلزمه هذا، فقال هو ضعيف بعد الفوت لأنه لا يقدر على ردها.
[مسألة من الإمتاع]
وأما إذا لم يكن ممن هذه طبقته فحرام عليه الخروج عن مذهبه في الحكم والفتيا ، لأن من ليس من أهل النظر فحكمه التقليد ، وإذا تقلد مذهبا فإنما تقلده لأنه عنده أصح المذاهب ، وصاحبه عنده أعلم أصحاب المذاهب ، ولا يسوغ له خلافه وبكون حظه في الاجتهاد هذا كاجتهاد القاضي فيما يقلده من فقهاء بلده ، فيسأل عن أعلمهم ، ولا يحل له تقليد سواه حسبما نصه أهل العلم ، حتى قد قال بعضهم إن الملتزم لمذهب لا تحل له مخالفة إمامه ، فإن الإمام لمقلده كالنبي في أمته ، وهو صحيح في النظر . فراجعني دام عزك بما تراه من ذلك ممتنا متطولا مأجورا مشكورا والسلام .
فأجاب : إذا كان الأمير قد صرف الحكم بين هذين الرجلين إليك وأوقفه أخرى عليك ، وكان من مذهبك القضاء باليمين مع الشاهد على مذهب مالك رحمه الله ، لما جاء في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فحكمك للطالب بشهادة الشاهد المختفي الذي خاطبك به القاضي أبو سعد لقبوله لعدالته عنده مع يمينه هو الصواب إن شاء الله ، لأن الصحيح من الأقوال المشهور من المذهب إجازة شهادة الشاهد المختفي فأنفذ ذلك من حكمك [162/10] وأمضه من قضائك . ونظرك ، ولا تتوقف عنه من أجل ما حكم به القاضي أبو سعيد من إبطال شهادته بفتوى من أفتاه بذلك ، إذ ليس حكمه بإبطال شهادته حكما منه بإبطال الحق على المطلوب على وجه الحكم ، فيكون حكمك للطالب بيمينه مع شهادته ردا لحكم حاكم تقدم باجتهاد . وإذا لم تبطل شهادته لجرحه ثبتت عنده عليه بعدما خاطبك به من عدالته ، وإنما أبطلها بمذهبه أنه لا يجوز ولا يمنعك ذلك من إجازتها والحكم بها ، إذ لا يلزم اتباعه على مذهبه في ذلك ومذهب من أفتاه به مع مخالفة من خالفهم في ذلك من جلة العلماء المتقدمين والمتأخرين . وإنما يلزمه هو ذلك في خاصته لو كان هو الحاكم في القضية .
فأجاب: لا يجوز لمقلد العالم اختيار أطيب المذاهب عنده وأوفقها لطبعه وعليه تقليد إمامه الذي اعتقد صحة مذهبه وصوابه على غيره ويتبعه في كل ورد وصدر، فلا يجوز عدول المالكي لمذهب الشافعي إلا أن يغلب على ظنه أنه أصوب رأيا فحينئذ يجب تقليده في جميع المسائل، فإن لم يكن ذلك فلا داعي له في المخالفة إلا الهوى، كما لا يجوز لمجتهد مخالفة ما أنتجه اجتهاده، وكذا المقلد لمن قلده ولا فرق إلا طلب المقلد أفضل الآية، والمجتهد أفضل الرأيين، ويجب على كل مسلم اتباع ما يغلب على ظنه انه الحق في المتعبدات. وحال المقلد يحصل بتصويب ما عليه إمامه الذي غلب ظنه صحة قوله، كما يحصل معرفة أفضل الأطباء في البلدان من كان جاهلا به وهذا إما بالسماع من الأفواه، أو مشاهدة الأكثرين إلى شخص معين، أو سماعه من شخصين أو شخص حسن ظنه، واطمأن قلبه إليه، كما يسمع من ابويه فضل مالك والشافعي، فيصدق به ويطمئن إليه قلبه، فلا يجوز مخالفة ظنه، ولو قال ظني في غير هذه النازلة خطأ من قلدته فليس هذا من حق المقلدين. واجتهاده في أعيان المسائل خطأ وكأنه في ظنه عرف من غير هذه المسألة ما لا يعرفه مقلده، فهو جهل. وأما اتباع الشافعي في مسألة خالف فيها صحابيا فيجب أن يظن بالشافعي أنه لم يخالف إلا لدليل أقوى من مذهب الصحابي. ولو لم يظن هذا فقد نسب الشافعي إلى الجهل بمقام
[