وأما مسألة الداخل في صلاة الإمام وهو في التشهد فظهر بسلامه أنه التشهد الأخير, فمن الواجب عليه إتمام فرضه الذي أحرم به. ثم عن أدرك جماعة أعاد معهم إن شاء وكانت الصلاة مما تعاد. هذا هو المنصوص في المسألة في العتبية وغيرها, ولم يذكروا في ذلك خلافا لا بقطع ولا بانتقال إلى نفل, وهو حكم ظاهر لأنه شرع في فرض فلا يبطله لصلاة الجماعة وهي سنة. ألا ترى من انتقل قائما ناسيا للجلسة الوسطى لا يرجع على الجلوس, لأن قيامه فرض والجلوس سنة, وإنما يخير بين القطع والانتقال إلى النفل من دخل مع افمام في صلاة معادة إذا كان صلاها وحده. وربما التبست المسألتان على من لا يعرف فأجرى التخيير في غير محله. فهذا جواب تلك المسائل والتحية معادة.
[المسمع في الصلاة]
وسئل عن مسألة المسمع في الصلاة والخلاف الواقع فيها في المذهب, هل تراه مقيدا بالحاجة إليه؟ أو يجوز فعله وإن لم تدع إليه ضرورة؟ وقد يتعدد المسمعون وواحد منهم يكفي.
فأجاب الخلاف المعلوم في المسألة يحكيه الفقهاء المتأخرون حكاية عامة. وسمعت بعض الشيوخ يخص الجواز بحالة الضرورة, وذلك إذا كثرت الجماعة ويكون المسمع حيث ينقطع صوت الإمام, وكان هذا نظرا منه, وهو موافق لنظر ابن عبد السلام في شرح ابن الحاجب, فإنه قال: أما مع الضرورة فيجوز ذلك ابتداء, واستشهد بقضية أبي بكر رضي الله عنه إذ
[
ولا يوافق عليه محصل , والا فما كنا نصنع معهم لو مات هذا العلج بعد
أفتكاكه أو ابق أو قتل أو جني جناية تمنعنا من اسلامه اليهم , أكنا نحيسه لهم في
الموت والقتل . أو ندفع لهم قاتلة نوافقة لغرضهم . أو نرد لهم ما لهم في
الاباق . أو ندفع عليه القصاص اذا قتل أو جني جناية ونره اليهم سالما . وأي
فرق بين هذه الوجوه البينة له وبين اسلامه اذا كان وقع بعد عقد الافتكاك
وصحته , وحل الثقاف عن العلج والحاقة باحرار أهل ملته في كفالة فكاكه
وصحبته . فانطر الي هذا الوجه لما انعكست صورته , وانقلبت حقيقته , كيف
استقامت بنيته . واعندلت هيئته , وجري ماء حسن الحق في أديمة .
[189/2]
[190/2]
ولما تم له من اباء هذه الوجوه القبيحة ما قصده أخذ يستدرك في
المسألة أستدراكا غريبا موحشا , فأتي بقضية لم يقع عليها سؤال , ولا وقع
لأحد منا اشكال , ولا لايرادها موجب غير التنقير بما لا ينبغي , واساءة الطن
بما لا تحل اساءة الطن بمثله , فقال لما فرغ من ذكر الوجه الرابع . وهذا كله
مبني علي أن العلج لم يسلم ولا اعتقد الاسلام بقلبه الا بعد انعقاد الافتكاك ,
فأما ان كان أعتقد الاسلم بقلبه قبل ذلك ولم يطهره أو طهر منه ميل الي دين
الاسلام أو تزيي بزي المسلمين فيقوي القول بفسخ الافتكاك , فانطر الي هذا
الكلام الذي لأجله يستحسن السكوت , والنطر الذي بناؤه في حكم العقل
أوهن من بيت العنكبوت , فكيف جعل الاعتقاد العلج الاسلام بقلبه وان لم
يطهره اثرا في فسخ الافتكاك , مع أن جمهور الأيمة والعلماء من المسلمين قد
قالوا ان الانسان اذا اعتقد الاسلام بقلبه ولم يطهره بتطق لسانه بالشهادتين
فانه لا يخلصه عند الله ولا يحكم له بحكم الاسلام في الأمور الخاصة به ,
فكيف فيما بينه وبين البشر من الحقوق المالية وغيرها . ثم متي كلفنا الله
الاطلاع علي مافي القلوب وان نبني عليه أحكام البشر في معاملتهم . ومن
162/3]فبلغ ما بذله الأخ لأخيه خمسين دينارا وخمسين دينارا ، فقال الولد : هذا النكاح لا يكون فيه خير وكرهه ، وله عم فاضل يسعى في الأمر حتى تقارب الأمر إلى ما أراده ووقع الركون ، ولأبي الصبية ولدان مشهوران بالعقوق لأبيهما ، فأراد تمام الأمر برأيهما ، فأرسل أربعة من الثقات علماء قراء ، فأخذوا رضا الولدين وتم الأمر على جميل ، فبعد ذلك سأل أن يكتب له مهر مائة دينار ، فوقع في ذلك يمين من الوالد الخاطب لابنه ، ثم كان بعد ذلك خطبة على يد قاضي البلد ، وعند القاضي في هذا النكاح علم قديم واعتراف من أب الصبية أن أمرها موقوف لهاذ الخاطب ، وإنما أراد أبوها أن يصل بها رحمة ، ويحفظ بها دمه ، فكان من حجة القاضي وقت الخطبة هذه على الرجل باعترافه عنده أولا ، فأجابه إلى ما أراده ، وقال : أصلح أمرأولادي وألمر تام على ما تحبه ، ففارقه على ذلك وأرسل القاضي في طلب بنيه ، فاحتالوا وتلددوا حتى حكموا أمر الصبية ، وزوجوها من رجل أجنبي ، فرأيك في الجواب لندخر علمه إن كان هذا الرجل من أهل الورع ، وهل هو من أهل العلم وقد أتى من هذا الأمر ما أتى ، وهل قطع رحمه أم لا ؟ وهل هذا النكاح منفسخ . بين لنا ما عندك من ذلك لنوقف عليه علماء بلدنا ، فقد بان لهم من هذا الأمر ما قد تكلموا عليه ، وإنما الرغبة في جوابك ، وبين هذا الخاطب الآخر المتزوج ، وبين الآخر فرق كبير للذي بين حاليهما من الاختلاف ، ثم إن الذي زوجه به مائة وعشرون لا غير .
فهذه النصوص تدل على أن إيقاع الطلاق المعلق على الجائز من فعل الغير أقرب من وقوع المعلق على الجائز من فعل الحالف، فإن لم يكن كذلك في المحرم فلا أقل من التساوي. وهو ظاهر. وأيضا إذا كان الإمام يوقف الغير المحلوف على فعله حتى يرى هل يفعل أم لا؟ كما دل عليه قوله وتوقف كذلك إلى قوله وطلق، فأي وقف يكون على التعليق على الفعل المحرم؟ فلم يبق إلا تنجيز الطلاق وكفعل نفسه. وهذا كالنص الذي استبعدتم أو طلبتم بقولكم وأين يوجد إلخ، وكذلك قوله إلا أن يريد إكراه الأمة على ما يجوز فإنه يدل دلالة قوية على أن ما لا يجوز لا يكرهها عليه، ولا ينتظر فتأملوه. ويمكن أن تعارض هذه المسائل بشيء من الألفاظ في المسألة المذكورة في أول كتاب الإيلاء، لكنها ضعيفة محتملة للتأويل لا تقوى على معارضة هذه النصوص الصريحة.
تنبيه: في نسختكم ونسخة ابن عبد السلام كفعل له بالكاف، والذي أحفظه وهو في عدة نسخ باللام بدل الكاف وهو متعلق بنفي.
[إذا أرضعت البكر المعقود نكاحها صبيا هل يكون ابنا للزوج؟]
وسئل عن قول ابن عبد السلام وانظر إذا أرضعت البكر المعقود نكاحها صبيا هل يكون ابنا للزوج، فإن في المدونة ما يدل دلالة ظاهرة على اندفاع نظرة هذا. بل في كلام ابن الحاجب الذي هو يشرح فيه. وقد حكى اللخمي الإجماع على أ، ه لا يكون ولدا له انتهى.
فأجاب: أما اندفاع نظهر بما نص عليه ابن الحاجب فبين لقوله ويعتبر صاحبه من حين الوطء. واندفاعه بما نص عليه اللخمي أبين لقوله والإجماع على أنه إن لاعب أو قبل أو باشر فدرت لذلك لم يكن له أبا، وإن كان هو
[169/4]
[170/4]
فأجاب: أكرمكم الله تعالى إذا كان الأمر على ما ذكرتموه فما شهد به الشاهد المذكور لازم كمن التزم شهادته من الخصمين المذكورين بعد معرفته ما في ذلك من الاختلاف لأنه التزم قول قائل من أهل العلم وأراح الحاكم من النظر في مسألته، وإلى هذا ذهب ابن العطار وعليه يدل قول مالك في ضمان الغائب أنه لمن شرط عليه الضمان من المتبايعين كان بائعا أو مبتاعا لا يختلف في ذلك قوله، ورأى أن ذلك إلزام لأحد القولين، وبه العمل، وبالله تعالى التوفيق.
[167/5]
[إخوة اقتسموا أرضا وأخذ كل منهم حظه بإشهاد
ووقع نزاع بينهم في مرجع الضمير في ألفاظ العقد]
ومن ذلك ما حكى ابن يونس عن بعض الفقهاء حين تكلم على مسألة الكتاب فيمن دفع إلى رجل مالا وأمره أن يسلمه رجلا يشتري له جارية أو ثوبا فاشترى له مالا يصلح أن يكون من ثيابه أو خدمته أنه لا يجوز، فقيده بالعرف. وفي المذهب من هذا مسائل كثيرة يطول جلبها، مع أن العرف في هذه المسائل إنما هو غالب، وليس بمطرد، ولذلك وقع الخلاف في بعضها.
[إنما يجوز من فعل السلطان ما كان نظرا ومصلحة للمسلمين.]
وأما مسألة السؤال فالعرف مطرد فيها، فلا يصح على المذهب أن يدخلها خلاف. وأما موافقة السلطان الأخير على إمضاء بيع الوكيل المذكور، مجردا دون أن يقبض الثمن من الوكيل أو من غيره، فلا يجوز، لأن بيع الوكيل غير منعقد، والمبيع باق على ما كان عليه قبل البيع وإنما للمشتري أن يطلب الثمن من الوكيل أو من تركته، فإمضاء السلطان البيع أتلاف منه للمبيع بغير عوض، ولا يجوز لأنه ليس بمالك لذلك، وإنما هو فيه نائب عن المسلمين وناظر لهم في مصالحهم، وليس له إتلاف ما لهم بغير عوض وإنما يجوز من فعله عليهم ما كان نظرا لهم ومصلحة في حقهم.
وما كان على غير ذلك فهو مردود شرعا. ولو سلم أن بيع الوكيل جائز، وأن وكالته لا تتقيد بالعادة، فلا يسلم جواز بيعه للقاعة من غير رب النقض ولا لو باعها السلطان بنفسه، لأن القاضي ابن سهل حكى عن ابن المواز قال: من ابتني في أرض السلطان. وفي بعض نسخ ابن سهل في أرض الصافية من أرض السلطان ويؤدي الكراء فيبيع الباني النقض قائما وربما زاد عليهم السلطان في الكراء، فإذا باع النقض ولم يشترط كراء مسمى، ولا يقول أحول اسمك مكان اسمي حاز. قال محمد: إنما هو في أرض السلطان التي لا تنتزع ممن يبني فيها، وكذلك الغراس. وأما لغيره فلا يجوز للباني بيع شيء من النقض على حال. ابن سهل لأن رب النقض مقدم في قيمته انتهى.
فقوله لا تنزع يعني لا يجوز انتزاعها بدليل إجازته بيع النقض قائما.
[209/6]
وسئل الفقيه أبو مهدي عيسى بن علال رحمه الله عما عقده هؤلاء العمال وحياة الأموال والمشتغلون بخدمة المخزن والمستغرقون الذمة من التحبيسات في أملاكهم التي اكتسبوها في حال عمالتهم وخدمتهم, هل ذلك سائغ لهم وجائز من فعلهم أم ذلك مردود منحل العقد لاستغراق ذمتهم ؟ بينوا الحكم في ذلك مأجورين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فأجاب: الشركة المذكورة غير عاملة، وعلى ورثة المتوفى اليمين أنهم لا يعملون بين موروثهم والقائم شركة إلا من كان صغيرا وتحت ولاية فلا يمين، والشهادة بإقرار الميت أن فلانا وجه معه متاعا ولم يسم مقداره، فإن أقر الغائب بما يشبه أن يوجد مثله مع مثل المتوفى ولم يظهر منه مزيد حلف في مقطع الحق ويستحقه. وإن ادعى ما لا يشبه لم يمكن من اليمين، وحلف ورثة المتوفى أنهم لا يعلمون أنه وجد معه شيئا إلا من كان منهم بالحال الموصوفة. والشهادة بالدين عاملة بعد يمين الطالب في مقطع الحق أنه ما قبض ولا أسقط وأنه لباق عليه إلى حين يمينه.
[189/8]
[190/8]وأجاب ابن رشد: الذي أرى أن يصدق الذي يثبت إقرار الميت أنه وجد معه في ذلك السفر متاعا في صفة المتاع مع يمينه على ذلك في مقطع الحق إن ادعى من ذلك ما يشبه فيكون له في ماله قيمته، وكذا الذي أثبت أنه باع منه متاعا يسيرا يصدق في مقدار اليسير مع يمينه، ويحلف الذين يثبت لهم الدين بما يجب به الحلف على من أثبت دينا على ميت ويدخلون مع أصحاب البضائع فيما بيده من المال وماله من العقار. وأما الذين شهدوا له بالشركة للمتوفى ولم يحدوا الشركة ولا عرفوا صورتها فلا شهادة لهم إن لم يحققوا شيئا بينوا به الشهادة، ويحلف الرشداء من الورثة أنهم لا يعلمون له شركاء معه في شيء مما بيده.
وسئل عن الواجب في الدين يكون بين الرجلين في بلد غير بلدهما من سلعة باعها فيه من رجل فخرج أحدهما يقتضي جميعه فاقتضاه أو بعضه ثم طلب الأجرة من شريكه عن شخوصه في اقتضاء حصته بإذنه أو بغير إذنه.
فأجاب: تكون له أجرة مثله بعد أن يحلف أنه ما خرج في ذلك متطوعا.
[لا تجوز شركة وبيع في عين المبيع]
وسئل ابن الفخار عن شريكين جعل أحدهما مالا والآخر مثله ثم يعلم أحدهما بالجميع على قصاص ما مضى من المدة، وكيف إن كان الشرط أنه متى قاسمه ترك بيده الذي آجره نصيبه من المال إلى الأجل المعلوم؟
188/9] باع بعد ذلك الأسهم الباقية من الجنة المذكورة وأشهد بعد البيع أنه أسقط الشفعة الواجبة للعقب المتصدق عليه فيها إذ ليس بيده مال يشفع له به، ثم قام من احتسب وأثبت أن الأخذ للعقب المتصدق عليه بالشفعة فيها صلاح وسداد فبادر المتصدق عليه وحاز الصدقة من نفسه للعقب بمعاينة البينة في رمضان عام ثمانية وأربعين وقدم له قاضي الموضع من شفع للعقب في السهام الخمسة وذلك بعد طيب الجنة المذكورة وشروع الاجتناء فيها، هل تصح هذه الشفعة بعد عامين؟ وهل للمبتاع تمسك بإسقاط المتصدق الشفعة قبل التحويز بمعاينة البينة أم لا؟ وإن صحت هذه الشفعة فلمن تكون الغلة؟
فأجاب: ينتفع المحجور بماله إن كان له مال وفي دخول الثمرة خلاف قيل إنما أوجب الشفعة لكون مسقطها ليس له ذلك لكونه جدا ولو كانت الصدقة على ولده وعقبه لكان له الحوز عنه وقد وقع في كلام ابن رشد هل للوصي ولاية على أولاد من في ولايته أولا؟ وإن للمحجور عليه ولاية، فانظر ذلك، ووقع لابن الحاج أن أربعة لا شفعة لهم مسألة المتفاوضين في المدونة، وبيع الوصي حصة يتيم من مال مشترك بينهما، وقيل له الشفعة كما إذا باع نصيبه فإنه يأخذه لليتيم بالشفعة، والثالث بيع حصة ولده الصغير في دار مشتركة بينهما، والوكالة على بيع شقص وهو شفيعه لأن البيع تسليم بخلاف شرائه بالوكالة والله أعلم.
[مسألة ومباحث]
وإنما وقع لابن كنانة كراهية الأمر ابتداء ، فإذا وقع جاز وعمل به ، وغيره يجيزه ابتداء ويحتج لجوازه ويحمل عليه فيمن عرف بالجحد والإنكار ، وينظر أعزه الله مقالته هذه في هذا الشاهد ، وقد قال في خطابه قبل هذا إني أجزت شهادته لمعرفتي به ، وهذا لا يقال إلا فيمن لا يحتاج إلى تزكية عند الحاكم لتبريزه في العدالة أو معرفة الحاكم بعدالته . فهل هذا مناقض لرد شهادته لأنه غير مبرز لو سلم اشتراط التبريز في المسألة ؟ أم ما تراه في ذلك ؟
[161/10] ثم ما أشار إليه من الخلاف في المسألة غير معروف في المسألة نصا ولا مذاهب فقهاء الأمصار ، إذ بجوازها يقول مالك والشافعي وأصحابه وأبو حنيفة وسفيان وجماعة أصحاب الرأي وابن أبي ليلى وابن سيرين ومحمد بن حريث والطبري وأحمد واسحاق ، وترجم عليها البخاري . وإنما ذكر فيها الخلاف عن الشافعي والنخعي ، وقد أجاز شهادة السماع ، وقد اعترض ابن المنذر عليهما بذلك . وحكي عن شريح أنه قضى بإبطالها ورد حكمه في ذلك عمر بن حريث . ومثل هذا وإن صح فاستقرار علماء الأمصار بعد خلافه فجاء منهم كالإجماع وجاء ذلك الخلاف كالشاذ الذي لا يعتبر . هذا لو كان الحاكم والمفتي من أهل الاجتهاد والنظر في الأقوال وترجيحها بالحجة والدليل ، فحينئذ يسوغ له الحكم بخلاف مذهبه إذا كان عنده الحق فيه .
[من لم يبلغ درجة الاجتهاد يحرم عليه الخروج عن مذهبه]
وأما القضيب فأول من أحدثه الزنادقة يشغلون به المسلمين عن كتاب الله. وإنما كان مجلس النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه كأنما على رؤوسهم الطير من الوقار. وينبغي للسلطان ونوابه أن يمنعوهم من الحضور في المساجد وغيرها، ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم، ولا يعينهم على باطلهم. وهذا مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وغيرهم من أيمة المسلمين رضي الله عنهم أجمعين.
[التقليد وحكمه]
وكتب القاضي أبو بكر بن العربي إلى الشيخ حجة الإسلام أبي حامد الغزالي فيمن قلد مالكا يقع له في مسألة أنها حرام، ويقول الشافعي حلال، هل يقلد أحد الايمة في بعض أعيان المسائل؟ وما معنى تقليد العوام هؤلاء الأيمة وعملهم دون غيرهم من الصحابة وهم أعلم منهم؟ وكيف لو خالف الشافعي أحد الخلفاء أو غيرهم من الصحابة، هل يجوز لمقلد الشافعي اتباع الصحابي، لأنهم أبعد من الخطأ لقوله عليه السلام: "اقتدوا بمن بعدي أبي بكر وعمر اللهم أدر الحق مع عمر"؟ وهل يلزم العامي أخذ أقوال المقلدين، إذا كان معه ضرب من الاجتهاد؟ فان لزم ذلك فما مستند ذلك؟(¬1) وإذا أجزنا
[164/11] تقليد المعلم والفقيه في أصول الدين من غير معرفة دليل فما الفرق بينه وبين من ذمه الله بحكايته عنهم: ﴿إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم﴾. في استنادهم في التقليد إلى آبائهم. وقوله: ﴿أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض﴾. وحديث عذاب القبر في المنافق. سمعت الناس يقولون شيئا فقلته وقول المؤمن: ربي الله وديني الإسلام. وهل يجوز للعالم تقليد مثله أو أعلى منه في الحادثة مع قدرته على الوصول للحق بالاجتهاد كما يجوز تقليده في القبلة وطهارة الماء وإن وجد الطريق إلى الحقيقة؟ فأوضح لنا جواب ذلك مفصلا مأجورا عليه.