وسئل سيدي قاسم العقباني عن أهل مجشر رغبوا من بعض العمال أن يبنى لهم مسجدا يصلون فيه الجمعة, والمجشر كبير على هيئة المصر ولا أسواق فيه, لكن بناؤه متصل ولا تروعهم فتنة لكونهم موسومون بالديانة فيحترمون لذلك, فعمد هذا العامل لبنائه واستخدام فيه قهرا من بنواحيه ودوابهم في آلات البناء من عمل جير وتيسير حجر ونحو ذلك, هل تصح الصلاة فيما بنى على هذا الوجه أم لا؟ وقد حكى ابن سهل عن ابن القاسم أنه كان يجتنب الصلاة في مسجد بني بمال حرام, وقد عاب بعض الفقهاء على بعض أهل الخير تركه الصلاة في هذا المسجد لما ذكرنا, هل يعصي هذا التارك للصلاة فيه أم لا؟
فأجاب أما كون الباني من العمال وكونه يقهر الناس في أنفسهم ودوابهم, فلا أثر لذلك في عدم صحة الجمعة وغيرها في هذا الجامع فإن المال الذي بني به وأكره الناس ودوابهم, كل ذلك بذمته يتعلق, فلقد صحت الصلاة عند جمهور العلماء في الدار المغصوبة وهو أحد قولي مالك, مع أنها عين الشيء المغصوب. وذكر في المدونة البناء المتصل ولم يشترطوا السور وذكر الأسواق مرة وسكت عنها مرة. والأقرب أنها ليست بشرط, إذ لعل ذكرها في كلام السائل وقع. واما البناء المتصل فلابد منه, وتوكون عمارة استيطان لا تزحزحه الفتنة. واما المتخلف عن الجمعة فإن لم يكن عذر بوجه, فالمرة الواحدة جرحة. وعلى هذا الوجه يحمل قول من جعل المرة الواحدة جرحة, فإنها على هذا الوجه تسقط المروءة. وإن كان هناك عذر ما فليس التخلف جرحة إلا أن يتكرر مرات. وترك ابن القاسم صلاة الجمعة في مسجد بني بمال حرام إنما هو على سبيل الورع, لأنه كان يجد غيره يصلي فيه والله اعلم.
[إمامة من يسكن خارج المدينة]
وسئل الشيخ أبو ابراهيم الأعرج رحمه الله عن قرية الإمام فيها خارج المصر, وهو داخل ثلاثة أميال, هل يجمع الجمعة بأهل مصر أم لا؟
اباح لهم ذلك ومكنهم منه , فجاز ذلك باجازة سلطانهم الناطر في
مصالحهم بحسب اجتهاده في ذلك لا بحسب أغراضهم . وأما ما أتي به هذا المتكلم
في هذا الفصل فليس بشيء ولا نسبة بينه وبين أغراض أهل العلم
في ذلك ومقاصدهم .
[181/2]
[182/2]
واذا أضفت الي قوله في اثناء الاحتجاج . وأجاب القائلون في المنع
من الفداء عن قوله تعالي ( فانا منا بعد واما فداء ) وعن فداء النبي صلي الله
عليه وسلم أساري بدر بما حكيناه عن سحنون أن ذلك مختص بمكة وأهلها ,
والي قوله بعد ذلك واختج القائلون بالمنع من الفداء لقوله تعالي ( ما كان لنبيء
أن يكون له أسري حتي يثخن في الأرض ) وقد حكينا ذلك قبل , طهر لك
فساد ما ذهب اليه . فان هذين الاحتجاجين لنما هما علي منع الفداء للامام
وغيره وتحريمه علي المسلمين جملة , فأي معنيس لا يراد ذلك هنا حجة علي منع
الفداء لغير الامام . مع انه قد صدر كلامه وأفتتحه بجولز الفداء للامام عند
مالك والشافعي , ولم يذكر في ذلك خلافا لأحد من أصحاب مالك . وهذا من
أقبح التناقض وأشنع الخلل . واما قوله بعد ذلك ومن حجة القائلين بالمنع من
يخاف من اطلاع الاساري علي عورات المسلمين ابلاغهم ذلك الي أهل
الحرب فذلك أيضا من الأقوال البينة الفساد , فان هذه العلة موجودة فيما
يفديه الامام وغيره علي حد واحد , فاحتجاجه بذلك علي منع الفداء لغير
الامام ومع ما قدمه منت اباحة الفداء للامام لا خفاء بما فيه من التناقض
والاضطراب وفساد الاحتجاج .
ثم قال . واما الصغار والضعفاء والاناث ففي النوادر كذا وأخذ يسرد
نصوص الفقهاء في حكم فدائهم من الجواز والمنع ولم يذكر في ذلك تفرقة بين
الامام وغيره كما فعله أولا في فداء الكبير , بل اتي بنصوص الفقهاء في ذلك
علي اصلها من الاطلاق . وهذا مما يدل علي أن مل ذهب اليه في فداء الكبير
من التفرقة في ذلك بين الامام وغيره تحكم منه وميل الي غرضه لم يستند في
155/3]فأجاب : إن كان عنده من الرباع ما يمكن أن يفيد من غلاتها على مر السنين ما يوفي منه هذا الصداق المأخوذ به ، أو يكون في أثمان الرباع إذا ما قيم عليه بالصداق وفاء أو قريب منه ، فليس له أن يتبرأ من المؤخر ويؤخذ بالمعجل إن كان معه من أين يوفي به ، وإذا رضي بأن يؤخذ منه ما تيسر ويؤخره بالباقي إلى يسره ، فما امتناعه إن شاء يؤدي ما تيسر فيقبل منه ويدخل ، وإن شاء التمس تمام المعجل وأجرى الرزق ، وقد زعمت أنه مقر بالنكاح ، وزعمت أنه قال : لا يلزمني من هذا الصداق شيء لأنه مفسوخ ، فإنما ادعى فسخه ولم يذكر علة بفسخ ، لم يقل : إنما شهد بالصداق شاهد واحد في هذا ، وهو مقر به ومدع لفسخه ، بل إن كان الرجل لا مال له من ربع في بلده ولا غير ذلك ، وليس له متصرف يرجى منه مكسب يقرب منه يسره ، فإنه ينظر في هذا الصداق الثقيل هل إنما يجعلونه تسمية ، والثابت منه أمر قد عرفوه ، فإن كان كذلك هو فافعلوا واقتصروا على الأمر المفهوم بينهم ، فإن كان العادة فيه ثباته كما سموا ، ومنع الزوج من الدخول حتى يأتي منه ما لا يرجى منه وإن طالت به السنون فهذا ضر يطرح ويترك وينصرف عنه إلى أمر سديد بعد فسخ الأول واستئناف عقد حديث ، هذا الذي حضرني في مسألتكم والله أعلم .
[المعترض يطلق زوجته بعد دخوله بها بثمانية أشهر]
*وسئل : ما الذي تستحسنه في المعترض يطلق امرأته بعد دخوله بها بثمانية أشهر ، هل جميع الصداق أو نصفه ، وطلاقه في الشهر التاسع .
وبالجملة: حكم الفرعين المذكورين على ما ذكر ابن شاس ومن تابعه على الفرع الثاني مشكل عندي ، وما وقفت عليهما لمتقدمي أئمتنا ، والمسألة التي نقلت عن النوادر تشبه مسألة العبد الذي أعتقه سيده ، وجحده العتق حتى جرحه أو قذفه أو استلحقه ، وهي مذكورة في العتق الثاني من الجنايات من المدونة ، ولم يتبين لي كيفية للمحاولة في قولمكم وحاول بذلك ، إلا يكون مرادكم ما قدمناه ، ولا أدري ما وجه الحكم الي ذكره ابن الحداد من تغليب تقديم حرية العبد على طلاقه ، مع أن كلا منهما معلق على موت السيد ، سواء قلنا إن المشروط مقرر مع شرطه أو بعده ، وللمسألة شبه بمسألة ما لو قال السيد: إن بعتك فأنت حر ، وقال المشتري: إن اشترتيك فأنت حر ، ولها شبه أيضا من حيث الجملة بما لو قال: إن خالعتك فأنت طالق ثلاثا ونحوها من المسائل.
ومما يبنى عليه حكم ما حكى عن القولين في الوجيز في المسألة المذكورة بعد تسليم صحة حكمها قاعدة الشروط المذكورة ، وقررها ابن بشير في مسألة إذا مت فأنت طالق ، وتأملوا وجه المشرهو في مسألة العتق المذكورة ، وهو أنه يعتق على البائع ، فإنه مشكل جدا ، وما ذكروا عنه من الاعتذارات لا تخلص.
[استشكال عبارة: إذا قال: أنت طالق يوم يقدم فلان فقدم ليلا لم يحنث]
وسئل عن قول ابن شاس إذا قال: أنت طالق يوم يقدم فلان ، فقدم ليلا لم يحنث ، إلا أن يكون نيته تعليق الطلاق بالليل ، انظر هذا فإنه خلاف المدونة إذا تأملته ، ولعله عول على قول الغزالي في الوسيط: إذا علق الطلاق
[162/4]
[163/4]
على يوم القدوم فقدم ليلا لم تطلق ، وقيل: تطلق ، وقد يحتج للمدونة بقوله تعالى: ﴿والسلام علي يوم ولدت يوم أموت﴾. انتهى.
المتنازعان جماعة من كل ناحية فانجرح رجل من أحد الفريقين وادعى بذلك على رجل معين من الفريق الآخر أو قال أحدهم جرحني ولا أعرفه بعينه هل الحكم في ذلك سواء أو يفترق الحكم في الوجهين؟ بين لنا ذلك والله يديم سعادتكم.
فأجاب: أكرمكم الله تعالى إذا ثبت المضاربة ببينة أو إقرار من الضارب كان القول قول المجروح مع يمينه في العمد ويقتص، وهو نص قول ابن القاسم في كتاب محمد، وظاهره أنه لا يصدق في دعوى الخطأ، وكذلك أن كان ذلك بين فريقين إذا عين الضارب، وإن لم يعينه كانت له دية جرحة على الفريق الذي نازعه إن كان ذلك فيما يجري بين القبائل على ما وقع من التفصيل في القتيل بين الصفين.
[من له أندر متصل بأرض غيره وفي وقت الدارس يتوسع فيها فهل لرب
الأرض منعه من ذلك أم لا؟]
وسئل رحمه الله عن رجل له أندر قديم للدارس إلى جانبه أرض لرجل آخر متصلة بهذا الأندر، فإذ كان وقت الدارس احتاج الدارس فيه إلى الوقوف في أرض الرجل الآخر، وربما خرج الزرع من الأندر في تلك الأرض أو هرب البقر من الأندر فيمرون في تلك الأرض أيضا فأراد رب الأرض منع صاحب الأندر من ذلك فهل له منعه من ذلك أو لبس له منعه من ذلك إذ ذلك من ضرورة الأندر؟ بين لنا ذلك.
فأجاب: أكرمكم الله تعالى إذا كان ما ذكرتموه فليس لرب الأرض المذكورة منع صاحب الأندر بما ذكرتم من وقوف البقر وخروجها في الأرض المذكورة، وليس ذلك من الضرر الذي يجب رفعه وبالله التوفيق.
[مسألة في ثبوت النسب بشهادة السماع]
وسئل رحمه الله عن رجل قدمه قاض على إثبات حق غائب في ملك بيد رجل ابتاعه من ابنة أخي الغائب المذكور ولم يجد المقدم المذكور من يشهد له بإثبات الأخوة بين الغائب المذكور وبين ولد البائعة المذكورة سوى شاهد واحد أو شاهدين شهدوا أنهم لم يزالوا يسمعون أن فلانا له أخ غائب فهل يثبت نسب الغائب بهذا السماع أم لا؟ واستظهر المقدم المذكور مع ذلك برسمين
[159/5]
فأجاب: إن سلم له سائر الورثة بيع نصيبه من الدار، وأدوا الدين من بقية التركة، جاز ذلك على مذهب ابن القاسم، وروايته عن مالك خلاف رواية أشهب عنه، في أن البيع لا يجوز على حال. وقول ابن القاسم وروايته عن مالك أظهر عندي، إذ قد اختلف في فساد البيع إذا طابقه النهي على علمك،وليس هذا بمطابق للنهي حقيقة فبه أقول وهو حسبي ونعم الوكيل.
[من اشترى أملاكا لنفسه ولأخويه الصغيرين ولا مال لهما]
وسئل عن رجل ابتاع له ولأخوين صغيرين في حجر أبيهما من أبيهم
[200/6]
وعن إذنه لهما صفقة واحدة أملاكا في قرى على الإشاعة بثمن معلوم نجم الثمن عليهم على أعوام معلومة، وليس للصغيرين مال.
من أين يؤخذ ما لزمهم في كل نجم حاشا مستغل حظهما من هذا المبيع إذا كان له غلة، وإن لم تكن له غلة أنظرهما متربصا لانتظار غلة؟ وإن مات البائع هل يمضي البيع للصغيرين أو يرجع ميراثا؟ وهل يجوز هذا البيع؟ بين لنا ذلك.
فأجاب: ينفذ للأخ الكبير المالك لأمر نفسه ما ابتاع لنفسه من الأملاك المذكورة، ويبطل ما ابتاع لأخويه منها إذا كان ابتياعه لهما على الصفقة التي ذكرت، إلا أن يكون في أصل البيع شرط أن يقتضي الثمن من غلة المبيع، إن كانت له غلة فيبطل البيع في الجميع، ويرجع ميراثا.
[من اشترى دارا وتطوع بالثنيا]
وسئل عن رجل باع من رجل دارا بيعا صحيحا ثم تطوع بعد تمام العقد أن متى جاءه البائع بالثمن إلى أجل كذا فهو مقال في الدار، وراجع فيها. فبني المبتاع في الدار في خلال الأجل. ماذا يكون له في البنيان عند رجوع البائع. هل قيمته قائما أو منقوضا؟ وهل تشبه هذه المسألة من اشترى شقصا في دار فبني المشتري فيه، ثم قام الشفيع بالشفعة،؟ هل حكمها في أمر البنيان قيمته قائما أو منقوضا؟ وهل تشبه هذه المسألة البنيان سواء أم لا؟ ما حقيقة الواجب في ذلك؟
اللهم إلا أن يتعسف متعسف فينكر المحسوسات, ويحيد عن طريق التحقيق إلى الضلالات الواهية, فهذا مطرح لا يعرج عليه, ولا يلتفت بوجه من الوجوه إليه, لاستشهاده بمسائل لا تناسب بمحل النزاع ولا فائدة لها إلا تسويد الرقاع, وصونا عن تلك الروايات عدم مناسبتها للنازلة المذكورة كما قدمنا, إذ من شأننا وضع الدواء في محل الداء, وإن كان يشهد لنا ما عليه العمل, قال ابن رشد إذ قال حبست على اولادى ذكورهم وغناثهم ولم يسمهم بأسمائهم, ثم قال وعلى أعقابهم, فالظاهر من مذهب مالك رحمه الله أن ولد البنات يدخلون في ذلك, كما لو سمى إلى أن قال: وقد وقع في كتاب ابن المواز مسألة استدل بها بعض الناس على أن ولد البنات لا يدخلون في الحبس, وهو قوله فيمن حبس على ولاده الذكور والاناث, وقال فمن مات منهم فولده بمنزلته, قال: لا أرى لولد البنات شيئا, قال ابن رشد وهو استدلال ضعيف وقال أبو إسحاق في قول مالك لا أرى لولد البنات شيئا في هذا نظر, لأنه نص على أنه حبس على الذكور والإناث, ثم قال فمن مات منهم, ومن للعموم يدخل تحته الذكر والأنثى فأوجب الولد من ذكر أنه بمنزلته, وكان يجب أن يحل ولد الأنثى محلها فيصير كما قال حبسا على فلانة وولدها فيدخل ولدها بغير شك. وقال أبو الحسن اللخمي كذلك ينبغي أن يكون الجواب في الأولى أن يدخل ولد البنات لأن الميت نص على ذلك. وذكر ابن الهندي في قوله ولدي وولد ولدي أن ولد البنات يدخلون في الحبس بلفظ المحبس
[
وسئل أيضا عن رسم مضمنه أن رجلين بينهما ثلاثة بغال تفاصلا فيها، فأخذ أحدهما القوية على أن يزيد صاحبه على الضعيفة وسبعة دنانير أقل ثمن وقوما الثانية بستة دنانير وثمن، فالسبعة أقل ثمنا وليس الآخر كذلك لأن الآخذ الضعيفة نصف الستة وثمن، وإنما يقابل السبعة أقل ثمن نصف الستة وثمن فوقعت المفاصلة لم يشهد فيها عند القاضي ووقعت البراءة على حسب ما ذكر شهد به عند القاضي، فينظر في هذه المفاصلة هل العمل على رقعة البراءة أو على رقعة المفاصلة التي قد ظهر الغلط فيها أيضا مبينا وجه الغلط.
فأجاب: وقفت على الرقاع فذكر أن رقعة البراءة بحضرة القاضي فإن كان شهد المجلس الذي وقع فيه الغلط أيضا تبينا وجه الغلط وقطعا بذلك وجه الحكم ورد الغلط.
وسئل أيضا عن فصل من فصول الدخول لشراء الطعام لصقيلة(¬1) وهو
[182/8]
[183/8]كون أهل البلد الطارئيين على صقيلة يجتمعون ويجمعون دنانيرهم يشترون بها قمحا، وربما اختلف ما يشترون به بالجودة والرداءة، فإن هذا إن عقدوا الشركة في أصل المال واختلفوا فيه وهو عين ثم وقع شراء كل واحد منهم ما يشتريه على ملكه وملك أصحابه، فإن هذا لا اعتراض فيه ولا تعقب لأن كل واحد منهم يشتري ما اشتراه لنفسه على ملكه وبحكم وكالة أصحابه، فالجميع طيبة وردية على ملك سائر الشركاء في أصل المال، وإنما اشترك كل واحد منهما على ملك نفسه ثم وقعت المشاركة بالطعام، فهذا منصوص في المدونة نصا لا يحتاج فيه إلى سؤال. وذكر الخلاف في الاشتراك بالطعامين المختلفي الأجناس أو الطعام المتفاضل في الجودة فهذا يقسم إذا كان أصل الشركة على قدر أنصبائهم، ولا يقال في هذا تمييز حق أو بيع في هذا الذي سألت عنه وأصل الشركة في المال، وإنما يعتبر فيه المحاذرة من الوقوع في نساء أو تفاضل والله ولي التوفيق.
[هل تجوز شركة معلمين أعمى وبصير؟]
وسئل عمن لها نصيب شائع من دار مع ابنها فهدم الولد الدار وبناها، ثم توفيت الأم فاستظهر الابن بصدقة الأم لنصيبها، وأنه ما بناها إلا بعد الصدقة، فقام من طلب وزعم أن الأم لم تزل ساكنة في الدار حتى توفيت، فقال الولد إنها كانت تسكن ربعا آخر ملاصقا لهذه الدار لا فيها، فهل تنفذ الصدقة أم لا؟
[179/9] فأجاب: إذا أثبت عدم سكنى الأم من حيث ثبوت الهبة ولا انتفعت به إلى وفاتها فلا يقدح فيها سكناها لما يجاوز هذه الدار.
[من تصدق على ولدين له في حجره ثم أنكر الصدقة]
وسئل عمن تصدق على ولديه في حجره ثم أنكر الصدقة وهو يستغل فهل تخرج تلك الصدقة من يده ويغرم الغلة أم لا؟
فأجاب: ينظر في تاريخ الشهادة في الصدقة لا إلى إنكاره، وأما الغلة فلا يعرف وجه استغلالها هل هو له أو للولدين إلا أن يكون شرط في أصل الصدقة، وما ثبت للأولاد من الصدقة وغلتها نزع من يد الأب بإنكاره.
[مسألة]
وسئل المازري عمن تصدق ببيت من داره على ابنته بفناء معلوم بين يديه وبنصيب من الماجل والبير والمرحاض وصحت الصدقة وتوفي المتصدق وأراد ورثته المفاصلة في الدار وبيعها دون البيت المذكور.
ومن فوائد كتابة ذلك أنه لا يمكن أن يتصدى لذلك إلا أهل السنة . ومن لازم ذلك أن لا يشهد في كتاب الطلاق إلا أهل السنة فتنحسم مادة شهادتهم في الأنكحة ، وهي أعظم المهمات التي يبتلى بها الحاكم . ومما أهمله بعض الحكام أنهم لا يسألون تزكية الشهود في الغالب جريا على عادة البلد ولا يسعهم إهمال ذلك . ولما كان الحاكم الشافعي من شأنه ألا يقبل منهم إلا من زكي في الغالب اندفع عنه كثير من الحكومات إلى غيره . ولو سلكوا هذا المسلك الذي هو أمر لازم شرعا لا يسعهم غيره والتزموا الأخذ به لكان الناس يضطرون إلى شهادة أهل السنة في سائر أمورهم ومعاملاتهم وبياعاتهم وسائر عقودهم ، ولم ترفع إلى الحاكم شهود الإمامية إلا فيما يقع بينهم مما لا يحضره أهل السنة ، مثل قذف أو جرح أو إقرار ، أو شيء مما قدمنا ذكره . فيخف الأمر وتكون شهادتهم مقصورة على محل الضرورة .
[ولاية حكام الطوائف الضالة والبغاة المنشقين غير صحيحة]
وذكر أبو علي الحسين بن رشيق في كتاب الرسائل والوسائل قال: كتب بمدينة مرسية جبرها أيام محنة أهلها بالدجن الذي عصم الله تعالى من غوائله، وخلص من حبائله، وكان قد ورد عليها من قبل طاغية الروم، جماعة من قسيسهم ورهبانهم شأنهم الانقطاع في العبادة بزعمهم، ونظر العلوم مشرئبون للنظر في علوم المسلمين وترجمتها بلسانهم برسم النقد، خيب الله تعالى سعيهم. ولهم حرص على مناظرة المسلمين وقصد ذميم في استمالة الضغفاء، يأكلون على ذلك مال طاغيتهم، ويستمدون به الجاه من أهل ملتهم، قطع الله تعالى دابرهم. وكنت في ذلك الوقت أجلس بين يدي والدي رحمه الله تعالى لكتب الوثائق وعقود الأحكام وأنا إذ ذاك لما بقل وجهي. فوجبت لمسلم على نصراني يمين في حق حكم عليه بها، وأمرت أنا وشاهد آخر بالحضور عليها ليتقاضاها المسلم منه على ما يجب، بحيث يعظم النصراني من دينه، فتوجهنا معهما إلى مجتمع أولئك الرهبان، بدار كان لهم فيها كنيسة يعظمونها، فلما فرغنا من قصدنا استدعاني قسيس منهم، من بلاد مراكش، فصيح اللسان مدرك للكلام، معتدل في المناظرة وأخذ يستدرجني
[156/11] للمكالمة ويقول: أنت طالب ونبيه وقد سمعت بوالدك وبك، وحدثني المسلمون عنكما بخير وعلم وأنا أريد أن أكلمك فيما لك فيه منفعة ولي. وأنت لست ممن تخاف أن يخدع بالباطل، ولا ممن يخفى عليه الحق ويعاند به إذا ظهر له، فاجلس معنا نأخذ في المسألة من المذاكرة، فأعجبني كلامه وتصرفه في الكلام العربي، فجلست معهم وقعد إلي منهم أربعة وهو أحدهم وكأنهم تركوه للمكالمة، فأخذ معي في أمر معجزة، أخذ متأدب مع الشارع صلوات الله عليه وسلامه، وذلك منه خوف أن ينفرني ومكيدة يستميلني بها لسماع كلامه، وكنت بحمد الله قد أحكمت شيئا من أصول الدين مع والدي رحمه الله تعالى وقال لي: أنتم تقولون إن من أعظم معجزات نبيكم: القرآن العظيم الذي بأيديكم.