وسئل عمن بيده أو ثوبه نجاسة هل يجوز له أن يذكر الله كثيرا؟ وهل يباح له دخول المسجد ويمسك كتب التفسير والرقائق ويقرأ فيها؟ أو يؤذن أو يقرأ القرآن والحديث ونحو ذلك؟ أم حتى يزيل عنه النجاسة؟ والمصلي في البيت إذا يجد فيه موضعا طاهرا, هل له ان يفرش ثوبا طاهرا على ثوب نجس أو على بقعة في البيت نجسة والمصلي صحيح غير مريض؟ أم لا يجوز له ذلك؟
فأجاب إن كانت النجاسة تلازمه أكثر الوقات فيجوز, وإن كانت لا تلازمه فيذكر , ولكن الأولى له الغسل, ولا يجوز له أن يدخل المسجد بها إلا أن تكون ملازمة له, فيجوز له الدخول والصلاة بها, ولا يثبت في المسجد إذ لا ضرر عليه في غسلها, ولا ينزع الثوب الذي فيه النجاسة ويضعه في المسجد إل أن يخاف عليه أن يضيع. ويجوز له أن يمس كتب التفسير ويقرأها, وكذلك له أن يقرأها وهو جنب, وكذلك كتب الوعظ والرقائق يقرأ فيها, وله ان يؤذن ويقرأ القرىن والأولى الغسل. ويحوز له الاستماع لمن يقرأ القرآن والحديث ونحو ذلك, ويجوز له أن يفرش ثوبا طاهرا على ثوب نجس, مريضا كان او صحيحا, وفي الصحيح خلاف.
سئل ابن بركان عمن كانت لهم بيت شريعة يصلون فيها جماعة, هل يجمعون فيها ليلة المطر أم لا؟
فأجاب لايجمعون فيها, والله تعلى أعلم.
[طروء عجز على الإمام أثناء الصلاة]
يشير الي المنع المطلق قال ذلك حكم غير الامام , ولو أن أحدا من الناس
تصرف هذا النوع من التصرف فيما هو له مال وملك لحجر القاضي عليه
ومنعه من ذلك , اذ هو مخالف لما تقتضيه الفكر السليمة .
وعلي ذلك كله فما أورده من التقسيم والاستدلال علي كل قسم بالمنع
والجواز ليس بشئ ولا يناسب أقوال الفقهاء فيه هذه المسألة ولا يلتئم بما يدل
عليه معاني نصوصهم فيها , فان كلام الفقهاء وأقوال العلماء من أصحاب
مالك وغيرهم في جواز فداء أساري الكفار ومنعه انما ذلك في حكم الفداء
علي الاطلاق من غير نطر الي الامام ولا الي غيره , بل بالنطر الي أهل الاسلام
عامة , لأن حكم فداء الأساري أمر عام فيشمل جماعة المسلمين . لكنه لما كان
امر المسلمين يرجع الي نطر شخص واحد ليسوس جماعتهم وهو الامام كان
الفقه الوارد في ذلك واردا علي الامام , لأنه المخاطب بهذه القضية العامة
[175/2]
[176/2]
الحكم دون احاد المسلمين , فما كان في ذلك من جواز ومنع فهو متعلق بنطر
الامام والسلطان الناطر في أمور المسلمين , اذ لا يجوز لأحد من المسلمين أن
يتحكم في أسيره من الكفار وان كان ملكا له الا بما يختص به من خدمته
المقصوره علي منافع نقسه وشبه ذلك , واما أخاجه عن يده وعن بلاد
المسلمبن الي أرض الحرب فليس له ذلك الا بأذن الامام الناطر للمسلمين في
أمورهم العامة . لما في ذلك من الفساد عليهم . وسواء كان ذلك الأذن من
الأمام عاما للجميع من ملكة أسير كافر من رعيته , أو خاصا بأسير معين
علي حسب ما يراه الأمام في ذلك من حسن النطر كما هو المشهور الأن عندنا
بالأندلس من اباحة ملوكنا ذلك للناس في القديم والحديث .
ومما يدل علي ذلك أن الأقوال المأثورة عن العلماء في ذلك هي كلها
مطلقة غير مقيدة بالامام ولا بغيره , وغاة ما يوجد فيها من التقييد أن يقول
الفقيه ان الامام مخير في الأساوي في وجوه خمس ثم بعد تلك الوجوه
=فأجاب : النكاح صحيح ، وميراث الزوجة ثابت لوجوه كثيرة ، من أظهرها ثلاثة أوجه : الأول : أن بينة الصداق شهدت بصحة الزوج حين عقد النكاح ؛ لأن الناقه صحيح ، وهذا موضوع لفظ الناقه لغة ، قال الجوهري لما بين كون ماضيه مكسور العين كتعب ، أو مفتوحها ككلح كلوحا ، فهو ناقه ، إذا صح وهو في عقب علته ، وتأيدت صحته بما ثبت في الوثائق المعقودة عليه بعد ذلك من وصفه بالصحة ، وإذا تقرر كونه صحيحا حين العقد ، فالمنصوص في مواضع من العتيبة وفي كتب الوثائق ونوازل ابن رشد رحمه الله تقديم بينة الصحة على بينة المرض .
التأكيد ، كما لو قدمه غيره على ما أوقع من الطلقة المؤجلة بناء على اعتقاده أن الأجل معتبر بإيجابه بأنها منجزة الآن ألف مرة ، فإن الألف على هذا التقدير منصرفة إلى التنجيز لا إلى أعداد الطلاق ، ويؤيده أن الألف كثيرا ما تستعمل في عرف الناس لإفادة المبالغة كالسبعين وغيرها.
ونظير هذ ما وقع في الإقرار فيمن قال: علي مائة وشيء أنه لا يلزمه إلا مائة ، مع أنه لو قال في ابتدائه علي شيء لأخذ به حتى يفسر فيلزمه ما فسره به ، قال ابن عبد السلام لأن الناس كثيرا ما يستعملون من هذا الكلام في كمال العدد الذي يقرون به ، فيقول القائل: لي عندك ، أو لك عندي عشرة كاملة أو وافية أو شبه ذلك.
والحاصل أن الحقيقة العرفية في هذه المسألة مخالفة للحقيقة اللغوية. انتهى.
ويلد على صحة هذا التأويل قوله الساعة ، وقوله في آخر المسألة: لأنه لم يرد غيرها ، فقيل نيته في دعوى معنى التأكيد ، هذا كله إن كان لقوله ألف تطليقة الساعة تعلق بقوله: أنت طالق إلى شهر ، كالإضراب عن التأجيل إلى التنجيز ، أو كالتحقيق لذلك التأجيل ، كأنه يقول: أوقعت تلك التطليقة الساعة ألف مرة ، وأما إن لم يكن له تعلق به اصلا فليس يلزمه شيء ، وإنما تلزمه الواحدة التي أوقع أولا ، ثم تدل على أنه نطق به مراغبا عن الأول ، ولم يدل دليل على أنه أراد به تفسير ما أوقع أولا ، فلا ينبغي له حكم بمقتضى ظاهره ، لأن من قال: ابتداء ألف تطليقة الساعة لم يجعله خبرا لانت الدال على خطاب المرأة ونحوه لم يلزمه شيء ، هذا إن كان الصحيح من لفظ الطرر ما رأيته أنا ، وأما إن كن الصحيح في ما كتبتموه انتم من قوله ثم قال: أنت طالق ألف تطليقة ، وكان قوله لها ذلك في العدة كما يدل عليه السياق من أنه بالقرب من اللفظ الأول وفي مجلسه ، فلا شك في عدم صحة هذا الحكم ، وأنه يلزمه الثلاث.
وسئل عن مثلها سيدي محمد بن مرزوق، هذه مثل الذي قبلها، وهي من اشترى من رجلين أرضا بيضاء لبعض الورثة والتزموا له عقبى كل درك يلحق المشتري ونص الرسم إن قام عليهم أحد فاستحق الأرض المذكورة في الرسم فيعطيه له عوضا عنها أرضا معينة له ووقع البيع على ذلك فصار المشتري يستغل الأرض المذكورة على عين البائع وبعض الورثة مدة من ثلاثين سنة، ثم قام الآن بعض الورثة ممن لم يبع يطلب الشفعة في المبيع فهل له ذلك أم لا؟
فأجاب: البيع على الوجه المذكور فاسد، وإن لم يفت المبيع المذكور فسخ البيع وبقيت الأرض لأصحابها ورد الثمن للمشتري، فإن فاتت بغرس أو بناء أو نحوه لزم المشتري قيمتها يوم قبضها وأخذ الثمن، فإن استحقت من يد المشتري فللمستحق أخذها بعد دفع قيمة العمارة قائمة إن لم يكن المشتري عالما به، وإلا فهو كالغاصب، وطالب الشفعة إن كان غائبا في المدة المذكورة فله ذلك، وإن كان حاضرا بعد الفوات مدة يسقط السكوت فيها للشفعة فلا شفعة، والله تعالى أعلم.
[مسألة في أهل منزل لهم عين يستقون منها ولا يدعي أحد منهم الاختصاص فيها]
وسئل سيدي مصباح عن عين ماء لأهل منزل يسقون منها ويسقون بقربهم ودوابهم جيلا بعد جيل وليس فيهم من يدعي الاختصاص بها أو بشيء منها، ولبعض أهل المنزل المذكور أرض وجنات تحت العين المذكورة وليس لآخرين منهم تحتها أرض ولا غيرها فأراد الذين لهم الأرض تحتها الانتفاع بفضل الماء لسقي جناتهم وخضرهم في الأرض البيضاء وأراد الذين
[153/5]
وسئل عن الرجل يبيع من الرجل الطعام بثمن إلى أجل، فينكر المبتاع الاشتراء، ويقول: إنما أخذته منه سلفا.
فأجاب: القول قول المدعى عليه الابتياع في أنه إنما أخذ الطعام منه سلفا.
[192/6]
[لا تجوز مراطلة الخالص بالمغشوش]
وسئل عن مراطلة الذهب المرابطية بالعبادية أو بالشرقية هل يجوز بعض ذلك ببعض؟
فأجاب: لا تجوز مراطلة الذهب المرابطية بالعبادية ولا بالشرقية، ولا العبادية بالشرقية. وقد جوز ذلك من أوجب الزكاة في عشرين مثقالا. وإن كانت مشوبة بنحاس كالشرقية ونحوها وليس ذلك بصحيح.
[من صرف دينارا بدراهم وقبضها وزعم أنها ناقصة]
وسئل من مراكش عمن صرف من رجل دينارا بدراهم، وقبض الدراهم ونهض المصرف للدينار بالدراهم، ثم انصرف بها وزعم أنها ناقصة من العدد الذي صرف به الدينار، فعدت الدراهم، فنقص منها درهم، فقال مشتري الدينار منه: إنما دفعت إليك العدد كاملا. وقال قابض الدراهم: ما خرجت الدراهم من يدي. ولقد دفعتها إلى ناقصة العدد. أين تكون اليمين إن توجهت أفي الجامع أم لا؟
فأجاب: اليمين في هذا تتعين في المسجد الجامع، لأن الأمر يؤول بما ادعاه قابض الدراهم من نقصان عددها. إلى انتقاص صرف جميع الدينار. انتهى وفي سماع ابن القاسم فيمن ابتاع ثوبا فوجد به خرقا، فزعم البائع أنه بينه وأنكره المبتاع. أتراه أن يحلف في هذا عند المنبر؟ قال لا أرى أن يستحلف عند المنبر إلى في ربع دينار فصاعدا، ابن رشد: ظاهر هذا أن لا يحلف عند المنبر، إلا أن تكون قيمة العيب ربع دينار. وقد روي ذلك عن ابن المواز وهو بعيد، لأنه يجب عليه إذا اختلف المتبايعان، فيقول البائع: بعشرة، ويقول المبتاع: بتسعة ألا يحلف عند المنبر وهو لا يصح، لأن اليمين إنما هي في فسخ بيع الثوب، وثمنه أكثر من ربع دينار، فكذلك الثوب المعيب، إنما ينظر إلى قيمته، لأنه هو الذي يرد، لا إلى قيمة عيبه، فينبغي أن يعدل عن ظاهر الكلام، فيقال: معنى قوله إلا في
[193/6]
فأجاب: الجواب عن السؤال بموحله: أن الصحن الذي يغلق عليه باب المسجد له حرمة المسجد وحكمه, فلا يصلى فيه على ميت, لأن الميت لا يدخل إلى المسجد ولا يعمل فيه عمل الدنيا ولا شغل من أشغالها, ولم تبن المساجد إلا لأعمال الآخرة.
[لا يجوز لأحد ان بنتفع بالحبس بلا عوض]
وسئل عن أنذر للمسجد حبسا للزيت أو الحصر أو لغير ذلك, وفيه رحبة ليس فيها منفعة للمسجد, وإنما هي تراب وأندر أخرى ملك للناس جوار الرحبة المذكورة, فصار صاحبه يبسط في تلك الرحبة حصرا ويجعل عليها دخنا وذرة وما أشبه ذلك, فبينوا لنا هل يجوز له أن يجعل في تلك الرحبة حصرا دون ثمن أم لا؟
فأجاب لا ينتفع بالأحباس إلا بعوض لا غبن فيه عليها, ويصرف في مصرف الأحباس.
[164/7] [لا تصرف أحباس مسجد إلى غيره ما دامت العمارة حوله]
وسئل عن قرية فيها مسجد خطبة بإمام راتب وفيها رابطة ليس فيها إمام ولا مؤذن ولا يفتحها أحد إلا من يصلي فيها وحده, وكان فيها دار قد تهدمت الآن فرجع ناسها إلى جامع الخطبة, وتركوا رابطتهم, ورجوعهم لجامع الخطبة يعطون معهم الأجرة مع إمامهم يدا واحدة من أنفسهم, فهل يجوز هذا أم لا؟ وهل يجوز لإمام جامع الخطبة أن يؤذن في صومعة الرابطة بعد ما يؤذن في صومعة جامع الخطبة في كل وقت, ويجتمعون في الصلاة في جامع الخطبة بشرط أن يأخذ من أحباس الرابطة؟ بينوه لنا بفضلكم.
فأجاب جواب السؤال بمحوله: أن من تبرع بأجرة الإمام بطيب نفسه من أهل الرابطة جاز ذلك, ولا تصرف أحباس الرابطة إلى الجامع ما بقيت الدور التي حولها مسكونة.
[يعطى إمام المسجد أضحية من أحباسه بشروط]
وسئل عن إمام يتفق مع أهل القرية واشترط عليهم أن يعطوه أضحية, وقالوا نعطوها من أحباس المسجد, وقال الناظر على الأحباس لا أعطيها إلا بأمر شرعي, فهل يجوز أن يأخذها من الأحباس أو لا؟
وسئل سيدي أبوالحسن الصغير عن الغارس يغرس فولا بين الأشجار المغروسة قبل الإطعام فيطلبه رب الأرض قبل الإبان أو بعده.
فأجاب بأنه متعد إذ لا شيء له في الأرض إلا بعد الإطعام، فلهذا القلع في الإبان والكراء بعده. ويمنع أيضا رب الأرض من زراعة الأرض المغروسة لأنه ضرر بالغرس إلا أن تكون هنالك عادة.
[من غاب فغارس ابنه أرضا له ثم وافق جميع من يصير إليهم ميراثه]
وسئل أيضا عن رجل غاب فعند ابنه إلى موضع من أرض الغائب فغارس فيه رجلا، ثم بعد أن أطعم الغرس باع حصة أبيه لرجل وبقي في يد المشتري حتى غرس زيادة فيه نحو سبعة أعوام، وسلم سائر ورثة الغائب لهذا المشتري في ذلك في البيع، ثم مات البائع وهو الابن المذكور، ثم إنهم عمروا الغائب وموت الآن، فلما موت قام ورثته وهم الذين سلموا في البيع فطلبوا المشتري فيما بيده وقالوا إنا سلمنا في وقت لا نملك.
فأجاب بأن ذلك لهم، ويبطل البيع والتسليم والمغارسة وكل ما عقد قبل التمويت، لأنه عقد في غير ملك العاقد وهي مسألة كتاب بيع الغرر، وهي إذا باع سلعة ثم مات المغصوب منه فصار البائع وارثا له نقض البيع، فكذلك هذه. وأما الغلة فإن كان البائع عالما بالغائب وأنه لم يموت لزمته وإلا فلا.
[المغارسة الفاسدة]
وسئل ابن عتاب عن المغارسة الفاسدة.
فأجاب: اختلف في المغارسة والمساقاة إذا عقدت فاسدة وفاتت
[174/8]
[175/8]بالعمل، والذي أقول به أن للعامل أجر مثله فيما غرس وفيما سقى، وكذلك الأرض تعطى مغارسة وفيها أصول ثابتة. هذا المختار وفيه أقوال كثيرة. وسئل بعض شيوخ الشورى عن حكم من دفع أرضا محبسة على وجه المغارسة فغرس الرجل وأدرك الغرس.
فأجاب: إن ذلك يمضي ولا ينقضه من جاء من الحكام، لأنه حكم بما فيه اختلاف انتهى.
قلت: بمثل هذا صدرت الفتوى من شيوخ تلمسان في أرض أم العلو المحبسة على المدرسة اليعقوبية منها.
[اختلاف المتغارسين في حصة المغارسة]
وسئل البرجيني عن رسم مضمنه أن فلانا أشهد على نفسه في صحة وطوع وجواز أمره أن أخته فلانة متى حضرت وليمتها فلها في ملكه كذا وكذا، وإن مات قبل وليمتها فهي وصية لها من ماله، وإن ماتت هي قبل ذلك فلا شيء لها من ماله سواء كنت حيا أو ميتا، فأوجب ذلك على نفسه على الشروط المذكورة والتزم عدم الرجوع في هذه العطية بعد أن عرف باختلاف أهل العلم فيها فالتزم قول من قال بوجوبها في أواخر شعبان عام أحد وعشرين وسبعمائة، ثم توفي بعد أعوام فقام من يطلب هذه الدنانير فأظهر ورثته رسما وصية مؤرخ أحدهما بعام ستة وعشرين، وذكر في كل أن هذه الوصية من العقود الجائزة في الشرع فله الرجوع عنها بخلاف التدبير، ولو قال في التدبير قصدت أن أغيره وأرجع إلى ما يثبت لكان له ذلك إذا لم تقم على عقد التدبير بينة، ولأبي عبدالله بن أبي مسلم بعد كلام ذكره في نحو هذا اختلف العلماء في التزام ما حكمه عدم اللزوم كرفع ضمان ما غيب عليه
[173/9] من العواري والرهان والرجوع عن وصية التزمها وكان له الرجوع فيها والتزام الزوج عدم خروجها من دارها أو بلدها ونحو هذه المسائل، فالمشهور أن الشروط لا تغير ما ثبت من الأحكام، وقيل هي حقوق للناس ولا حق لله تعالى، فما ألزموه أنفسهم لزمهم.
فأجاب عن ذلك: إذا ألزم نفسه الموصى عدم الرجوع ثم نسخها بعد ذلك فاضطرب المتأخرون فيها، وعدم الرجوع هو رأيي.
وأجاب ابن البرا بأن ما شهد به على نفسه من عدم الرجوع فلا رجوع له، قاله المتأخرون من المالكية كالتدبير، ثم جلب مسألة كتاب المدبر وما للتونسي في تعاليقه هناك.
وكتب في المسألة جوابا آخر لكون الجواب الأول لم يصل ، ومن جملته : وذكرت أن مثل هذا نزل بالقيروان وأهل التحقيق من العلماء كثير ، فجعلوا لمن سمع قول أهل الرفقة ممن يميز العلم الواقع في النفس وغلبة الظن والشك وهما رجلان عدلان وقالا وقع لنا العلم بما قاله أهل الرفقة أنه يجب المصير إلى ماشهدا به . هذا هو الصواب إن شاء الله تعالى . ومن وقع له العلم الضروري بقول أهل الرفقة أو بقول من كان أكثر من الأربعة لزم الصوم . هذا قول من حقق النظر من شيوخنا .
وسئل اللخمي عن ذلك .
فأجاب بصحة الجواب المتقدم . وقال : والذي عليه أهل العلم من القاضي أبي بكر بن الطيب وغيره أنه متى وقع العلم من المخبرين لا تراعى عدالتهم .
وسئل عن ذلك أبو الحسن علي بن محمد السنوسي المعروف بابن العابد .
فأجاب بصحة ما تقدم ، وذكر كثيرا من المسائل التي تشهد لذلك ثم قال : وقد روي عن ابن القاسم في أهل حصن أسلموا فشهد بعضهم لبعض أن شهادتهم جائزة وأنهم يتوارثون بذلك . قال وأما المتحملون فلو تحمل منهم عدد كثير فشهادة بعضهم لبعض جائزة إذا أسلموا . قال ابن القاسم
[148/10] وأصبغ في العشرين عدد كثير ، وأباه سحنون ، ولم ينظروا في ذلك إلى العدالة . قال وأما العدد القليل فلا ، إلا ببينة مسلمين سواهم تشهد على ذلك من تجار أو أسارى كانوا عندهم يتوارثون بذلك إذا كان الذين شهدوا لهم عدولا .
وسئل السيوري عن أهل قرية ليس فيهم عدل سكنوا قفصة وشهدوا في الأمر لا يعرفه غيرهم مثل شأن فقيرة يتيمة لا ولي لها تريد النكاح ولا يعرفها إلا أهل القرية وهم يزيدون على العشرين ، وقد يغيب أحدهم فتطول غيبته وتريد زوجته فراقه لعدم النفقة ولا يشهد لها إلا أهل القرية وهم قريب من مائة رجل ، فكيف يكون عملهم ؟ وهل تجوز شهادتهم بعضهم لبعض فيما تقدم في مكانهم إذا لم يكن فيهم عدل ؟
150/11] المعاطب التي لا تخفى. وإن ركونهم إلى الكفار واستنصارهم بهم لا يخفى أنهم داخلون به في وعيد قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾. وقال سبحانه في الآية الأخرى: ﴿ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل﴾. وإن تجديد بيعتهم للأمير المأسور، إصرار على ما ذكر من المعاصي والمحرمات، وتأكيد لما ارتكبوه من الجرائم والسيئات فمن آواهم أو أعانهم بقول أو فعل فهو معين على معصية الله تعالى، ومخالف لسنة رسوله ومن هوى فعلهم أو أحب ظهورهم، فقد أحب أن يعصى الله في أرضه بأعظم العصيان. هذا ما داموا مصرين على فعلهم، فإن تابوا ورجعوا عما هم عليه من الشقاق والخلاف فالواجب على المسلمين قبولهم، لأن الله تعالى يقول: ﴿فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه﴾. نسأل الله أن يلهمنا رشدنا، وأن يقينا شر نفوسنا، وأن يصلح ذات بيننا إنه ولي ذلك والقادر عليه. ومن أشهده السادات المذكورون فيه بما سطر وكتب عنهم من الجواب على السؤال المنبه عليه، وأنهم قائلون به وصادر عنهم. ولا خفاء بمعرفتهم وهم بحال كما الإشهاد قيد بذلك شهادته في أواسط شهر رمضان المعظم، عام ثمانية وثمانمائة عرفنا الله خيره. محمد بن(¬1) شهد ومحمد بن علي بن(¬2) شهد. أعلم بثبوته محمد بن علي الاصبحي وفقه الله وكان له انتهى.
[الاحتفال بفاتح السنة الميلادية]