قلت: هذه مثل ما تقدم عن أحكام الشعبي فيمن ترك مطمورة مفتوحة فوقع فيها خنزير فمات فيها أنه لا يجوز بيع طعامها من مسلم ولا نصراني ولا يزرع ولا ينتفع به, ويغيب عن النصارى حتى لا ينتفع به. قيل وهو إغراق من الفتوى ومخالفة لفتوى ابن أبي زيد. وقد مر ذلك كله فراجعه قريبا.
[موت فأرة في ماء العجين]
وسئل عمن عجن دقيقا كثيرا للخبز فظهر أن الماء الذي عجن به وقعت فيه فأرة, وكان الزمان زمان مسغبة.
فأجاب: بأنه يشتري بثمن بخس ويصرف لأهل السجن. ووكل رجلا على أن يدفع له من زكاته وقال بما يظهر لك في حق أهل السجن, وإن رأيت شراء هذا فافعل. فاشتراه وجعلوه ثريدا ولم يدخل بيت النار خشية عرقه فينجس قآعته, والنار لا تطهره على الصحيح. قال بعضهم ولم يحجر عليه أنه يشتريه بما دفعه إليه. قال وهذه الفتوى قريبة المأخذ حسنة جدا.
وقال ابن عرفة رحمه الله: رأيت في النوم شيخنا ابن عبد السلام وكأن سائلا سألني عن كعك عجن بماء تغير أحد أوصافه بنجاسة, فأفتيت بانه يطرح. فقال لي الشيخ: كان الشيوخ يفتون بالتساهل. فقلت له: إذا رأيت ظاهر الرويات خالف فتوى الشيوخ تميل نفسي إلى الأخذ بظاهر الروايات وترك فتوى الشيوخ, فسكت عني ولم ينكر.
وسئل عما يجعله سطح المسجد من الرماد الذي أصله مما يجتمع من الأزبال والأرواث وغير ذلك ويحرق ويجعل على البيوت كالجير يمنع من القطر.
[19/1] وسئل عن بيت الشعر أو الخباء إذا كانت في أطرافه نجاسة أو بول حيوان لا يؤكل لحمه, هل تصح فيه الصلاة أم لا؟
فأجاب إذا كان سطح رأس المصلي يماس الحباء فهي مسألة العلاقة, وإلا فهي كالبيت المبني ولا تضره والله أعلم.
[الصلاة على سقف أو حصير تحتها نجاسة]
وسئل عن السقف إذا كانت فيه كوة تقابل مرحاضا أو غيره من النجاسات أو حصير فيه ثقب لا تصل ثياب المصلي إلى ما تحته من النجس, لكنه يستقر على الأعلى.
وبين عبارته فيما نقل عن الوقار وعبارة " اللخمى " فرق . ويتبين ذلك بنقل كلام
(اللخمى), ونصه : الثاني, يعنى من أقسام نية الاصطياد الراجعة إلى حال صيد
الخنزير, نيته قتله لا لغير ذلك, وليس ذلك من الفساد . ثم قال بعد
الاستدلال بالحديث الكريم, وعلى هذا مذهب مالك انه يجوز قتله ابتداء , إلا
ان تصيب إنسانا حاجه تبيح أكله , فيستحب له ان ينوى الذكاه , قاله أبو بكر
الوقار انتهى .
فقوله قاله أبو بكر الوقار ليس فيه من الصراحة نسبه الاستحباب إلى
[20/2]
[21/2]
الوقار ما في عبارة شيخنا" ابن عرفه " , لا عبارة " اللخمى " فيها أجمال واحتمالات
بعضها اقرب من بعض, فان من محتملاته عند من لم ير كلام الوقار رجوعه
إلى الفصل كله أو إلى قسم الحاجة . ويحتمل ان يرجع إلى اصل مشروعيه
الذكاه . لا إلى استحبابها . والاستحباب انما هو من اختار " اللخمى" , ووجهه
ما سنذكره ان شاء الله تعالى . ولما استشعر " اللخمى" عند ذكره استحباب ذكاته
انكار ذلك , إذا ليس مما شرعت فيه كما اقتضاه نص شيخنا بادر لعزوه الوقار,
إما ليتقوي به فيما اختار كأنه يقول وقد قال" الوقار" ما هو أقوى من
الاستحباب , وان كنت أنا لا أرى ذلك , بل نقف عند الاستحباب , لاشعار
ظاهره عبارة الوقار بالوجوب إذا ذكرتم . واما للخروج عن عهده الذكاه فيه
ونسبتها إلى الوقار بتأويل كلامه على استحباب ذكاته.فانه اقرب إلى الوصول
من الوجوب فيما رآه . وهذا الاحتمال الأخير من قولي . ويحتمل ان يرجع إلى
هنا هو الصواب في فهم كلام " اللخمى " ان لم يكن نقل من كلام الوقار إلا هذا
الذي نقلتم . وبالجمله , فالمخالفة واضحة بين كلام الشيخ والوقار, فالاستدراك
على الشيخ أقوى منه على " اللخمى" . ومن اجل ذلك تجدني كثيرا فيما أريد نقله
بالكتابة من كلام الناس أتحفظ على ألفاظهم مع ثقل ذلك على ومحبتي في
الاختصار , والنقل أمانة . وما وقفت على كلام الشيخ هنا ولا على كلام
*وسئل رحمه الله عمن طاع لزوجته أن لا يتزوج عليها زوجة سواها ولا يتسرى ولا يتخذ أم ولد بغير إذنها ورضاها ، فإن فعل فالداخلة عليها بنكاح طالق بنفس العقد عليها طلقة واحدة ، والسرية وأم الولد حرتان لوجه الله تعالى . ثم إن زوجته المذكورة مرضت بعد بنائه بها مدة من عشرين شهرا مرضا آل بها إلى حالة لا ينتفع بها زوجها بالجماع ، وخاف زوجها لأجل ذلك على نفسه العنت والوقوع في الزنا ، وأراد أن يتزوج غيرها يحصن بها دينه ، فهل يباح له ذلك ويسقط عنه ما التزمه من الطوع المذكور للمشقة اللاحقة له في بقائه عزبا أم لا ؟ بينوا لنا بيانا شافيا .
=فأجاب : أما الإباحة فلا نزاع فيها إلا من ناحية إضاعة المال في التزويج وفي غيره[18/3]من الخلاف في : إن وطئتك فأنت طالق ثلاثا ، وقول عمر رضي الله عنها : لا تقربها وفيها شرط لأحد . وأما سقوط ما التزم للعذر المذكور فلا ، ويلزمه ما التزم مهما فعل بغير رضاها ، ولا يشبه هذا معلق الطلاق على النكاح إلى أجل يخاف العنت في الأجل ؛ لأن هذا لا يمكنه دفع هذا المحظور بشيء قبل الأجل إلا بالتزويج فأبيح له ، ويسقط طلاقه المعلق للحرج ، والخلاف في المسألة ، وصاحب السؤال يمكنه دفع المحذور بطلاق الأولى ويتزوج ، هذا إن أراد ما دامت الأولى المحلوف لها في عصمته إما تصريحا أو نية ، ويصدق فيه مع يمينه على ذلك إن كان التزامه المذكور طوعا بعد عقد النكاح كما هو ظاهر السؤال ؛ وإن كان في العقد فكلام آخر . وإن أراد ما عاشت المحلوف لها فهو إن طلقها كمعلق الطلاق إلى أجل ، هذا كله على المشهور المعمول به في الأحكام من مذهب مالك ، والسمح له في تقليد القول بعدم اللزوم يحتاج إلى نظر في تسوية هذه المسألة بمحل ذلك الخلاف ، وبناء على خلاف آخ في أصول أخر ، وتفصيل يطول تتبعه ، وقد أرشدت إليه فاطلبه .
[من غاب عن زوجته قبل الدخول بها]
قد مات أو استدان من الديون ما هو أحق بماله من نفقة أبويه، ولهذه العلة قالوا: إن الغائب لا يؤخذ من ماله الناض للزكاة، وبالله تعالى التوفيق.
[من طلقت نفسها لمغيب زوجها وعدم النفقة، وتزوجت، ثم حضر الزوج]
وسئل الشيخ أبو بكر بن عبد الرحمن عن المرأة إذا قامت في مغيب زوجها بعدم النفقة فأثبتت ما يجب إثباته وضرب القاضي لها أجلا ثم حلفت وطلقت نفسها وأباح لها القاضي النكاح فتزوجت ودخل بها زوجها ثم قدم الزوج الأول، وأثبت أن نفقته كانت عليها.
فأجاب: يفسخ النكاح الثاني وترجع إلى الأول إن شاء الله.
[إذا طلبت الزوجة الطلاق من زوجها الغائب بعدم الإنفاق وجاء من تحمل النفقة]
وسئل عن رجل غاب عن زوجته فقامت المرأة وادعت أنه لم يترك لها زوجها شيئا، ورفعت أمرها إلى السلطان وأرادت الفراق إذ لميترك لها نفقة ثم إن رجلا من أقارب الزوج أو من الأجانب قال لها: انا أؤدي عنه النفقة ولا سبيل لك إلى فراقه.
فأجاب: لا مقال لها إن قال الرجل: أنا أنفق عليك لأن عدم النفقة الذي أوجب لها القيام قد وجدتها.
وأجاب أبو القاسم ابن الكاتب بأن لها أن تفارق، لأن الفراق قد وجب لها، وإلى نحو من مقالة الشيخ أبي بكر بن عبد الرحمن أشار الشيخ أبو عبد الله بن المناصف، فقال ما حاصله: قيام الزوجة في غيبة زوجها على وجهين، لترجع بما أنفقت عليه، وفائدته قبول قولها من حين الرفع، الوجه الثاني: لتطلق نفسها بعدم الإنفاق فإذا اثبتت الزوجية والمغيب ولم يترك لها شيئا ولم يخلف ما يعدي فيه ولم يتطوع أحد بالنفقة عنه ودعت إلى الطلاق إلخ، فظاهر أن التطوع بإجراء الإنفاقة يسقط مقالها كما قاله ابن عبد الرحمن، وهو الذي
[19/4]
[20/4]
لم يبين هذا المعترض وجها للاعتراض، ولا أبدى مانعا في الفقه، ولا نقل قول إمام يعارض به، فقلت وبالله التوفيق.
سلف الدقيق بالميزان جائز، لا أعرف أحدا ممن يقتدى به منعه، وذلك أنه يطلب في السلف معرفة المقدار المسلف ليعلم قدر ما يؤخذ، وقد حصل بالوزن، وبه أيضا يعرف التساوي، وقد أجاز ابن القصار رحمه الله مبادلة الحنظة بدقيقها وزنا، وفسر به قول مالك، وكذلك أجاز مبادلة القمح بالقمح وزنا لأن المقصود المساواة، وقد حصلت، وعلى هذا يكون قول ابن القصار نصا في مسألتنا، لأنه إذا أجاز ذلك في المبادلة كانت إجازته في السلف أولى وأحرى، ولا أعلم لهذا المانع وجها، فإن كان استند إلى القول بالمنع من مبادلة القمح بالقمح وزنا فلا دليل له، لأن باب المبادلة أشد، لأنه يمنع فيه التفاضل في الصنف الواحد الربوي، وإن كان التفاضل يسيرا جدا، ولذلك منعت الزيادة اليسيرة في المراطلة، وإن كانت حبة بإجماع لحصول الربا بذلك، وباب السلف أخف لما فيه من الرفق والمعروف بين الناس، لا سيما الدقيق بين الجيران، ولأن قضاء أقل إذا رضيه المسلف جائز باتفاق، وقضاء أكثر من غير شرط إذا رضي المتسلف جائز مطلقا على قول ابن حبيب وعيسى بن دينار، ويجوز عند أشهب إن كانت الزيادة يسيرة، ووجه الجواز مطلقا قوله صلى الله عليه وسلم « خياركم أحسنكم قضاء » (¬1) فحمله على إطلاقه في زيادة الصفة، وروى البزار عن ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم « استسلف من رجل من الأنصار أربعين صاعا فرد إليه ثمانين: أربعين عن سلفه، وأربعين فصلا » (¬2)
فإن قلت: لا يلزم من بطلان الإقرار في مسألة كتاب الوصايا بطلانه في مسألة الإقرار للمجهول، لضعف التهمة في هذه وقوتها في تلك.
قلت: لا نسلم ضعف التهمة في مسألة الإقرار للمجهول، بل هي قوية أيضا. وسبب قوتها بين. وذلك أن الإقرار للمجهول طريق إلى إخراج المال في وجه لا يعلم حقيقته إلا من قول المقر. وربما لم يكن له أصل، وإنما حابى بذلك نفسهن بخلاف الإقرار للمعين فإنه ينظر فيه إلى حال المقر والمقر له في الصداقة وغيرها مما يوجب قوة التهمة أو ضعفها، ليترتب على ذلك الحكم بإعمال الإقرار أو إلغائه. ولما تعذر هذا النظر في الإقرار للمجهول سلك العلماء فيه مسلك الاحتياط، وجعلوا حكمه قريبا من حكم الإقرار للصديق الملاطف.
ويدل على صحة ما قلناه إقامة ابن رشد المتقدمة في مسألة كتاب المكاتب في مسألة الإقرار للمجهول، مع أن حكم المكاتب على مذهب المدونة حكم الصديق الملاطف على ما ذكر بعض الشيوخ. ولما خرج ابن رشد الخلاف من مسألة المكاتب في مسألة الإقرار على تساوي المسألتين عنده في التهمة.
فإن قلت: سلمنا أن التهمة في هذا الباب إذا قويت بقرائن توجب ذلك فإنها مبطلة للإقرار رأسا كما ذكرت، لكن لا نسلم قوتها في مسألتنا لأن بإزاء قيام التهمة من جهة عداوة الأخ الحاضر ارتفاعها بالنظر إلى جانب الأخ الصديق المسافر، متى قويت التهمة بالنظر إلى جهة ضعفت بالنظر إلى جهة أخرى، لأن هذا الإقرار لو كان ضرره قاصرا على الأخ العدو، لقلنا بقوة الريبة والتهمة، لكن عم ضرره الصديق والعدو، فضعفت التهمة فيه، لتقابل الطرفين، وذلك يوجب الرجوع بنا في المسألة إلى محل الخلاف من الأصل المتقدم. ويدل على اعتبار صحة هذا المعنى قول بعض كبار الشيوخ: اختلف في الإقرار إذا تطرقت التهمة إليه من جانب، وارتفعت من
[20/6]
فأجاب رحمه الله: الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا رسول الله, ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله, الجواب والله الهادي إلى سبيل الرشاد, وملهم الصواب بفضله, إن مقتضى الشرع, وحاصل الفقه في هذه النازلة وقفها على نظركم الحسن, ورأيكم المستحسن, لما ولاكم وأنجح آراءكم ألا تتصرفوا إلا بجلب مصلحة أو درء مفسدة, قال الله سبحانه: ﴿ ولاتقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ﴾ فالأئمة والولاة معزولون عما ليس بأحسن لتحجير الله تعالى على الأولياء(¬1) التصرف فيما ليس بأحسن, وإذا كان هذا في حقوق اليتامى مع تفاهة الفائت من المصلحة في ولايتهم لخستها بالنسبة إلى القضاة فضلا عن الولاة, فأولى أن يثبت ذلك في حقوق المسلمين فيما يتصرف فيه الولاة من الأموال العامة, لأن اعتناء الشرع بالمصالح العامة اوفر وأكثر من اعتنائه بالمصالح الخاصة. في علمكم ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من ولي من أمور أمتي شيئا ثم لم يجهد لهم ولم ينصح فالجنة عليه حرام". وقال - صلى الله عليه وسلم - " من استرعاه الله رعية فلم يحطها بنصحه لم يجد ريح الجنة وأن ريحها ليوجد من(¬2) مسيرة ماءة عام,
[
الحمد لله أشهد الفقيه الأجل المدرس العالم العلم الصدر الأوحد
[19/8]
[20/8]الصالح الورع المبارك الأشهر الأفضل أبومحمد عبدالله بن الشيخ الفقيه المدرس العالم العلم المرحوم أبي عبدالله بن الشيخ الجليل المقدس المرحوم أبي عمران موسى بن معطي العبدوسي على نفسه أن الجواب المكتتب فوقه يليه، هو بخط يده، وهو موافق على الجواب الذي نسب لسيدنا الشيخ الفقيه الورع أبي الضياء مصباح، وأن جوابه جواب ارتضاه في المسألة المذكورة رضا تاما، أشهد به على نفسه وهو بحال كمال الإشهاد عليه من عرفه، وفي رابع وعشرين شهر ربيع الأول المبارك، من عام أربعة وعشرين وثمانمائة، محمد بن علي بن محمد المليلي، ومحمد بن محمد بن عبدالله. وعقبه استقل وأعلم باستقلاله محمد بن محمد الأوربي.
[تنازع الفاسيين والمصموديين في كنس وادي مصمودة]
مسألة في وجه الحكم في وادي مصمودة حين تنازعوا مع الفاسيين في كنسه لزيادة الماء فيه لسقي خضرهم وثمارهم.
وفي مسائل ابن زرب: من فتح بابا إلى غرفة على دار جاره لا يطلع عليه منها إلا بكلفة مثل أن يدخل رأسه وشبهه فإنه لا يسد ذلك عليه إلا أني أستحسن أن يوضع على الباب شرجبا لئلا يدخل رأسه منه، قيل له: هل رأيت هذا لأحد؟ قال: لا، إلا أني أستحسنه وأفتيت به، وفي مسائله أيضا، وقال يونس بن عبدالله الصفار عنه وسمعته يقول: من أراد أن يفتح بابا في زقاق نافذ فإني أستحسن إذا كان الزقاق. ضيقا أن ينكب عن مقابلة دار جاره إن أمكنه وإن
[21/9] لم يمكنه التنكيب لن يمنع من الفتح وإن كان الزقاق ضيقا، قلت له لم لم يؤمر بالتنكيب في الزقاق الواسع إذا أمكنه؟ قال: لأن الزقاق الواسع يبعد الضرر فيه بسبب سعته، وأما الزقاق الضيق فيقرب الباب ويصل ذلك الضرر، وذكر أنه عرض لبعض جيرانه محنة في أهله بسبب باب في زقاق ضيق قابل بابه، قيل له: فلو جعل حانوتا يقعد فيه قبالة باب جاره. فقال: ذلك جائز. قيل له: ولو أن رجلا أراد ملازمة اسطوانة والجلوس فيه وهو يقابل باب جاره، فقال ذلك مباح إلا أن يعلم أنه لا حاجة له إلى الجلوس فيه وإنما يفعل ذلك مضارة، قيل له: فلو أن دار رجل في درب أراد أن يجعل اسطوانه حانوتا. فقال: ذلك جائز. قيل له: ذلك جائز. قيل له: فإنه يصل بذلك الضرر إلى أهل الدرب لكثرة من يرده. فقال وإن كان ذلك مباحا له، وقال في الشجرة إذا قابلت سقف رجل قطع منها ما وصل إلى سقفه وما قابله وصلت إلى السقف أو لم تصل إنما يترك منها ما لا يقابل سقف جاره.
[مسألة فيمن فتح بابا قبالة جاره]
وسئل عن زقاق مسكوك عليه ضيق أراد بعض أهله أن يفتح فيه بابا يقابل باب جاره.
فأجاب : إذا حكم القاضي للرجل بما يوجب عليه الضمان ، فبيانه أن يعلم خصمه بوجوبه له إذا كان ممن يمكن أن يجهل ذلك ليلا يظن أنه إنما حكم عليه دون ضامن ، فإن تركه وإلا قضى له به . وذلك في مثل الرجل يحل له الدين على الرجل فيسأل المطلوب أن يؤجل به حتى يحضره فيبدي ذلك القاضي ويحكم له به على الطالب ، ومثل الرجل يسجن فيما عليه من الدين ليثبت العدم ويسأل أن يطلق من السجن والطالب يكذب بينته التي شهدت له بالعدم فيحكم القاضي بإطلاقه من السجن والإعذار إلى الطالب في بينته ، وما أشبه ذلك . وأما إذا لم يحكم له بما يوجب الضمان عليه فلا يحكم عليه بالضمان حتى يسأل ذلك الطالب ، وليس عليه أن يعلم بوجوه ذلك له ، وذلك مثل أن يدعي رجل على رجل حقا فينكره فيسأل الطالب أن يؤخذ له به حميل حتى يقيم بينته على حقه وما أشبه ذلك . والذي حده أهل العلم في ضرب الآجال على المطلوب في جل ما ثبت عليه الطالب إنما هو منتهى ما يؤجله فيه إذا لم يقنع بأقل من ذلك . والمعلوم منه أيضا أنه إنما يطلب ضرب الآجال له ليوسع عليه فيه ، فلذلك استمر العمل على أن يضرب له ما حده العلماء من [19/10] الآجال إذا سأل أن يؤجل ليطلب منافعه دون أن يسأل عن شيء وبالله التوفيق .
[إذا تعارضت دعاوي ورثة وبيناتهم استفسروا هم والشهود]
وسئل الإمام أبو حامد الغزالي عن عن مثل ما تقدم عنه جواب سيدي سعيد العقباني، ونص السؤال وهو لابن العربي. ما يقول شيخنا أدام الله نعمته لديه في قول النبي صلى الله عليه وسلم: لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه وقوله صلى الله عليه وسلم: خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم زاد أبو داوود رضي الله عنه حديثا كأنه يظهر منه مناقضة لهذا الأول وهو قوله عليه السلام: المتمسك من أمتي بدينه في آخر الزمان له أجر خمسين منكم قالوا يا رسول الله بل منهم قال: بل منكم. ما وجه الجمع بينهما ؟ ينعم بكشفه إن شاء الله
[19/11] فأجاب: ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم يقتضي أنه خطاب للموجودين في زمانه الظانين بأنفسهم أنهم ينالون رتبة المخصوصين بصحبته من خواص أصحابه، والظانين بأصحابه القصور في أمر من الأمور فذكر ذلك ردا على من لم ينل فضيلة خصوص الصحابة. وإن حمل على أهل آخر الزمان، فالجمع ممكن إذ لا يجوز أن ينال رتبتهم بمجرد الاتفاق وإن تمسك بدينه فضلهم والتمسك بالدين شامل جامع لمعاني الدين، والإنفاق باب واحد من أبواب الدين والتمدي بدينه وسبعين بابا من الإيمان مع فقد الأعوان بفضل خمسين منهم. وقوله صلى الله عليه وسلم منكم يجوز أن يريد من عمومهم لا من خواصهم كما يقال رجل واحد من الترك يقاوم خمسين من الروم ويكون المراد خمسين من عمومهم لا من الآحاد والشواذ المخصوصين بالشجاعة منهم ويكون قوله صلى الله عليه وسلم: لا يبلغ مد أحدهم المراد بهم الشواذ المخصوصون بخصوص الصحبة كالخلفاء الراشدين رضي الله عنهم. ونظير هذا اللفظ من التخصيص يكثر وجوده والله أعلم.
[هل يحمل لفظ الحديثين: يؤتي بالعبد فيخاصره ربه. وإن الله تعالى عرشه على سماواته على ظاهره أم لا؟]
وسئل ابن أبي زيد - رحمه الله - عن المفتي يخبر المستفتي باختلاف الناس .
فأجاب : من الناس من يقول إن المستفتي إذا استفتى المفتي فيخبره
[18/12]
[19/12]
باختلاف الناس أن له يختار لنفسه في أي الأقوال شاء ، بمنزلة رجل دخل المسجد فوجد أبا المصعب في مجلس وابن وهب في مجلس وغيرهما كذلك ، فله أن يقصد أيهما شاء فيسأله ، لا فرق بين أن يعمل بقول من شاء منهم وهم أحياء أو يختار ما ثبت من أقوالهم بعد موتهم .
قلت لأبي محمد : فما تقول أنت في ذلك ؟ فقال : أما من فيه فضل الاجتهاد فله أن يختار لنفسه ، ومن لم يكن فيه فضل الاجتهاد قلد رجلا يقوى في نفسه ، فاختيار الرجل كاختيار القول .
قلت : وهذا كله بعد تسليم القول بجواز تقليد المجتهد الميت ، وهو الصحيح عند ابن الصلاح وغيره والذي عليه العمل ، وحكى الإمام فخر الدين الرازي في بعض كتبه الإجماع في هذه الأزمنة المتأخرة ؛ لأن المذاهب لا تموت بموت أصحابها ، ولهذا يعتد بها عندهم في الإجماع والخلاف . وقال شرف الدين التلمساني : المشهور أنه لا يجوز تقليده ولا مذهب له ولا ينسب له قول في الحال ؛ وفائدة تدوين المذاهب ونقل الأقوال معرفة طرق الإرشاد وكيفية بناء الحوادث بعضها على بعض ، ومعرفة المتفق عليه من المختلف فيه .