وفي حديث الإفك من صحيح البخاري قوله صلى الله عليه وسلم وأبنوهم الله بمن لا أعلم عليه إلا خيرا(¬1), ومعناه أيضا اتهموهم. ورأيت
[129/1] في ترجمته في الاكراه من القاضي أو غيره على الاقرار بالحدود من كتاب الاكراه من النوادر عن سحنون ما نصه: ولو رفع إلى القاضي من يعرف بالسرقة والدعارة مأبون بذلك, ثم قال: ولو تقدم للحاكم على الجور رجل ثم يقر وليس من اهل التهم والدعارة انتهى. فهذا يدل على أن معنى اللفظة عند الفقهاء المتهم كما هي في اللغة. وذكر في بعض أبواب كتاب القذف ما يحتمل ما ذكرتم وغيره, وإليه أشار خليل في مختصره بقوله في باب القذف: وحد مأبون إن كان لا يتانث إلا أن في مطابقة نقل خليل لما في النوادر نظرا فحققوه.
فإن قلت: فما تقول فيما وقع في كتاب الصلاة الثاني من العتبية في رسم الجواب من سماع عيسى من ابن القاسم في المسألة التي سئل عن المجنون المطبق والصبي الصغير أو امراة يكونون أمام المصلي, فإنه قال فيها: وقد بلغني أن أبا سلمة بن عبد الأسد كان في الصلاة وكان أمامه رجل مأبون في دبره, فقدم رجلا إلى جنبه ليكون إمامه في مكانه, فلم يتقدم الرجل لأنه لم ير خللا ولا فرجة ولم يأته لما أراد, فلما فرغ من صلاته عزله فكأنه اعتذر نحو ما أختبرتك, فقال أبو سلمة ألم تر إلى فلان المأبون في دبره أمامنا, إنما قدمتك لذلك انتهى. وهذا تصريح بما فهم الفقيهان.
جواب ما أبداه من الاعتراض ومطرق لاحتمال العجز عنه , فاستخرت الله
تعالي وعزمت علي تحرير الجواب عما تضمنه من الاعتراض وابداء ما وقع فيه
من الخطأ والفساد , غير ملاحط في ذلك من قيده ولا ناطر من سطره , بل
غرضي اصابة الحق حيث كان , والله ولي التوفيق والارشاد .
فأول ما افتتح به هذا المتكلم جوابه المذكور في فقه المسألة بعد
ما قدمه من ذكر ورود السؤال علي الحضرة , وأخذ في الجواب عنه لما
سئل منه ذلك ان قال ان النطر في هذه المسألة في فصلين : الفصل الأول
فيما تحتوي عليه من أحكام الفقه نقلا ونطرا , والفصل الثاني في التقييد
الوارد من مالقة والبحث عما وقع فيه , ثم تكلم في الفصل الأول في حكم
فداء الأساري خاصة . وتكلم في الفصل الثاني في الاعتراض علي تقييد
طلبة مالقة المذكور وقد كان التقييد الموجه من مالقة يتضمن أربعة فصول
[168/2]
[169/2]
من الفقه المتعلق بالمسألة , أحدها حكم فداء الأساري وافتكاكهم , والثاني
حكم اسلام هذا العلج المفتك , والثالث حكم تمكين الفكاك منه , والرابع
حكم مال الفدية هل يرجع به علي أحد ام لا فأجاب هذا المتكلم عن
أحدها وترك سائرها , ولا خفاء ان هذا ليس من أدب المتعرضين للجواب
عن السؤالات ولا من عادتهم , بل الوجه ان يحاب عن كل فصل وقع
السؤال عنه , وان كان ذلك غير موافق لمذهب المجيب فان النزاع باق
في المسألة ولم تقع عليها موافقة من الجانبين فترك ذلك مما يعترض .
تشبث أهل المغرب بالمذهب المالكي
ثم قال : فأما الفصل الأول فنتكلم فيه أولا في حكم فداء أساري
الكفار من الجواز والمنع , ثم نتكلم ثانيا في هذه النازلة بعينها وأخذ يتعاطي .
درجة الاحتهاد ويستعلي علي الأيمة المقلدين , فذكر مذهب مالك والشافعي
وأبي حنيفة في فداء الأساري من الجواز زالمنع وأورد حججهم من الكتاب
والسنة والقياس , واشتغل بالرد والقبول لما طهر له رده أو قبوله من ذلك ,
=فأجاب : إن ابن كنانة قال : إن طلب ذلك ابن الأخ ، وقال : قد زوجني قبل اليوم لزم العم ذلك ، ولم يقبل منه قوله : أردت دفعهم بذلك ، وإن كان ابن الأخ إنما طلب ذلك بقول العم للقوم ، ويقول : قد أقر عمي أنه زوجني ولم يدع أنه زوجه قبل ذلك ، لم يكن له ذلك ولم يلزمه . وقال أصبغ : أرى قول العم لازما[142/3]والنكاح لابن الأخ واجب ، لا نبالي بأي ذلك طلبه بهذا القول أو بنكاح كان قبله ؛ لأن النكاح ليس فيه لعب ولا اعتذار ، وهزله جد وعلى قول ابن القاسم يحلف الأب ما أراد إيجابا ولا كان إلا متعذرا ولا نكاح لابن أخيه .
[رجل يشترط لامرأته أن لا يتسرى عليها]
*وسئل : عبد المالك ابن الحسن عن الرجل يشترط لامرأته أن لا يتسرى عليها ، فإن فعل فأمر السرية بيدها إن شاءت باعت ، وإن شاءت أمسكت .
=فأجاب : أما البيع فلا كلام لها فيه ، وأما العتق والإمساك فذلك لها ، قيل له : فإن اشترى جارية فوطئها وهي لا تعلم ، ثم باعها من رجل فعلمت المرأة بذلك عند المشتري ، قال : لا قضاء لها إذا لم تكن في ملك الزوج ، وقد انقطع ما كان بيدها من ذلك . وقال ابن حبيب يفسخ البيع ويرد البائع الثمن على المشتري ثم تعتق على الزوج .
[المرأة إذا أخذت الكالئ من زوجها لا يلزمها أن تشتري به شورة]
*وسئل : ابن زرب المرأة يكون لها الكالئ قبل زوجها فيحل عليه بعد دخوله بها وتأخذه منه ، هل يلزمها أن تشتري به شورة .
149/4]
[150/4]
الكاذبة منه ، إذ هو محل النزاع ، فبان منع صدق الكبرى ودليلها كليين.
فإن قلت: فما معنى الواجب من حماية نفس المؤمن وماله إذا؟ وما معنى ما وقع في النوادر حين ذكر قول مالك وابن الماجشون ومطرف الذي تقدم في نقل اللخمي من قوله: وإن كان آمنا على نفسه ، وإنما أراد أن يغيبه بيمينه فقد أجر وقد لزمه الحنث؟ انتهى ، فلو كانت يمينه غموسا محرمة كما ذكرت لما أجر ، لأن الأجر لا يكون على فعل المحرم ، وكيف الجمع بين كلام ابن رشد هذا وقوله في المقدمات لما قسم الكذب: والخلس كذب الرجل في دفع مظلمة عن أحد مثل أن يختفي عنده رجل يريد قتله أو ضربه ظلما يسأله هو هو عنده أو يعلم مستقره ، فيقول: ما هو عندي ولا أعلم له مستقرا ، فهذا الكذب واجب لما جاء فيه من حقن دم الرجل والدفع عن بشرته.
قلت: الواجب من حماية المؤمن في مثل هذا الموطن الكائن بين المسلمين الدفع عنه بما أذن فيه الشرع من إنقاذ نفسه وماله بما لا كبير ضرر فيه على المنقذ ، كمواساته بما يملك رمقه إن احتاج ، والدفع عنه بيده إن قدر ، ثم بسلانه إن قدر ووجدت الشروط ، ثم بقلبه وهو آخرها ، وهذا الذي لا يقدر إلا بالحل ف الكاذب لا يجب عليه ذلك ، لأنه منهي عنه بالنصوص الصريحة ، وعليه في الحنث غالبا مشقة فادحة ، فهو ممن يقدر إلا بقلبه ، لكن إن تكلف هذه المشاق وتجشم القدوم على النهي عن الحلف الكاذب كالمصلي في الدار المغصوبة ونحوه من المسائل التي لها جهتان ، وليس أجره من جهة اليمين.
ولئن سلمنا أن اليمين في مثل هذا الموطن لا يحرم لما نقل الشيخ من أجر حالفها ، وأن الأجر للحالف ، لكن لا نسلم أن الحالف يرتقي إلى حد الوجوب ، لأن الأجر قدر مشترك بينه وبين الندب ، فيحمل كلام ابن رشد الذي نقلتم على أن هذه اليمين مندوب إليها ، ولا حرج على تارك المندوب ، وإنما لم تجب مع كونها ليست بحرام لما على الحالف في ذلك من مشقة الحنث.
[150/4]
[151/4]
فأجاب: أكرمكم الله: الجواب أن القسمة ثابتة ولا غبن لأجل ما أعطاه من تلك القطعة ورضي بها ويبقى الطريق على ما كان عليه للمسلمين ولا شريك على ما كان عليه لأنه على ذلك أعطاه، انظر لو كانت هذه القطعة المصالح بها لا طريق لها إلا في باقي قسمة المطلوب الذي خرج عنها للقائم بالغبن ولم يذكروا رفع الطريق ولا بقاءه فإن لآخذ القطعة المرور إليها في بقية قسمته حيث كان على ما كان، ولو اشترطا في عقد الصلح أن لا مرور له عليه وليس لها مدخل إلا من بقية قسمته لم يجز الصلح لأن ذلك من إضاعة المال الذي نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عنه، وما ذكرناه من فساد الصلح إنما ذلك إذا لم يتصل بالقطعة المذكورة أرض أخرى لأخذ الرقعة، وأما إن اتصلت بها أرضه كما في هذا السؤال فيجوز الصلح على أن لا طريق لقابض الرقعة على دافعها لأنه يتوصل إليها من أرضه، فلو استحقت أرض قابض الرقعة وبقيت الرقعة وقد كانا اشترطا أن لا مرور له على دافعها انفسخ الصلح في القطعة لأنها تبقى لا مدخل إليها ولا مخرج عنها ذكر هذا ذكر هذا كله ابن العطار في البيع والصلح مثله لأنه بيع من البيوع، قال أبو عبد الله بن العطار سألني ابن أبي زيد بالقيروان عن رجل ابتاع قطيعا من جنان رجل يلاحقه على أن يصرفه إلى جنانه ولا يكون له مدخل إلى جنان البائع فصرفه
[146/5]
ثم استحق جنان المبتاع قال فجاوبته أنه ينتقض البيع في القطيع فقال ابن أبي زيد نزلت عندنا فافتيت فيها بهذا، انتهى.
[مسألة في زوج صير لزوجته في مرضه ثلث أملاكه في كالئها]
وسئل عمن اشتري من رجل دابة بمائة حلالا فكانت عنده ما شاء الله ثم أصيب بها ثم وجد البينة على الذي باعها منه أنها كانت مغصوبة عنده أله أن يرجع عليه بشيء؟ وإنما وجد البينة بعد أن نفقت دابة، وكيف إن اشتراها على علم أنها حرام، فاستحقت عنده، أيرجع على البائع بشيء من الثمن وقد بين له أنه حرام؟ وكيف إن تاب المشتري فأراد ردها على البائع وأخذ الثمن، أله ذلك؟
[182/6]
فأجاب: لست أعرف ما هذا؟ إن كنت تريد أنها مغصوبة، ووجد على ذلك بينة، فله القيام على بائعها منه، وليس ثبوت أنها غصب بالذي يسقط عنه حكم التعدي.
[لا ينبغي أن يباع الفرس لمن يمكن منه المحارب]
وسئل ابن أبي زيد عن هؤلاء الأمراء الذين يلون الناس، يأتون إلى قوم لا تمكن طاعتهم عليهم من شدة وعر جبالهم، فإن امتنعوا منهم في الجبال، منعوهم الحدث، ورعي مواشيهم، فصالحوهم على خيل يدفعونها إليهم كل عام. فهل ترى للرجل أن يبيع فرسه من هؤلاء الذين يدفعونهم إلى الأمراء ويأخذ منهم ثمنه؟
فأجاب: لا ينبغي للرجل أن يبيع فرسه ممن يعطيه لهؤلاء المحاربين وليس له إلى ذلك ضرورة.
[يرجع إلى العرف فيمن اشترى فرسا نيابة عن جماعة]
وسئل عن قبيلتين من البربر اقتتلتا فأرادت إحدى القبيلتين أن تستعين بقبيلة أخرى على التي اقتتلت معها، فاشترى رجل من القبيلة المحاربة فرسا من ابن عمه، ليهديه إلى رئيس القبيلة التي يرجو أن ينصروهم ويقاتل معهم القبيلة التي حاربوا فيطلب البائع الثمن من المشتري، فيقول له: أنت تعلم أني إنما اشتريت على الجماعة، وقال له البائع: ما بعت أنا إلا منك. والعرف عندهم، إنما الرشوة على جميع القبيلة.
فأجاب: إن كان العرف عندهم إنما يشتري مثل هذا على الجماعة، وإنما هو المتولي للشراء مقام وكيلهم، فلا يلزمه إلا ما لزمهم، وإن لم يكن معروفا عندهم أنه على الجماعة فالثمن على متولي الشراء والله أعلم.
[
فأجاب: زقفت على السؤال المكتتب أعلاه, والجواب أن الصلاة في ذلك المحراب الذي بني ينبغي زجر الناس عن الصلاة فيه, وينزه القرآن عن قراءته في ذلك المحل, وإذا كانت قراءة القرآن في الطرق والأسواق منهي عنها على الأصح, فدار الوضوء أولى وأحرى لأنه موضع الأقذار ومحل النجاسات ولابد من زوال المحراب لتنقطع الأطماع عن الصلاة فيه, والسلام عليكم من كاتبه سعد وفقه الله لرضاه, وسلك به سبيل هداه بمنه ويمنه.
[يؤخذ من المؤذن في إصلاح مصريته بقدر ما انتفع بها]
وسئل السيد أبو العباس الشريف بن السيد أبي يحيى عن مؤذن يأخذ كراء مصؤية محبسة على المؤذن, فلما احتاجت المصرية المذكورة للبناء, قال المؤذن للمقدم: ابنها قال له المقدم المذكور الذي ياخذ كراءها يبنيها. بينوا لنا إن كان يبنيها المقدم من الحبس أم لا؟ والسلام عليكم.
فأجاب: يؤخذ من المؤذن ما تبنى به المصرية بقدر ما انتفع بها, فإن لم يف بما تحتاج إليه أخذ من المقدم الباقي إن كان الحبس واحدا.
[القول في الحبس لمن هو بيده]
وسئل عن حبس على مسجد والمؤذن ينتفع بكراهئها طول السنين فقام مقد المسجد المذكور, قال للمؤذن تأخذ من ذلك الكراء المذكور تصرفه في مصالح المسجد, فقال له المؤذن لا, فقال له المقدم: هل معك بينة بأنه للمؤذن ؟ فقال له المؤذن لا, فبينوا لنا إن كان يؤخذ من ذلك الكراء أم لا يصرف في مصالح المسجد ؟.
فأجاب: يبحث عن أصل هذا التحبيس فإن وجد عمل بمقتضاه, وإلا صرف في أهم مصالح ذات الجامع كزيت وحصر وبنيان ونحو ذلك, إن احتاج إليه, فإن فضل شيء أعطي لمستحقه بحسب الوقت, هذا إن وافق المؤذن أن الحبس على المسجد, وإنه وضع يده عليه ليأخذ كراءه من مرتبه.
[
وسئل ابن الحاج عن امرأة زارعت في حصة لها في قرية رجلا فقلب المزارع، فلما كان أكثر أكرت فلانة المزارعة هذه الحصة لمدة من عامين بعشرة مثاقيل، والعام الأول منها هو العام الذي وقعت فيه المزارعة.
فأجاب: الواجب أن يبطل الكراء في العام الأول ويرجع إلى المكتري نصف ما نقد إن كان قد دفعه، ويكون له العام الآخر. وإن شاء أن يفسخ القبالة في العامين فله ذلك.
وسئل عمن زارع رجلا في أرضه على جزء معلوم وشرط الزارع أن يعطي لوكيل رب الأرض ستة أقفزة عن الزوج.
فأجاب: هذا الطول هو لرب الأرض نفسه، وهو زائد في جزئه، وهو كالشرط لو اشترطه، فيجوز، فإن أخلف العام فالوكالة تابعة للصابة، فبكمالها يكمل التوكيل، وبنقصها أو عدمها ينقص التوكيل عن الوكالة على قدر ذلك، ومع عدم الصابة لا يكون للوكيل شيء. وإنما قلنا إن اشترط رب الأرض الوكالة زائد (كذا) في الجزء قياسا المساقاة إذا اشترط الزكاة رب الحائط على المساقي فيه، فتدبره!
[من تعدى على أرض مشتركة مع الغير فحرثها]
وسئل ابن رشد عمن تعدى على قطعة من الأرض مشتركة بينه وبين غيره فحرثها لنفسه ولم يخرج إبان الحرث، ما الواجب في ذلك؟
فأجاب: فيها خلاف، قيل الشركة شبهة توجب له أخذ الزرع وتوجب عليه كراء حصة شريكه منها، وهو لابن القاسم في سماع عيسى، وقيل لا شبهة له وهو كالمعتدي الخالص فيكون نصيبه من الأرض بزرعه ولا يجوز له
[166/8]
[167/8]تسليمه لشريكه ويأخذ منه الكراء لدخول بيع الزرع قبل صلاحه فيها لأنه وجد له. وهذا إذا لم ينبت لاستهلاك، وكذا لو نبت ولا منفعة فيه إن قلع، ولو كانت له منفعة إن قلع لقسمت الأرض ويقلع المتعدي زرعه من حصة شريكه ويسلمها إليه يتصرف فيها كيف شاء. وهذا يأتي على قياس ما في سماع سحنون من الشركة.
[من توفيت عن أرض عمرها زوجها ليزرعها]
فأجاب: بأن قال التحبيس إنما يصح فيما ينتفع به مع بقاء ذاته كالأرض والدار والدابة وما أشبه ذلك، وأما مثل الطعام الذي لا ينتفع به إلا مع ذهاب ذاته فليس هذا الحبس إنما هو هبة أو صدقة اشترط عليه فيها الواهب أو المتصدق أن لا يبيعه ولا يعطيه غيره، وهي مسألة اختلف فيها على خمسة أقوال المشهور منها أن هذه الهبة أو الصدقة لا تصح إلا أن يزيل منها
[164/9] الواهب الشرط الذي اشترطه فإذا أزاله صارت ملكا للموهوب يفعل فيها ما يشاء، وقد فعل ذلك في مسألتكم في تباعة على أحد ممن كلها.
[مسألة في الهبة]
وسئل ابن الطلاع عمن وهب الدار بكل ما فيها.
فأجاب: الهبة ماضية نافذة ولا يحتاج إلى الإخلاء، ولا يضر الموهوب له سكنى الواهب فيها وإن الأب إن مات قبل قبض البنت الموهوب لها فهي للبنت ما لم يكن له فيها متاع غير الموهوب أو لزوجته إلا أن تهبه أو تخرجه ولا يبقى فيها لأحد شيء.
[من تحمل نفقة غيره مدة عمره وغاب هل يباع عليه؟]
وسئل ابن الفخار عن امرأة تحملت بنفقة أخيها مدة عمره وغابت فثبت مغيبها ولها دار فهل تباع الدار عليها بسبب النفقة أم لا؟
فأجاب: لا يباع عليها إذا لعلها ماتت أو تداينت.
[مسألة في الصدقة]
وسئل ابن زرب عن ثيب أرادت أن تتصدق بجميع مالها على بعض ولدها دون بعض وعلى أجنبي فقال لها لم ترد الصدقة عليه ليس لك ذلك لأنك تصيرين فقيرة فتلزمني نفقتك.
فأجاب: أما مالك فروى عنه ابن القاسم وأشهب وابن نافع: لا يجوز أن تتصدق بمالها كله على بعض ولدها للحديث وروى ابن القاسم إن نزل لم يفسخ، وعليه سحنون، وقال إن تبقى لها ما تعيش فيه مضى وإلا لم يمض، وأما صدقتها على أجنبي فلم اسمع بأحد كره ذلك.
[مسألة أخرى في الصدقة]
وسئل بعض الأندلسيين عمن تصدق على ابنة له ذات زوج فعمر زوج المرأة الفدان في حياة الأب ثم مات المتصدق فشهد شاهدان على الصدقة وشهد غيرهما على عمارة زوج المرأة في حياة أبيها وصحته ويعرفان الفدان.
[
140/10] ومن هذا الأوصياء والمقدمون عن الأيتام تكون بأيديهم أملاك لهم فيغرم عليها المظالم التي على أملاكهم ولا تلزمهم بالشرع فإنه لا يلزم المقدم شيء ويحاسبهم بما أعطى عنهم من ذلك ، وهو لسحنون في نوادر الشيخ . ومنه أيضا ما يدفعه عن المغارم المعتادة المسماة بالفوائد . وكان ابن عرفة رحمه الله يلزمها للمبضع والمقارض والودائع لأنها معتادة مدخول عليها ، وتحسب من رأس المال في المرابحة .
وسئل السيوري عن أخوين تفاصلا في ميراث أبيهما . وفي المفاصلة أنه ليس لواحد منهما قبل صاحبه دعوى ولا طلب بوجه من الوجوه ولا بسبب من الأسباب ولا غير ذلك من سائر المطالب كلها والعلو بأسرها . وفي المفاصلة دار ذكر أنها بينهما نصفين ، ثم قام أحدهما وادعى نفقة في الدار متقدمة عن زمن المفاصلة فاحتج الآخر بما في المفاصلة ، هل له مقال أم لا ؟
فأجاب : إذا ثبت الأمر على ما ذكر فلا قيام له بما أدعاه قبل تاريخ المفاصلة المسقط فيها الدعاوي .
[إذا التزمت المرأة لروجها الثاني بمال إذا ردت زوجها الأول لزمها]
وسئل عن امرأة التزمت لزوج تزوجها أنها متى ردت زوجها الأول كان قبله ، ففارقها مدة عشرين عاما ، مائة دينار عليها وقبلها وفي ذمتها للزوج المذكور(¬1) ، ففارقها الزوج فتزوجت الأول قبل تمام المدة ، فهل يلزمها ذلك ؟
فأجاب : إذا تزوجها قبل تمام المدة لزمها ما التزمته . انتهى .
وأما ما ذكرت لكم من عدم اعتمادي على التآليف المتأخرة، فلم يكن ذلك مني بحمد الله محض رأيي ولكن اعتمدت بسبب الخبرة عند النظر في كتب المتقدمين مع كتب المتأخرين، وأعني بالمتأخرين كابن بشير وابن شاس وابن الحاجب ومن بعدهم ولأن بعض من لقيته من العلماء بالفقه، أوصاني بالتحامي عن كتب المتأخرين، وأتى بعبارة خشنة في السمع، لكنها محض النصيحة. وأظنكم في هذا الاستقصاء كالمتساهلين في النقل عن كل كتاب جاء. ودين الله لا يحتمل ذلك لما أتحققه من أصوله، ومثل ذلك استقصاؤكم فيما إذا عمل الناس بقول ضعيف، ونقلكم عن بعض الأصحاب، أنه لا يجوز مخالفته، وتكراركم له مشعر بالتساهل جدا. ونص ذلك القول، لا يوجد لأحد من العلماء فيما أعلم والعبارة الخشنة التي أشار إليها كان رحمه الله ينقلها من شيخه أبي العباس أحمد القباب وهي أنه كان يقول في ابن بشير وابن الحاجب وابن شاس: فسدوا الفقه.
وأجابه عن فصل آخر ذكر له فيه تقييدا على مختصر الطليطلي، فلا أعرفه. وشأني أن لا أعتمد على هذه التقييدات المتأخرة البتة. تارة للجهل بمؤلفها، وتارة لتأخر زمان أهلها جدا أو للأمرين معا، فلذلك لا أعرف كثيرا منها ولا أقتنه، وإنما المعتمد عندي كتب الأقدمين المشاهير.
[ما يقال لدفع الوسواس]
وكتب إليه بعض أصحابه طالبا منه ما يدفع به الوسواس العارض في الطهارة وغيرها عن نفسه.
فأجاب: أما بعد، فإنه وصلني كتبكم تطلبون فيه من محبكم ما تدفعون به الوسواس، وهذا أمر عظيم في نفسه، وأنفع شيء فيه المشافهة، ولكن أقرب ما أجد لكم الآن أمران:
[143/11] أحدهما أن تنظروا من إخوانكم من تستدلون عليه وترضون دينه ويعمل بطلب الفقه، ولا يكون فيه شئ من الوسواس، فتجعلونه إمامكم على شرط ألا تخالفوه أصلا وإن اعتقدتم أن الفقه عندكم بخلافه، فإذا فعلتم ذلك رجوت لكم النفع بحول الله.