فأجاب: اللفظة إنما هي بالباء ثانية الحروف من غير شك ولا توقف, كذا تلقيناها عن الأشياخ المحققين في كتاب ابن الحاجب وغيره, وليس معناها ما ظنه الشيخ رحمه الله حتى توقف في نقل ابن شاس كراهة إمامته واستبعده, وقوله وهو أرذل الفاسقين وتابعتموه أنتم عليه حتى ادعيتم التصحيف في كلام ابن شاس بما ظهر لكم أنه عن لم يكن مصحفا بما قلتم تناقض مع قوله صالحي الأحوال, وكيف يصح دعوى التصحيف في كلام ابن شاس لن المافون الذي هو صواب اللفظة عندكم أن عدم العقل التتكليفي فهو خارج بما نقل عن المازري أول الفصل, فإن العقل من شروط من تصح إمامته. وقال هو هنالك: وأما المجنون, وفي معناه غير المميز, فلا خفاء بعدم الصحة فيهما؛ وهذه اللفظة إنما ذكرها في صفات الفضائل. وإن لم يعدم العقل التكليفي فلا مانع من غمامته أن توفر في غير ذلك من الشروط. وإن كان هو السفيه في المال او يلازمه فينبني على الخلاف في العدالة هل من شرطها انتفاء السفه أم لا؟ شرط فيه خرج باشتراط العدالة أول الفصل, وإلا فلا يضر لثبوت عدالته. وكلامكما يدل على أن معناها من تحقق عليه أنه يفعل به, وهذا لا يصح أن يحمل عليه كلام واحد من هؤلاء الذين ذكرنا أنهم تعرضوا لذكره, لأنه لو كان معناه ما فهمتم لخرج من اشتراطهم أولا عدالة الإمام اللازم هو لما حكوه من الخلاف في إمامة الفاسق لتحقق فسقه, ولم يخصوه بالذكر في فصل من تكره غمامته. وغنما معنى اللفظة لغة واصطلاحا المتهم بسوء وعيب, وقد يدعي تخصصه في اصطلاح الفقهاء بالمتهم بالاتيان في دبره. وعلى كل حال فالمتحقق في معنى اللفظة المتهم أما بمطلق السوء أو بالفاحشة المخصوصة, لا من حقق عليه ذلك. وإذا لم يكن
[
الله بركتهم فليتأمله وليتصفح ما وقع فيه وينطر في ذلك بوجه الحق وقصد
الصواب , وليقولوا ما يريهم الله تعالي في ذلك من موافقة أو مخالفة ,
والسلام عليكم ورحمة الله تعالي وبركاته .
الرد علي الفتوي السابقة حول أسير مالقة
ولما وقف بعض فقهاء مالقة أعادها الله دار اسلام علي هذا التقييد
كتب عليه بما نصه :
[166/2]
[167/2]
الحمد لله الذي جعل الخير في سلوك سبيل العدل وانتحاء طريقه ,
وقرن سعادة الدنيا والاخرة بافتقاء سنن أهل الحق والانتطارم في سلك فريقه ,
وهدي الي التحقيق من وفر حطه من فيض نور العقل عليه وشروقه . وترك في
طلمة الجهل لا يبصر من اثر الميل الي الباطل واغتر بخلب بروقه , وأضله في
بيداء الحيرة بخروجه عن محجة الاقتداء بالسلف الصالح ومروقه . والصلاة
التامة علي سيدنا ومولانا محمد نبيه المصطفي المبعوث لتأسيس مبني الحق
وتوفيقه , وتمزيق شمل الباطل وتفريقه . والرضي عن فاروقه وصديقه , وعن
جميع أصحابه الذين كل منهم روي من تسنيم الاهتداء ورحيقه .
والي ذلك فان القصد في هذا المكتوب هو البحث في شأن التقييد
المنسوب الي طلبة غرناطة حرسها الله وأهل العلم بها المتقول بأنه ورد مالقة
حرسها الله من قبلهم جوابا في قضية العلج الذي افتك بها ثم أسلم بعد
افتكاكه , اذ كان الاستدعاء لذلك قد وقع من بعض أهل مالقة والاستعلام
لما عندهم من الفقه في تلك النازلة طلبا لطهور الحق واعتضادا بأقوال أهل
الحضرة علي ما طهر لطلبة مالقة في ذلك من النطر الشرعي , وذلك بأن هذه
القضية وقعت بمالقة وقيد فيها بعض طلبتها تقييدا سلك فيه مسلكا من الفقة
وافق عليه جميع الطلبة والمعتبرين بها من أهل العلم والفتيا , وأفتوا بمضمنه
وكتبوا خطوط أيديهم علي صحته , ولم يشذ عن ذلك احد ممن ينسب الي
العلم بها في حين النازلة أو يعتبر قوله في مسألة فقهية , ووجه ذلك التقييد الي
=فأجاب : ليس لها مما ذكرت شيء ، إلا أن يعرف أنها خرجت به من بيتها ، أو تصدق به عليها ، أو أفادت مالا ، وعرف ذلك واستبان واتضح ، وانه يكون كما وصفت ، وما لم يعرف لها مال ولا تصدق عليها ولا أفادت ، فليس لها من ذلك شيء ؛ لأن الزوج يقول : أردت جمال بيتي ، وجمال امرأتي ، وزينتها بذلك ، فالقول قوله وقول ورثته بعده عن مات ، ويل لابن الخمير فيما ترى إن قالت : إني اكتسبته وجمعته ، فقال : ليس يعرف الكسب للنساء ، إلا أن يكون ميراثا أو هبة أو صدقة ويعرف ذلك ، فحينئذ يجوز كما تقول إذا كانت المرأة لا يعرف لها قليل ولا كثير من قبل دخوله عليها .
=وأجاب : ابن لبابة أما ما عرف مما ابتاعه الزوج بعد البناء لامرأته من حلي أو متاع يعرف للنساء ويزين به امرأته السنة والسنين وأكثر من ذلك ، ولم يشهد لها على عطية ولا هبة فهو أحق به ، كان مما يعرف للنساء أو غير ذلك ، وما أدخل على زوجته الثانية من متاع زوجته الأولى ، فهو أحق به أيضا ، ولا شيء للثانية فيه ، والورثة فيه بمنزلة الميت ، إلا أن يكون لها بينة على ذلك ، وإلا فلا شيء لها ، قال : وما اكتسبه قبل ذلك أيضا مما وصفت ، فهو له ، قيل له فالمطحنة والأكيسة والصوف لمن تكون ؟ فقال للزوج وليس في هذا شك .
[141/3][من شهد لامرأته في عقد النكاح ، أن الداخلة طالق البتة]
*وسئل : عن الذي شرط لامرأته في عقد النكاح أن الداخلة طالق البتة ، ثم تزوج عليها ، فهل يفسخ نكاحه .
فأجاب: الإشكال ظاهر كما ذكرتم ، ولئن أرخينا عنان الاعتذار قلنا: البحث في هذه المسألة كالبحث المتقدم في قول المارزي: وإن خاف الموت بحضور الجمعة جاز له التخلف ، وكالبحث مع ابن حزم في قوله: إن طلب الكفار مال المسلم لم يعطوه وإن خيف الاسئصال ، وقد تقدم منه في الفصلين ما فيه كفاية ، وتلخيصه هنا أن يقال إن المستحلف هنا إنما يقدر على استخلاص الرجل بفعل محرم ، وهي اليمين الكاذبة الغموس ، وهي منهي عنها بقوله تعالى: ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس﴾ وغيرها من الآي والأحاديث الدالة على تحريم اليمين الغموس ، وقول عيسى عليه السلام: ألا وأنا أنهاكم أن تحلفوا بالله كاذبين أو صادقين ، وإذا أكره الرجل على فعل محرم بالتخويف بقتله وسعه أن يصبر للقتل ولا يفعل المحرم على ما مضى من النصوص في الفصلين ، فالمخوف بقتل غيره أحرى أن لا يكون الدرء بفعل المحرم عليه واجبا ، وأن يسعه تركه لما علم أن المكره إنما يعذر في الأيمان وغيرها بالتخويف الواضح بما يؤلمه في نفسه ، وفي التخويف بقتل ولده خلاف ، بخلاف التخويف بقتل الأجنبي ، هذا هو النقل الصحيح ، لا ما نقل ابن شاس وابن الحاجب على أن في ثبوت الخلاف في مسألة الولد مضمن ، أو ما نقل عن أشهب في الأجنبي أوله ابن أبي زيد كما تراه ، وبه تأوله ابن محرز ، وإنما قلنا إن اليمين على تخليص الأجنبي غموس ، لأنه يحنث فيها ولا يحنث في تخليصه نفسه ، قال اللخمي ومثله في النوادر ، وقال مالك ، ومطرف ، وابن الماجشون - فيمن استخفى عنده رجل من سلطان جائر يريد دمه وماله وعقوبته ، فسأله السلطان عنه فجحده أن يكون عنده ، فحلف على ذلك - أنه إن كان يخاف على نفسه إن اعترف أنه عنده فلا يحنث ، وإن كان لو اعترف به لم يعاقبه حنث ، لأن اليمين ليست ليذب عن نفسه وإنما هو ذب عن نفس غيره أو ماله. انتهى.
[148/4]
[149/4]
هذه المسألة اختلف فيها على ثلاثة أقوال ذكرها ابن العطار وغيره في الدار ونصه قال وإن تقاسموا وماء الدار خارج إلى قناة في ناحية منها ولم يذكروا خروج ماء سائر الأنصباء إليها وغفل عن ذلك ولم يذكروا في القسم مخارج الأنصباء، ووقع باب الدار في نصيب واحد فإن مياه الأنصباء تجري للقناة القديمة ومخارج الأنصباء ومداخلها يكون على الباب القديم في قول ابن القاسم رحمه الله ويقضي لهم بذلك على الذي وقع الباب في نصبيه وعلى الذي صارت الفتاة في نصيبه، وقال عبد الملك إن القسمة تنتقض لأن خطأ القاسمين فيها بين إذ قوموا نصيب الذي تخرج عليه مياه سائر الشركاء أو يخرجون على بابه دون هذا العيب، وهذا ينقص كثيرا من قيمته، وقال عيسى بن دينار وغيره إن كان لكل واحد منهم حيث يفتح لنصيبه بابا إلى الطريق أو يخرج ماء نصيبه إلى سكة نافذة أو يكون في جهته حيث ( ) (¬1) بلا ضرر نفذت القسمة بينهم وأقر كل واحد منهم أن يفعل ذلك في نصيبه، وإن لم يكن له مخرج عن نصيبه ولا لمائه ولا مستنقعا انفسخت القسمة وأعيدت ثانية على اشتراط هذا وهو عدل من القول وبالأول القضاء، والله يحمل على الرشاد، ويوفق للصواب بفضله انتهى كلامه.
والذي أفتى به الشيخ أبو إسحاق اليزناسني في هذه المسألة قول ابن القاسم الذي ذكر ابن العطار أن العمل عليه، والذي أفتى به الشيخ أبو الضياء مصباح هو قول عبد الملك بن حبيب، وهو الذي رجح الشيخ أبو الحسن اللخمي.
[مسألة في أرض لشريكين يشقها طريق عام للمسلمين]
وسئل رحمه الله عن شريكين في أرض ورثاها وقد شقها طريق عام
[145/5]
فأجاب: إما إن كان دله على ماله أو أشار إليه حتى غرم بسببه، فإنه يرجع صاحب المظلمة على من دل عليه، وإن كان إنما سماه باسمه ولم يشر له إلى داره، ولم يدله على ماله فالله حسيبه ولا مطلب له عليه في الدنيا. وإنما كان يجب أن يدفع بالتي هي أحسن ومثله إذا دخل عليه الظالم في داره فأخذ ودائع كانت عند الرجل، ففداها الرجل من ماله أو من بعض الودائع. فلما انكشف الأمر قال صاحب الوديعة: لا أغرم لك شيئا، أو قال تعديت علي إن أعطيت من وديعتي شيئا، هلا تركته يمر بها فإنه لا شيء له على صاحب الوديعة، كان ذلك الفداء من ماله أو من الوديعة إلا أن يحلله من ذلك، فإن حلله فلا شيء عليه وأرى ما فداها به مضمونا في ماله. وهذا قول ابن لبابة.
[من جار عليه السلطان فهرب عن ماله وترك أرضا]
وسئل محمد بن عبد الملك الخولاني عن رجل جار عليه السلطان فهرب من ماله وترك أرضا فأمر السلطان بعمارة الأرض رجلا وغرم ما كان يغرمه ربها.
[180/6]
فأجاب: ذلك سواء عليه غرم غلتها في طول ما غرسها يغرم ذلك لربها وما غرم للسلطان تكون مصيبته منه إلا أن يرد عليه السلطان ما أخذ منه.
[الحكم فيمن حرض السلطان على التعدي على مال رجل]
وسئل ابن لبابة عن رجل بغى رجلا عند السلطان فأغرمه.
فأجاب: إن كان الباغي هو الذي تولى قبض ما أغرم السلطان المبغي عليه، فعليه غرم ما أخذ منه السلطان. وإن كان لم يتول قبضه فإنما عليه الإثم والوزر فيما بغى والله حسيبه.
[يجوز أن يشتري دين الفقير وأن يسلم إليه]
وسئل أبو عمران عن شراء الدين يكون على الرجل الفقير لا مال له.
فأجاب: يجوز وليس ذلك من شراء الغرر، كما يجوز أن يسلم إليه وإن كان فقيرا، لأنه قد يستفيد مالا.
[لا يجوز شراء ما اشتري بمال حرام]
فأجاب وبالله التوفيق: إن المسجد والطريق وقف فلا يملكه المشتري ولا يجوز لأحد تغييره مما هو عليه انتهى.
قلت: قال ابن عرفة واستمر عمل قضاة العدل على المنع والهدم وجرحة فاعله إن لم يعذر بجهل, يعني من احدث في الطريق شيئا يضيقه أولا, وأما أخذ شيء من المسجد فلا خلاف في منعه وهدمه عليه.
[يباع من الحبس ما لا منفعة فيه أصلا]
وسئل ابن سراج عن شعراء(¬1) بأحواز قرية قرطبة من عمل قمارش حبست على المسجد بالقرية المذكورة منذ ازيد من مائة عام, وغن المسجد المذكور لم ينتفع بها منذ حبست عليه إلى الآن, واهل القرية يريدون بيعها ووضع ثمنها في بناء المسجد وبلغ ثمنها سبعة دنانير فضية عشرية. فهل يجوز لهم بيعها أم لا ؟
فأجاب: إذا ثبت ما ذكر جاز بيع الشعراء وجعل ثمنها في مصالح المسجد المذكور.
[إذا تخرب ما حول المسجد ينقض ويبنى به غيره]
وسئل عن قرية بأرض قمارش تعرف بالزاوية, واكنت قرية ضعيفة, فهلكت فأحاط بميراث مسجدها قرية بالزنج, فهلكت قرية الزنج فأحاط بميراث مسجدها قرية أقوطة, فبقي مسجد قرية الزنج من غير بناء فخفنا عليه من فساد عدته, مثل القرمد والخشب والدفاف. فهل يجوز أن يؤخذ ما بقي منه أو يصلح- إن كان معه سبب لذلك؟ فنريد من كمال فظلكم أن تبينوا لنا حكم هذه المسألة المباركة.
[154/7] فأجاب: المسجد الخرب الذي لا يصلضى فيه لبناء من يجاوره يؤخذ نقضه ويبنى به مسجد آخر.
[إذا خرب ما حول المسجد. ينقض ويبنى به غيره]
فأجاب: لا تجوز له هذه وليس له من الزرع شيء، وإنما له كراء عمله. ولا ينبغي لهم أن يضروا به ولا يخرجوه إذا لم يضر بهم، لأن الضرر ممنوع عنه وعنهم، إلا أنهم لا يحكم عليهم لذلك.
[163/8]
[164/8] ... [من زارع خماسا مرتين: على الخمس وعلى السدس]
وسئل مطرف ابن عمروس عن خماس زارع رجلا سنة واحدة لورقتين، في الأولى على الخمس، وفي الثانية على السدس.
فأجاب: هذا مكروه، ويفسخ ما لم يقع العمل، فإن فات بالعمل كان الزرع بينهما على ما جعل كل واحد منهما من الزريعة ولزمهما من النفقة في العمل على قدر ذلك، ويقوم كراء الأرض وعمل العامل ثم يترادان الفضل بينهما إن كان لأحدهما فضل في الكراء.
[من اكترى أرضا فأمطرت حتى هلك الزرع أو أتى الجراد فأكل الزرع]
وسئل بعض الشيوخ عمن اكترى أرضا فأمطرت بعد أن زرع فغرق أياما أو شهرا فأهلك. فأجاب: إن كان بعد إبان الزراعة فهو كالجليد، وإن كان في الإبان لو انكشف عنها أدرك الزرع ثانية فلم ينكشف حتى فات فهو كغرقها في الإبان فلا كراء عليه، وإن انكشف في الإبان لزمه الكراء. قال ولو أتى الجراد إبان الحرث فعلم الناس أنهم إن زرعوا شيئا أكله الجراد فامتنعوا لذلك فلا شيء عليه في تلك المدة. قيل يريد أنه باض في تلك الأرض بحيث تعلم أنه إذا ظهر أكل الزرع فهو بمنزلة الدود في الأرض يأكل الزرع، ونص عليه الباجي قال: إذا اكترى الأرض على أن تزرع بطونا فزرع الأولى فأكلها الجراد وكثر الجراد حتى خاف أن يزرع غيرها فيأكلها الجراد فلا كراء عليه إلا قدر ما أقام الزرع الأول خاصة، ولا شيء عليه فيما أقام من المدة لأنه أتاه ما منعه من زرعها بقية المدة.
[فتوى للقاضي عياض في المزارعة]
وسئل القاضي أبوالفضل عياض عن رجل دفع لرجل ثورا ليحرث به في بلده على وجه الشركة، وضم له الرجل ثورا آخر وجميع آلة الحرث
[164/8]
[
وسئل عمن تصدق بمواضع من أرضه على أولاد له صغار، فحرث الأرض المتصدق مع أرض له باقية على ملكه وخلط زرع ذلك كله في أندر واحد فمات بعد ذلك وهو لم يشهد على حوز ولا على جملة ما قبض من الزرع ولا عرف أين وضعه ولا غير ذلك إلا إشهاده بالصدفة أولا فلما مات وجد الرسم ووجد رسم آخر بأنه كان تصدق على بنات له غير هؤلاء مالكات أمورهن منذ عشرين سنة، ببعض تلك المواضع التي تصدق بها على الأصاغر ولم تكن المالكات علمن بذلك، فما الذي يصح من ذلك وما الذي يبطل؟
[162/9] فأجاب: أما صدقته على الصغار فنافذة ولا يضرهم عدم الإشهاد على الحوز وهو محمول على أنه حاز وأنه تصرف في الغلة للصغار في منافعهم أو في كسوتهم وعولتهم حتى يعلم بإقراره وبما يقوم مقامه أنه إنما تصرف لنفسه فحينئذ تبطل، وأما لو كانت الصدقة بمشاع فتبطل، وأما صدقة المالكات فلو عثر على ذلك وهو حي لصحت لهن، وأجبر على تحويزهن ولم تصح للأصاغر، فلما مات كانت لهن باطلة وصحت للأصاغر، هذا قول ابن القاسم في العتق الثاني خلافا لأشهب.
[مسألة]
وسئل عن امرأة تصدقت بملك على أبيها فبقي بيده يحوزه مدة ثم مات فورثت هي وإخوة لها بنوه فغاب الإخوة ووضعت البنت يدها على الملك فباعت جميعه وبقي مدة فقدم بعض الإخوة وسكتوا مدة ثم إنهم وجدوا عقد صدقة البيع على أبيها فادعوا أنهم لا يعرفون ذلك.
فأجاب: يصدقون مع اليمين إن اتهموا بالعلم لأن كون الملك كان لها قرينة تصدقهم فيقولون لم نعلم هل خرج عن ملكها أم لا؟ فتأمله.
[مسألة في الصدقة يتصدقها صاحبها للتقية]
وسئل عمن تصدق على ولد له كبير مالك أمر نفسه وماله بملك فحازه الولد حوزا تاما وبقي يغتله ويتصرف فيه مدة من ستة أعوام ثم أراد تفويت الملك فمنعه أبوه من البيع واستظهر برسم استحفاظ يقتضى أنه إنما كان تصدق على الولد بالملك اتقاء شر زوجته أم ولده وخوفا أن تغير عليه فهل يقدح في الصدقة أم لا؟
يلزم الزوجة الوصية ما التزمته لأولادها من الصدقة]
وسئل أبو الحسن بن خلف عمن أسند الوصية ببنيه إلى أمهم ، والتزمت أنها متى تزوجت قبل بلوغ الولد فجميع ما ترثه من أبيهم لهم صدقة ، وجميع دارها كذلك ، ورغبها في ذلك الزوج وقبله منها ، ثم توفي الزوج وأرادت الزوجة التزويج قبل بلوغ الحد المذكور لصغر سنها مع عدم حرمة دار لا رجل فيها .
فأجاب : يلزم الزوجة ما التزمته لأولادها من الصدقة لحصول الشرط الموجب لذلك تؤمر به ولا تجبر على الأشهر .
قيل : هذه كمسألة ابن الضابط لأنه لم يكن هنا شرط عليها وإنما رغبها الزوج في ذلك .
[من له منافع في رسم بيد آخر أبى أن يطلعه عليه إلا بعد مدة]
وسئل المازري عمن أدعى على مقدم على يتيم أن بيده رسما له فيه [139/10] منافع ، وطلبه عند القاضي فقال ما نخرجه إلا إلى بطالة العيد ، وزعم أن خصمه وافقه على ذلك ، ثم طلبه ثانية فقال التزمت لي الصبر ، هل تلزمه يمين في ادعائه الصبر عليه أم لا ؟
فأجاب : إذا كان الرسم حاضرا عند هذا المقدم لزمه إخراجه لينظر الطالب الوارث فيه الآن منافعه ، وليس له الامتناع من إخراجه وهو من حق الطالب أن ينظر فيه .
[من ماتت زوجته وهو في غيبة انقطاع فقدم القاضي من يفاصل عنه في التركة]
وأما قولكم: إن إعلان الحق في زماننا عسير فذلك حق ولكن واجب على من قلده الله عن طريق الفقه قلادة، فإنها أمانة في عنقه حتى يؤديها.
[141/11] هذا وإن كان زماننا قد ظهر فيه الشح المطاع، والهوي المتبع، وإعجاب كل ذى رأي برأيه فلا بد في ذلك من الرجوع إلى الأصل، لأن قائل الحق موجود وإن قل وقد ظهر لكلامكم في كثير من هذه الأمور أكثر صالح، فكيف لنا بالسكوت عن الحق؟ هذا لا يسمع حتى لا تجد أحدا يقبل الحق عياذا بالله من ذلك الزمان أن نصل إليه.
وبلغه عن بعض الأصحاب وقد كان ترك الدعاء في أدبار الصلوات بهيئة الاجتماع، فبلغه أنه عاد إلى فعله بعد أن تركه، فكتب في فصل من فصول كتابه: بلغني أنكم رجعتم إلى الإمامة واشترط عليكم في الرجوع أن تدعو بهيئة الاجتماع في أدبار الصلوات، فالتزمتم الشرط، فإن كان ذلك لأنكم ظهر لكم الصواب فيه، فما بالكم لم تعرفوا محبكم بوجه صوابه، فيكون تعاونا على البر والتقوي وأن ذلك لأجل المعيشة، فقد اتهمتم الرب سبحانه في ضمان الرزق، أو لغير ذلك فعرفوني به.
وكان رحمه الله يحمل أصحابه على الصبر على البلاء في بث الحق ويقوي عزيمته. كتب إليه بعض أصحابه متشكيا بما لقيه في هذا الغرض.