تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ونص جواب الأستاذ أبي القاسم بن سراج رحمه الله تعالى عن معرضة الأستاذ أبي الحسن القرياني جوابه عن السؤال المتقدم ذكره في القبله:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. تصفحت الاعتراض المكتوب قبل هذا على جوابي المكتوب قبله, والجواب وبالله التوفيق, أنه اختلف فيمن لم يعاين مكة, شرفها الله تعالى, هل يجب عليه استقبال القبلة؟ وهو المشهور في مذهبنا وهو مقتضى قول مالك في المجموعة, لنه لما نقل فيها قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما بين المشرق والمغرب قبله إذا توجه قبل البيت, قال مالك: وهو المر عندنا. وهو قول جمهور العلماء, والمشهور من مذهب الشافعية, وهو قول أبي حنيفة واحمد بن حنبل. والقول الثاني أنه يجب طلب السمت, وهو قول ابن القصار من علماء مذهب مالك, ومال إليه الباجي. وهو قول بعض علماء الشافعية. ورأى ابن القصار أن السمت يكون كما تسامت النجوم. وقد استشكل المازري القول بطلب السمت, وراى أنه لا يحصل بالجسم مع البعد, وإنما يكون بالابصار, ورأى أنه لا ينبني على الخلاف فرع, فرأى أن القولين يرجعان إلى معنى واحد. فوجه القول باعتبار الجهة قوله صلى الله عليه وسلم ما بين المشرق والمغرب قبلة, رواه الترمذي وصححه ونقله عن جماعة من الصحابة منهم عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر وعلي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهم, ونقله الشيخ أبو عمر بن عبد البر عن ابن عباس أيضا وابن الحنفية. ونقل أبو عمر عن عثمان أنه قال: كيف يخطىء أحد صلاته وما بين المشرق والمغرب قبله؟ وعن أحمد بن خالد قال في قول عمر ما بين المشرق والمغرب قبله في هذا سعة للناس أجمعين. قيل له أنتم تقولون هذا في المدينة, قال نحن وهم سواء, والسعة في القبلة للناس كلهم. قال هؤلاء المشرقون لا علم عندهم بسعة القبلة.

[

فذلك صحيح كما قلتم اذا سلم ذلك , ولكن ذلك غير مسلم .

وأما قولكم : ولا يعارض ما تقدم باجتماع تحريم الرضاعة وبنوة الزوجة

في الربيبة أن حكمها متفق لا يختلف في حق من حرمت بهما عليه . فأقول :

كذلك حكم مال المسلم الذي هو عهد الطاغية عليه لا يختلف في حق من

حرم عليه ما دامت له الحرمتان , فان ارتفعت احداهما ارتفع موجبها

كأخت (1) . أربع زوجات , ففيها مانعان من نكاحه اياها , وقد يرتفع

أحدهما وقد يرتفعان معا .

أما قولكم ولا بالشقيقة اجتمع فيها تحريم أخوة الأم وأخوة الأب

وأخوتهما معا , لأنها تحريمات متفقة .

ولا باجتماع الفرض والتعصيب للشخص الواحد لأنهما أصليان , وبحثنا

في طارئ وأصلي مختلفي الحكم , فلا أعلم ما ينبني علي ذلك , ومثل اتفاق

تحريمات الشقيقة وأصلية اجتماع الفرض والتعصيب هو الذي يقول عنه النطار

انه وصف طردي لا ينبني عليه حكم , ولذلك أسبرت الأوصاف المناسبة لبناء

الأحكام عليها . وربما يتعجب من الناطر الذي يعتبر الطردي في مناطرته ,

ولكن علي اعمال نطركم في طارئ وأصلي مختلفي الحكم , فمثله اذا كان ابنا

[157/2]

[158/2]

عم لهما بنت عم وهما يرثانها فتزوجها أحدهما ثم ماتت فان الأصل ارثهما اياها

بالتعصيب جزءا شائعا وبالزوجية لناكحها ربع المال , فقد اختلف الحكم عن

أصلي وطارئ . ولو تتبعت صور هذا لخرجت عن الغرض , فكم يحدث لمعتق

أبيه دون سائر اخوته من أحكام ينبني بعضها علي البنوة وبعضها علي العتق

وهما أصلي وطارئ .

وأما اخذكم ما فرضته ارتداد أهل غليرة مأخذ المرتد بترك ماله بين

طهور المسلمين , فانا لم نفرضه كذلك , فانما فرضت ارتداد أهل الموضع

بجملتهم , والمسألة غير تلك المسألة , وقد تكلم عليها ابن عرفة فقال : ولو

ارتد جمع منعوا انفسهم فأخذوا فالحكم فيهم بحكم الحربيين أو المرتدين الخ

ما قال , وأعتقد اذا لم يقدر عليهم رجحان حكم الحربييين فتكون اموالهم

=فأجاب : أما الميراث فيرث هو وورثتها ، ولا يصح انتقالهما من التسمية إلى التفويض ؛ لأنه انتقال من معلوم إلى مجهول ، وقد منعوه في مسألة الخصمين يصطلحان ثم يفسخان الصلح ويعودان للخصام وإن قيل فيه إنه يجوز . وأيضا ففي مسألتا أن الأب أسقط حق البنت بغير عوض ولا لمصلحة رآها ، وذلك غير سائغ له ، إذ لا يفعل لمحجوره إلا ما يراه نظرا ، وأي نظر في هذا ؟

[129/3][من زوج ابنة عمه يتيمة ، وأخذ هديتها فصنع بها طعاما في داره وهي في بيت خالها]

*وسئل : عمن زوج ابن عمه يتيمة ، فأخذ ما جرت به العادة من الهدية فصنع به طعاما في داره ، وكانت البنت في دار خالها بعيدا من دار ابن عمها فلم ترض بذلك ، فلما كان بعد ذلك طلبته وقالت له : لم تصنع لي عرسا ، إنما صنعت طعاما في دارك ، وأما أنا فكنت وحدي ولم يدخل علي أحد ولم يخرج . =فأجاب : يغرم ذلك لأنه لم يصنعه على الصفة المطلوبة ؛ لأن ذلك إنما هو لسرورها ، انظر عند اللخمي من هذا المعنى : إذا أطعمه لمن لا يصلح .

[من كان صداقها على زوجها عينا ، فكساها واشترى لها حليا ، ثم قامت تطلبه بصداقها]

*وسئل : عن امرأة كان صداقها على زوجها عينا ، فكساها واشترى لها حليا ، ثم بعد سنين طلبته بصداقها ، فقال لها : أنا أقاصك من صداقك بما صنعت لك ، فقالت له : هو هبة لا من الصداق ، فقال : بل إنما صنعته من الصداق .

=فأجاب : مسألة من ادعى أن هذا من دينك ، وقال الغريم : بل هو هبة وديني باق ، القول قول مدعي القضاء من الدين ، لا سيما إن كان مجانسا للدين ، والمجانس لهذه المسألة مسألة كتاب النكاح الثاني إذا أعطاها ثوبا فقالت : هبة ، وقال الزوج : من فرضك الذي علي ، فالقول قوله ، إلا أن يكون الثوب لا يفرض مثله لمثلها ، فالقول قولها ، انظره والعادة مسامحة الزوجين في مثل هذا فيما بينهما .

وسئل الفقيه أبو القاسم ابن سراج عن امرأة اختلعت لزوجها بأقل مما يجب لها عليه في مطالبها قبله، وضمن عنها الدرك في ذلك، وطلقها زوجها عليه، ثم بعد ذلك شهد شهود بالسماع أنه كان يضربها إلى الافتداء منه، فإن وجب الغرم إلى الزوج فهل له مطالبة الضامن؟ وهل تعمل شهادة السماع في مثل هذا؟ فإن أعملت فما معناها وكيفيتها؟

فأجاب: إذا ثبت الضرر لم يلزم للزوجة الخلع باتفاق، ولا ضامن الدرك على الصحيح، ويكفي في ثبوت الضرر شهادة السماع.

قال ابن عاصم: ولا تخلو فتوى شيخنا رحمه الله من مزيد فائدة، وهو حكم ضامن الدرك في مثل هذا.

[من قال: إن فعلت كذا فانا طالق امرأتي، وحنث]

وسئل سيدي أبو عبد الله بن مرزوق عن قول ابن عرفة: انظر إذا قال: إن فعلت كذا فأنا طالق امرأتي، فحنث، هل يلزمه الطلاق؟ والظاهر أنه لا يلزمه، قال السائل وهو السيد أبو يحيى بن عقيبة: وما زلت منذ سمعته يذكر هذا أستغربه، حتى عثرت على مواضع من المدونة تقتضي لزوم الطلاق، خلاف قوله الظاهر أنه لا يلزم، منها قوله: إن فعلت كذا فأنا أحج إلى بيت الله أو

[141/4]

[142/4]

أو أمضي إلى مكة أو فعلي حجة فسواء، ولا يلزمه الحج إن حنث، فانظر إلى مساواته بين فأنا أحج وعلي الحج، ولا يظهر الفرق، فإن هذه قربة، وكونه قربة في الالتزام التفات، إلا أن التعليق هو الذي أوجب هذا حتى وقعت المساواة بين الصيغتين، ولهذا حكى ابن محرز أن النعالي سئل من برقة عن القائل إن فعلت كذا فلست لي بامرأة، فحنث، فتوقف فيها سنة ولم يجبهم، وأجاب ابن أبي زيد بأن الطلاق يلزمه، مع أنه قال في المدونة: فلو قال: لست لي بامرأة، لم يلزمه الطلاق، وما لاحظ ابن أبي زيد إلا قوة التعليق، فلو قال: إن أحج لم يلزمه بخلاف ما لو علقه، وفي البيان والتحصيل إذا قال أعطني عشرين دينارا وأفارقك، فجاءته بها، قيل: يلزمه الطلاق، وقيل: لا يلزمه، وإن كسرت في ذلك حليها أو باعت فيه متاعها، فتأملوا ذلك. انتهى.

فأجاب: أكرمكم الله وأدام لنا ولكم العافية أن المدعي عليه إذا قال كل ما شهدوا به على جائز ثم شهدوا عليه فنازع في شهادتهم وقال ظننتم يقولون الحق فالمشهور من القول أن ذلك له بخلاف التحكيم فكذلك هذا له أن يحلف ويرجع أنه ما أجاز شهادتهم إلا ظنا بهم أنهم لا يشهدون عليه إلا بالحق ويدفع في شهادتهم، وكتب القاسم بن عبد الرحمن النالي.

[حكم الفقيه أبو عبد الله عبد الكريم الأغصاوي عن مسألة وردت عليه من الصحراء في قوم بها لهم معدن ملح يستخرجونها من تحت الأرض ويقطعونها ألواحا كألواح الرخام ويحمل الجمل منها لوحين أحدهما على الجانب الأيمن والآخر على الجانب الأيسر ويسمون حمل ملح وهي مختلفة الأنواع ومختلفة في الكبر والصغر وتختلف أثمانها باختلاف أنواعها وكبرها وصغرها

[137/5]

التزم الشراء في اليوم الثاني ليوم وقوع الكلام بينهما فالبيع لازم شاء أم أبى. وكذلك إن عين زن مشاورته زمنا كيون أو يومين أو ما شابه ذلك، ثم جاء قبل انقضاء ذلك الزمان، فالتزم الشراء، فالبيع أيضا لازم، ولا كلام للبائع في ذلك. وإن كان حد زمنا لنظره ومشاورته، ثم انقضى ذلك الزمان ولم يأت، ثم جاء بعد ذلك يلتزم الشراء، فبدا للبائع في البيع، فلا بيع بينهما، لانقضاء زمن الخيار.

فهي حالات ثلاث، يلزم البيع منها في الحالتين الأوليين، ولا يلزم في الحالة الثالثة على حسب ما قرر في الجواب. وحيث لزم البيع، فسخ بيع الثاني، ويمكن المشتري الأول من الدار المبيعة. قاله محمد الحفار.

[كرم مشتركة بين شخصين، أراد أحدهما بيع نصيبه من الثمرة والآخر أكله]

وسئل ابن عتاب عن رجلين بينهما كرم. فلما حان طيب ثمرته، أراد أحدهما بيع نصيبه وأراد الآخر أكل نصيبه.

فأجاب هو وابن القطان بأنه لا يقسم بالخرص، ولا بد من أن يجتمعا على البيع أو يبيع أحدهما من صاحبه.

وأجاب أبو مروان بن مالك أنهما يقتسمانه بالخرص، وأنكر ما أفتى به ابن عتاب وابن القطان. وكان ابن القطان ينكر على ابن مالك جوابه.

[حكم قاضي المرية مستقل عن حكم قاضي قرطبة]

وسئل ابن الحاج عن مولى عليه غائب بمدينة المرية، ووصية المقدم عليه بمدينة قرطبة ومن تقديم قاضيها، فاحتيج إلى بيع شيء من ماله أو أصوله.

فأجاب: إنما يكون البيع والحكم عليه بذلك بمدينة المرية، لأنه من سكانها ولا حكم لقاضي قرطبة على أحد من أهل المرية وهو بين إن شاء الله تعالى.

[169/6]

[هل يرد ثمن الجارية إذا بيعت وشهد شاهد بحريتها؟]

وسئل ابن الحاج عمن يشتري جارية وشهد شاهد بحريتها هل على البائع رد الثمن الذي قبض وترد عليه الجارية أم لا؟

وسئل عن جامع بلش تهدم حائط قبلته واحتاج (إلى)(¬1) البناء ولم يكن له في حبسه من أين يقام بناء الحائط المذكور, وبقرب البلد المذكور قرية خالية تعطل جامعها من إقامة الصلوات فيه وقد تداعى للسقوط, فهل يجوز أن تؤخذ أنقاض جامع القرية المذكورة وعدته, ويبنى بها جامع البلد المشار إليه أم لا ؟.

فأجاب: ذكر ابن مزين أنه يؤخذ نقص المسجد الخرب وينتفع به في سائر المساجد وبمثل ذلك قال ابن حبيب, إلا ان المشهور خلاف ما قالاه, فللقاضي أبقاه الله النظر في ذلك فهو لاجتهاده.

وسئل عن رجل كان له أصل توت فقال لرجل: أجعل نظرك على ذلك التوت, واصرف فائدها حتى مرض الناظر مرض الموت, فأرسل إلى الرجل فجاء عنده وقال له تألف بيدى من فائد تلك التوت جملة دراهم فخذها, فقال له: لا آخذها ثم بعد مدة من السنين قال صاحب التوت لرجل كان بيده حبس يفرقه على المساكين في شهر رمضان: خذ فائد تلك التوت واجعله مع الصدقة التي بيدك, فصار هذا الرجل يفرق فائدها على المساكين بطول ثمانية أعوام, ثم غنه ظهر عقد بأن الأصل محبس على السمسار(¬2) ببلاش, فقيل لصاحب الأصل كنت حبسته على السمسار(2) ورددته للمساكين, فقال ما دريت لأي شيء جعله الرجل الأول, فهل يرجع الآن للسمسار(2), وما فرق على كلام فيه, والذي أخذ الفائد فرق على المساكين كان يأخذ صاحب الأصل.

فأجاب: عن أصل التوت يرجع حبسا على السمسار(2) ببلش وما صرف من فائدها في المساكين وغيرهم من سبل الخيرات لا يتبع منه منففقه بشيء.

[جواز نقل حبس مسجد لا ترجى عمارته إلى غيره]

وسئل السرقسطي عن قرية خلت ولم يبق فيها غير واحد يسكن على

[

153/8]لم يجز اتفاقا، وإن عرى العقد من اللفظين فأجاز ذلك ابن القاسم ومنعه سحنون، ورأى أنه تحقيق المذهب انتهى. ابن عرفة: جواب ابن رشد في أجوبته ما نصه: ما تقول في رجلين اشتركا في الزراعة على أن جعل أحدهما الأرض والبذر والبقر والثاني العمل ويكون الربع للعامل؟ فأجاب بما تقدم من التفصيل، وعبر عن صورة السكت بقوله قال له أدفع إليك ارضي وبذري وبقري وتتولى أنت العمل. وما نقله ابن عبدالسلام عنه من أن ابن القاسم أجاز ومنعها سحنون وهم، لأن لفظ ابن رشد ما نصه حمله ابن القاسم على الشركة فأجازه. هذا تحصيل المسألة. وزعمه أن مسألة عرفنا هي مسألة سحنون ومحمد فيه نظر من وجوه:

الأول أن مسألتهما ليس فيه اختصاص رب الأرض والبذر بشيء من غلة الحرث، ومسألة عرفنا بأفريقية في زمنه وقبله وبعده إنما هي على أن كل التبن لرب الأرض والبذر.

الثاني أن مسألة سحنون ومحمد فيه (كذا) أن المنفرد بالعمل أخرج معه البقر، ومسألة عرفنا لا يأتي العامل فيها إلا بعمل يده فقط، وكونه كذلك يصيره أجيرا ويمنع كونه شريكا. ودلالة جواب ابن رشد في المسألة التي سئل عنها على خلاف ما قلناه، ونحوه قول اللخمي. ومثله إن كان من عند أحدهما العمل فقط يرد بما يأتي من أقوال أهل المذهب حسبما يأتي في كلام الصقلي إن شاء الله.

الثالث أن ظاهر أقوال المذهب أن شرط الشركة كون العمل فيها مضمونا لا في عمل عامل معين، ومسألة عرفنا إنما يدخلون فيها على أن العمل معين بنفس العامل، والحامل على هذا خوف الاغترار بقوله فيعتقد في مسألة عرفنا قول بالصحة وليس الأمر كذلك، فتأمله منصفا! ولقد أجاد ونصح شيخ شيوخ شيوخنا الشيخ الفقيه أبوعبدالله بن شعيب بن عمر

[153/8]

[154/8]الهنتاتي الهسكوري حيث سئل عن مسألة الخماس فذكر ما قدمنا عنه.

[ما على الخماس من الخدمة]

وسئل الواغليسي عما على الخماس من الخدمة.

وسئل الفقيه أبومحمد عبدالنور العمراني عن مسألة تظهر من جوابه رحمه الله.

فأجاب: استثناء الواهب بعض الشيء الموهوب على أن يكون بعد موته محلقا بالهبة على وجهين: أحدهما أن ينص على إدخال رقبة ذلك الشيء المستثنى في الهبة، أو لا يستثنى منه إلا منافعه في بقية حياته، فيكون بعد الموت داخلا في الهبة بلفظ الهبة الأول، والوجه الثاني أن يكون استثنى رقبة ذلك الشيء يبقيها على ملكه حتى لا تدخل في الهبة إلا بعد موته، فالوجه الأول إن كان مقدار قيمة ذلك الشيء المستثنى ثلث قيمة الجميع فأقل صحت الهبة بذلك وفي سائر الموهوب، والوجه الثاني لا تصح فيه الهبة في الشيء المستثنى، وإنما يكون له حكم الوصية فتصح إن كان الموهوب له غير وارث وحملها الثلث أو ما حمل منها، وإن كان الموهوب له وارثا وقف ذلك على إجازة الورثة له أو ردهم.

[هل تصل الهبة إذا وهبت حياء أو خجلا]

وسئل الأستاذ أبوسعيد بن لب عمن وهبت له هبة على وجه الحياء والحيازة هل تطيب للمتصدق عليه أم لا؟

فأجاب: قد قال الفقهاء في الصدقة إذا طلبت من المتصدق وفهم من حاله أنع أعطاها حياء وخجلا أو غير طيب النفس أنها لا تحل للمتصدق عليه.

[من مسائل الهبة]

وسئل بعضهم عن هبة بنات القبائل وأخواتهم لقرابتهن مع اشتهار العرف عندهم بعدم توريثهن.

فأجاب: هذا وأمثاله مما ثبت خلافه في الشريعة فإن كان الأمر كما ذكر فهبة البنات والأخوات والعمات باطلة مردودة ولهن الرجوع في حياتهن ولورثتهن القيام بعد مماتهن في ذلك لأن من مات عن حق فلورثته، ولو امتنعن من الهبة لأوجب ذلك انتهاكهن والغضب عليهن فيما يدعين، ولا فرق

[

وأجاب ابن عبد ربه : الذي جرى به العمل ببلادنا إذا تظالم اليهود فيما بينهم في الأموال والحقوق ودعا أحد الخصمين منهم إلى حكم الإسلام ، ودعا الثاني إلى قضاتهم ، أن يرفعوا إلى قضاتهم . كيف والطالبة تقول إن شهودها من أهل ملتهم ولا تمكنهم الشهادة إلا عند قضاتهم . وإنما يخير حكم المسلمين في الحكم بينهم أو يصرفهم إلى قضاتهم إذا جاؤوا راضين بحكم المسلمين ، لقوله تعالى چ پ پ پ پ ? ? ?چ [المائدة : 42] .

وأجاب ابن حارث : إذا دعا أحد الخصمين من أهل الذمة إلى حكم المسلمين وبعضهم إلى حكامهم ، فما كان من باب الظلم والتعدي مما ليس لهم فيه شريعة ولا حكم فالواجب أن يحكم بينهم بحكم الإسلام ولا يسألهم ، ومالهم فيه شريعة وحكم لم يتعرض لهم فيه وردوا إلى أهل دينهم . وهذه الحقوق والعدوات المذكورة مظالم فلا ينبغي تمكين بعضهم من بعض إلا أن يثبت عندك أن الذي يتناظرون فيه يوجب حكم شريعتهم فيه حقا لبعضهم على بعض ، فإن ثبت ذلك عندك فدعهم ودينهم وحكامهم ، وإن لم يثبت شيء من ذلك فانظر فما قوي من ذلك وأوكده مما للقاضي فيه حكم فلا بد من تنفيذه . ومثله ما أشهدوا على أنفسهم فيه للمسلمين بوثائق عقدوها . هذا ما عندي .

وأجاب ابن ميسور : الذي قاله ابن عبد ربه هو اعتقادي وبه أقول ، وهي الرواية عن مالك ، وعن ربيعة نحوه إلا في الدماء فإنه إذا كان القتل فلا يجوز دون الإمام ، لأن دماءهم حقنت بمكان ذمتهم من الإسلام . ولهذه اليهودية [130/10] مطالبة حقها عند حكام ملتها إذ لا شهود لها إلا منهم ، وليس يضر اليهودي ذلك إذا كان بيده من شهادات الإسلام ما يبطل ذلك عنه .

فلما بلغ ذلك أبا يعقوب، وعظه الله بقوله ولم يعد عليه في ذلك أمرا والأعمال بالنيات.

وتكلم الإمام أبو حامد الغزالي رضي الله في كتاب شفاء العليل بما نصه:

فإن قال قائل: توظيف الخراج على الأرض ووجوه الارتفاقات مصلحة ظاهرة لا تنتظم أمور الولاة في رعاية الجند والاستظهار بكثرتهم وتحصيل شوكة الإسلام الا به، ولذلك لم يلف عصر خال عنه، والملوك على تفاوت سيرهم واختلاف أخلاقهم، تطابقوا عليه ولم يستغنوا عنه، فلا تنظم مصلحة الدين والدنيا إلا بإمام مطاع ووال متبع يجمع شتاة الآراء. ويحمي حوزة الدين ويبضة الإسلام ويرعي مصلحة المسلمين وغبطة الأنام. وأنى يتسبب ذلك إلا بنجدته، وشوكته وجنوده وعدته، فبهم مجاهدة الكفار، وحماية الثغور، وكف أيدي الطغاة والمارقين منهم، عن مد الأيدي إلى الأموال والحرم والأزواج، فهم الحراس للدين عن ان تنحل دعائمه، وتتخاذل قواه بتوغل الكفار في بلاد المسلمين. وهم الحماة للدنيا عن أن يختل نظامها بالتغالب والتسالب والتوثب من طعام الناس، بفضل الغرامة والبأس ولا يخفي كثرة مؤونهم، وانشعاب حاجتهم في أنفسهم وذريتهم والمرصد لهم خمس الخمس من الغنائم والفئ، وذلك مما يضيق في غالب الأمر عن الوفاء بخراجهم، والكفاية لحاجتهم، وليس يتم ذلك إلا بتوظيف الخراج على الأغنياء، فان كنتم تتبعون المصالح فلا بد من الترخيص في ذلك مع ظهور وجه المصلحة.

قلت: الذي نراه جواز ذلك عند ظهور المصلحة وإنما النظر في بيان وجه المصلحة فنقول: أولا توظيف الخراج في عصرنا هذا وكل عصر هذا خراجه ومنهاجه ظلم محض، لا رخصة فيه. فإن آحاد الجند لو استوفيت جراياتهم ووزعت على الكافة لكفتهم برهة من الدهر وقدرا صالحا من الوقت

[

المعيار المعرب والجامع المغرب · الجزء ١ · الصفحة ١٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المعيار المعرب والجامع المغربج ١ · ص ١٦٠