وذكر أبو عبد الله بن هشام في شرحه قصيدة أبي الحسن ابن الهيثم المصري في المنازل, أن القبلة في قطرنا على سمت مطلع الشمس في أقصر يوم من السنة من كانون الأول, وأين هو من خمسة وأربعين؟ وليس معنى قول من قال المطلوب الجهة لا السمت أن يستقبل المكلف أي جهة شاء من المربع الشرقي الجنوبي من دائرة أفقنا, وإلا كانت صلاة من صلى إلى جزء خمسة وثمانين, وصلاة من صلى خمسة أجزاء من الربع المذكور صحيحة, ولا قائل به. أو اعتبر بهذا البحر الشامي فإنه طاعن في نحو المشرق إلى الاسكنرية والطريق لا يفارقه, ومن الاسكندرية إلى مصر مسافة خمسة أيام أو نحوها إلى المشرق أيضا. ومن هنالك تؤم الطريق على مكة الربع الشرقي الجنوبي مسافة أربعين يوما أو نحوها, فكيف يلتقي الخط القاطع من دائرة أفقنا الربع الشرقي الجنوبي بنصفين بمكة ولم ينحرف السائر إليها؟ أما الربع المذكور عن هذه المسافة البعيدة المشقة إلا يسيرا في جنب ما قطع منها, لا لعمر الله, ولو انحرف إلى جهة الجنب إلا بمقدار كثير, وهو من الدلائل التي يشترك الجمهور في معرفته. ومن أشنع ما طاش به قلمه أنه لا يجوز لمن لا ينحرف بتحريفه أن يأتم به, وهو لم يعلم قدر انحرافه, وذلك أن ما سجل به الدرك على نقسه إنما قيل في المجتهدين إلى جهتين مختلفتين. وأما التيامن أو التياسر, وهو الواقع في مسألتنا, فمعفو عنه كمن تبين له الخطأ فيه, فإن ذكر في الصلاة انحرف ولا شيء عليه, وغن ذكر بعدها فلا قضاء عليه. فكيف في حق من اعتقده جزما ومن خلفه مقلد؟ فهل هذا من جوابه إلا تحامل او قلة اكتراث بالتحقيق, وجرأة على الجواب بما عن له, فقد بان مما تقدم أن الواجب الاجتهاد لمن استطاع, ومن لم يستطع قلد من يقلده في نوازله, لا
[120/1] المحاريب لاختلافها ولا مرجح, والسلام على من يرد عليه ورحمة الله تعالى وبركاته, من كاتبه علي بن عبيد الله لطف الله به وسدده.
[ما بين المشرق والمغرب قبله]
الي قوله : وبما كانوا يكذبون .ومعلوم أنه لو أدي الصدقة الواجبة لما استحق
اسم البخل حسبما نقلها العلماء ولم يكن في ذلك اخلاف لما وعد الله ولا لما
عاهده عليه , ولكان مانع زكاة خاصة بقوله هذه أخت الجزية , حسبما ثبت في
الحديث . ولاخفاء بأن الصدقة والزكاة الواجبة , وان العهد الذي عاهد الله أمر
زائد علي الوجوب الذي فيها بايجاب الله تعالي حسبما ذكره من ذكره من
المفسرين . وهذا هو النقض عند النطار , وثبت به وجوب أصلي وطارئ علي
وفق اصطلاحكم , ومثله في طرو التحريم قوله تعالي :ولقد كانوا عاهدوا الله
من قبل لا يولون الادبار وكان عهد الله مسئولا .وان قصدتم غير ما يتبادر
من قولكم حتي يكون قد نذر أربع ركعات أراد ان يأتي بالطهر مغنية
عنها وعن نفسها فتكون الصورة كالصورة , وبعدها صوم رمضان عنه وعن
كفارة أو طهار فالأمر في ذلك أقرب , لأن الأصل في العبادات أنها حقائق تمتاز
بأنفسها طاهر فيها قصد التعبد الذي ان عقل معناه علي الجملة فان تفاصيلها
لا يعقل معناها . وبسبب ذلك كانت من تضاد أحكامها باشتاط النية فيها علي
الصورة التي بين المسألتين
[156/2]
[157/2]
في التصور فيها من التنافي ما لا يمكن به اجتماعهما , اذ يفوت الشرط
بفوت المشروط . وكانت أيضا من عدم الافتيات بالزيادة والنقص ولزوم الخلو
من منافيها بالقوة والفعل في الحد الذي قيل انه لم يجر فيها من الأقيسة الا
قياس عدم الفارق . وعلي ذلك فقد وجدنا فيها ما هو أقرب الي التضاد من
ذلك المثل كاجزاء غسل الجنابة والجمعة عنهما اذا نواهما علي المشهور , واجزاء
بعض الصور علي غيره , فان السنة تنافي الفريضة ما لا ينافي الفرض بعضه
بعضا الا بما تقدم من الشروط . وكذلك اجزاء تكبيرة الركوع عن تكبيرة
الاحرام للمأموم , واجزاء تطوع الطواف عن واجبه عند قائل ذلك كما في
علمكم .
وأما قولكم : واذا سلم ذلك الي ما حكيتم عن يحيي بن يحيي أنه غلو
*وسئل : ابن زرب عمن شرط لزوجته في صداقها أن لا يرحلها من دارها ما لم تطلبه بكرائها ، فإن طلبته به فله أن يرحلها .
=فأجاب : ذلك جائز له ، قيل له : فإن طلب بكرائها فيما مضى ، قال : ليس ذلك يلزمه إن كانت الزوجة مالكة أمرها عالمة بالشرط ، فإن كانت مولى عليها أخذ بكراء ما مضى ، ولم ينفعه ما عقده في سقوط الكراء عنه ، قيل له : فإذا كانت ذات أب وهي في ولايته وأباح له سكنى الدار ، لأي شيء لا يضمن الأب الكراء ويحمل محمل الهبة منه له ، ولا يكون على الزوج منه شيء ، فقال : ليس هذا هبة والكراء على الزوج ، ولا شيء على الأب ووقف على هذا ،[128/3]يريد وليس للأب أن يهب مال ابنته أو ولده ، إلا أن يلتزم الأب له ضمان الدرك .
[من زوج عبده من أمته على أنه متى باعه فأمرها بيد السيد]
*وسئل : عبد الملك عمن زوج عبده من أمته على أنه متى باعه ، فأمرها بيد السيد .
=فأجاب : النكاح مفسوخ إلا أن يطول أمده وتلد منه أولادا فيمضي ، وإن زوج عبده من أمته على أنه متى باعها فأمرها بيد السيد ، ثبت النكاح وسقط الشرط باع أو لم يبع ، دخل أو لم يدخل .
[من كانت له ربيبة رباها ووالدها حي ، فأراد أن يزوجها]
*وسئل : ابن المكوي عمن كانت له ربيبة رباها ووالدها حي ، فخطبت فأراد أن يزوجها ، من أولى بتزويجها ؟
=فأجاب : من أنكحها منهما فالنكاح جائز .
[من عقد على ابنته البكر نكاح تفويض ثم سميا صداقها]
*وسئل : سيدي أبو الحسن الصغير عمن عقد على ابنته البكر في حجره نكاح تفويض من رجل ، ثم بعده بمدة سميا صداقها ، ثم إن الزوج رغب من الأب إسقاط ما سمياه وأن يرداه تفويضا ففعلا ، وبقي الأمر كذلك فماتت الزوجة قبل البناء ، ما الحكم في الصداق والميراث ؟
فأجاب: الأصل المذهبي أن المقر على نفسه بيمين حلفها يحكم عليه بمقتضى إقراره، كان صادقا في إقراره أو كان كاذبا، إذا كان مأسورا بالبينة، ولا يعارض ذلك ما ثبت من الشهادة عليه بلفظ اليمين في قتورية، إذ يمكن الجمع بينهما بأن يكون في قتورية حلف على الخروج قبل انقضاء شهر رمضان، وحلف يمينا أخرى على ترك السكنى، وكل من حلف على أن لا يسكن دارا ما عاش فإنه يحنث إن سكنها لحظة من عمره، هذا حكمه بحسب الظاهر، والله يتولى السرائر، نعم غنك أن قصد بيمينه بقتورة أنه لا يتم فيها شهر رمضان قاصدا، فإنه يجوز له إذا انقضى الشهر أن يرجع إلى سكناها، وينفعه ذلك فيما بينه وبين الله تعالى، ولما سألته عن بساط يمينه، كان مقويا لما أقر به في أورية، فلا بد من الحكم عليه بالإقرار، وشهادة الشهود في رسم بنص اليمين على أنهم لا يعلمون له يمينا انتقل بسببها إلا هذه، لا تنفع شهادة على نفي، فإن ادعى البت وأنه لم يحلف كذبوا، إذ لا علم عندهم بذلك، وأما حكم ما يلزمه في الحنث باللازمة، فإنه يلزمه مقتضى العرف فيما عندكم،
[140/4]
[141/4]
فالطلاق الثلاث لازم عندنا إذ قد صارت في بلدنا عرفا ظاهرا، فإن كان موضعكم كذلك فالثلاث لازمة، وإن كان غير ذلك فهو اللازم، هذا ما عندي في النازلة. انتهى.
قال ابن عاصم: لم تزل الفتيا على عهد شيخنا الشيخ قاضي الجماعة أبي القاسم بن سراج - رحمه الله - صادرة بلزوم الواحدة في الزوجة للحالف باللازمة إذا حنث ولم تكن له نية في الثلاث على وفق قول الأشياخ الثلاثة: أبي الحسن القابسي، وأبي عمران الفاسي، وأبي بكر بن عبد الرحمن ومن وافقهم على ذلك من أشياخ الأندلس، وربما استظهر بتحليف الحانث على عدم علمه الحكم فيها، حتى يكاد ذلك يؤثر في ذلك العرف المستقر فيها قديما.
[إذا ختلعت المرأة ثم شهد شهود بالسماع أنه كان يضربه لتفتدي منه]
وسئل الفقيه أبو القاسم المذكور عن رجل باع من رجل جميع أملاكه ثم مات البائع والمبتاع معا، ثم قام وارث المبتاع فاستظهر بإقالة المبتاع لموروثه البائع، ثم إن وارث المبتاع وكل وكيلا على الخصومة بينه وبين القائم عليه يخاصم مدة، ثم ادعى الوكيل المذكور أنه اشترى الأملاك التي وقع فيها النزاع من موكله وأثبت ذلك وعلى شرائه شهود الإقالة التي استظهر بها القائم على موكله فهل ترد شهادة الشاهد لأنهم شهدوا على الإقالة وعلى البيع بعدها في
[136/5]
الملك المذكور تكذيبا بشهوده الذين ثبت بهم شراؤه أم لا؟ بين لنا بيانا شافيا مأجورا مشكورا، والسلام عليكم ورحمة الله.
فأجاب: أكرمكم الله وأدام لنا ولكن العافية الجواب أن شهادة البينة على الإقالة ثم شهدوا على الشراء من وارث المبتاع بعد الإقالة تبطل به شهادتهم إلا أن يدعوا النسيان والغفلة فلا تبطل، وكذلك دعوى الوكيل الشراء لأنه إنما يخاصم لموكله فلو ثبت شراؤه لخاصم لنفسه إلا أن يعلم أنه إنما توكل لبطلان الإقالة كي يصح له ما اشتراه فيحلف على ذلك والله أعلم، وكتب القاسم بن عبد الرحمن النالي والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
[من ادعى جرح الذين ثبت بهم الحق عليه]
وسئل عن رجل ادعى قيل حقا وأثبت ذلك ببينة ثم ادعى جرح الشهود الذين ثبت الحق عليه بهم، ثم بعد ذلك رضي بشهادتهم وقال كل ما شهدوا به على جائز فشهدوا عليه كما شهدوا أولا ثم أراد النزوع عن شهادتهم وقال ظننت أنهم يرجعون إلى الحق فهل له ذلك أم لا؟ بين لنا ذلك بيانا شافيا مأجورا مشكورا والسلام.
قال: وهذه مسألة المدونة في كتاب العيوب فيمن اشترى خشبة ولم يعرف عيبها إلا بعد شقها، فإنها لازمة للمشتري ولا قيام له على البائع.
[الحطاب يبيع الحطب على الدابة، ولا يستثنى ما أبقاه لنفسه]
وسئل ابن رشد عن الحطابين الذين يبيعون الحطب على الدواب، وعاداتهم أن يصنعوا لأنفسهم حزيمة صغيرة من رقيق الحطب، ويربطونها على الدواب في مؤخر الحمل، فيأتي الذي يريد شراء الحمل فيساومه عليه، ويتفق معه، وإذا أتى إلى منزله، أخذ الحطاب تلك الحزيمة لنفسه فينازعه فيها مشتري الحمل.
فأجاب: إذا كانت تلك الحزمة مع الحمل وقت المساومة، فهي لمشتري الحمل ولا حق فيها للحطاب إلا باستثنائها وإزالتها من الحمل قبل وقوع المساومة إن شاء الله تعالى.
[من أشهد أنه باع دارا مشتركة بينه وبين أولاده الصغار ثم رجع في بيعه]
وسئل الأستاذ الإمام أبو عبد الله الحفار عن رجل له نصف دار، ولأولاده الصغار في حجره نصفها. فعقد البيع في جميعها مع رجل، والتزم أولاده، فلما كان عند الإشهاد قال البائع: اشهدوا علي أني قد بعت الدار التي بيني وبين أولادي من فلان، وفلان حاضر. فذكر ذلك المبتاع وقالوا له: نشهد عليك، فقال: حتى أشاور نفسي فقال الشهود للبائع: إن رضي المبتاع فقد لزمك البيع، فقال نعم، فلما كان اليوم الثاني جاء المبتاع وقال للشهود: قد التزمت البيع على الوجه الذي وقع بالأمس، فذكر ذلك للبائع، فقال: قد بدا لي رجعت عن ذلك البيع، فأبى المبتاع من الإقالة. ولما بدا للبائع، عقد في الدار المذكورة البيع مع غير المشتري الأول.
فأجاب: ينظر، فإن كان المشتري لم يجد لمشاورة نفسه زمنا، ثم
[168/6]
142/7] المحراب, فلو أراد الله بهدم السقف (وعري)(¬1) المحراب والمنبر, فهل يصلون فيه الجمعة والمنبر للبراح ؟ أم يجذبون المنبر إلى الصف الثاني المسقف ويصلون الجمعة فيه ؟
فأجاب: أما الخشب الذي أقلعته السيل من املاك الناس فلا يجوز البناء به في المسجد ولا في غيره إلا بإذن أرباب الأملاك, لأن اقتلاع السيل له لا يخرجه عن أملاكهم, والصلاة تحت ما سقف به من المسجد لا تجوز ابتداء, فإن وقعت فلا تعاد على القول المشهور. وأما إذا انهدم ما يستر المنبر من سقف المسجد فجائز ان يخطب عليه الإمام خطبة الجمعة في غير موضعه من غير أن ينقل إلى موضع آخر على ما رجحه ابن رشد رحمه الله من عدم اشتراط تسقيف المسجد في الجمعة وبه نأخذ في المسألة.
[إذا خرب ما حول المسجد لا ينقض على المشهور]
وسئل عن قرية خالية على نحو ثلاثة أميال من بلش, وفيها مسجد مسقف, وله أحباس محبسة على بنائه وما يحتاج إليه, فلما كان في هذه الأيام مشى ناس من أهل بلش بدوابهم هدموا سقفه. ونقلوا خشبه وقرموده- لمسجد ربض بلش, فهل ذلك جائز لهم أم لا ؟ وهل يلحقهم إثم على تسببهم في خراب بيت من بيوت الله ؟ وهل يجب على الذين هدموه أن يعيدوه كما كان أول مرة ؟.
فأجاب: مذهب ابن القاسم رضي الله عنه في مثل هذا المسجد أن لا يتعرض لنقضه وأن يترك على حاله, سواء رجيت عمارته أم لم ترج, وأجاز غيره من الأئمة نقل نقضه إلى مسجد ىخر وبناؤه به إن بعد الرجاء في عمارته وعودة اهل القرية على سكناها, وهو قول صحيح أخذ به ابن أبي زمنين, فالأخذ به لا يعترض, والترك أولى وأحوط, وهو المشهور, فالذي أراه في فعل هؤلاء الناس أن يمضى ولا يلزم إعادة المسجد ولا غرم قيمة النقض ولا يأثموا بذلك وإن كان إمساكهم عن ذلك أولا أولى.
[143/7] [نقل أنقاض المسجد الخرب إلى مسجد عامر]
152/8]يجد خماسا إلا بشرط السلف، وعلى صاحب الزرع ضرر في ترك الحرث فيجوز له ذلك للضرورة، كما أبيحت الميتة للمضطر، كذا كنا نسمعه من شيوخنا. وهذا إذا كان العمل كله على الخماس إلا الحصاد فلا يلزمه منه إلا ما ينوبه. وفي الوثائق المجموعة أنهما يقتسمان التبن كما يقتسمان الزرع. الشيخ: وسمعنا في بعض المجالس أنه يكون عليه في القمح والشعير ثلث العمل، وفي الذرة نصفه، ولا يكون على الخماس من الحصاد إلا الخمس، ولا يجوز له أن يتخذ للقاط عند (كذا) وأما إعطاء الثور بجزء من الزرع من غير زرع فأجاز ذلك الفقيه راشدا قياسا على الخماس، ومنع من ذلك الفقيه أبوعمران وقال لأن في الخماس الشركة بمنافع من يعقل بخلاف الثور، وعلى القول بشركة الخماس فيقضى عليه بحرث جميع ما يتعلق بالزرع من ذرة وغير ذلك.
[حكم من أخرج الأرض والبذر والبقر وللآخر العمل]
وسئل ابن رشد عمن أخرج الأرض والبذر والبقر، وأخرج الآخر العمل على أن يكون له الربع وللآخر الثلاثة الأرباع، هل تجوز أم لا؟
فأجاب: مسألة الشركة هذه على ثلاثة أوجه: إما أن يعقداها بلفظ الشركة فيجوز، أو بلفظ الإجارة فلا يجوز، وإن لم يسميا شركة ولا إجارة ويقول أدفع إليك أرضي وبقري وبذري، وأنت تولى العمل ونحوه ويكون لك الربع أو الخمس أو نحوه فحمله ابن القاسم على الإجارة فم يجزه، وحمله سحنون على الشركة فأجازه. وإلى الأول ذهب ابن حبيب. هذا تحصيلها عندي، ومن أدركت من الشيوخ لا يحصلونها ويحكون الخلاف إجمالا وليس بصحيح انتهى. ابن البرا: وهو جمع حسن كما حصل، ووقع بخط القابسي جواب يقرب منه، إلا أن هذا الجواب أحسن مساقا وفقا بحسب قائله من العلم. ابن عبدالسلام عقب كلام ابن رشد: هذه مسألة الخماس ببلدنا. وقال فيها ابن رشد إن عقداها بلفظ الشركة جاز اتفاقا، وإن كان بلفظ الإجارة
[152/8]
[
152/9] فأجاب: تصفحت سؤالك ووقفت عليه، وإذا كان الأمر على ما وصفته فيلزم ولى الأسير الذي فدى أسيره بجميع العبد أن يغرم نصف قيمته يوم فدى به الأسير فيكون موقوفا ما رجى وجود الأسير الآخر وافتكاكه به فإذا يس من ذلك وانقطع الرجاء فيه رجع ذلك إلى الواهب إن قال إنه لم يهب ذلك للأسير وإنما أراد فكه من الرق الذي أصابه ويستحب له أن يجعله في أسير غيره، وإن قال إنه وهب ذلك للأسير كان ذلك موروثا عنه إذا وجب ميراثه، وللولي الذي فدى بالعبد أسيره أن يتبعه بقيمة نصف العبد بعد يمينه أنه إنما فداه به على أن يبيعه بقيمته إن أغرم إياها والنفقة بينهما على ما أنفقاها، وبالله تعالى التوفيق.
[مسألة]
وسئل مالك عمن أبضع مع رجل بضاعة إلى رجل ولا يدرى المبعوث معه لم بعث بها فألفي الرجل المبعوث إليه قد توفي فقال خليفته: ادفعها إلى.
فأجاب: أرى أن يردها إلى باعثها، ابن رشد هذا بين إذ لا يدرى لعله إنما بعثها لتكون وديعة عند المبعوث إليه أو يشترى لربها شيئا ولو علم أنه بعث إليه صلة أو هدية فإن أشهد على إنفاذها حين أرسلها فهي لورثة المبعوث، هذا نص ما في صدقة المدونة، ومعنى ذلك إن كان الموصل إليه أو المهدي إليه يوم الصلة حيا، وإن كان ميتا لم يكن لورثته منها شيء، هذا معنى ما في المدونة عندي، انتهى.
قال بعض القضاة: ونزلت عندي عام ثلاثة وثمانمائة مسألة من هذا المعنى، وهي رجل بعث بثوب من المهدية إلى أخيه بالحمة، فلما وصل المبعوث معه بالثوب، وجد الأخ المبعوث إليه قد مات، ولا يدرى المبعوث معه لأي شيء بعثه الباعث، فقام الأب وقد كان ساكنا بالحمة وأراد أخذ الثوب، وقال هذا قد بعث لابني وأنا وارثه، وتدافع المبعوث معه إلى مجلس الأحكام عندي فحكمت بينهما بأنه لا مقال للأب، وأمرت برد الثوب إلى صاحبه، وأخذتها من مسألة العتبية هذا، ومن كلام ابن رشد.
[153/9] ... ... ... ... [مسألة تظهر من جوابها]
سئل قاض عما وقع في مجلسه فقال حضر مجلسي سعيد بن فلان فحضضته على الصلح مع خصمه سليمان ، فقال ان انضم بأن يقبض مني في نصيب زوجته خمسة وسبعين مثقالا ، وإلا فقد رضيت أن أقضي منه سبعة وأربعين مثقالا وانحل(¬1) له عن الملك الذي يخاصم فيه ، ثم أنكر هذه المقالة ، ودعي سليمان إلى يمينه فحلف أنه ما رضي بهذا الصلح ولا قاله ، ثم أتى سليمان إلي وطلب مني أن أشهد له بما سمعت عند غيري إن لم نحكم بهذا ، فإن رأيتم أن أخير شهادة الاثنين الذين لم يعدلا عندي من أجل معرفتي بحقيقة ما شهدا به فعرفوني بذلك .
فأجاب ابن عبد ربه : الذي جرى به العمل ببلدنا ويفتي به شيوخنا ألا يحكم الحاكم بعلمه ولا ينفذه إلا بعد لين عنده بعد الإعذار فيه .
وأجاب ابن خزيمة : قد اختلفنا عليك فيما نأخذ به من الفتيا وتحتاط لدينك باجتهاد فإن كنت قد رضيت بإمضاء الصلح بمن شهد به منضما إلى علمك به فلا أرى إلا إمضاء ما رضي به من الصلح وإنفاذه بالعدل الواحد وبشهادة اثنين وإقراره بمحضرك ، وقال كثير إن السلطان يقضي على المقر بما سمعه بين يديه . هذا ما عندي .
[اختلاف يهودي ويهودية بقرطبة على التقاضي عند المسلمين أو اليهود]
وسئل فقهاء قرطبة عن يهودي ذكر أن امرأة طلبته وهي منهم عند قضاتهم بأشياء ادعتها على أبيه وأنه على الفعل عليه فيما طالبته به وأن بيده سجلا لقاضي الجماعة ووثائق منعقدة بالخط العربي وشهود المسلمين ، وأثبت [129/10] أن قضاة اليهود وفقهاءهم على عداوة أبيه ، وأتت المرأة وزعمت أن حقها ثبت عند قضاتهم ، وشهودها من اليهود ، ومتى خرج نظرها عنهم بطل حقها . فأجاب أصبغ بن سعيد : إذ قد أتاك اليهودي راغبا في النظر له فقد وجب له النظر ، لاسيما ما استظهر به عندك من تقديم نظر القاضي في ذلك وعداوة الجميع لأبيه .
فأجابني: بأن ذلك لا يجوز ولا يسوغ فلم يسعني إذ ذاك والحالة هذه إلا أن كلمت والدي في ذلك بجواب الأستاذ فعمل على ذلك، واحتال على التخلص من ذلك. ثم سألت شيخنا الجليل أبا إسحاق فسوغه وكان معتمده في ذلك النظر، قيام المصلحة التي إن لم يقم بها الناس، يعطونها من أموال ساعة مستندا في ذلك إلى المصلحة المرسلة. وفي هذا المعنى من اقتضاء المعونة كتب الأمير أبو يعقوب يوسف بن تاشفين إلى قاضي المرية محمد بن يحيى عرف بابن البكراء(¬1) رحمهما الله يأمره بفرض المعونة ويرسل إليه بها فامتنع محمد بن يحيى من فرضها، وكتب إليه يخبره أنه لا يجوز له فرضها فجاوبه الأمير يخبره بأن القضاة عنده والفقهاء قد أباحوا له فرضها، وأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد فرضها في زمانه فراجعه القاضي ولي أمير المسلمين في الله تعالى محمد بن يحيى: الحمد لله الذي إليه مآبنا وعليه حسابنا. وبعد، فإنه بلغني كتبك تذكر فيه ما كان من تأخري عن المعونة وقبضها وأن القضاة والفقهاء أفتوك بقبضها وأن عمر رضي الله عنه اقتضاها وقبضها فالقضاة والفقهاء إلى النار دون زبانية فإن عمر قد اقتضاها فكان صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ووزيره وضجيعة في قبره، ولا شك في عدله. وأنت لست مصاحبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا وزيره ولا ضجيعا له في قبره، وقد يشك في عدلك، وما اقتضاها عمر حتى دخل المسجد بحضرة من كان معه من الصحابة رضي الله عنهم، وحلف أن ليس عنده درهم في بيت مال المسلمين ينفقه عليهم، فإن كان الفقهاء والقضاة قد أنزلوك كمنزلته في العدل، فالله حسيبهم وسائلهم على تقلدهم ذلك، فلتدخل المسجد بحضرة من هناك من أهل العلم، وتحلف أن ليس عندك في بيت مال المسلمين درهم
[133/11] تنفقه عليهم، وحينئذ تجب تقويتك والله تعالى على ذلك كله الحق والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.