قلت: وقع كلام ابن عبد السلام من نظيره ما يشهد لصحة هذا الجواب, فانظره عند قول ابن الحاجب فخلاف ما ينكأ فغنه يغسل.
وسئل سيدي عيسى بن علال عن ماء الصؤاب(¬1) الذي بالجسد إذا أخرج.
[16/1] فأجاب بان قال: لا نص فيه, والظاهر طهارته. قال ولا يغسل ما زال جلده من النفافط.
وسئل عن العضو إذا دهن بدهن ثم أراد الوضوء: هل يضيف ذلك الماء أم لا؟
فأجاب بأنه لا يضيفه ذلك. ورأيت في جواب الأستاذ أبي سعيد بن لب ما نصه: وأما مسألة الرجانة(¬2) في أعضاء الوضوء حائلة فتجب إزالتها أولا حتى تتخلص الأعضاء منها, ثم يتوضأ إن وجد ماء ولا يتيمم. وترد هنا المسألة السابقة أن على الرجل الذي تلك حرفته أن يحمل من الماء ما يكفيه للازالة والوضوء بماء واحد لقلة الماء, فقد قيل بذلك في إزالة النجاسة انتهى.
[حك الجرب في المسجد]
وسئل سيدي أحمد القباب عن رجل به جرب كثير, فإذا أتى المسجد للصلاة حك فيها فتقع قشور الجرب في المسج وهو لا يقدر على التحفظ من ذلك, هل يجوز له يجوز له دخول المسجد أم لا؟
فأجاب فلم أجد فيها نصا. ولو صلى خارج المسجد بصلاتهم إن قدر كان أحوط له.
[إصلاح النعلين في الصلاة]
وسئل ابن علال عمن أصلح نعليه وهو في الصلاة
فأجاب بأن قال: أخبرني الشيخ أبو حفص عمر الرجراجي أنه حضر عند الشيخين المفتيين أبي عبد الله محمد عبد الكريم الأغصاوي وأبي الربيع ابن عبدون السريفي وقد سئلا عن هذه المسألة, فأمر السائل بإعادة صلاته. قال وحملاه على النجاسة لأن الغالب عليه الدخول به في مواضع النجاسة, بخلاف القبقاب فإنه يغسل ولم يوجد فيه نص.
[17/1] [هل صحن المدرسة من المسجد]
باباحه صيده . واقول ان الجواب عن هذا التعارض ينبنى على أربع قواعد :
الأولي القول بالعموم . الثانية القول بالمفهوم , الثالثة تخصيص العموم
بالمفهوم , الرابعة امتناع القياس على الرخص . وبيان القاعدة الأولى ان قوله
تعالى وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لك عموم, فيتناول ما ذبحوه وما
صادوه بناء على القاعدة الأولى وهى القول بالعموم. وقوله تعالى وما علمتم
من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما امسكن عليكم خطاب
للمسلمين , دليله انه لا يؤكل ما صاده غير المسلم . وكذا قوله تعالى يا أيها
الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله الايه خطاب للمؤمنين على
أحد التأويلين وهو أنها داله على الاباحه , وأنها في الحلال لا في المحرم /18/
[18/2]
[19/2]
ودليله ان غير المسلم بخلاف ذلك بناء على القاعدة الثانية , وهذا مفهوم
مخصص للايه الأولى بناء على القاعدة الثانية .
ولا يقال: المفهوم لا يخصص به لان دلاله العام منطوق, والمنطوق لا
يعارض المفهوم.
لانا نقول : لو لم يخصصه به للزم أبطال أحد الدليلين واعمالهما معا ما
أمكن الجمع بينهما أولى .
فإذا تقرر هذا فنقول : الفرق بين ذبيحة الكتابي وصيده في كون العموم
خصص بالمفهوم في آيه الصيد , ولم يخص المفهوم في آيه التذكية وهى قوله
تعالى إلا ما ذكيتم هو ان الأصل التخصيص في الجميع, لكن وردت السنه
بالرخصة في ذبيحة الكتابي لما ثبت في قوله صلى الله عليه وسلم أكل من الشاه
التي أتت بها اليهودية مسمومة من غير ان يسال هل ذبحها يهودي أو مسلم ,
مع ان الغالب فيها تأتى به اليهودية انه من ذبيحة أهل دينها , فثبت بهذا
الرخصة في ذبيحة الكتابي . واذا كان ذلك رخصه لم يصح قياس صيد الكتابي
عليه, عملا بالقاعدة الرابعة وهى امتناع القياس على الرخص .
فان قيل : حقيقة الرخصة انه المشروع لعذر, مع قيام المحرم لولا العذر
وقد ظهر من تقريرك قيام المحرم , فأين العذر ها هنا ؟
=فأجاب : لعل المسألة التي رأيتم في الواضحة هي قوله في كتاب الحج : ولو استودع رجل رجلا صيدا ثم أحرم المودع والمستودع والصيد مع المستودع في سفره ، فإن كانا رفيقين أو في رحل واحد فعليه أن يطلقه لأنه كان معه في قبضته دون من استودعه إياه ، وإن كان المودع في رحل والمستودع في رحل فليس على المودع أن يطلقه وكأنه خلفه في منزله ، ولا على المستودع أن يطلق صيد غيره ويغرمه وإن كانا يوم أودعه حلين ، ولكن عليه أن يرده إليه ثم يطلقه الذي هو له إن كان محرما ، وإن كان حلالا جاز له حبسه وإن كان الذي هو له غائبا لم يكن على المستودع المحرم أن يطلقه ، ويغرمه من ماله ؛ لأن قبضه في موقع يجوز له قبضه فيه . ولو كان استودعه إياه محرما رده لصاحبه إن وجده ، فإن لم يجده أطلقه وضمنه لصاحبه ؛ لأنه كان معتديا حين قبضه انتهى . ونقلها في النوادر عن كتاب ابن المواز من قول ابن القاسم وأشهب ، ونصه : وإذا أودع رجل رجلا صيدا في الحل وهما حلالان في سفر ، ثم أحرم ربه ، فإن كانا رفيقين فليرسله ، وإن لم يكونا في رحل واحد فهو كالذي خلفه في بيته . ولو أحرم الذي هو بيده وديعة فليرده إن حضر .
[
وسئل من قبل القاضي أبي الفضل عياض عن امرأة ظهر بها حمل من زوج طلقها ففرض لها، ثم انفش الحمل، وشهد بذلك، ثم ظهر فطلبت النفقة، ثم انفش الحمل وشهد النساء بأن ليس بها شيء، وهي في كل ذلك تدعي الحمل، فقام الزوج فطلب ما أخذت منه في فرض الحمل قبل هذا، وقد مضى لأمد طلاقها أزيد من عامين، هل للزوج ذلك على رأي من يرى له الرجوع؟ وكيف إن أقامت هي نساء أخر يشهدن بالشك في أمرها وأنهن يرين أمرا مشكلا لا يدرين أهو ولد أم داء، هل يوجب ذلك إيقاف الزوج عن أخذ ما أعطى أم لا؟ وكيف إن أقامت الآن شهودا بإثبات الحمل؟ هل ترجع فتأخذ؟ أو يوقف لاضطراب حالها واختلاف أمرها وطول مدتها إلى أن تلد أو يتيقن انكشافه وزواله أو يمضي من الأمد ما يؤيس منه.
فأجاب: تصفحت سؤالك هذا، ووقفت عليه، وإذا ثبت عند القاضي بشهادة النساء أن الحمل قد انفش كان له الرجوع بما أنفق عليه على القول بوجوب الرجوع له بذلك، وقد اختلف في ذلك على أربعة أقوال، أحدها: أن له الرجوع بذلك، والثاني: أنه لا رجوع له به، والثالث: أن له الرجوع بما أنفق إن كانت نفقته بقضاء، ولا يرجع به إن كان أنفق متطوعا، والرابع: العكس لهذه التفرقة، ولا يلتفت إلى شهادة من شك في شهادته، ثم نثبت الحمل بعد ذلك عاد عليه الإنفاق، وذلك بعد الإعذار إلى الزوجة في شهادة من شهد أن الحمل
[17/4]
[18/4]
قد انفش إذا كانت مدعية للحمل بعد الإعذار إلى الزوج في شهادة من شهد بالحمل إن كان منكرا، وبالله التوفيق.
[لا يقضى بنفقة الأبوين في غيبة ولدهما ولا تباع أصوله لاجلها]
الدرهم يهبط في القلسطون من كل جهة، ويكون المردود عليه يهبط فيه من جهة واحدة وبالعكس، فقد تحقق عدم التساوي بين الدرهمين، ولكن سمحوا بهذا للضرورة مراعاة لمذهب أهل العراق، فإنهم يجيزون فضة بفضة وسلعة، ويجعلون ما يقابل ما نقص من الفضة عن الفضة الأخرى في مقابلة السلعة، والإمام قد راعى هذا في مسألة الرد، وهم لا يشترطون تساوي الفضتين، فكذلك يلزم في هذا، فعلى هذا يجوز رد القيراط من غير وزن إذا لم يوجد له ميزان واضطر لذلك، لأنه إذا كان من تقدم من الشيوخ لا يمنع الرد بالقلسطون للضرورة وهو يتحقق فيه التفاضل لكون أحد الدرهمين أكثر وزنا من الآخر ومراعاة لمذهب أبي حنيفة ولقول الإمام أجزناه لضرورة الناس ولأنهم لا يقصدون به صرفا فكذلك هذا، وقد أخبرني ( ) (¬1) وابن القباب رحمهما الله أنه إذا كان المردود وازنا في بعض الموازين لا يلزم البائع بدله، لأنه كالاختلاف في وجود العيب، فلم يراعيا ما يتوقع في الربا، ووجه ذلك ما تقدم، والله أعلم، ووجه آخر أن اعتبار الوزن في الرد لم ينقل عن مالك ولا عن أحد من أصحابه المتقدمين فيما يذكر، وإنما ذكره ابن الكاتب تأويلا عن مسألة ابن البلاط لما سال ابن عمر، وهي الواقعة في كتاب الصرف من المدونة، وإلى جواز الرد بغير قلسطون ولا ميزان عند تعذرهما كان يذهب شيخنا الخطيب أبو عبد الله الحفار رحمه الله، تلقيت ذلك أنا منه، واحتج بما ذكرته، وهو بين إذا نظر في المسألة بالانصاف، والذي يظهر - والله اعلم - أن الذي يعتبر من الشروط في الرد ما كان الخروج عنه يؤدي إلى الربا المتفق عليها بين أهل المذاهب المعتمدة، مثل عدم التناجز أو الرد على الهبة والصدقة والسلف وما أشبه ذلك، وأما ما اختلف فيه فيجوز للضرورة، لأن مالكا رضي الله عنه خالف أصله لذلك، فإن منعنا من غير نص منه على المنع خالفنا أصله الذي اعتمده من مراعاة الخلاف للضرورة.
فإن قلت: أما بطلان الإقرار بالبناء على التقييد الأول فواضح. وأما على التقييد الثاني فلا لأن المائة والخمسين في مسألتنا لا تخرج عن حكم التبدية بسبب أن العاقد لما عقد بوصايا تخرج من ثلثه في وجوه معينة ويصرف باقي الثلث في وجه آخر، وجب تبدئة تلك الوصايا على ما عين صرف باقي الثلث منه. ولما كانت المائة والخمسون من جملة الوصايا وجب تقديمها أيضا على باقي الثلث بدليل قول ابن القاسم في العتبية: كل من أوصى بشيء بعينه لأحد أو أمر به فسماه وقال: ما بقي من ثلثي فاجعلوه في كذا وكذا بعد التسمية، فإن التسمية من الوصايا تبدأ قبل الذي جعل فيه ما بقي من ثلثه، وإن كانت الوصايا بعد ما أوصى أو قبله فهو سواء. وهذا قول مالك في النوادر لابن أبي زيد(¬1) عن كتاب ابن عبدوس(¬2) وكتاب ابن المواز(¬3).
وقال أشهب(¬4) فيمن أوصى أن لفلان عشرة دنانير ولفلان ما بقي من ثلثي ولفلان عشرة، فإنما لصاحب باقي الثلث ما فضل بعد العشرين وبعد كل وصية. وقاله مالك.
قلت: هذا حجة الخصم، وهي لا تقوم على ساق، لأن التبدئة في مسالة العتبية وكتاب ابن المواز إنما جاءت من جهة لفظ العاقد عليها بقوله: وما بقي من ثلثي فاجعلوه في كذا لاقتضائه تأخيره عما سواه من الوصايا.
وأما مسألة المائة والخمسين فليس فيها ما يدل على التبدئة بوجه، لأن طرق التبدئة ثلاثة: إما الأكذية وهي في مسألتنا منتفية، أو نص العاقد على التبدئة أو على ما يقتضيها. ولا خفاء بتعذر تعقل هذين الطريقين أيضا في المسألة، لأن العاقد فيها لم يذكر المائة والخمسين على طريق العقد وإنما ذكرها على طريق الاعتراف المقتضي خروجها من رأس ماله، والحكم هو
[18/6]
18/7] بعوض وما فضل عنهم يأخذه الطلبة أو يقع الحصاص بينهم وبين الطلبة لدخول جميعهم في الحبس؟ بينوا لنا الحكم في ذلك على مقتضى مذهب الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه والله سبحانه يسدد آراءكم, ويديم علاكم, والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
فأجاب رحمه الله بما نصه: اللهم وفق للصواب, يأخذ القيم والبواب ما رتب لهما الواقف بالتمام والكمال عند ضيق الخراج عن مرتبات من ذكر, لأنهما ملحقان بالعمارة لا تتم إلا بهما, لأن المدرسة المذكورة تحتاج إلى الكنس والفرش والوقود وفتح الباب وغلقه وحفظ الحصر والقناديل وغير, وما فضل بعد ذلك تقع المحاصة فيه بين من ذكر من الإمام والمؤذن والمدرس والأستاذ والطلبة , هذا إذا كانت العين الموقوفة مدرسة كما ذكر, وأما إذا كانت مسجدا بنص الواقف يصلي فيه الموقوف عليهم وغيرهم ممن يحتاج إلى الإعلام بدخول الوقت, قدم أيضا المؤذن والإمام والقيم والبواب, وتقع المحاصة بعد ذلك بين الطلبة والمدرس والأستاذ, والحالة هذه والله تعالى أعلم بالصواب.
[المصاحف المحبسة يجب الاحتفاظ بها والاعتناء بشأنها]
وسئل الفقيه أبو محمد عبد الله سيدي محمد بن قاسم القوري رحمه الله عن الرباعات المحبسة على ضريح ملوك شالة ونص السؤال: الحمد لله وحده سيدي رضي الله تعالى عنكم واجب بيان المشكلات منكم, سلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وبعد: فإن مما أشكل وجهه, والتبس امره, مسألة المصاحف الكريمة المحبسة على ضريح من بشالة المباركة من الملوك الكرام رضي الله عنهم, وأبقى البركة في كريم خلفهم, وذلك أن أحمد اللحياني تجاوز الله تعالى عنه كان ممن سولت له نفسه أن أخذها ونزع ما كان عليها من حلية الفضة وغيرها, وسيرى الله عمله(¬1) ويجازي به أو يعفو
[
ومما يدل على تقدم الأعلين على الأسفلين في السقي مع الإشكال ما وقع لابن القاسم في سماع حسين بن عاصم في مسألة نهر صغير تكون عليه الأرحية والأجنة والكروم والشجر، يسقي أهل كل قرية شجرهم
[17/8]
[18/8]وأجنتهم. قال في أثناء كلامه: وإن كان لهم شرب معلوم من أهل القرية الأسفلين، أعطيه إذا ثبت ذلك له ببينة عدول أو أمر بين. فلم يجعل ابن القاسم للأسفلين شيئا حتى يثبت حقهم ببينة عدول أو أمر بين، فكذلك مسألتنا. وهذا واضح والله ولي التوفيق بفضله وكتب محمد بن عبدالعزيز التازغدري لطف الله تعالى به.
وتقيد بطرة السجل الشامل للرسوم المنصوصة والأجوبة المذكورة ما نصه:
الحمد لله. أشهد الشيخ الفقيه الجليل العالم المتفنن الخطيب البليغ البارع المدرس المفتي منتهى هذه الطريقة في عصره، والملجأ المؤمل لقل البين وكثره، السيد الأول الأفضل الأكمل، أبوالقاسم محمد ابن الشيخ الفقيه العدل الأزكى التالي لكتاب الله ظاهرا الفاضل الكامل المبرور المرحوم أبي محمد عبدالعزيز التازغدري المذكور، مجيبا في الرسم الأخير من هذا السجل أن الفتيا التي أجاب فيها على مقتضى النازلة المسكرة في الرسوم المذكورة من المعارضة والخصام المرسوم هنالك. وأول الجواب: الحمد لله والله الموفق بمنه، إن أهل أرجان، وآخره في السداد وأثناء صح به، وعدد سطوره تسعة عشر سطرا ونصف سطر، هو جوابه بخط يده في النازلة المذكورة الذي ارتضاه، وتقلد الفتيا به وأمضاه، بعد أن بذل جهد الاستطاعة في تأمل النازلة المذكورة في حق من له فيها حق أو عليه، شهد عليه بذلك حفظه الله وهو بحال كمال الإشهاد وعرفه، وفي تاسع وعشري شهر جمادي الأولى عام أربعة وعشرين وثمانمائة عرفنا الله تعالى خيره، محمد على بن محمد المصباح، ومحمد بن محمد عبدالرحمن الكناني، وأحمد بن محمد علي بن محمد الصباغ. وبعقبه استقل وأعلم باستقلاله محمد بن محمد الأوربي.
وسئل عمن له غرفة لها باب غربي يقابله سطح بيت لجاره ولا يرى منه شيء غير السطح والسطح متصل بالغرفة غير أنه تحت الباب فبقي ذلك دهرا حتى باع صاحب البيت داره فأراد المشتري أن يرفع في البيت حتى يعلو كالغرفة فيسد عليه بابه ومنه صاحب الغرفة.
فأجاب: لصاحب البيت أن يرفع بنيانه ما شاء وليس له أن يسد باب الغرفة إن كان فيه منفعة باقية على البائع إذا رفع بنيانه ويقال لصاحب البيت استر على نفسك إن شئت إلا أن يكون في باب الغرفة منفعة إلا بالتطلع عليه فمن حقه أن يسد عليه لقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا ضرر ولا ضرار)).
وأجاب ابن الحاج بأن له رفع البيت ما أحب ما لم يضر بجاره.
[مسألة في فتح الباب والحانوت]
وسئل عن بابين متقابلين بينهما زقاق نافذ فعمد أحدهما ففتح بابا وحانوتين في داره ولا يمكن أن يدخل أحد ولا أن يخرج حتى يراه من هو بالحانوتين من الناس وهو يضربه في ذلك.
فأجاب: إذا ثبت ما ذكر فيؤمر صاحب الحانوتين والباب بالتنكيب عن باب جاره، وإن لم يجد سبيلا ترك ولا يحكم عليه بغلقهما، قيل كذا وقع في الرواية أن الحانوت كالدار وبابها وأن الخلاف فيهما معا واحد. حكاه ابن رشد في كتاب السلطان من الشرح، ورأيت في التعليقة المنسوبة للمازري على المدونة عن السيوري أو غيره من القرويين أن الحانوت أشد ضررا من باب الدار لكثرة ملازمة الجلوس فيه وأنه يمنع على كل حال، ووقعت بتونس في هذا العصر بين يدي بعض القضاة وأفتى فيها الإمام ابن عرفة بما وقع في الرواية وهو التسوية بين الدار والحانوت وحكم بذلك اقتداء بفتوى ابن عرفة ولاتباع الرواية، والصواب ما قال بعض القرويين لشدة الضرر المذكور والخلاف في أصل المسألة مطلقا.
[20/9] ... ... ... ... [مسألة في معنى ما قبلها]
وسئل من قبل عياض عمن يوجهه القاضي في الإعذار أو تحليف من غاب عن حضرته أو في النظر إلى عيب أو اعتراف بحد وكل موضع أجيز فيه الواحد ، هل يشترط في عدالته ما يشترط في عدالة من جاء مجيء الشهادة [17/10] لنص العلماء أن يكون عدلا ؟ أم لا يشترط في ذلك هذا إذا ليس حكمه حكم الشهادة وإنما هو من باب نقل الخبر ؟ فحسبه أن يكون ثقة غير معروف بجرحة كما حده أهل العلم فيمن يعدل رواة الحديث ، وقالوا إنه يصح تعديل المرأة والعبد لأنه مخبر وليس بشاهد . لك الفضل في بيان هذا ، فإنه قام بنفسي فيما نقلت منك جلاؤها إن شاء الله .
فأجاب : الاختيار أن لا يوجه القاضي في الإعذار وفي تحليف من غاب عن حضرته وما أشبه ذلك مما يغيب عنه إلا رجلين عدلين ، فإن وجه واحدا فلا يكون إلا ممن تعرف عدالته لا من تجهل حاله . فإن قصر فيما ينبغي له أن يفعله من ذلك بتوجيه من لا تعرف عدالته لم يصح الحكم بما ينقل إليه إلا بعد أن تصح عنده عدالته بتزكية رجلين مبرزين في العدالة بالعدل والرضى ، وبأن يسأل عنه في السر من يثق به كما يفعل في الشاهد إذا شهد عنده بشهادة ولا يعرفه بعدالة . والاختيار إذا سأل عنه أيضا أن لا يكتفي بسؤال واحد عن حاله ، فإن اكتفى بذلك جاز من ناحية قبول خبر الواحد وإن كان امرأة ، وكذلك إن كان عبدا في وجه القياس ، وإن كان مالك يفرق في ذلك بين المرأة والعبد استحسانا من أجل أن العبد لا تجوز عنده شهادته في موضع من المواضع ، ويكون بذلك عنده مقبول الشهادة كما يكون المخبر عند من حدثه مقبول الخبر بذلك ، فالثقة الذي يقبل نقله للخبر وهو العدل ، إذ لا يكون ثقة إلا عدلا ولا عدلا إلا ثقة . ويجوز قول الطبيب فيما يسأله القاضي عنه مما يختص بمعرفته الأطباء وإن كان غير عدل أو نصرانيا إذا لم يوجد سواه . والاختيار أن يكونا اثنين عدلين . وكذا القاسم الموجه للقسمة وما أشبهها وبالله التوفيق .
[
17/11] فأجاب: كره مالك في المدونة الإجارة على تعليم العلم وقيل بالمنع وقيل بالإباحة حسبما اختلف في بيع كتبه، ومذهب المدونة مقدم في النقل، كيلا يضيع العلم لضعف أرزاق العلماء فإن منعوا الإجارة شغلهم طلب المعيشة عن التعليم. وأما توقف التعليم على كتبه، الإجازة فلم يقله أحد وإنما هو كالفتيا لا تتوقف على إجازة، بل من عرف منه العلم والدين، جاز أن يعلم ويفتي. والمتعلم إذا رأى الشيخ متصديا للتعليم والفتيا والناس يعظمونه، جاز له أن يأخذ عنه وإن كان متمكنا من السؤال عنه فليسأل. فإن أخبر أنه عالم جاز له يسأله وهل يكفي في ذلك خبر واحد فيه قولان. وإذا علم الشيخ من نفسه أنه أهل لذلك علما ودينا وجب عليه وجوب عين أو وجوب كفاية على حسب اختلاف الموضع ما عرف في ذلك، وإن علم من نفسه أنه قاصر عن ذلك لم يجز له التعرض له ومن كان أهلا لذلك ومنعه بعض أشياخه لم يحل له مطاوعة ذلك الشيخ، ومن كان قاصرا وأجاز الشيخ له ذلك لم يحل له مطاوعته، ووجبت عليه مخالفته. وإنما تطلب بالإجازة وتنفع من رواية الأخيار والإنشاءات المتواترة وغيرها. وأما العلم فلم يقل أحد بافتقار الفتيا والتعليم لإذن، نعم لا يحل لأحد أن يأخذ مسألة علم إلا عمن عرف علمه ودينه وطريق معرفته ما قدمناه. وقد حكي في كتب الأصول على أن من رأى إنسانا منتصبا والناس مستفتون ومعظمون، جاز له أن يستفتيه ويأخذ عنه. والاتفاق المحكي في كتب الأصول المراد به الاجماع.
[ما وقع في الموطأ من قوله: وسئل مالك عن كذا هل هو من كلامه أو من كلام يحيى؟]
وسئل ابن رشد بمدينة بطليوس عما وقع بالموطأ من نحو سئل مالك عن كذا. وقال يحيى، وسألت مالكا ونحو هذا هل هذا وشبهه مما زاده يحيى على ما كان ألفه مالك في الموطأ وما حقيقته ؟
فأجاب عن ذلك بأنه لا يصح أن يقال ولا يعتقد أن يحيى بن يحيى
[
فإن قلت : لفظ الجواز يقتضي أن ليس على المقلد من مفت أو حاكم أن يقلد إمامه في رجحان قول من أقواله ولو رجح عند الإمام القائل لأنه إذا لم يكن تقليده لهذا الإمام في أصل القول لازما ، بل له أن يقلده أو يقلد غيره وإن كان الغير مفضولا في اجتهاده حسبما هو مختار القاضي أبي بكر وجماعة
[16/12]
[17/12]
من الأصوليين والفقهاء وأكثر الشافعية وصححه ابن الصلاح ، فيكون فيه دليل على جواز العمل بغير الراجح قضاء وفتوى ، إذ لا زائد في المشهور سوى الرجحان .
قلت : لا دليل فيه على جواز العمل بغير الراجح ، لأنه لا يلزم من العمل بالمرجوح عنده الراجح في نظر إمامه أو عكسه العمل بالمرجوح في نظرهما معا ، والله تعالى أعلم .
فإن قلت : قول شهاب الدين - رحمه الله - : أما الحكم والفتيا بما هو مرجوح فخلاف الإجماع ، مع قوله أول الكتاب : للحاكم أن يحكم بأحد القولين المتساويين من غير ترجيح ولا معرفة أدلة القولين إجماعا تدافع وتناقض كما توهمه القاضي برهان الدين - رحمه الله - في تبصرته . وبيانه أن يقال : قوله للحاكم أن يحكم بأحد القولين الخ يقتضي أن لا يحكم بغير الراجح إلا بعد إمعان النظر هل في القولين راجح أو لا حتى يعجز عن الترجيح ويحصل التساوي .
قلت : لا تدافع بين الكلامين ولا تناقض ، لأن ما كلف فيه بالنظر إنما هو حيث يكون في القولين راجح ومرجوح والمقلد أهل للترجيح ؛ وحيث أجاز الحكم بأحد القولين من غير نظر فذاك مبني على فرض القولين متكافئين ، لا راجح فيهما في نظره ، فلا تدافع لعدم شرطه الذي هو اتحاد المحكوم عليه . والله سبحانه أعلم .
فإن قلت : قوله أما الحكم والفتيا بما هو مرجوح فخلاف الإجماع ، يناقض قوله فإن كان مقلدا جاز له أن يفتي بالمشهور في مذهبه وأن يحكم به وإن لم يكن راجحا عنده ، ومدافع له .