وأما الذين ادعوا الاطلاق والتقييد فبناء على أن ال في الدم جنسية, والصواب أنها لتعريف الحقيقة. وعلى هذا فيكون قوله تعالى مسفوحا بيانا للمفرد الذي تعلق به الحكم من تلك الماهية, لأن الحكم إذا علق بماهية فالمقصود منها الفرد المطابق للماهية لا الماهية, لاستحالة وجود الكلي في الخارج, نحو أكلت الخبز وشربت الماء. وهذا الحمل مغاير لحمل الاطلاق والتقييد عند العالم بالمباحث العقلية والنحوية والله تعالى أعلم.
[116/1] [الثياب المصبوغة بالدم]
وسئل سيدي عمران الشاذلي عما صبغ من الثياب بالدم فكانت حمرته منه, هل يكفي غسله أم لا؟
فأجاب يغسل, فإن لم يخرج من ذلك شيء في الماء فهو طاهر, لأن المتعلق به على هذا التقرير ليس لون النجاسة. وإذا عسر قلعه بالماء فهو عفو, وإلا وجب عليه غسله إلا أن يخرج منه شيء والله أعلم.
وسئل الشيخ أبو محمد بن أبي زيد عن الرجل يتوضأ فيغسل ذراعه حتى ينتهي إلى الكوع ويده معلولة, يعني المغسولة, ثم يفعل بالأخرى كذلك ولا يمر يده التي يغسل بها على المغسولة حتى ينتهي إلى أطراف الأصابع من أسفل ومن فوق.
فأجاب بأنه يجزئه, ثم عوود فقال لا يجزئه ويعيد من فعل هذه الصلاة أبدا.
[وجوب الوضوء على المشرك إذا أسلم لا الغسل]
وسئل الشيخ أبو الحسن القابسي فقيل له: لم كان الوضوء على المشرك إن أسلم واجبا والغسل لم يبلغ مبلغ الوضوء, وهو إذا أسلم خوطب بما يخاطب به المؤمن من الغسل من الجنابة؟
لا يسقطها الاستحقاق فهي أدلة لي واضحة , لأنها تثمر أن هذا خلاف هذا ,
واذا صح ذلك استحالت الاستحالة في اجتماعهما, ومن ادعي أنها خلاف هذا ,
واذا صح ذلك استحالت الاستحالة في اجتماعهما . ومن ادعي أنها لا تجتمع
فعليه الدليل حسبما اعتمده النطار . وأما أنا فأتطوع لكم بالدليل علي
الاجتماع , وذلك : أن أموال المسلمين فيما بينهم ممنوعة مطلقا لقوله
تعالي : لا تاكلوا أموالكم بينكم بالباطل , وقوله صلي الله
عليه وسلم : كل المسلم علي المسلم حرام دمه وماله وعرضه ,الي ما
لا يحصي كثرة من الأدلة , وهي بالتجارة وما شاكلها من المعاملات ممن
لا يخدع مباحة بلا اشكال , لقوله تعالي : الا أن تكون تجاره عن تراض
منكم , وقوله صلي الله عليه وسلم : دع الناس يرزق الله بعضهم من بعض
وهي ممن يخدع في البيوع اذا قال لا خلابة محترمة حرمة زائدة علي
حكم الاسلام أولا وذلك عقد عند القائل به , بلا اشكال , كما أن العهد عقد
بلا اشكال , والله تعالي يقوليأيها الذين امنوا أوفوا بالعقود لا سيما والعهد
من الأوليات المشهورات , وقد قال صلي الله عليه وسلم في الحلف الذي كان
قد حضرة قبل النبؤة : " لو ديت به في الاسلام لأجبت " ومحال أن يجيب فيه
المشركين فهو اذا مما بينه وبين المسلمين .
وتأملوا أبواب الفقه , فالائتمان فيها يجعل القول قول الأمين الا أن
يطهر خلاف ما عقده أو اعتقده فيه , كما أن عدم الائتمان بالاضطرار الي
استصناع الصناع اقتضي تضمينهم ولو كان الأصل عدمه , الا أن قولكم حرمة مال
المسلم يرفعها تغلب الكافر الحربي عليها , هي نفس الدعوي الممنوعة لكم ,
وهو الذي يقول فيه النطار انه مصادرة عن المطلوب . وأنا أقول بصحتها ما لم
يكن مال المسلم قد عوهد عليه للطاغية . وكذا قولكم حرمة مال المسلم
[152/2]
[153/2]
يسقطها الاستحقاق مما لم يتبين لي , ولو قلتم يثبتها الاستحقاق لكان أمثل ,
*وسئل : ابن رشد عما تخرجه المرأة أو وليها في شورتها باسم الزوج كالغفارة والمحشو والقميص والسراويلات ، وربما لبس ذلك الزوج بعد بنائه بالزوجة بالأيام اليسيرة أو الكثيرة ، وربما لم يلبسها ثم تذهب الزوجة أو وليها إلى أخذ تلك الثياب ، ويزعمون أنها كانت عارية ، وأنها جعلت على طريق التزيين ، لا على طريق العطية ، فهل ترى ذلك للزوج أم لا ؟
=فأجاب : إن كان في هذه الثياب المخرجة في الشورة عرف بالبلد قد جرى فيه الأمر واستمر عليه العمل يحكم به ، وإن لم يكن في ذلك عرف معلوم ، فالقول قول المرأة أو وليها فيما يدعيان من أنها عارية أو على سبيل التزيين وبالله التوفيق .
[من أبرز لابنته شورة أكثر من قيمة النقد الذي نقدها الزوج]
*وسئل : عن الرجل يقع بينه وبين صهره زوج ابنته بقرب الزوج عليها كالعام والعامين منازعة ، وقد كان أبرز إليها بشورة أكثر من قيمة النقد ، فيريد الأب أو ولي المرأة كالوصي والكافل لها والعاقد لنكاحها ، تثقيف ما كان أبرزه لها وأخرجه عن بيت بنائها ، إلا مقدار نقدها ، ولم يظهر[123/3]من الزوج تغيير من حال الزوجة في شيء من ثيابها ، ولا هو ممن يتهم على ذلك ، وكيف إن كان ممن يخاف من قبله ، أو ظهر عليه ما يوجب الاسترابة منه ، هل الأمر في ذلك سواء أم لا ؟ بين لنا الجواب في ذلك يعظم الله أجرك ، ويجزل ذخرك .
=فأجاب : للأب أن يثقف من شورة ابنته التي إلى نظره ما يستغني عنه منها إذا خاف عليه عندها ، وكذلك الوصي وليس ذلك للولي غير الوصي ، ولا للحاضن المربي ، فإن دعا على ذلك على وجه الحسبة ، نظر القاضي فيما يدعو إليه منذ لك بما يراه على وجه الاجتهاد .
فأجاب: إن كان الحالف المذكور نوى الأيمان كلها لزومها له إن خالف فيما حلف عليه فهي اللازمة، وبين فيها بإيقاع طلقة مملكة، ولا يضر تأخيرها بقدر ما يستفي في يمينه، وقد ذكروا أن للعامي الرخصة في التأخير للاستفتاء الأيام الثمانية ونحوها، فإن تأخر عليه إثر الاستفتاء لأكثر من ذلك لضرورة التعذر فلا حرج إذا ظهر ذلك، وإن لم ينو بالأيمان كلها أنها تلزمه، فالصحيح من الأقوال أن لا شيء عليه في زوجته وإن خلف، وعليه ثلاث كفارات أيمان بالله تعالى خاصة، وإن اختار البر بإيقاع طلقة مملكة فلا كفارة عليه، إذ قد بر بفعل ما حلف عليه.
[135/4]
[136/4]
[من طلق زوجته، وقال: هي طالق، هي طالق، وزاد بعد مدة: هي طالق الثلاث]
وسئل عن رجل طلق زوجته بمحضر أخيها وذلك لنزاع وقع بينهما، فقال: هي طالق، هي طالق، ثم ذهبا لحاجتها، ثم جاء الأخ للزوج فوجده يعمل الشغل الذي كان يعمله قبل ذلك، فقال له: فهل فعلت ما يفعله الرجال؟ فقال له ما هو؟ فقال له: تطلقها بالثلاث بحيث لا تحل لك، فقال: هي طالق الثلاث بحيث لا تحل له.
فأجاب بأن قال: الجواب أن قول الرجل هي طالق هي طالق محمول عند المالكية على الثلاث حتى يدعي أنه أراد الواحدة وأكدها بالتكرار، فيدين وتكون واحدة رجعية، حتى ينوي بها واحدة مملكة فيدين أيضا ف هذا الوقت لأجل العرف الجاري بالطلاق المملك، فهذا الرجل في هذه النازلة إن لم يكن أراد بكلامه الأول الواحدة المملكة على التعيين، فقد لزمته الثلاث إما باللفظ وإما بالإراداف، وإما إن أراد الواحدة المملكة ونواها وعينها فيحلف على ذلك يمينا بالله تعالى وتسوغ له مراجعتها، وهذا إن لم تحضر بينة حين قال ذلك ففيه اختلاف، هل يقبل منه ما يدعيه من المملة الواحدة أم لا؟
[ من زعم كاذبا أنه حلف على شيء من الأيمان اللازمة كلها]
فأجاب: الجواب رضي الله عنكم ووفقنا للصواب وإياكم دعوى الحال محل الداخل بالنصيب المعلوم فيما عينه من ناحية القبلة حسبما ذكرتم فلا تنفعه حجته ولا تثبت بذلك دعواه إلا بما ثبتت به الحقوق من بينة أو إقرار من ادعى ذلك عليه إذا صحت الرسوم بالتحديد ولا يعارض بمجرد الدعوى، وأما دعواه في الجنان واحتجاجه بالحيازة بعد مضي مدتها فإن كان مع اعترافه فإن الملك لم يزل مشتركا إلى أن وضع الموروث يده عليه واختص به ولا حجة له إلا الحيازة أو قامت على ذلك بينة فلا تنفعه الحيازة إذ لا تنفع فيما علم أصله وتحقق مدخله بوجه لا يقتضي نقل الملك من عارية أو إعمار أو غير ذلك وإن جهل أصل ما وضع يده عليه هل كان مشتركا أم لا ولا يعرف بما وصل إليه الموروث فتلك حيازة نافعة، وإن كان هو الغارس فهو أبين في الحيازة بين الأشراك والأقارب، ولا تلفق الحيازة من مدة إقامتها بين الموروث، قال القاضي أبو الوليد سئل ابن وهب عن أهل منزل لهم بور وشعراء فاحترق بعض أهل ذلك المنزل في ذلك البور ( ) (¬1) بحضرة أشراكه ولم يغيروا ثم قد عليه من له حق في ذلك أو وارثه فادعى الحيازة فقال إن كان البور
[132/5]
والشعراء معروفا للقوم أو كان المحترق مقرا بذلك فليس له إلا قيمة ما أحدث وإن كان البور ليس معروفا لهم ولا مشهودا عليه ولا هو مقر به وهو يغتل هذه المدة فلا حق لهم فيه، وكتب سليمان بن إبراهيم الونشريشي والسلام عليكم ورحمة الله.
[من وهب أكثر من الثلث في مرضه بعد أن أذن ورثته في ذلك]
وسئل فقهاء الأندلس عما باعه أصحاب المواريث في أيام الثوار هل هو ماض أو لا؟
فأجاب: أصبغ بن محمد بن رشد وأبو الوليد هشام بن وضاح، وأبو محمد بن أبي جعفر بنفوذه وإمضائه إذا لم يكن فيه غبن. قال: وقد ولي عمر بن عبد العزيز بعد ما كان من قبله، وكانوا على ما كانوا عليه، فلم يرد
[162/6]
لهم فعلا ولا نقض لهم فعلا. وقاله ابن أبي يحيى(¬1) وأبو إسحاق وابن أسود(¬2)، وابن صفوان(¬3) وأبو محمد عبد الواحد ابن سليمان(¬4) وأبو عبد الله بن الحاج.
[لمشتري دار بها حائط مدعم، دعائم الحائط]
وسئل ابن الحاج عمن باع دارا وحائط منها مدعم بالدعائم، وطلب البائع الدعائم، وقال: إنها لم تدخل في البيع.
فأجاب: ظهر لي أن للمشتري كالبنيان، فإن كانت عند البائع عارية وثبت، فيرج المشتري على البائع بمقدار ما في الثمن. وإن كانت للبائع فلا حق له فيها، وتكون للمبتاع. وإني فاوضت في ذلك أبا الوليد ابن رشد كأنه رأى أنها للبائع، ثم قال لي: قد يحتمل.
[لا يفسخ بيع من باع لولده دارا بثمن وهبه إياه ثم مات المبتاع والأب]
وسئل عن رجل باع لابنه دارا بثمن وهبه إياه إلا أنه منجم عليه في ثلاثة أعوام للبائع. ثم توفي المبتاع والأب.
فأجاب القاضي أبو الوليد ابن رشد أن البيع لا يفسخ، ويتبع البائع تركة الميت بالثمن حالا. وتكون الدار ميراثا بين ورثة الأب.
[سلم الذهب في القمح وبيع القمح بالذهب]
وسئل ابن الحاج عن مسألة رجل أسلم إلى امرأة ذهبا في قمح وباع منها قمحا بذهب إلى أجل، وتضمن ذلك عقد واحد، وادعت المرأة أن ذلك كان في صفقة واحدة، وادعى الرجل أن ذلك كان في صفقتين.
فأجاب: وقفت على السؤالين فوق هذا, والجواب عن الأول: أن نقل المسجد المذكور عن محله لا يحل ولا يجوز, لأن ذلك تغيير للحبس من غير موجب, بل يصلي فيه من بقي منهم ولو رجل واحد والله حسيب من يسعى في تغييره, ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه وظلم المحبس فيطالب بذلك بين يدي الله تعالى. وأما المسألة الثانية وهي النظر في مصالح المساجد فذلك إلى جماعة المسجد إذا كان نظرهم جاريا على مقتضى القواعد الفقهية, فإن كان نظرهم خارجا عن الاستقامة نظر ذلك القاضي بما توجبه السنة.
[137/7] [يجوز أكل طعام مستغرق الذمة]
وسئل الموافق هل يجوز لأحد أن يأكل من وليمة العرس إذا علم الآكل أن الغالب من مال المعرس أنه مغصوب ولا يعلم له رأس مال حلال ؟ وهل يجوز أن يأكل ويتصدق بقدر ما أكل ؟ لأنه إذا منع نفسه من الأكل أتهمه العروس بما يحقد له, والفقيه لا يقدر على التخلف, إذ العادة جارية بحضور الفقيه وأشياخ الموضع ببيت البناء في البادية لقراءة عقد النكاح وشهادته.
فأجاب: طعام الوليمة ملك لصاحب الوليمة إذ ليس عين المغصوب, وكذلك الدراهم المغصوبةوالدنانير المغصوبة هي ملك له, ومتعلقة بذمته بحيث لو اشترى بها شقصا في ملك بينك وبين شريك لجاز ان تأخذه بالشفعة, بخلاف لو اشتراه بحرير مغصوب فغن الخيار فيه لرب الحرير, فعلى هذا إذا أعطاك مستغرق الذمة دنانير او دراهم أو طعاما قد فات بطبخ ونحوه فلا تباعة عليك في ذلك للمطلوبين. لك الهناء وعلى الظالم الاثم, اللهم إن كان المغصوب لم يفت كفاكهة مثلا, فإنك في أكلها مثله يغرمها لك صاحبها, ولكن الورع ترك أكل مال مستغرق الذمة, فإن أكلته يستحب لك أن تتصدق بمثل ما أكلت. وإن دفعت ذلك لمن له قبل هذا الظالم تباعة فهذا أوجب.
[الجرة المحال بها على مكاس وشبهه مختلف فيها]
وسئل ابن لب عن أخذ الواجب من الأحباس إذا أحيل فيه على مكاس أو من لا ترضى حاله ما يكون المخلص فيه ؟.
147/8]الذي فيه القطن على خلاف ذلك. والعادة عندنا بالهبط أن القطن يغتل العشرين سنة وما قاربها. فما كان منه في البلدان كذلك فهو كالأصول الثابتة لا تجوز مزارعته إلا على وجه المغارسة كما أشرتم إليه. وهذا كقولهم في المساقاة إنه في الموضع الذي يجنى سنين تجوز مساقاته وإن لم يعجز عنه ربه، وهو ظاهر المدونة، وقد عطفه فيها على المساقاة في الأصول الثابتة، وهو نص ما في كتاب محمد. قال ابن يونس: وهذا لأنه يجني عندهم سنين. وأما عندنا فليس له أصل ثابت فلا تجوز مساقاته. إلا أن يعجز عنه ربه كالزرع. وهذا بعض ما وقفت عليه في بعض التعاليق أنه لا يجوز المزارعة إلا فيما يتفاضل المتزارعان في غلته عامهما. وإذا شملت المزارعة القطن والزرع في البلد الذي لا تجوز فيه مزارعة لم تعمل المزارعة في الزرع، ويمضيان فيها على ما شرطا، ويرجعان في النظر إلى إجارة المثل للخماس. وهذا كرواية ابن القصار في الصفقة إذا جمعت حلالا وحراما أنه يمضي منها الحلال، ورجحه اللخمي إذا كانت صفقة الحلال كثيرا أو كانا سواء، وبالله التوفيق والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
[اشتركا في الحرث على السواء ثم غاب أحدهما]
وسئل الفقيه أبومحمد سيدي عبدالنور الشريف العمراني عن رجلين اشتركا في الحرث على أن يتساويا في البقر والآلة والأرض والزريعة ثم شرعا في العمل وعقدا الشركة على ذلك، ثم بعد عقد الشركة غاب أحد الشريكين وتولى الآخر العمل بحكم النيابة عن نفسه وعن شريكه، فلما حضر الشريكان عند قسم ما أفاء الله به عليهما حاز أحد الشريكين وهو المتولي للعمل لنفسه شيئا من ذلك الزرع وقال هذا حرثي لنفسي بزريعتي لم تعطني شيئا فهو خاص بي دونك، فقال شريكه إنما جميع ذلك بيني وبينك كما وقع من العقد الأول بيننا، وكانت الأرض والبقر والآلة مشتركة بيننا إلا أن هذا الذي أردت أن تختص به دوني لكون الزريعة كانت من عندك فيه إنما كانت منك سلفا،
[147/8]
[
فأجاب: بأن الصدقة تنفذ في حظ الصغير وتبطل في حق الكبير إن لم يجزه هو أو وكيله. ابن سهل هذا الذي ذكره هو رواية ابن نافع وعلى بن زياد عن مالك في المدونة ومثله في الصدقة في سماع أشهب وابن نافع عن مالك وفي سماع أبي الحسن، ورواه ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون عن مالك ولو كان حبسا لبطل جميعه، ولم يجز منه حظ الصغير ولا غيره، واختاره ابن حبيب وحكى عن ابن القاسم وابن عبدالحكم وأصبغ أن الصدقة كالحبس لا يجوز منها شيء وكذلك في المدونة وفي حبس العتبية وفي سماع عيسى عن ابن القاسم ومن وافقه في ذلك إذ لم يذكره، ولا ذكر أن الذي قاله اختياره من الخلاف فيه.
قال ابن زرب ولو أنه حبس دارا على ابن له وفي سبيل الله ثم حاز الجميع لبطلت الحباسة في الجميع فقيل له: ولم؟ فقال: لأن سبيل الله لا قابض له وهو خلاف الصدقة على الكبير والصغير.
ابن سهل في سماع أصبغ عن ابن القاسم فيمن تصدق على ابنه الصغير بنصف غنمه أو داره وترك بقية ذلك ملكا لنفسه شريكا له به جاز وهو حوز له، ولو تصدق عليه بنصف غنمه ونصفها في سبيل الله وحاز الأب الجميع حتى مات وذلك على حاله جازت صدقة الابن، وما كان في سبيل الله من ذلك فليس بشيء كمن تصدق على ابنه الصغير وابنه الكبير لأن ما كان للسبيل لا يحوزه أحد، فهو كلا شيء، وهما كما لو كان حبسه لنفسه شريكا به والابن الكبير والأجنبي يحوزه ويقوم به، وفي رسم العرية من سماع عيسى في
[
وأجاب بعضهم ، وأظنه الشيخ ابن عبد السلام ، بأن هذا إنما هو من حكاية ابن الرقيق المؤرخ ، وهو ليس بثقة لأنه كان شارب خمر متخلف(¬1) فلا يقبل خبره . والحكاية وإن ذكرها بعض مؤرخي الأندلس فلعله نقلها من ابن الرقيق .
[من توفى وهو غائب عن زوجة وأولاد صغار في موضع لا قاضي فيه]
وسئل المازري عمن توفي وهو غائب وترك ربعا وزوجة وأولادا صغارا ، فطلبت المرأة مهرها فسلم لها عامة الموضع الربع في مهرها بغير نداء ولا تعريف ولا حكم حاكم ، فكبر الأولاد فطلبوا حقوقهم من الربع فمنعتهم المرأة بحق ما ذكرنا .
فأجاب إذا لم يكن بالموضع حاكم واجتمع وجوه الموضع وعدوله وأشادوا الموضع وطلبوا الزيادة في مظانها إن لم يشيدوه ولكن قوموه بقيمة مستوفاة بحيث لا تمكن فيه الزيادة لو شيد فهو ماض ولا مقال للورثة . ولو لم يكن شيء من ذلك فلهم القيام واسترداده من يدها وتقضى منه ديونه وتستوفى ويقسمون ما بقي بعد قضاء الدين .
[إذا تقادمت جرحة الشاهد ثم زكي قبلت شهادته]
وسئل ابن عرفة عن قاض أخر شاهدا عن الشهادة بعد استمراره عليها ، فأتى غيره من القضاة فرد الشاهد إلى شهادته واستمر عليها ، وقدم أخا [124/10] المذكور لما ثبت عنده من العدالة ، ولم يزل الأخوان على حال العدالة إلى أن أتى قاض آخر وأمضى شهادتهما في حياتهما وبعد وفاة من مات منهما وهما بحال العدالة واستمر زمانا ، ثم ولي الأول الذي أخر الأخوين فلم يعمل على شهادتهما وتبطلت حقوق كثيرة للناس لأجل ذلك ، ثم أخر القاضي المذكور وولي غيره ، فهل تمضي شهادتهما لموتهما على العدالة ولم يجرحهما أحد من القضاة عدا من ذكر ؟ أو يتوقف في شهادتهما والسلام .
128/11] المال عن أوراق الجند وما يحتاج إليه من آلة حرب وعدة، فيوزع على الناس ما يحتاج إليه من ذلك، وعند ذلك يقال: يخرج هذا الحكم، ويستنبط من قوله تعالى: ﴿قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا﴾ الآية لكن لا يجوز هذا إلا بشروط:
الأول أن تتعين الحاجة، فلو كان في بيت المال ما يقوم به لم يجز أن يفرض عليهم شيء لقوله صلى الله عليه وسلم: "ليس على المسلمين جزية" وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل الجنة صاحب مكر" وهذا يرجع إلى إغرام المال ظلما.
الثاني أن يتصرف فيه بالعدل، ولا يجوز أن يستأثر به دون المسلمين، ولا أن ينفقه في سرف ولا أن يعطي من لا يستحق، ولا يعطي أحدا اكثر مما يستحق.
الثالث أن يصرف مصرفه بحسب المصلحة والحاجة لا بحسب الغرض.
الرابع أن يكون الغرم على من كان قادرا من غير ضرر ولا إجحاف. ومن لا شيء له أو له شيء قليل فلا يغرم شيئا.
الخامس أن يتفقد هذا في كل وقت، فربما جاء وقت لا يفتقر فيه لزيادة على ما في بيت المال فلا يوزع وكما يتعين المال في التوزيع، فكذلك إذا تعينت الضرورة للمعونة بالأبدان، ولم يكف المال، فإن الناس يجبرون على التعاون على الأمر الداعي للمعونة، بشرط القدرة وتعين المصلحة والافتقار إلى ذلك فإذا تقرر هذا فنقول في المسألة المسؤول عنها:
إذا جزم أمير المسلمين نصره الله وعزم على رفع الظلمات وأخذ على أيدي الآخذين للأجعال، ورفع ما أحدث في هذا الازمان الفارطة القريبة مما لا خفاء بظلمه، ولا ريب في جوره، وسلك بالمأخوذ الشروط التي ذكرناها حتى يعلم الناس أنهم لا يطالبون إلا ما جرت به العوائد، وسلك بهم مسلك العدل في الحكم، ولا يزال أيده الله يتفقد رعيته وولاته، حتى يسيروا على
[