تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

115/1] الدعوى. ومن هذا البحث تعلم أن في احالتهم التنجيس على الدم المسفوح اشكالا لأنهم إن عنوا بالمسفوح الذي فسروه بالجاري ما كان جاريا بحسب الفعل والحصول لزم طهارة ما انعقد من الدم الكثير الذي كان جاريا, وهو باطل كما مر, وأن عنوا به كان جاريا بحسب القوة والقبول أو ما يصح على جنسه أن يجري لزم نجاسة ما لم يظهر منه كالباقي في العروق, وهو باطل بالإجماع المتقدم. والأولى أن يقال الدم كله نجس محرم عملا بمقتضى قوله تعالى في الآيتين والدم. وهذا الحكم فيه أمما يكون فيما ظهر منه, إذ لا يسمى دما إلا بعد معاينته وظهوره, وأما حالة كونه باطنا في العروق فلا نسلم أن هذا الاسم يتناوله, سلمنا لكن لا نسلم أن مراده بحكم الآية لما قدمنا, ولأن هذا الحكم إنما يناط بما ظهر لا بما بطن على ما استقرىء من أصول الشريعة. فإذا تقرر هذا فمعنى قوله تعالى والدم أي الظاهر الذي يقع عليه في الخارج اسم الدم, وهذا معنى قوله تعالى في الآية الأخرى مسفوحا أي مهراقا, لأن معنى سفحت الدم والماء هرقته. وعلى هذا فلا تعارض بين الآيتين أصلا لا بالعموم ولا بالخصوص إن قلنا إن الدم عام بناء على أن ال في اسم الجنس للعموم, ولا بالاطلاق والتقييد إن قلنا أن تعريف الاسم المفرد بال لا يعم خلافا للأكثر في اعتقادهم أن الآيتين من هذا القسم الثاني, ولبعضهم في أنها من الأول. ومع كل طائفة بحث يطول ذكره, وإنما في قوله تعالى والدم بعض إجمالي لما عسى أن يتوهم منه انه يتناول الباطن الذي لا يراه بالحكم هنا كما قدمنا, فجاء قوله تعالى مسفوحا زيادة بيان ورفع لذلك الايهام. ولو سلم عموم الدم كما ذهب إليه بعضهم لما صح ادعاء تخصيصه بالآية الأخرى, لفوات شرطه الذي هو المعارضة, وتكون على تقدير تسليمه من موافقة الخاص حكم العام الذي لا يوجب تخصيصا عن أكثر العلماء.

عقد المهادنة فيما ما بين المسلمين والنصاري علي أن يكون المعاهدون من احدي

الجهتين أو كلتيهما غير مندرجين فيها , ولا أموالهم اما نصا واما شرعا بوجه ,

لما ينخرم بذلك من المصالح التي لا يمكن أهل السياسات ارتكابها أصلا ,

والضرر في ذلك لو فرض علي المسلمين أعطم لخلو وطنهم عن المعاهدين من

النصاري الا قليلا لا يوبه لهم كالصلحيين من جنوة ومن أشباههم .

ولو فرض لغو العهد للمدجنين فيما لهم للزم في الهدنة فيما عليهم ,

وعند ذلك كان الطاغية يغتنم تسليطه علي المسلمين ويقول هؤلاء مفسدون

منكم , لا عهد لهم منكم ولا عهد لكم منهم فاطلبوهم بما يفسدون لكم , وحينئذ

لم يكن يستقر للمسلم قرارا بفساد النصاري ودعواهم أنهم المدجنون , وفي

هذا ما لا يخفي . والقضية اذا تؤملت لا يمكن الفقهاء القول بعدم اعمال

الهدنة في حقهم اذ والمحل بها خال من اشتراط ما لا يحل شرعا .

نقض استحالة اجتماع حرمتي اسلام وعهد في مال واحد

فاذا تقرر هذا فلنرجع الان لسياق كلامهم , وذلك أنه استحال عندكم

أن يكون في المال الواحد حرمة اسلام وحرمة عهد كما يستحيل أن يجتمع في الرجل

الواحد كفر واسلام . فأما الكفر والاسلام في الرجل الواحد في وقت واحد

فاستحالتها صحيحة كما طهر لكم لأنهما ضدان , والضدان مستحيل

اجتماعهما في موضع واحد في وقت واحد من جهة واحدة . وأنتم قد سلمتم

أن الأمان يجتمع مع الكفر فهو اذا ليس بضد له , فلا يكون ضد الايمان ,

[151/2]

[152/2]

لأنه لو كان ضد الايمان لكان ضدا للكفر , لأن ضد الشئ ضد لأضداده .

ومما يزيد ذلك بيانا أن الموجودات تنقسم الي متقابلات وغير متقابلات ,

ولاخفاء بأن الكفر والايمان من الضدين , والضدان من المتقابلات فيستحيل

اجتماعهما كما أنه لاخفاء بأن العهد والايمان من الخلافين والخلافان من غير المتقابلات ,

ولا استحالة في اجتماعهما . وكل ما ذكرتم بعد قولكم ومما يبين ذلك الي قولكم

*وسئل : عن إمام قرية زوج امرأة من أهل التهم والدناءة في قدرها من غير أن يكون له من الولاية على ذلك شيء لا من تقديم قاض ولا غيره ، وزعم أنه رأى في ذلك المصلحة للمرأة ، وقدح في إمامته بسبب ذلك ، ومن جهة الاستبراء أيضا بسبب التهمة .

=فأجاب : قد ظهر من مقتضى السؤال ، أن المرأة المذكورة متصفة بالدناءة في قدرها وحالها ، ومشهور المذهب أن المتصفة بهذا الوصف ، يزوجها رجل من المسلمين ويعقد عليها ويصح نكاحها ، فإن لم يثبت للفقيه المذكور إذن من القاضي ولا نائبه ، فتزويجها صحيح نافذ بما لها من وصف الدناءة ، وقد[122/3]ورد نحو هذا في غير الدنيئة عند لحوق المشقة بطلب ولاية الحكم ، فقد روى ابن وهب عن مالك في المرأة الأولى لها تكون في البادية يجوز لها أن تولي أمرها أجنبيا ، قال : وليس كل المرأة تقدر على رفع أمرها إلى السلطان ، وأما الستبراء قبل التزويج بمجرد التهمة وسوء القالة ، فليس ذلك بمطلوب في الشريعة ، إلا في الإماء خاصة في باب البيع على خلاف فيه . أما الحرة فلا استبراء فيها ، إلا أن تثبت الخلوة الموجبة للعقوبة ، فيطلب الاستبراء احتياطيا للنكاح المنعقد بعدها ، وليس يقطع بوجود الفاحشة ، بدليل أنهما لا يحدان اتفاقا إلا باعتراف أو برؤية أربعة شهداء على ما أحكمته السنة في ذلك ، وقد ظهر من هذا كله أن الفقيه المذكور لم يخالف في مشروع ، ولم يعترف بارتكاب وجه ممنوع ، فلا يحلقه في قضيته ما يعارض إمامته ، ولا ما يخالف عدالته .

[إدعاء المرأة أو وليها بأن بعض الشورة كان على وجه العارية]

وسئل عن رجل تسلفت جارته من داره دقيقا فلم ترده بسهولة، فوقع بسببه كلام فحلف باللازمة ألا يسلفها ولا يستسلفانها من عندها، ثم غاب هو وزوجه عن الدار، وبقي فيها بنات صغار، فجاءت الجارة المذكورة فتسلفت دقيقا من البنات، وذكر أن اليمين إنما كانت على نفسه وزوجه ولم تكن على البنات، ويذكر أن الجارة أخذته بيدها.

فأجاب: إذا كان الأمر على ما وصفه السائل من أنه إنما حلف على نفسه وزوجه، فلا حنث عليه إذا كان السلف غيرهما، ثم يجب استرجاع السلف من عند المرأة وقت علم به بقدر إمكانه، فإن أمكنه أخذه وتركه عندها اختيارا منه بعد علمه بذلك فهو حانث، لأنه إذ ذاك مسلف.

[134/4]

[135/4]

[من حلف بالأيمان اللازمة لا بات مع زوجته، وشك هل قال بقية الشهر أو بقية العام]

وسئل عن رجل وقع بينه وبين زوجه كلام فحلف ألا يبيت معها في مسكن واحد بقية الشهر، وشك هل قال بقية العام، وزعم أنه كان خرج عن حسه لضيق صدره، واليمين بالأيمان اللازمة.

فأجاب: إن كان الحالف مأسورا بالبينة أخذه بمقتضى لفظه، وإن كان مستفيتصا وعلم من نفسه أنه أراد شيئا فسبق لسانه إلى غيره، وأن لسانه زل في قوله فإنه يعمل على قصده، وإن كان بخلاف هذا وجب اعتبار لفظه.

[ من حلف بالأيمان اللازمة كلها أن لا تبقى زوجه في ملكه وتراخى في طلب المفتي]

وسئل عن رجل حلف بالأيمان اللازمة كلها أن لا تبقى زوجه في ملكه، فجاء المفتي فلم يجده إلا بعد أربعة أيام، فقال له: طلقها طلقة مملكة، فانصرف للفاضي أن يطلقها، فقال له القاضي: هي محرمة عليك لأنك مفرط في طلب المفتي.

وسئل أبو الربيع سليمان بن إبراهيم الونشريشي عن مسألة أرض مشتركة بين أهل مورث فدخل فيها أجنبي بنصيب معلوم فبقيت بأيديهم ما شاء الله وهي عامرة لا تحرث إلا مرة أو مرتين ثم تعود إلى حالها وفي نواحيها فواكه وبقيت على تلك الحالة ما شاء الله حتى هلك الجميع وترك كل واحد من ورثه وكان أهل الموروث يغيبون أكثر زمانهم في البلاد وبقيت أيضا على حال ما تقدم ما شاء الله، ثم إن من ورث الداخل بالنصيب من بعض أهل المورث ومن تقدم عليه في الملك عمد إلى الملك وزبرها على المشاركة في غلتها بأمر بعض أهل المورث وبعضهم غائبون وحرثها على حسب الشركة ثم زعم أن جانبا منها إلى جهة القبلة لم يكن منها وإنما هو من أرض أخرى نسبها إلى نفسه ولم يكن من أرض أهل المورث المذكور وعقود أهل المورث عمت جميع ذلك وحددوا حدودا معلومة عند أهل ذلك البلد وفي طرف متضمن

[131/5]

عقود أهل المورث جنان عنب داخل في تحرير عقود الأصل إلا أنه كان يستغله الداخل بالنصيب وما ادعاه من الأرض إلى ناحية الجنان المذكور وعقود أهل المورث عمت جميع ذلك حتى تجاوزت إلى موضع معلوم وادعى في الجنان بالحيازة ولو كان من أصلهم فهل ترى ذلك يقطع حق أهل المورث بهذه الحيازة أو يكلف تخصيصه لنفسه إذ عقود الأصل عمت ذلك أو يكتفي باستغلاله له وقد بحثوا على حجارة ووجدوها وسط الأرض مضروبة مما يضربه الناس للتحديد وزعم أنها ( ) (¬1) وللعقود تجاوزت على حسب ما ذكر فهل للحجارة تأثير أم لا ومع ذلك لم يعرف من فعل الحجارة هناك بين لنا بيانا شافيا والسلام.

وما قدمناه أيضا عن مالك أن قتال مخيف السبيل أعظم أجرا من قتال الروم وبالله التوفيق.

وهذا ما حضر لي الآن في المسألة على حين فتور في الذهن وعدم الدواوين الفقهية.

وكبت بظاهر طنجة والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

[هل تؤخذ أجرة القاضي مما أوقف على مصالح المسلمين؟]

وسئل القاضي أبو عبد الله بن حمدين عما بناه المنصور عبد العزيز بن أبي عامر(¬1)، وواضح العامري من الرباع والحوانيت، وبناه أحدهما في حين ولايته شرق الأندلس: شاطبة وغيرها وعرضا فائدها لنوائب المسلمين وأرزاق الأجناد، وأجرياه مجرى بيت المال، وبقيت الرباع على هذا أيام حياتهما

[161/6]

وبعدهما إلى هلم جرا، كلما ولي البلد وال أجراه على ذلك، ولم يظهر في غالب العلم غصب في شيء من ساحتهما، ثم ولي البلد قاض محتاج إلى رزق، فهل يسوغ له الارتزاق في تلك الرباع إن فرض له. بين لنا الجواب.

فأجاب: تصفحت سؤالك ووقفت عليه. وإذا كانت الأموال والأصول على ما ذكرته ولم يكن شيء منها مشهورا بالغصب، وكانت كالأرض عندما بقرطبة، وخراجات الأسواق، طاب له أخذ الأجرة منها.

وأجاب بمثل ذلك أبو الوليد ابن رشد رحمه الله.

[هل ما أمضاه مستغرق الذمة من بيع لأملاكه صحيح؟]

وسئل القاضي أبو عبد الله بن الحجاج عن رجل من أهل قلعة رياح اشترى بها دارا وفرنا وملكها مدة أقل من عام، ثم استدان من الناس ديونا كثيرة، وركن الناس إليه واطمأنوا به من أجل الفرن والدار، فلما حلت الديون فر إلى العدوة فذهب أصحاب الديون لبيع الدار والفرن، فقام في وجوههم عم المديان بعقد تضمن ابتياعه للدار والفرن.

فأجاب: إذا شهد الشهود بالبيع ومعاينة القبض للثمن، وأنه لم تكن فيه محاباة وأعذر في ذلك كله إلى الغرماء، فلم يكن فيه عندهم مدفع، فلا سبيل لهم إلى الدار والفرن، وإن لم يشهد الشهود بذلك فالبيع مردود لا يصح.

[ما باعه أصحاب المواريث أيام الثوار ماض إذا لم يكن فيه غبن]

136/7] فأجاب رحمه الله بما نصه: تصفحت سؤالك ووقفت عليه, وما كان من المساجد لا يفضل من غلات أحباسها إلا يسير, فلا يجوز أن يؤخذ منه شيء لبنيان الجامع مخافة أن تقل الغلة فيما يستقبل فلا تقوم بما يحتاج إليه, وما كان منها يفضل من غلات أحباسها كثير حتى يؤمن احتياج المسجد إليها أو إلى بعضها فيما يستقبل فجائز أن يبنى ما انهدم من الجامع بها إذا لم يكن في غلة أحباسه مايبنى به ما انهدم منه إلا على ما أجازه من تقدم من العلماء في مثل هذا المعنى, والواجب أن يقدم بنيانه ورمه على أجرة أئمته وخدمته, إلا أن لايوجد من يؤم فيه ويخدمه بغير أجر, فيكون ذلك سببا لتضييع الجامع وتعطيله, والله الموفق بفضله.

[لا يسوغ نقل المسجد عن محله]

وسئل الحفار عن رجل بنى مسجدا لله في ملكه, وحبس له أحباسا من أرض وزيتون, ثم انتقل الناس عنها وبقي في ربضها القليل من الناس, فهل لها أن تبدل إلى موضع آخر بالقرب من الديار الكثيرة من هي من ربضها ويبعدونها وتكرى بكراء مالها أم لا ؟ وهل لصاحبها أن يخاصم من يبدلها عن ملكه بين يدي الله تعالى يوم القيامة أم لا ؟ وكذلك أيضا النظر في المساجد في مصالحها من خدمتها من المؤذنين وغيرهم مما يليق بها من جهة الديانة والعلم والمعرفة, هل يكون ذلك للقضاة ةلأئمة المساجد أهل العلم بما تقتضيه الشريعة, أم لأشياخ المواضع وأهلها ممن يكون لهم صلاح في مواضعهم ؟.

146/8]الزرع والقطن، أو في القطن دون الزرع، أو يفرق بين الموضع الذي يزرع فيه في كل عام ولا يبقى أصله قائما فيجري على حكم الزرع، وبين الموضع الذي يقيم بالأرض المدة المذكورة أو دونها ويسمونه العادي عندهم فيجري على حكم المغارسة ويعتبر فيه ما يعتبر في المغارسة أم لا؟ جوابكم في ذلك فصلا فصلا مأجورين إن شاء الله. وقد أشكل ذلك علينا والمسألة المذكورة ارتفع فيه الخصام إلينا من بلادنا تادلا(¬1) والسلام عليكم.

فأجاب: هذه المسألة وقف فيها شيوخنا رضي الله عنهم.

أما الفقيه ابن عبدالكريم فقال أولا إما أن يكون العمل في القطن المذكور باقيا فتكون حصة الخماس باقية، وإلا فلا يكون له شيء. ثم قال آخر كلامه: هذه المسألة لا جواب لها عندي.

وأما الفقيه القروي(¬2) فقال إما أن يكون نصيب الخماس في الزرع والقطن على جزء متفق أو مختلف، فإن كان مختلفا فالشركة فاسدة، وإن كان متفقا فتجوز، ولا تخلو حصته من القطن من وجهين: أحدهما أن تكون عادتهم أنه يأخذ معه إلى انقضاء الأصل، ثم قال آخر كلامه وهو على الكرسي هذه المسألة لا نعرف الجواب فيها.

وأما الفقيه اليزناسني فقال مسألة القطن هذه لا نعرف الجواب فيها.

ومثله قال سيدي عبدالمؤمن.

[العادة ببلاد الهبط أن القطن تستمر غلته نحو 20 سنة]

وأما الفقيه السطي فقال: الشركة إلى أعوام كثيرة لا تجوز. ثم قال أخروني حتى أنظر. أكرمكم الله تعالى - إذا كان الأمر ما ذكرتموه، فالجواب في شركة المزارعة والقطن مفترق، فتجوز في البلد الذي تنض غلته وتنقضي في العام الواحد كالحبوب والقطاني والذرة والمقاتي، ولا تجوز في البلد

[146/8]

[

فأجاب بعد أن أطرق حينا بأن قال: إن كان الموهوب له ممن يرى أنه لا يعلم ذلك انفسخت العمرى ورجع الموهوب إلى الدار وقبضها من الواهب وذكر أن هذه المسائل إنما هي بالتكرار على درسها وإنما تنسى مع ترك الدرس، قال: ولقد شاهدت اللؤلؤي أفتى في امرأة فاسدة أنها تستبرئ نفسها بحيضة ثم تنكح، فقلت له بعد خروج المستفتي عنه وذهابه يرد الحرائر استبراؤهن بثلاث حيض فذكر الأمر ثم أمر بصرف المستفتي ومحى جوابه، وجاوب بأن تستبرئ نفسها بثلاث حيض، وقال وشاهدت اللؤلؤي أيضا في علة اعتلها وليست العلة التي توفي منها قد عقد في وصيته خدمة فتى لزوجته وقال في وصيته فإن تشاح الورثة في خدمته عجل له العتق، فقلت له: هذا لا يجوز وأتيته بالرواية فيه، فتذكرها وأصلح ما كان في عقده من ذلك فقال له ابن أخي إن هذا لعجب أن يكون مثل اللؤلؤي على قدره في الفقه يغلط في مثل هذا، فقال له القاضي: لو تركت الدرس عامين لنسيت ما هو أقرب من هذا فكيف بشيخ قد بعد عهده بالدراسة، وإنما هذه المسائل بأن لا يقلع دارس عن درسها.

[مسألة]

وسئل عمن تصدق على ابنه الصغير بناض وأخرجه عن يده إلى من يقبضه له بمعاينة بينة ثم باع منه بذلك دار سكناه قبل أن يحاز الناض عنه عاما.

[147/9] فأجاب: إذا باع منه دار سكناه قل أن يحاز الناض عنه عاما فما فوقه فإن ذلك لا يجوز، وإن كانت غير دار سكناه نفذ ذلك وإن لم يحز الناض عنه إلا دون العام.

[مسألة]

وسئل عمن تصدق على ابن له صغير وعلى ابن له كبير بصدقة وحاز الأب.

قيل : ما أشار إليه من قضية ابن أبي الجواد أنه كان قاضيا بالقيروان ثم عزل ورجع سحنون في موضعه ونظر في ديوان الودائع فوجد فيه مالا لورثة رجل يقال له ابن القلفاط فأحضر وكشف عن ذلك فأنكر وجحد الخط ، فشهد عليه في وجهه سليمان بن عمران وابن قادم الفقيهان بأنه خطه وكانا يكتبان له ، فتمادى على الإنكار فتلوم له سحنون وأعذر إليه ، وأرسل (¬1) من يشير عليه بإنصاف القوم فلج في الانكار وتمادى عليه ، فحبسه أياما فلم يرجع إلى الحق ، فأخرجه وضربه عشرة ورد إلى السجن ، فأتت زوجته بنت أسد بن الفرات والتزمت الدفع عنه ، فقال لها سحنون إن قال زوجك هذا مال الميت أو بدله قبضته فأطلقته لك فأحضر فامتنع من قول ذلك وكان سحنون يخرجه في كل يوم جمعة وإذا امتنع من الأداء ضربه عشرة أسواط حتى ضربه مرارا كثيرة ثم مرض ومات في السجن من مرضه ذلك . وقضيته مشهورة حكاها ابن الدقيق بزيادات . وعن أبي عمران إنما ضربه سحنون لأنه اتهمه كما يضرب السارق حتى يخرج أعيان تلك السلع ، وروي أن سحنون كان يقول بعد موته : مالي ولابن الجواد : وكأنه تحرج من موته خوفا . انتهى .

[123/10] الأبي عند قوله إن الله يعذب من يعذب الناس(¬2) كان سحنون أيام قضائه سجن ابن أبي الجواد في دين ترتب عليه وضربه بالسياط مدة بعد مدة واتفق أن مات ابن أبي الجواد من ضربه فكان سحنون إذا نام رأى في منامه ابن أبي الجواد بما يسوؤه ، فإذا استيقظ يقول مالي ولابن أبي الجواد . فظاهر هذا أن سحنون ناله سبب تعذيبه مع أنه إنما عذبه بحق ، ولذا كان يقول إذا ذكر له : الحق قتله .

127/11] الذبح على حزانهم لتتبعن سنن من كان قبلكم، وتضييق لما وسع الله علينا وتحمل لما وضع عنا. ففي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر له اللحمان يأتي بها البوادي لا يدري أسموا الله عليها أم لا؟ فقال: سموا الله عليها وكلوها أي ليس لكم البحث عمن قلدوه من التسمية عند الذبح، ولا التوقف في ذبائحهم إلى أن يعلموا أنهم سموا. وإنما عليهم التسمية عند الأكل فولوهم ما تولوا، وافعلوا بهم ما يجب عليكم وكلوا ما أحل الله لكم انتهى.

[حكم فرض الخراج على الرعية]

وسئل القاضي أبو عمر بن منظور بما نصه:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدنا رضي الله عنكم تفضلوا بجوابكم الشافي عن مسألة وهي: أن الوظائف الموظفة على الأرضين بجزيرة الأندلس المسماة بالمعونة كانت موضوعة في القديم على نسبة الدراهم السبعينية بل على التسينية وظفت عليها لتقوم بها مصالح الوطن، ووظف أيضا على الكسب في ذلك العهد بنسبة درهم ونصف إلى رأس من الغنم، ثم إن السكة تبدلت ونقصت على ما في عملكم ثم ظهر الآن المعيار الحق، وهي السكة الجديدة. فهل يؤخذون بها إذا ظهر ما قد كان لزمهم في قديم الأزمان بعد أن تحط عنهم الأجعال، وما لزمهم من الملازم الثقال، وما أحدث بعد تلك الأعصار، أو يتركون على ما هم عليه من أخذ الدرهم باسمه دون معناه وحقيقته؟ بينوا لنا ما الحكم في ذلك مأجورين مثابين بفضل الله تعالى؟ والسلام على سيادتكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

فأجاب: الجواب وبالله التوفيق: أن الأصل أن لا يطالب المسلمون بمغارم غير واجبة بالشرع، وإنما يطالبون بالزكاة وما أوجبه القرآن والسنة، كالفئ والركاز وإرث من يرثه بيت المال. وهذا ما أمكن به حمل الوطن وما يحتاج له من جند ومصالح المسلمين وسد ثلم الإسلام، فإذا عجز بيت

[

المعيار المعرب والجامع المغرب · الجزء ١ · الصفحة ١٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المعيار المعرب والجامع المغربج ١ · ص ١٥٣