وبيان ذلك أن الإناء النجس منهي عن الوضوء به وهو غير معين في الأواني المشتبهة, فينزل النهي عنها منزلة النهي عن واحد لا بعينه, والواني الطاهرة مأمور بالوضوء بواحد منها وهو غير معين في تلك الأواني المشتبهة, فيتنزل الأمر منزلة الأمر بواحد لا بعينه. والقاعدة الأولى تقتضي اجتناب الأواني كلها. والثانية تقتضي الوضوء بواحد منها, واجتناب الجميع يتنزل منزلة السالبة الكلية, والوضوء بواحد منها يتنزل منزلة الموجبة الجزئية, وهما متناقضتان. فقول سحنون يتيمم ويتركها بناء على ترجيح القاعدة الأولى على الثانية, لأن قاعدة النهي من باب دفع المفاسد, والثانية وهي قاعدة الأمر من باب جلب المصالح, ودفع المفاسد مقدم. فبهذا الاعتبار صارت الأواني الطاهرة في حكم المعدوم, إذ المعدوم شرعا كالمعدوم حسا. فقد حصل فقد الماء الذي هو شرط في التيمم. وقول ابن الماجشون وابن مسلمة يحتمل أن يكون بناء على ترجيح القاعدة الثانية على الأواني لأنه رآه الاحتياط, كقول ابن وهب في الحائض إذا استظهرت: رأيت أن أحتاط لها فتصلي وليست عليها أحب إلى من أن تدع الصلاة وهي عليها, لأنه قد تعارض هنا كون الوضوء وهو عليه. وفي حصول الاحتياط في مثل هذا اشكال, لأنه ليس من باب تعارض واجب وحرام, إذ التقرب بالصلاة من الحائض والوضوء بالماء النجس كلاهما لا يجوز, فلئن حصل الاحتياط من حيث الاتيان بالواجب فقد أخل به من حيث الوقوع وهي كون الشيء الواحد واجبا وحراما من جهتين, كالصلاة في الدار المعصوبة, فإن الاناء من حيث كونه نجسا الوضوء به
[111/1] حرام, ومن حيث كونه طاهرا الوضوء به واجب. ومختار المحققين والجمهور من الأصوليين في هذه القاعدة صحة هذه العبادة خلافا لأكثر المتكلمين. وقول ابن مسلمة وابن الماجشون جار على مختار المحققين والله تعالى أعلم.
واحد مستقل بمنع الحكم من جهته , كقول النبي صلي الله عليه وسلم . لو لم
تكن لي ريبة لما حلت لي من أجل الرضاعة . وهنا يقول أهل غليرة نحوا
من قول الأشقاء في المشتركة , ومن الدليل علي كونهما مانعين من استباحة ذلك
المال أنا او قرضنا أهل غليرة ارتدوا , والعباد بالله , لما حلت لنا اموالهم لأجل
العهد , وتحل علي قياس قولكن لالغائكم معني العهد وارتفاع حرمة الاسلام
بالارتداد . ولو فرضنا أن النصاري غدروا بنقض الهدنة لما حلت لنا أموال
[144/2]
[145/2]
اهل غليرة غنيمة علي القول الصحيح الذي رجحتموه , لأنه مال مسلم . ولو
كان احترام المال قبل العهد موجبا لالغاء العهد فيه لكان القدر المتفق عليه
مما يبقي للرهبان من أموالهم سائغا لنا أشتاؤه ممن غلبهم عليه لما كان محترما
قبل العهد كرقبة الراهب ودمه , فلا يعمل فيه مقتضي العهد . وهذا بعيد
جدا , لكن ان ثبت بدليل خاص ان العهد مع الطاغية غير عامل
فيمن عصي الله من المسلمين بدخول تحت ذمته فلا كلام , وان لم يوجد ذلك
فالأطهر أن تتأكد حرمته بالعهد , لنقل ابن سحنون عنه . ومهادنة الأمام
الطاغية بعد محاصرته اياه أو قبل توجب عموما في عمالتهما , الا أن يخصص لها
حسبما حكاه ابن عرفة . فما الطن اذا نص علي الموضع في عهد المهادنة كمثل
غليرة , وزذلك طاهر لمن باشر عقدة هذه المهادنات , فانه ينص فيها علي شمول
الازمان لكل من تحت ايالة المسلمين أو النصاري من مسلم أو نصارني
أو يهودي في أنفسهم واموالهم , وان المسلمين أن يطلبوا من ينقصهم من
مسلم أو نصراني أو يهودي أو أموالهم , كمال أن للنصاري أن يطلبوا من ينقصهم
من نصراني أو مسلم أو يهودي أو اموالهم مثلا بمثل سواء بسواء .
والثالثة . حكم أموال المدجنين واجراء ابن الحاج لها علي مال الحربي
يسلم , وهذه المسألة رفعت فديما بين شيخنا أبيب القام بن سراج رحمة الله
فأفتي بأياحة قسم أموالهم لسرية غنمتها , وبين شيخنا أبي الحسن علي بن
*وسئل : إبراهيم عن رجل زوج ابنته بكرا من رجل فشجر بينهما ، فباراها الزوج على أن وضع الأب عنه الصداق ، ثم أقر الزوج بعد ذلك أنه كان يغشاها في بيت أبيها وأنه افتضها ، وثبت إقراره بذلك ، وقام الأب يريد الرجوع عليه بالصداق ، وقال : لو علمت أنك رأيتها لم أحط عنك صداقها .
=فأجاب : إن كانت المباراة انعقدت بأنه باراها قبل الدخول بها ، ولم يكن عنده مدفع فيمن يشهد عليه بالإقرار الذي ذكرت عنه ، لزمته المباراة وغرم جميع الصداق الذي نكحها عليه .
[الموثق يكتب في صداق البكر التي في حجر أبيها أنها خلو من الزوج ، وفي غير عدة الوفاة]
*وسئل : ابن المكوي عن الموثق يكتب صداق البكر التي في حجر أبيها ، ويكتب في آخره : هي خلو من الزوج وفي غير عدة من وفاة ، أترى ذلك من الأمر المستنكر لذات الأب الشريفة في قومها ؟ أم ترى عقده أحوط لها إذ لها ما للعامة ؟
=فأجاب : المناكح على السلامة والصحة ، ولا يحتاج إلى ذكر هذا في هذا الموضع .
[من عقد نكاحا وغفل عن ذكر الشروط وتاريخ الكالئ]
*وسئل : اللؤلؤي عن النكاح يعقد ويغفل فيه عن ذكر الشروط وتاريخ الكالئ ، فماذا كان عند عقد الصداق ؟ قال الناكح : لست أريد أن تكتب علي شروط ، ولا أعقدها على نفسي ، وطول في أجل الكالئ . وقال المنكح : إنما غفلت عن ذكر الشروط وتاريخ الكالئ عند عقد نكاحها ، لما قد جرى في البلد من ذلك وعرف ، والشروط عندهم أمر معروف لا يعدوه أحد إلا أن[116/3]يكون خاصا شاذا ، والتاريخ الكالئ ثلاثة أعوام لا يعدوه أحد إلا الشاذ كما ذكرت لك ، هل يحمل الأمر على ما جرى في البلد أم كيف الفتيا في ذلك ؟
=فأجاب : لا يجبر على ذلك وهو بالخيار إن شاء أن ينضم إلى ما يقولون ، أو ينضموا إلى ما يقول ، وإلا ، فله الانحلال .
فأجاب: لا يلزم السائل حكم الحنث بفتيا المفتي المذكور، وإن التزمها وصرح بالتزامها على الصحيح، لأن التزامه الطلاق مستند إلى قول المفتي غير لازم له، إذ قد ظهر الخطأ في الفتوى وأنها غير معتبرة أيضا، لأنه إنما التزمه على اعتقاد صحتها، فكان صحتها مشترطة من لزومه، والمسالة منصوصة في كلام ابن رشد في ترجمة من كتاب النكاح من سماع أصبغ من طلاق السنة.
[ من حلف باللازمة ألا يلبس ثوبا من غزل امرأته، فلا يحنث بلبس ما غزلته قبل اليمين]
وسئل عن رجل حلف لزوجه باللازمة أن لا يشتري لها كتانا ولا يطلع في عنقه ثوبا من غزلها، وكان سبب اليمين أنه اشتكى لها دينا عليه، فقالت: تراني أنسج الشقة وأعطيها لك تبيعها، فأبطأت عليه، فكلمها، فقالت له: إنما أقطع بقلبي ولا تعذرني، فدار بينهما كلام، فلما جاء لينام تذكر ما أحب السرير والثيابت التي عليه متقدمة على اليمين، جاء يستفتي وزعم أنه لم يخطر له ببال ما تقدم قبل اليمين.
فأجاب: لا شيء على الحالف المذكور في لباسه مما كانت المرأة قد غزلتته قبل اليمين، إذا لم تكن له نية في دخوله تحت يمينه، لأن سبب حلفه اقتضى أن المحلوف عليه ما يكون من غزلها في المستقبل بدليل أداء الدين عليه وذكر شراء الكتان.
[128/4]
[129/4]
وسئل عمن حلف ألا يترك حقه إلا أن غلبه الشرع.
فأجاب: لا يبر الحالف المذكور في يمينه إلا بحكم القاضي، لقوله في اليمين: إلا إن غلبه الشرع، إلا أن تكون له نية حلفه في الاكتفاء بفتوى المفتوي.
[ من حلف ألا يأكل قديدا جاز أن يأكل من شحمه]
وسئل عمن حلف أن لا يأكل من كذا قديدا، هل له أن يأكل الشحم المذاب منه؟ وا وقع من فتات من بقية الخبز المأكول بالقديد يأكله الدجاج، هل يجوز للحالف أن يأكل الدجاج لكون الفتات قد التصق به مرق القديد؟
الصفقات كريا التفاضل في السيف المحلي والرد في الدرهم الواحد واجتماع البيع والصرف في الدنانير وبيع السلعة بدينار إلا درهما ونحو ذلك، لإن إجازة ذلك معلل بمسيس الحاجة إليه وتعذر الامتياز، وأما بيع سلعة بدينار إلا درهما المشعر بجواز التأخير في اليسير من الصفقة عما شرطه المناجرة فإن ابن الكاتب تأوله بأن المعتبر في الدينار وصرفه يوم القضاء ويسقط الدرهم من صرفه وهو تأويل أبي محمد في استثناء جزء الدينار من جملة الدنانير أن المعتبر في الدينار المكسور صرفه في بيع سلعة بدينار إلا سدسا، ولا ضرورة أكرمك الله في مسألتكم تدعو إلى إباحة يسير الربا، ولا يرد على هذا الاتباع في الإغرار لأن الربا أقوى في المنع من الغرر مع أن فسخ الدين فيما لا يتعجل محرم في القرآن فلذلك لا يجوز منه شيء وإن كان يسيرا وقبض الدرهمين ودرهما في المجلس أو في القرب منه كعدم القبض فيهما فيما يلزم عنه من الربا، ولا فرق بين ذلك وبين المقاصة التي امتنع منها أحدهما خوفا من الربا وكله على مذهب أبن القاسم وروايته عن مالك في المدونة أن فسخ الدين فيما لا يتعجل ممنوع وإن كان المفسوخ فيه معينا على ماله في كتاب الآجال وغيره من كتب المدونة خلاف لأشهب في أن فسخ الدين يجوز في المعين وإنما يمتنع في المضمون، ولعل من جاوب من الطلبة حفظكم الله اعتمد هذا المذهب، أو لعلة أباحة ليسارته مصيرا إلى ما يحكي عن سحنون رحم الله جميعهم في سلم نخل فيها ثمر في طعام على معنى البيع. ومع هذا كله فأصوب ما قاله ابن القاسم وهو أحوط وبه أقول، وكتب علي بن محمد بن عبد الحق والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
[ثلاثة إخوة اشتركوا وبقوا على ذلك مدة
ثم إن أحدكم نما ما بيده]
جواب سيدنا أمتع الله بكم، عن مسألة وهي: جماعة من مغربنا من العرب، تبلغ ما بين فارسها وراجلها قدر عشرة آلاف أو تزيد، ليس لهم إلا الغارات، وقطع الطرقات على المساكين، وسفك دمائهم، وانتهاب أموالهم بغير حق ويأخذون حرم الإسلام أبكارا وثيبا، قهرا وغلبة. هذا دأب سلفهم وخلفهم. مع أن أحكام السلطان أو نائبه لا تنالهم بل ضعف عن مقاومتهم، فضلا عن ردعهم. بل إنما يداريهم بالأعطية والإنعام، ببعض بلاد رعيته، ونصب عمالهم فيها، وقطع نظر عمال السلطنة عن النظر في حياتها وصل أحكامها. ثم هم مع ذلك لا تأمن الرفاق من جانبهم نصبوا الغارات على هذه البلاد التي نحن بها، وقاتلوا من عاجلوه، وقطعوا الطرقات، وطلبوا على قطع رقاب المساكين، وأخذ أموالهم وسبي حريمهم، فأمرهم بقتالهم، وصرحنا بأنه جهاد، لما قاله مالك في المدونة. فاجتمع الناس على قتالهم، فهزمهم الله، وقتل منهم خلق كثير. فأنكر ذلك علينا بعض المنتمين للعلم بهذه البلاد، بل كلهم،. فاستظهرنا عليهم بنصوص أهل المذهب كنص المدونة، وما في آخر الجهاد للجلاب. وبقول الباجي بقتل اللصوص إذا أتوا للقتال، وطلبوا مالا يجب أن يعطوه، وأن مالكا وابن القاسم وأشهب قالوا جهادهم جهاد. وروى أشعب عنه أنه أفضل
[154/6]
الجهاد وأعظمه أجرا. وبقول مالك في أعراب قطعوا الطريق جهادهم أحب إلي من جهاد الروم وبالحديث: (من قتل دون ماله أو دون المسلمين فهو أعظم لأجره)(¬1) وأمرتهم أيضا باتباعهم وقتلهم بعد الهزيمة، إذ لا تكسر شوكتهم بهزيمة واحدة لقوتهم، كما أشرنا لكثرة عددهم واستظهر ما على إباحة اتباعهم وقتلهم بما نصه الباجي:
إن اللص إذا أدبر فروى أصبغ عن ابن القاسم: إن كانوا قتلوا أحدا فليتبعوا وإلا فما أحب أن يتبعوا ولا يقتلوا فقلت لهم: هؤلاء قتلوا، مع أن ظاهر كلامه: إن عدم اتباعهم وقتلهم إذ لم يقتلوا إنما هو على سبيل الاستحباب.
وسئل عن أهل المسجد أخذوا حصرا لمسجدهم والتزم لهم المشرف على الأحباس أن يؤديها من مال الأحباس, فمات المشرف المذكور قبل أدائها وتقدم غيره, وكان المشرف الأول الذي أخذ الحصر المذكورة في مدته قد بقيت قبله بقية للأحباس, فهل يتعين أخذ ثمن الحصر من ورثته من البقية التي بقيت عليه ؟ أو تؤخذ من فائد الأحباس الحادثة في مدة المشرف الثاني- وكانت الحصر قد صيرت للمشرف الأول في إنفاقه من تلك السنة؟.
فأجاب: يجب على هذا المتقدم أن يفتش على ثمن الحصر وكراء الأحباس, وما للمسجد من الدين من كراء أحباسه, وإذا حصل ذلك كله يستأنف النظر في المسجد يبني ما وهي منه, ثم بعد ذلك يكسيه, ثم بعد ذلك يصلح أحباسه, ثم بعد ذلك زيت الاستصباح, فإن لم يفضل شيء وجب أن يؤذن واحد من الجماعة بغير أجر, ويؤمهم خيرهم كذلك بغير أجر, وإن فضل شيء استأجروا إماما يقوم بهم وبمصالح مساجدهم.
[هل يعتبر غنيا بمال أبيه ؟](¬1)
وسئل عن قرية حبست على مصالح قشتال وطلاعه, عين لذلك ربع فائدها على ضعفاء الفرسان ببسطة, وعين للضعفاء من طلبة العلم بها من هو عني بمال أبيه لكونه تحت اتفاقه وكسوته, وأحب مطالعة سيادتك بذلك, وهل يعد من كان قد بلغ وخرج من حجر أبيه إذ كان لا شيء له أو له شيء يسير- غنيا بسبب كونه ساكنا مع أبيه وتحت انفاقه وكسوته, أو ضعيف يعطى من هذه الأحباس مع جملة ضعفاء الطلبة.
ومن سؤال الناظر أن الأرض المحبسة بها جب وقرار مفتقران للإصلاح, وفيها أرض غامرة عليها مساقي لسواها من أرضها العامرة تفتقر لمن يعملها, هل له أن يأخذ من جملة غلتها ما يصلح به ما ذكر أو لا ؟
فأجاب: ليس على الزارع كراء لأنه إنما زرع حصته. قيل له: فلو كان مركب بين رجلين فوجد أحدهما ما يوسق فيه من ماله ولم يجد شريكه؟ فقال: ليس هذا مثل الأرض، المركب يسافر به، وليس على الشريك تركه بغير شيء، والأرض على حالها. وعن ابن لبابة: إذا مات الرجل في إبان الزراعة فزرع بعض الورثة أرضه بزوجه وزريعته، فلما كان أوان الحصاد قال الذي لم يعمل: الزرع بيننا ولكم أجركم، وقال العامل الزرع لي ولكم كراء زوجكم، إن الزرع بينهم وللعامل أجر. ولو عطب الزرع أو قحطت الأرض كان على العامل قيمة الزرع ومكيلة الطعام، وفي الجدار لعيسى في المرأة تزرع أرض زوجها ببذره وبقره أن الزرع لها إذا قالت إنها زرعته لنفسها، وعليها كراء الأرض والبقر ورد الزريعة إن كان من طعام الزوج، فإن عطب في عملها من البقر شيء ضمنته، وإن عطب في غير عملها لم تضمن، وبه العمل، وقول ابن لبابة خطأ.
[شريكان في الحرث أعطى أحدهما الآخر تبنا، وقام الآخر بعمل ثم اختلفا]
وسئل بعض المتأخرين عن شريكين أحدهما بقره والآخر يده، ففني تبن البقر فأعطاه شريكه تبنا للبقر على السكت، وصاحب البقر يدق الطوب خلف الزوج، فطلب كراء يده وطلب الآخر ثمن تبنه.
فأجاب: الظاهر أن كل واحد منهما متطوع بما أخرج، فإن ادعى رب التبن أنه ما أعطاه إلا ليرجع بثمنه حلف على ذلك وقوم وأخذ تلك القيمة، ويحلف أيضا الآخر أنه ما دق الطوب إلا بالأجرة وتقوم خدمته ويعطى تلك القيمة.
[139/8]
[140/8][شريكان لأحدهما بذر وللآخر بقر والأرض بالكراء]
وسئل عن شريكين لأحدهما الزريعة وللآخر الأرض والبقر، والأرض بكراء، ولم يذكر عملا، فتولاه رب البقر إلى أن صار حبا مدروسا فطلب صاحب العمل رب الزريعة بنصف كراء جميع المؤنة إلى آخر الدرس.
فأجاب: تصفحت أعزك الله بطاعته، وأمدك بمعونته، سؤالك هذا ووقفت عليه، وإن أراد الوصي الناظر في تنفيذ الثلث على المساكين أن يصالح الزوج من ماله عن الثلث من الأملاك على أن يسقط دعواه بالإمتاع فيها كما فعل الوارث معه في حظه ليصح له بيع الثلث وتعجيل تنفيذه للمساكين، كان ذلك جائزا على مذهب ابن القاسم. ولا يجوز له أن يصالحه على ذلك من ثلث الموصى به للمساكين، وإن لم يصالحه على ذلك وصح له الإمتاع جاز له أن يبيع المرجع من الثلث من الزوج على مذهب ابن القاسم، ولا يجوز له أن يبيعه من الوارث ولا من غيره لأن ذلك من الضرر المنهي عنه في البيوع وإن لم يرد الزوج شراءه لم يكن بد من تأخير الأمر إلى موته وبالله التوفيق.
[مسألة في الإمتاع بالسكنى]
وسئل عن امرأة أمتعت أباها سنين مسماة في دار لا تملك سواها أو هي أكثر من ثلثها فقام زوجها يرد فعلها وقال تفويتها للمنافع تفويت للأصل، هل له ذلك؟ وتكون كمسألة الوصايا أم هي بخلافها لاستحقاق الورثة المال بموت الميت والزوج إنما استحقاقه مرتقب وهي لم تفوت أصلا.
فأجاب: تصفحت سؤالك هذا ووقفت عليه وإن كانت أمتعة الدار السنين الكثيرة التي تستغرق مدة معترك زوجها فتبين من فعلها أنها إنما قصدت الإضرار به بتفويت الدار عليه فله رد ذلك إن توفيت، ولا كلام له في ذلك ما دامت حية، وبالله التوفيق.
[141/9] ... ... ... ... [مسألة في العمرى]
وسئل عن امرأة أعمرت أبويها في دار فمات أحدهما فقامت المعمرة تطلب نصف الدار هل لها ذلك على رأى من رآه من الأجنبيين؟ وهل الأبوان والأجنبيان في ذلك سواء أم يفترقان لأن كل واحد من الأجنبيين إنما جعل له المنفعة بنصف الدار على الاشتراك مع الآخر؟ والمقصد من إعمار الأبوين نفع كل واحد منهما بالجملة، بين ما عندك في ذلك.
117/10] وأجاب محمد بن سليمان ؛ إذا انقضت الآجال كلها كما ذكر واستظهر المطلوب بعقد ، وإن ادعى بينة بعيدة فرواية أشهب عن مالك في مثل هذه النازلة بعينها أن الرجل المصدق المأمون غير المتهم يريد أن يزاد له في الأجل ويستأنى . وأما الملد المضر بخصمه فلا أرى تمكينه من ذلك إلا أن يذكر أمرا قريبا فيختبر أمره بالثلاثة أيام ونحوها ، وبه أقول في هذه النازلة .
وحدث القاضي أبو العباس الغبريني أنه لما تولى قضاء القيروان كان فيها رجل من كبراء أهلها ولهم أصل في الخطة يقال له أبو الحسن السهولي القرشي ، قال بعث إلي الشيخ ، يعني ابن عبد السلام أن أعزله ، وكأن عدلا ، فاستحييت لما نعلم من مكانه في بلده بيتا وعلما حتى كانوا يسمونه مالك الصغير ، فبعثت للشيخ مستطعفه في بقائه وذكرت له حاله في بلده ، فأجابني بأن لابد من عزله ، وأشار بأنه قدمه في طرابلس قاضيا فأجبر على الصلح وقدم عدولا بغير إذني ، فسمعت بذلك فبعثت بتأنيبه فأجابني أنا قدمتهم . وأنتم تعزلونهم ، فكتبت إليه : وما بين التقديم والتأخير من حقوق الناس كيف يعمل فيه ؟!
[تحديد النفقات لذويها مما يجب القيام به]
وسئل أبو الفرج عمن عادته فرض النفقات على الزوجات والأولاد متى احتاج القاضي إلى ذلك وأمضى فعلهم ، فامتنعوا مدة من فرض النفقة للأطفال ودعوا إلى الصلح وتأخير الأمر حتى أضر بالصبيان ، ولا يوثق في ذلك الموضع بغيرهم ، هل يسوغ لهم ذلك أم لا ؟ وما يجب عليهم وعلى القاضي في ذلك ؟ وما الحكم إن عدم من يفرض النفقة ؟
وهذا ونحوه هو السبب فيما نقل إلينا من يوثق بنقله على الشيخ العالم الصالح الكبير أبي محمد الفشتالي وكان في هذا القطر في وقته، هو المشار إليه بحوز رتبة الولاية مع ظهور الاستقامة، وشياع ما يحكي عنه من فن الكرامة والتحقيق في العلوم، وخصوصا الامتياز بهذا الفن الصوفي من أنه يقول لمن يريد التوبة على يديه عليك بالفقيه أبي محمد صالح. فإن باب التوبة وشروط صحتها المتفق عليها والمختلف فيها قد تولته كتب الفقه. ونستغني عن شيخ آخر، لما وراء التوبة، فإن الذي وراء التوبة غاية لا تدرك، وطريق مخوف عسير غير مأمون ولقد قل وارده والدال عليه، فاقتصار التائب على ما عند فقهاء الظاهر أولى وأسلم، بل لا يجوز اليوم اتخاذ شيخ لسلوك طريق المتصوفة أصلا. فانهم يخوضون في فرعها ويهملون شروط صحتها. وهو باب التوبة، إذ لا يصح بناء فرع قبل تأسيس أصله. وكان يقول: لو وجدت تواليف القشيري بأسرها لجمعتها وألقيتها في البحر، هذا مع اتفاق العلماء على أنه سني متبع. قال: وكذا ككتب الغزالي يجب بأن تقبل حيث يتكلم في المسائل(¬1) الفقهية فهو فيها إمام متفق على تقديمه. وما وراء ذلك من ذلك غوامض العلوم المتعلق بالعالم الغائب ينبغي للضعيف أن يعزل سمعه عنها فقد خاطر في ذلك بنفسه وربما يدخل في اعتقاد سامع كلامه في ذلك ما هو مستغن عنه. وكان يقول أيضا: إني لأتمني على الله أن أكون مع الشيخ
[