وسئل القاضي سيدي أبو عبد الله بن عقاب رحمه الله عما وقع لابن عبد السلام رحمه الله في مسألة الأواني من كلام ابن الحاجب بعد فرضها وتفسيرها, قال بقي على المؤلف قول ابن الماجشون في مسألة الأثواب أنه يتوضأ بعدد النجس وزيادة غناء كما قال يصلي بعدد الأثواب المتنجسة وزيادة ثوب. والذي يظهر أن كل من قال باستيعاب الأوني معناه ما لم يتوصل لطهارة محققة إلا بذلك الوجه, كما لو كثرت الأواني المتنجسة. اما لو فرضنا اشتباه إناء نجس بإناءين طاهرين فبالضرورة لا يحتاج إلى استيعابها, بل زيادة الثالث سرف.
فأجاب الذي فهمت- أرشدك الله- صحيح, وكلام ابن عبد السلام فيها قد وهمه الأشياخ فيه, إذ لا يقول أنه يصلي بعدة الأواني كلها إذا كانت اكثر من اثنين والنجس منها واحد فقط لا ابن مسلمة ولا غيره, لأن المطلوب براءة الذمة وهي حاصلة بزيادة واحد على عدد النجس. اللهم إلا أن يكون الطاهر واحدا فقط, أو يكون بعض الواني طاهرا وبعضها نجسا
[110/1] ولم يتحقق عدد النجس من عدد الطاهر, ففي هاتين الصورتين يتوضأ في قول ابن مسلمة بعدد الجميع, إذ لا يتحقق براءة الذمة إلا بذلك. ويقع في بعض نسخ ابن الحاجب حتى يفرغ بالياء التحتانية وهو صحيح يرتفع به هذا الوهم الذي توهم ابن عبد السلام, لأن معناه حتى يفرغ الاشتباه وذلك أن المسألة قد تعارض فيها قاعدتان أصوليتان إحداهما قاعدة النهي عن واحد لا بعينه, والأخرى قاعدة الأمر كذلك, الولى لا تبرأ الذمة فيها إلا بترك الجميع, والثانية يكفي في براءة الذمة فيها فعل واحد من تلك الأشياء وقد علمت مناقضة الموجبة الجزئية للسالبة الكلية.
صالحوا وهو في أيديهم . فانطر كيف حكم لما أخذوه في حال ذمتهم وبقي
عندهم حتي حاربوا بحكم ما أخذوا بعد المحاربة في انه لا ينزع نت أيديهم ,
واذا لم ينزع من أيديهم جاز للمسلم شراؤه منهم . ومسألتنا أبين في جواز
[143/2]
[144/2]
الشراء من هذه , لأن أخذ المال فيها وقع بعد النقض والحرب . وقال أيضا في
نقر من العدو نزلوا بأمان فلما فرغوا فسرقوا بعض عبيد المسلمين وذهبوا بهم ثم
عادوا بهم ونزلوا علي أمان ولم يعرفوا وأرادوا بيعهم . لا يخرجون من أيديهم ,
وأري أن يوفي لهم لأنهم أحرزوهم , يريد حين بلغوا ديارهم وصاروا حربا .
وانطر الي قوله في السؤال وأرادو بيعهم , وقوله في الجواب وأري أن يوفي
لهم , فانه يقضي بتمكنيهم من البيع لهم وجواز شرائهم منهم , واخذ جواز
الشراء من هذه المسألة أقوي من أخذه من التي قبلها . وهذا فيما أخذوه حالة
كونهم تحت ذمة ثم حاربوا . أما ما أخذوه بعد النقض للذمة والعهد
فلا يتوقف في جوازه ان شاء الله . ووجهه والله أعلم أن ما أستحلوه بأخذهم
له في حال الحرب أو قبلها وبقي بأيديهم حتي حاربوا لهم فيه شبهة ملك
اقتضت جواز شرائه , كما أن أنكحتهم يمضيها الأسلام اذا اسلموا
واستحلوها, وان كان الاسلام يمنع ابتداء العقد عليها . انتهي .
اختلاف نطر المفتين الأندلسين في حرمة أموال المدجنيين .
وطالع بذلك الفقيه ابا يحيي ين عاصم المذكور فجلوبه بما نصه .
سيدي وصل الله حفطكم تأملت مكتوبكم ووقع مكني موقع الأعجاب به
علي الحملة , وطهر لي فيه من النطر ما أعرضه عليكم , وذلك أنه يتضمن جملة
مسائل .
احداها . ما ألتزمتم في الأحتمال الذي طننتم أنه غير مراد وذلك طاهر اللزوم .
والثانية . ما أبديتم من النطر في الاحتمال الثاني , وذلك النطر يوجب
أحترم أهل غليرة وأمثالهم أحرويا , اذ لم يلتئم كونها محترمة قبل العهد
أن ينقصها العهد شيئا كان لها ثابتا , كما الشأن فيما يجتمع فيه مانعان , كل
=فأجاب : إذا اقتضى العرف شرطيتها فهي محمولة على ذلك ، ولا ينظر لكتبها على الطوع ؛ لأن الكتاب يتساهلون فيها وهو خطأ ممن فعله .
=وأجاب : ابن الحاج بأن الحكم للمكتوب لا للعرف ، وفي المذهب ما يؤخذ منه هذان القولان ، وهو إذا اشترطت أنها بكر فوجدها ثيبا والعرف يقتضي أن البكر هي العذراء .
[من تزوج يتيمة ولها إخوة وأم ، فنقدها صداقها ودعا إلى البناء ثم فلس]
*وسئل : أبو محمد بن خزرج عمن تزوج يتيمة ولها إخوة وأم ، فدفع[114/3]النقد إليهم ودعا إلى البناء ثم فلس وأحاطت الديون بماله واليتيمة ذات مال وكرهته .
=فأجاب : إن كان غرها بماله ولم تعلم بديونه ، فلها رد النكاح لأنه غير كفء لاغتراق الديون لماله .
[وليه قوم نكحها رجل طارئ مكفوف البصر من أهل الشر والفساد وبنى بها]
*وسئل : ابن زرب عن ولية القوم نكحها رجل طارئ مكفوف من اهل الشر والفساد ، فأنكر ذلك أولياؤها وذهبوا إلى فسخ النكاح وقد كان بنى بها .
=فأجاب : لا سبيل على حل النكاح إن كان قد دخل بها ، قيل له فلو لم يدخل بها فوقف قال الذي لا اشك فيه انه إذا دخل لا يفسخ النكاح .
[رجل فاسد الحال ، زوج ابنته غير كفء]
*وسئل : بعض العلماء عن رجل فاسد الحال من العرب زوج ابنته غير كفء ، فأنكر أخو الرجل الفاسد الحال ذلك فما ترى ؟
=فأجاب : بأنه ينظر لها السلطان وليس لأبيها الفاسد الحال أن يزوجها غير كفء ، وفي النوادر قال أصبغ من زوج ابنته من رجل سكير فاسق لا يؤمن عليها لم يجز ، وليرده الإمام وإن رضيت هي به ، وفي الوصي نحوه .
وفي الحديث : «من زوج كريمته من فاسق وهو يعلم ، فقد قطع رحمها» . أي قرابة ولدها منه ، وذلك أنه يطلقها ثم يصير معها على سفاح ، فيكون ولده منها لغير رشده ، فذلك قطع الرحم .
[115/3][من زوج ابنته البكر من رجل فباراها الزوج على أن وضع عنه الأب الصداق]
فأجاب: لما ذكر السائل أنه لم يرد الطلاق فكل ما يذكر أنه أراد مما يوجب تحريم وطئها صدق فيه، وأيضا قد استثنى أنه إن بدل الله ما في قلبي، وذلك شيء لا يعرف إلا من جهته، والروايات والتعازي كلها، على أن من أحال في يمينه أو في سائر العقود على ما لا يعلم إلا م جهته أنه مصدق في ذلك، وإذا تقرر تصديقه فيما لا يعلم إلا من جهته وقد ثبت أنه لم يرد الطلاق، بحيث ينظر في صحة الاستثناء على ما أشرنا إليه بالمحول، فلا فائدة في حبسه عن زوجه إلا أن يستريب القاضي شيئا فإنه يحتاط للفروج ما استطاع؛ لأنها على أصل المنع، قال الله تعالى: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم﴾، وبهذا استدل ابن رشد رحمه الله لقول ابن القاسم بالحنث في وجوه بعيدة من إرادة الحالف لها، وبالجملة فالشاهد يرى ما لا يرى الغائب، وحسب مثلي سرد الفقه وبالله التوفيق.
قلت: السؤال أفصح بأن الزوج لم تكن له نية، ونفي الأعم يستلزم نفي الأخص، والمجيب إنما أجاب على نفي نية خاصة وهو نية الطلاق، ولا شك أن نفيه لا يستلزم نفي الأعم، فانظر في ذلك.
[من امتنعت عليه زوجته فغضب وقال: تحرم أنا نفسي على ذلك]
وسئل الأستاذ المحقق الجليل أبو سعيد فرج بن قاسم ابن لب، عمن أراد زوجته على الوطء، فأبت عليه، فغضب وقال: نحرم أنا نفسي على ذلك حتى يتم العمر، هل ينظر إلى فظ التحريم أو يرد إلى الظهار أو إلى الإيلاء؟
[127/4]
[128/4]
فأجاب: الحكم في المسألة ألا يلزم ذلك الرجل القائل من مقاله تحريم، لأن مقضتى لفظه الوعد بأن سيفعل، فله أن لا يفعل، ولو أنه أراد الإنشاء والالتزام لكان تحريما مع النص على بقاء العصمة، وفي ذلك اختلاف بين الفقهاء، والصحيح ألا يلزمه شيء لتقييده ببقاء العصمة، فصار تحريم ما أحل الله على غير وجه الفراق.
[من استند في طلاق زوجته إلى مفت جاهل فلا يلزمه الطلاق]
وسئل عمن استند في طلاق زوجته إلى مفت جاهل هل يلزمه أم لا؟
وأجاب أخوه أبو محمد عبد الله بن أبي الوليد عمن عمر أرضا وقلع شجرها وغرسها ومكث فيها ست سنين وشهد فيها للقائم من موضع شهادته على القيمة وآخر معه ولم يعلم القائم حتى أخبره الشهود بما نصه إن صحت له عدالة الشاهدين المذكورين صح الملك الذي شهدوا له به أولا ولا يضره حوز الآخر ست سنين للاختلاف في هذا القدر ولما ذكرتم أن الذي شهد له بتقدم الملك لا يعلم وارثه حتى أخبره الشهود وأما حرث العام الواحد فلا تأثير له في إثبات الملك فيما قدم علم ملكه قبله وأما الشاهد الذي شاهد تفويت الأرض بالقلع والغرس وهو يعلمها لغير الذي قلعها فإن كان له عذر من نسيان أو توهم انتقال ملك أو غير ذلك فلا يسقط ذلك شهادته وإن لم يكن له عذر كان سكوته على ذلك جرحة فيه وعمل بشهادة غيره.
وأجاب الفقيه سيدي أبو الحسن الصغير عن مسألة الزبيب المتقدم فيها جواب أبي عبد الله ابن راشد والفقيه أبي الربيع الونشريشي بما نصه: أكرمكم الله إذا صح ما ذكرتموه بمحول هذا فالصفقة فاسدة لاشتمالها على الفساد وهو فسخ الدين فيما لا يتعجل وإن كان الفساد إنما صدق على بعضها وهو حط درهمي الدين من صحفة الزبيب المتأخر قبضها التأخير الكثير على ما وصفتم فيه لأن مشهور المذهب وهو مذهب المدونة أن الفساد إذا صدق على بعض الصفقة نقض جميعها لا سيما في أبواب الربا وفسخ الدين في الدين وإن كان ما صدق عليه الفسخ المذكور يسيرا بالنسبة إلى ما لم يصدق عليه كمسألتكم، ونقض الصفقة بوجود فسخ الدين فيما لا يتعجل في بعضها منصوص عليه في المدونة، ولا يرد على هذا ما هو فيه من يسير الربا في بعض
[125/5]
فأجاب: إذا كان الأمر على ما وصفت، فعلى فاعله الضرب الموجع مع السجن، ويلزمه غرم ما أخذ لنفسه، وما دفع إلى القاضي بيده. ثم إن قامت له بينة أنه دفع ذلك إلى القاضي رجع عليه، إلا أن يشاء الدافع تركه واتباع القاضي فله ذلك، وإن غرمه له رجع بذلك على القاضي، لأن ما أخذ م الظلم ليدفعه إلى من ظلم فيه، فهو في ذمته يغرمه، ثم يرجع هو على الظالم إن قدر عليه. وأعوان الظالم فيما أخذوا من الظلم كالظالم، وإن لم يأخذوا لأنفسهم فهو واجب عليهم. ولمن أخذ منهم أن يرجع على الظالم أو من قبض.
[هل يأخذ القاضي مرتبه من المكوس؟]
وسئل سيدي قاسم العقباني عمن ولي قضاء تونس ووجد مرتب قاضيها في المكس المأخوذ في الباب(¬1) هل يجوز للقاضي أخذه وهو له طيب إن تعذر تعينه من غيره؟
فأجاب: الطيب من الارتزاق حيث يكون المجبى حلالا ويعدل في القسمة. وإن كان لا يعدل في القسمة. فمن أهل العلم من أجاز الأخذ وهم الأكثر. ومنهم من كره. فإن كان المجتبي يشوبه حلال وحرام، فمنهم من كره أخذ الجوائز والارتزاق وهم الأكثر. ومنهم من أجاز. وإن كان المجتبى حراما، فمنهم من حرم الارتزاق منه على عمل من الأعمال، ومنهم من أجاز، ومنهم من كره، وما غالبه الحرام له حكم الحرام، وما غالبه الحلال له حكم الحلال، وبعد هذا النقل لا يبقى عليك مما سألت عنه توقف من جهة
[153/6]
النقل. والذي أرشدك للأخذ به أن لا تأخذ من ذلك مثقال ذرة وإن استطعت أن تغيث من يطلب منه من ماله بمنعه من ذلك فنعمت الفضيلة والله الموفق.
[فتوى في قتال المغيرين وقطاع الطرق من عرب المغرب الأوسط سنة 796ه]
وسئل الإمام أبو عبد الله ابن عرفة رحمه الله عن قضية قتال الديلم وسعيد رياح وسويد وبني عامر، أمراء عرب المغرب الأوسط، سنة ست وتسعين وسبعمائة.
وكان السائل له الفقيه أبو العباس أحمد(¬2) المعروف بالمريض. فكتب إليه بما نصه بعد اختصار بعض ألفاظه.
وسئل عن رجل في مسجد عليه فدان محبس على إمام المسجد وكان مغترسا فهلكت أشجاره, ثم حدد غراسته واعتقده ملكا بالغراسة فأخذ منه نصف الكرم. فهل هذا صحيح أم لا ؟ وهل يبقى الكرم حبسا ولا يكون للذي جدد غراسته شيء أو يعطي أجرا على إصلاحه.
فأجاب: يحتسب المصلح للكرم المذكور غراسته عند الله (قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما من مسلم يغرس غرسا إلا كان ما أكل منه له صدقة وما سرق له السارق له صدقة, وما أكلت منه الطير له صدقة, وما رزاه فيه أحد بشيء إلا كانت له حسنة إلى يوم القيامة ولا سبيل له أن يتملك منه شيئا, ولا يلزم أن
[129/7] يبقى بيده مسافاة, قصارى ما يكون الحكم أن يعطي قيمة الجدر يابسة بعد حط إجارة من يقلعها من أصلها, وهذا قد لا يفي بقيمتها, فلهذا يحتسب غراسته عند الله ولا يطمع في تملك حبس.
[الحبس يجب ألا يبخس]
وسئل عن حوانيت من الأحباس أرسل المشرف إلى مكتريها مع دلال الأحباس, إما أن يحبسوها بكراء معين, وإما أن يخلوها للكراء, والكراء المعين الذي عين لهم هو كراء المثل في أكرية الناس من غير الأحباس فامتنعوا من اخلائها وأبوا من ذلك الكراء الذي عينه المشرف وهي عندهم بكراء بخس, وصعب على المشرف إخراجهم فهل يلزمهم ما ألزمهم المشرف أو يقومها شهود البصر ؟.
فأجاب: لو حابى الناظر في الكراء لم تجز محاباته ولا يمضي ما فعله بغبن ولوجب أن يقف أرباب البصر ويجعلون على المكتري كراء المثل, فمن باب أولى النازلة أعلاه أن يغرم المكتري كراء بغبن ولوجب أن يقف أرباب البصر ويجعلون على المكتري كراء المثل, فمن باب أولى النازلة أعلاه أن يغرم المكتري كراء المثل.
[كيفية ترتيب مصالح الحبس]
فأجاب: زرع القليب بينهما كغيره، ويرجع صاحب القليب على شريكه بنصف أجرته بعد يمينه أنه ما وهبه إياه. وفي سماع عبدالملك بن الحسن: إذا أخرج أحدهما الأرض والآخر العمل والبذر بينهما فادعى العامل أنه أسلفه نصف البذر من عنده فإنه يصدق ويحلف وقد فسدت الشركة. وعن أشهب إذا قامت بينة لأحدهما أنه الزارع وأن البذر في يده فيحلف ويرجع بنصف البذر على الآخر. وعن سحنون إذا اختلفا بعد طيب الزرع فقال العامل بيننا وتساوينا في الزريعة، وقال رب الأرض الزرع لي وإنما واجرتك، فإن عرفت الزريعة أنها من عند أحدهما فالقول قوله مع يمينه، وإن لم يعلم مخرجها فالقول قول العامل، لأن العادة في شركة الناس أن العامل يخرج البذر أو نصفه إن أخذنا بقولنا أخرج النصف، وإن أخذنا بقول غيرنا أخرج جميعها، وهو الغالب من فعلهم. وكذا لو كان العامل لا يعرف بملك بقر ولا زرع وإنما يعرف بالإجارة فهو مثل صاحب الزوج المعروف بالعمل، إلا أن يكون أجيرا معروفا بالإجارة فالقول قول رب الأرض، إلا أن يأتي الآخر بما يدل على كذب رب الأرض.وعن سحنون وابن حبيب: لو اختلفنا بعد القليب عند المزارعة فقال العامل القليب علي والعمل بعد ذلك والبذر بيننا والأرض عليك، وقال رب الأرض بل العمل كله عليك، فالقول قول المدعي الاعتدال والصحة في معاملتهما، وإن لم يدع أحد الاعتدال فتصح الشركة بالاعتدال، وإن فات الزرع فهو بينهما بقدر البذر ويتراجعان في الأكرية. وعن بعض القرويين: إن اختلفا قبل العمل تحالفا وتفاسخا.
[138/8]
[139/8] ... [أرض مشتركة بين ورثة زرع أحدهم منها قدر نصيبه]
وسئل أبوحفص العطار عمن هلك وترك أرضا فزرعها أحد الورثة وبقي منها مثل حظ الباقين من الورثة.
فأجاب: مذهب ابن القاسم وحكاه مطرف عن مالك وقاله ابن الماجشون وأصبغ أن الأب إذا تمادى في الانتفاع به بغير حيازة ولا تعيين كراء ماض ذلك في الممات فأحرى مع الحياة وتعيين الكراء، فإن حيازة هذا يكفي فيه الإشهاد خاصة خلاف حيازة المسكون والملبوس فعلى هذا القول لا يحتاج إلى شيء، وقال ابن وهب وأشهب هو كحيازة المسكون والملبوس، فعلى هذا القول إذا أكراه من نفسه لم يبطل بخلاف الرهن فعلى كل حال لا تبطل الهبة على كل قول، حكى هذا الكلام ابن رشد في آخر سماع عبدالملك من كتاب الشفعة وفي غيره، وكتب مسلما عليكم أبوالقاسم العبدوسي لطف الله به بمنه.
[مسألة في امرأة أمتعت زوجها في أملاكها]
وسئل عن امرأة متعت زوجها حياته في أملاكها ثم أوصت في مرضها بإخراج ثلثها للمساكين ولم تترك سوى الأملاك المذكورة، فقام وارثها يدعى
[140/9] أن إمتاعها كان في مرضها وقم ببينة أن مرضها كان من الأمراض الغير مخوفة كالخور وشبهه، ثم صالح الورثة على أن يسقط الزوج متعته ويستوجب مصابه من الأملاك بشيء اتفقا عليه فهل يسوغ للناظر للمساكين أن يسمح له في ثلث الأملاك ويرخص بيع ذلك ليسقط متعته ويكون استعجال ذلك نظرا للمساكين، أو يوجب له بيع ثلث الأملاك بقيمتها على عذرها إلى قدر عمر ذلك في تماديه إلى أقصى الأعمار واخترامه عن قريب؟ بين لي ما يوجبه الحكم والحق عندك من ذلك مأجورا مشكورا.
فأجاب منذر بن سعد وأبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم بأن الحكم بغير إعذار غير صواب ولا هو من وجه الحق ، لأنه من قبل ما لا يجب قبوله وليس نظره ، بحجة . قال وفيه ضعف ، وقد قال مطرف وابن الماجشون إذا لم يكتب الإعذار في كتاب الحكم وزعم المحكوم عليه بعد موت الحاكم أو عزله أنه لم يمكنه من جرحة الشاهد فلا يسمع منه ، والحكم ماض عليه .
وأجاب غيرهما : إن دعا إلى الإعذار فإنه يعذر إليه ، ولا يستأنف النظر فيما تقدم من الحكم لغفلة من غفل عن تتبع حقه . ابن حدير : إذا انصرفت الآجال المضروبة له ولم يأت بشيء وأراد التسجيل عليه فأظهر وثيقة أراد إثباتها أو بينة كذلك ، فقال ابن بقي يضرب له بعد ذلك أجلا قاطعا ، فإن ثبت ذلك وإلا سجلت عليه . وقال ابن حارث : الصواب التسجيل عليه ويعد بالإشهاد عليه فيه ليوم بعينه لأنه أبلغ في الإعذار . فإن أثبت شيئا وإلا شهد عليه وقطعت حجته . وقال ابن عبد ربه : لا يعذر في إقامة البينة بعد انصرام الآجال ويمضي التسجيل عليه .
[الآجال والتلومات راجعة إلى اجتهاد القاضي]
وسئل ابن مضا عمن قيم عليه في دار واستحقت وادعى مدفعا ، فضرب القاضي آجالا وتلومات فانقضت ولم يأت بشيء . وبعد ذلك أتى بعقد ثابت هل يضرب له أجلا في إثبات ذلك أو يعجزه ؟
فأجاب بأن الأمر مصروف إلى اجتهاد القاضي ، فإن رأى أن له فيه منفعة إذا أجله تلوم له بقدر ما يراه ، وإن رأى عدم ثبوته أو أنه لا منفعة له فيه أو يريد اللدد والتشغيب عجزه وقطع حجته .
وأجاب أبو الأصبغ بن إدريس ؛ إذا ثبت الحق بموجبه ولم يأت المقوم عليه بشيء يوجب له حقا ، فحق على الحاكم تعجيزه والحكم عليه برد الدار المذكورة .
[
وقد نقل العلماء الإجماع على وجوب ذلك، فلو أشغل الإنسان نفسه بذلك لما وسعه غيره. ثم إذا أحاط به علما طالب نفسه باتباع الواجب منه حتما والإنكفاف عن المحرم منه في الاعتقادات والضمائر والحركات والسكنات، وسائر الأحوال، فيبحث عن عقيدة أهل الحق، فيؤمن بها عن دليل وبرهان، لا تقليدا ليخرج من الخلاف، ثم يجتنب معاطف الضمائر من سوء الظن والحسد والمخادعة، والكبر والرياء والعجب، ويقوم بالفرائض في سائر الجوارح، فيضبط أمر لسانه من الفحش والغيبة والكذب والنميمة، ويقوم بالواجب، عليه من قول الحق، حيث وجب. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حيث ما تعين. ويتفقد جوارحه في كل لحظة، ويأخذها باستعمال ما يجب عليه في كل جارحة، ويتجنب ما يجب تجنبه ويحاسب نفسه كل صباح ومساء على جميع ما صدر منه في جميع الأوقات، ويجدد التوبة، ويطلب الإقالة مهما صدرت منه هفوة وبرزت له، أو كان منه تقصير وغفلة. وإذا أصبح سأل من أين نصه؟ وإذا أمسى سأل من أين فرعه؟ وإذا شغله شاغل عن لحظة في صلاته فرغ سره منه، بالخروج عنه ولو كان يساوي خمسين ألفا كما فعله المتقدمون.
فهذه إشارة إلى هذا الفن الواجب وما أظن المشتغل به حق الشغل يفرغ لغيره. ولقد أتيت يوما الشيخ الصالح أبا العباس بن عاشر(¬1) لزيارته
[121/11] والتبرك، وما رأيت مثله في هذا الشأن فلقد كان فيه عجبا، وحاز منه أعلا الرتب فخرج إلي من منزله وقال لي ما معناه: إني في شغل عن لقاء الناس، وقال لي: لا تظن أن شغلي نافلة، بل إنما أشتغل بالفرض، مع ما اشتهر به انقطاعه عن جيمع العلائق الذي يكثر بسببها الشغب، فكيف بنا لطف الله بنا، فإنا في عطب إن لم يعف الله سبحانه. ولولا رجاء الله ما سكنت نفس، وحاشاك من إشغال النفس بخدع الشيطان، وإهمال الفرائض المتعينة المجمع على وجوبها.