وبالجملة. لابد من التفطن لمدارك الأحكام على اختلاف انواعها, وحينئذ تصح الفتيا. وخرج من هذا الكلام كله جواب قول السائل عن المسألة في سؤاله غنما يقيس المجتهد لا المقلد, وحاصله أن القياس لفظ مشترك بين ما يستخرج به حكم قضية ابتداء على ما اقتضته الأدلة الشرعية من غير نظر إلى قول قائل. وهذا هو المثبت للمجتهد والمنفي عن المقلد, ولم يستعمله في هذه المسألة, وما يستخرج به مثل الحكم الذي نص عليه إمام في واقعة لاستواء الواقعتين في المدرك من غير أن يلتفت إلى ما تقتضيه الأدلة الشرعية من أصل, وهذا لا نسلم انتفاءه عن المقلد, بل لابد منه, واكثر فتاوى المقلدين بقول من قلدوه على هذا النهج, لكن لا ينبغي لهم القدوم على مثل هذا إلا بعد الجهد في نص الإمام في الواقعة. وأما القياس المستعمل في تقييد الحكم للجزئيات الداخلة تحت نصوص الكليات مثل ما سلكنا في الطريق الول على هذه الأقسام إما بالاشتراك اللفظي او بالتشكيك لاجتماعهما في معنى كلي وتفاوت طبقاتهما في معنى ذلك الكلي, إذا عرفت هذا فلا يصح
[106/1] اطلاق نفي القياس على المقلد.
وهو مشروط برؤية الهلال ابتداء وانقضاء , وفي اكثر الأحوال انما تثبت الرؤية
بالشهادة , والشهادة لا تؤدي الا عند الايمه وخلفائهم , وحيث لا امام لا
خليفة فلا شهادة الشهر اذ ذاك مشكوك الأول والاخر في العمل الشرعي .
ومنها حج البيت , والحج وان كان ساقطا عنهم لعدم الاستطاعة لأنها
موكولة اليهم , فالجهاد لاعلاء كلمة الحق ومحو الكفر من قواعد الاعمال
الاسلامية , وهو فرض علي الكفاية وعند مسيس الحاجة , ولا سيما بمواضع
هذه الاقامة المسئول عنها وما يجاورها , ثم هم اما ضرورة مانعة منه علي
الاطلاق كالعازم علي تركه من غير ضرورة , والعازم علي الترك من غير ضرورة
كالتارك قصدا مختارا , واما مقتحمون نقيضه بمعاونة أوليائهم علي المسلمين اما
بالنفوس واما بالاموال فيصيرون حينئذ حربيين مع المشركين , وحسبك بهذه
مناقضة وضلالة .
وقد اتضح بهذا التقرير نقص صلاتهم وصيامهم وزكاتهم وجهادهم
واخلالهم باعلاء كلمه الله وشهادة الحق واهمالهم لاجلاها , وتعطيمها وتنزيهها
عن ازدراء الكفار , وتلاعب الفجار . فكيف يتوقف متشرع أو يشك متورع في
تحريم هذه الاقامة مع استصحابها لمخالفة جميع هذه القواعد الاسلامية
الشريفة الجليلة , مع ما ينضم اليها ويقترن بهذه المساكنة المقهورة مما لا ينفك
عنها غالبا من التنقيص الدنياوي وتحمل الذلة والمهانة , وهو مع ذلك مخالف
لمعهود عزة المسلمين ورفعة أقدارهم وداع الي احتقار الدين , واهتضامه ,
وهو أمور أيضا تصطك منها المسامع .
منها الاذلال والاحتقار والاهانه , وقد قال عليه السلام : "لا ينبغي لمسلم
أن يذل نفسه , وقال : اليد العليا خير من اليد السفلي .
ومنها الازدراء والاستهزاء ولا يتحملهما ذو مروءة فاضلة من غير
ضرورة .
[139/2]
[140/2]
ومنها السب والاذاية في العرض , وربما كانت في البدن والمال .
ولا يخفي ما فيه من جهة السنة والمرؤة .
ومنها الاستغراق في مشاهدة المنكرات , والتعرض لملابسة النجاسات ,
*وسئل الفقيه ابن لؤي عن رجل غاب عن أهله على سبيل التجارة ، ثم أقام في مغيبة مدة من ثلاثة أعوام ، ثم قامت زوجته عليه في غيبته وأخذت بشرطها وطلقت نفسها بعد يمينها وانقضت عدتها ، فتزوجت فأقام الزوج الثاني معها مدة فغاب أيضا عنها ، ثم إنها بعد غيبة الثاني بمكان زوجها الأول ، وكان في غير ذلك البلد الذي كانت هي فيه ، فمشت إليه ولم تعلمه بما صنعت من طلاق نفسها ولا من زوجها الثاني ، فصارت معه على حسب ما كانت عليه أولا ، وهو في ذلك كله لا يعلم حتى ولدت منه أولادا ، ثم غنه أعلم هذا الزوج الأول التي هي الآن معه بما فعلته من طلاقها وتزويجها زوجا غيره ، وأنها في عصمة ذلك الزوج الثاني ، فاعتزل عنها ، فهل يلحق به وفقك الله هؤلاء الأولاد ، وهل عليها حد أم لا ؟ وهل تعذر بالجهل أن ادعته ، بين لنا الواجب في ذلك مشكورا مأجورا والسلام .
[110/3]=فأجاب : الأولاد لاحقون بأبيهم ، وعلى المرأة الأدب الموجع إن كان على ما ذكرت ، إلا أن تكون عالمة فتحد ، والله المخلص قاله ابن لؤي . وهذه المسألة وما تقدم للقابسي وفقهاء فاس من نمط واحد .
[لا يكتفي القاضي بمعرفة خط الشاهدين ، بل لابد من إحضارهما لديه]
*وسئل المازري عمن ولاه القاضي على المناكح فتأتيه المرأة للترويج وتخبره بطلاقها من زوج كان لها بشهادة شاهدين وهو يعرف أنه خطهما ، فهل يكلفها إحضار الشاهدين إليه أو يكتفي برؤية خطهما في شهادتهما والوقوف عليه ومعرفته ، لصعوبة الحضور عليهما ، ولأن العادة لم تجر عندهم بذلك .
والاستغفار مما اجترم من الجناح والإجرام، وليس ما حرم على نفسه من ذلك بحرام، وهذا أمر مجمع عليه؛ لقوله تعالى: ﴿لا تحرموا طيبات ما أحل لكم ولا تعتدوا﴾، فإن صدر هذا في الأنثى وهي مملوكة فكذلك، وإن صدر في الحرة وهي في العصمة فكذلك عند طوائف من العلماء، وطائفة حملته على اطلاق، إذ هو كناية عنه، وهل هو ثلاث أو واحدة بائنة أو واحدة رجعية؟ الخلاف، وإن صدر في حرة وليست في العصمة ولم يتعلق بشرط التزويج سقط كالطلاق، وإن علق بشرط لم يلزم بخلاف الطلاق، والفرق بينهما: أن الشرع ورد بحل العصمة بالطلاق دون الحلال، والحرام ملحق بلطلاق ومقيس عليه، إذ هو بمعناه عند من يراه طلاقا، فيطرد الطلاق في جميع وجوهه لكونه أصلا متفقا عليه، ويقصر بالحرام على العصمة الحاصلة دون غيرها لكونه فرعا مختلفا فيه.
قلت: كلام هذين الفاضلين ظاهر في رد الوجه الثاني من الوجهين اللذين ذكرهما الأستاذ ابو سعيد بن لب في الجواب قبل هذا، وفي رد الوجه الثالث من الوجوه المتقدمة لابن عرفة، ومنه تعلم أن مورد الخلاف بين الناس في تعليق الطلاق على الزوجية لا في تعليق التحريم عليها، إذ لا يلزم من ثبوت الخلاف في تعليق الطلاق على النكاح ثبوته لذلك في تعليق التحريم بغيره من كنايات الطلاق، لما قد علم من التغاير بينهما وبين لوازمها، وأوضح من هذا في ذلك ثبوت الإجماع فيمن قال لزوجته: أنت طالق، على لزومه، واختلاف الأئمة فيمن قال لها: أنت حرم، فلا يثبت الخلاف في تعليق التحريم على الوجه الذي ثبت في تعليقا لطلاق، بل تعليق التحريم بشطر التزويج، فانظره مع كلام هذين الفاضلين.
[ من طلق زوجه ثلاثا وقال فيه: لا تحل له أبدا]
وسئل القاضي أبو سالم سيدي إبراهيم بن محمد اليزناسني عمن طلق زوجه ثلاثا وقال فيه: لا تحل له أبدا، وتزوجت غيره بعده، ودخل بها الثاني دخول اهتداء وإرخاء ستره عليها، ثم طلقها الزوج الثاني، فأراد المطلق الأول
[123/4]
[124/4]
الغلة، وهو اختيار شيوخنا الحذاق لأجل أن الأصل في رد المغتل الغلة أو بقائها في يده قوله صلى الله عليه وسلم «الخراج بالضمان والحر لا تضمن عينه إذا بيع على أنه مملوك ولا ثمنه لأنه لو مات في يد مشتريه لرجع بالثمن على من باعه منه لكونه اشترى ما لا يصح تملكه في الشريعة ولا عقد البيع فيه ولا يضمنه بائعه بقيمته أو بالثمن الذي أخذ فيه فوجب رد الغلة لعدم تصور الضمان في عين هذا الحر وفي ثمنه لو جرح هذا الحر فأخذ بجرحه ارشا لكان هذا الأرش لهذا الحر وكذلك لو وهب له قال فإنه إذا حكم بحريته بقي المال له ولو كانت جارية فوطئها وهي بكر أو ثيب لم يكن عليه في الوطء غرامة»(¬1) عند مالك وابن القاسم وذهب المغيرة القائل برد الغلة إلى أنه يرد عوض الوطء كما يرد الغلة وعوض الوطء عنده ههنا صداق المثل انتهى.
[مسألة فيمن غصب دابة فدبرت فماتت]
وسئل الفقيه أبو الفضل راشد بن أبي راشد الوليدي عن رجل أخذ دابة رجل في الكفاف الذي بين القبائل فحبسها عن ربها مدة شهرين أو أكثر ثم ردها عليه فبقيت الدابة مدة تقارب السنة فماتت فزعم ربها أنها ماتت من دبرة حدثت فيها عند الغاصب، وقال الغاصب إن الدابة كانت على الصفة التي ردتها عليك وأيضا لو لم ترضها لرددتها علي حين بعثتها إليك فسكوتك عني هذه المدة حتى ماتت الدابة دليل على أنك رضيت بها.
[مسألة أخرى فيمن يفتي العامة برجعة
المطلقة ثلاثا في لفظ واحد قبل أن تنكح زوجا آخر]
ومسألة أخرى: ما الجواب في رجل يفتي العامة برجعة المطلقة ثلاثا في كلمة واحدة حتى اشتهر ذلك عنه، وتأتيه العامة من كل وجه ومكان هل تجوز شهادته أم لا؟ وربما أن الناس يقولون يأخذ على ذلك رشوة، وفشا عند العامة من غير معاينة البينة لذلك.
[جواب المسألة الأولي]
فأجاب عن الأولى أن الغاصب لما ردها بحالها فلا شيء عليه، ودعوى
[121/5]
قيل ولما ولي إبراهيم بن أحمد بن الأغلب عيسى بن مسكين قضاء القيروان وأسكنه برقاده كان لا يأخذ من مسكنه إلا قدر كفاية وما يضطر إليه من قضاء الحاجة والاستقاء من البير للطهارة والشرب، وقوته من قريته بالساحل، وهي التي أقبر فيها.
وحكي عنه أنه مرض كاتبه ونائبه في الأحكام، وهو يسكن معه في الدار، فلم يعده وبقي شهرا حتى كلم في ذلك وسأله أبو سعيد حفي سحنون عن منعه من ذلك، فأجابه بعد تراخ بأنه في بلد مغصوب، فلا نريد أن نمشي فيها إلا لما تدعو إليه الضرورة خاصة، فهو سبب منعه من عيادته. وحكي عن أبي سعيد بن هشام أنه كان يمشي في أرض صبرة، فحانت الصلاة فصلى فيها، فقال له بعض من حضره: أليس الصلاة فيها لا تجوز، كالصلاة في الدار المغصوبة؟ فقال: لا، لأن الدار محجرة بخلاف هذه. وكانت أرض صبرة أملاكا للقرويين حتى تزل المنصور، واختط فيها بلد سكناه، المسماة بصبرة، والمنصورة ومنها أهلها. ومحلها اليوم خر. وحكمها حكم الفيء.
[من تاب وبيده مال حرام]
وسئل بعض الفقهاء عمن تاب وبيده مال حرام، لا تعرف أربابه، وليس معه غيره. هل يأخذ منه ما يقتات منه أم لا؟
فأجاب: قال الداودي توبته تزيل ما بيده، إما للمساكين، أو ما فيه صلاح المسلمين، حتى لا يبقى بيده إلا أقل ما تجزي به الصلاة.
[لا يجوز أخذ المرأة ملكا في صداقها من مستغرق الذمة]
وسئل أيضا عن امرأة أخذت من مستغرق الذمة ملكا حلالا في صداقها هل يسوغ لها أم لا؟
[147/6]
فأجاب: بأنه لا يسوغ لها ذلك، لأنه أعطاها ما لم يملك، وهو كالمضروب على يديه.
[اختلف في مبايعة مستغرق الذمة بالقيمة]
124/7] العلم من هو غني من مال أبيه, لكونه في عياله. وتحت إنفاقه أو يناله رفده وليس كذلك من لم يكن على تلك الحال. وربما كان فيهم من خرج من حجر أبيه وملك أمر نفسه وهو ضعيف, أو له شيء يسير وولده غني وهو ساكن معه في عياله ونفقته. ومن السؤال أن الأرض المذكورة بها قرار وجب وأرض عامر تفتقر لمن يعملها. هل يأخذ من غلتها ما يصلح به جميع ذلك ؟ ومن السؤال هل يعطى منها طلبة العلم الغرباء- مع ان رسم التحبيس على ضعفة طلبة العلم بالمدينة المذكورة ؟
فأجاب بأن القرية المذكورة يتبع فيها قصد المحبس الذي يفهم من ألفاظ رسم التحبيس ولا يخالف في شيء منه. بما كان لقشتال فيما ذكر في الرسم فهو لذلك ولا يغير. وما كان لضعفاء الفرسان ممن ذكر فلهم. وما عين للناظر فله. وما كان لضعفاء الطلبة فلهم. ولا فرق في الضعفاء بين من هو ضعيف ولا والد له, أو له والد ضعيف, وبين من له والد غني, لأن غنى الوالد لا يوجب وصفا للولد أنه غني- لاسيما مع بلوغ الولد, فقد خرج على إيجاب النفقة عليه من أبيه, وإن أرفق الوالد ولده فالله يشكره, فقد يجد ما يعطيه الأب لشراء كتاب أو كاغط, وله سهمه في الحبس عن شاء الله. وكذلك سكنى الولد مع الأب لا يحرمه حظه عن شاء الله, والطلبة الساكنون في البلد, المستوطنون وغن لم يكونوا في الأصل من البلد إذا كانوا ضعفاء يعطون إلا أن يكون في الرسم نص على إخراجهم. وأما من غير نص فلا. وأما تصريف فائد الحبس في جب أو قرار فليس ذلك له, وإنما يصلح ما يعود بمصلحة للحبس غالبا, إلا أن يكرى القرار فيعود بمنفعته, فقد يقال بجوازه وهذه المنفعة للحبس لا لغيره.
[لا يأخذ من الحبس إلا من جاد فهمه, ولم ينصب نفسه للشهادة]
فأجاب: إن كانت تلك المسارح التي اقتسموها في داخل قراهم غير خارجة ينفردون بالسرح فيها ولا يصل أحد من غيرهم إلى السرح فيها إلا بالدخول إليها على قراهم، فالقسمة فيما بينهم جائزة نافذة على ما تقرروا عليه من أنها ملك لهم ليس لأحد منهم حجة في نقضها لرضاه بها، وبالله التوفيق.
[من حضر غزوا ولم يسمع له خبر، ثم توفي موروثه الذي له وارث آخر]
وسئل عن رجل حضر غزوة شديدة وشاهدها ولم يسمع له خبر بعدها، وتوفي منذ أيام ابن أخيه بحضرة المرية عن تركة تخلفها، وله عم بالمرية من ساكنيها، فهل يخص بالوراثة كلها؟ أو يعطى حظه الواجب له منها ويعمر المفقود تعميرا يدفع إليه حظه منها، إذ الوارث للمتوفى غيرهما. أوضح لنا الجواب في هذا موفقا إن شاء الله تعالى.
فأجاب: إذا كان الأمر على ما وصفته فيه، فيعطى عمه الحاضر من تركة ابن أخيه المتوفى ويوقف حظ عمه الغائب سنة كاملة يبحث فيها على أمره ويستخبر فيها عن خبره، فإن انقضى العام ولم تعلم له حياة ولا موت رد
[132/8]
[133/8]ما وقف له إلى عمه الحاضر، هذا الذي أقول به في هذا وأتقلده مما قيل فيه وبالله تعالى التوفيق.
[من مات ابنها عنها وعن شقيقة وأخت لأم، وادعت الأم أنها حامل]
فأجاب: تصفحت سؤالك هذا، ووقفت عليه، وإذا لم يعلم ما ذكره الأب من استقرار الذهب بيده لابنتيه بالوجه الذي ذكره فحكم ما أشهد به على نفسه من تصيير الدار لهما بذلك حكم الهبة، فإن كان الأب ساكنا فيها بطلت الهبة لها ومضت النحلة للابنة الكبرى بها، وإن لم يكن ساكنا فيها صحت الهبة وصحت النحلة في جميعها وكان للابنة الصغرى في ماله قيمة نصف الدار الواجب لها بالهبة يوم النحلة، هذا الذي أقول به في هذه المسألة وأتقلده مما قيل فيها.
[من تطوع على غيره بالنفقة فمات]
وسئل عمن تطوع بالنفقة على آخر حياته أو مدة ما ثم توفي المتطوع فقام الآخر بطلب النفقة في تركته وهل إن كان هذا سفيها أو جائز الأمر في طلب النفقة سواء؟ وهل تعرف فيها خلافا في المذهب؟
فأجاب: تصفحت السؤال الواقع فوق هذا ووقف عليه، إذا مات المتطوع بالإنفاق فقد سقط عنه ما بقي من المدة لأنها هبة لم تقبض تسقط بالموت ولا خلاف في هذا أحفظه في المذهب، وسواء كان المتطوع عليه بالإنفاق سفيها أو جائز الأمر وبالله التوفيق.
وأجاب ابن الحاج: تأملت سؤالك هذا، ويبطل ما بقي من النفقة لموت المتطوع، وسواء كان المتطوع لسفيه أو لمن يجوز أمره وبالله التوفيق.
[
قال ابن القوطية : وكان عمر شجاعا مقداما فعالجه هاشم بن عبد العزيز أثير الأمير محمد وقائده لأول ظهوره وخرج إليه بالجيش وحاصره ولطف به حتى استنزله وأصحابه فصيره في جملة الحشم بقرطبة ، وغزا معه الثغر في ذلك العام ولقوا العدو فأبلى عمر في حربه بلاء جميلا شهر به مكانه ، وقفل معه فأقام بقرطبة مدة ، وكان على المدينة محمد بن وليد بن غانم وكان مشاحنا لها ثم متحاملا على صنعائه ، فأعان عمر بن حفصون لمكان منه وقصد به ونقله من نزالة إلى أخرى وأساء معاملته وأمر الهوادين ( كذا ) ألا يعطوه في نفقته إلا من شر ما عندهم من مسوس الأطعمة ، فذكر عن عمر أنه [112/10] قال أخذت من خبز ذلك الطعام الذي أعطيته كسرة وأتيت بها إلى ابن غانم فقلت يرحمكم الله ! يمكن أن يعاش من هذا الخبز أم تبقى معه صحة ؟! فقال ومن أنت يا شيطان فأنت أهل لأشر ، فانصرفت عنه ولقيت هاشما سائرا إلى القصر فدنوت منه وعرفته بما جرى لي مع ابن غانم ، فقال لي : جهلك القوم فعرفهم بنفسك ، فوقرت في أذني وأتيت أصحابي فقصصت عليهم القصة وأشعرتهم بخروجي من تحت أملي ، وشمرت ونفذت لطلبتي ، وجئت عمي مظاهرا فأعلمته بما جرى علي ، فضرب رأيي وبدر وجمع لي أصحابي فصعدت بهم إلى الجبل لوقتي . وكان هاشم قد أقام فيه التجيبي العريق عند خروجي إليه ، فاتخذ بها دارا نزلها وحل عن نفسه مطرقة بداهية بغتته لم يقاربها ، ففر قدامي فملكت الجبل وما وجدته فيه له . قال وثبت أمر عمر ابن حفصون في هذه الكرة الأخيرة واستغلظ شأنه وكثرت جموعه وانتظمت فتوحه حتى تملك ما بين الجزيرة وتدمير ، وعجز السلطان عن مرامه فاستقرت حاله في اعتزازه إلى أن هلك .
116/11] وإن العمل به كذلك مخالفة لمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وذلك أن قراءة القرآن عبادة، إذا قرأه الإنسان على الوجه الذي كان الأولون يقرؤون، فإذا قرأ على غيره كان قد غيرها على وجهها، فلم يكن القارئ متعبدا لله بما شرع له، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد". معناه مردود على صاحبه غير مقبول منه. ونقل عن حذيفة، رضي الله عنه، أنه قال كل عبادة لم يتعبد بها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تتعبدوها، فإن الأول لم يدع للآخر مقالا، فاتقوا الله يا معشر القراء، وخذوا بطريق من قبلكم وقال الزبير بن بكار: سمعت مالك بن أنس وأتاه رجل فقال يا أبا عبد الله: من أين أحرم؟ قال: من ذي الحليفة، من حيث أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: لا تفعل، قال: إني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر يعني مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: لا تفعل فإني أخشى عليكم الفتنة. قال: وأي فتنة في هذا؟ إنما هي أميال أزيدها، قال: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم. إني سمعت الله يقول: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ الآية. فهكذا يقال لمن التزم قراءة الحزب دائما في تلك القراءة على ذلك الوجه، أفعلها رسول الله، صلى الله عليه وسلم؟ فلا بد له أن يقول لم يفعلها فيقال: فلا تفعل ما لم يفعله خير الخلق، لأنه يخشى عليك الفتنة في الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة، لأنك تزعم أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال مالك بن أنس: لا يجتمع القوم يقرؤون في سورة واحدة كما يفعل أهل الاسكندرية، هذا مكروه، ولا يعجبني. وقال أيضا: ما لم يكن من العمل القاري يعني من عمل السلف الصالح والصحابة ومن تبعهم بإحسان.