فأجاب: نعم يحل أكله هو في بدنه وما تناسل منه, وإن كبر من ذلك اللبن فأكله حلال. قيل له أرأيت عن كبر بلبن امرأة, أيحل لها أكله ولولدها؟ فقال: نعم ذلك حلال لها ولولدها ولغيرهم من جميع الناس.
[غسل الثوب بالنجاسة]
وسئل ابن لبابة عن الثياب التي تغسل بالبول وخرو الكلاب.
فأجاب : قال ابن القاسم إذا طهرت بعد ذلك فلا بأس بذلك.
[الصلاة بالحذاء]
وسئل عن الرجل هل يصلي بحذائه أم لا؟
فأجاب: نعم يصلي ولا بأس به, إلا أن يعلم أن بها نجاسة, أو أن تكون من جلد الميتة.
وسئل عن الرجل يصلي بالهراكس(¬1).
[13/1] فأجاب: إذا أدخل رجليه فيهما على وضوء صلى بالهراكس, إلا أن تكون من ميتة. والمسح على الهراكس جائز كما في الخفين, والصلاة بالأخفاف جائزة إذا لم يكن بها نجس. والمسح على الهراكس بالسيقان والامنغات إذا كان طويلا تحت قدمه حتى يكسو قدمه من اوله إلى آخره. والسيقان إذا كانت مخرورة.
[المسح على البلغة قياسا على الخف]
=فأجاب: لما تقرر من قولهم المشروعات المطلوب فعلها إما أن تكون صور أفعالها كافية في المصلحة المطلوبة منها أو لا، فإن كان الفرد الأول كرد الديون والغصوب والودائع فلا يحتاج فيه إلى نية، وإن كان الثاني وهو أن لا تكون صورته كافية في تحصيل مصلحته المطلوبة من إيقاعه فلا بد فيه من النية، وذلك يتناول الأمور التعبدية كلها، فإنها شرعت لتعظيم الرب تعالى وإجلاله، والإجلال إنما يحصل بالقصد، وحيث تعرض هذه القاعدة على فعل ذكاة الحيوان المباح أكله بها تجده من المهيع الثاني، فإن الله سبحانه لما تفضل على هذا النوع البشري ومن عليه منة لا يقوم له فيها بشكر، ومن أعظمها أن خصه بالعقل الذي هو أشرف مخلوق، وفضله على كثير ممن خلق تفضيلا أباح له إتلاف كثير من الحيوان فيما يقوم بتغذية روحه الحيواني فلا يستبيح قطعه من لحم الحيوان المباح إلا مع القصد لاستباحته بما لا يستباح إلا به، ولولا أن في تلك الصورة الخاصة وضعا شرعيا يتعبد به ونقف عنده مع إرادة الامتثال فيه لكان الإتلاف بإنفاذ مقتل من المقاتل كافيا في تحصيل الغرض من تناول اللحم كما هو الأمر عند بعض النصارى والصابئين والمجوس، وإزهاق النفس بسرعة واستخراج الفضلات قدر مشترك في سائر المقاتل، بل العقر بالحديد في وسط القلب أوجز في إزهاق النفس من الذكاة، فالورود على فعل الذكاة من غير نية لا تحصل به إباحة لفقد المبيح، وإنما يصير كفعل غيره من عقر المقاتل، كمن توضأ للتبرد فقصاراه حصول النظافة لا غير، لا يستبيح بذلك أداء المكتوبة ولا النافلة، فإذا تقرر أن الذكاة محض عبادة ومن ثم قالوا: بلزوم النية فيها إجماعا، فاستشكال ما يرد على ذلك من قولهم التعبد لا يفتقر إلى نية إلا إذا فعله الإنسان في نفسه أما في غيره فلا، كغسل الإناء من ولوغ الكلب، وغسل الميت، ينفصل عنه بتقييد ذلك في المثال الذي ذكرتم بكون الفعل في الغير مما لا تعلق له بتعبد
قلت : لا نسلم أن قوله : ترجع بكذا يدل على صحة النكاح ، لاحتمال فواته بالدخول على ما رجع إليه مالك من أن نكاح الخيار لا يفسخ بعد البناء ، وهو مما فسد لعقده ، فيكون فيه المسمى الذي خيرت فيه ، فترجع إلى قيمة نصف كل منهما ؛ لأن ضمانهما كان من البائع ، سلمنا أن قوله ذلك يدل على الصحة ، لكن الخيار لم يقع في النكاح ، وإنما وقع في الصداق ، وقد علمت أنه ليس من لوازم عقد النكاح تسمية الصداق حتى يستلزم التخيير فيه التخيير في النكاح ، فلعل النكاح كان نكاح تفويض ، ثم حين أراد تعيين الصداق أعطاها العبدين على أنها بالخيار والاختيار في أحدهما فضاعا في أيام الخيار .
لا يقال : هذا لا يجوز لأنه من فسخ الدين في الدين ، لقوله في كتاب بيوع الآجال من المدونة : "ومن لك عليه دين حال أو إلى أجل فلا تكتر منه به داره سنة" ، إلى أن قال : "ولا تبتع له منه سلع" بخيار المسألة .
لأنا نقول : إن ذلك في الدين المترتب في الذمة ، ونكاح التفويض قبل الدخول لم يترتب فيه دين بعد على ما لا يخفى ، سلمنا أن مثل هذا الخيار في الصداق يستلزم الخيار في النكاح ، لكن لا نسلم أن كل خيار في النكاح يوجب فساده ، بل إنما يفسده إذا كان على خيار يوم أو يومين كما ذكره في المدونة ، وأما على خيار المجلس أو ما قرب منذ لك فلا يفسده كما ذكره اللخمي وغيره ، فيحتمل أن تكون هذه الصورة من الخيار الجائز وإن كان بعيدا والله أعلم .
[15/3][جواز نكاح الأمة التي يعتق ولدها على مالكها]
*وسئل رحمه الله عن إطباق جماعة من الأشياخ على جواز نكاح الأمة التي يعتق ولدها على مالكها كأمة الأبوين ؛ لأن العلة المانعة من النكاح خوف رق الولد ، فقد يقال هو مشكل لاحتمال خروجها عن مالكها ببيع أو هبة أو موت ، وهذا الاحتمال ليس بالنادر فيلغى ، فتأمله! انتهى .
فأجاب: الواجب في ذلك أن يحلف الزوج يمينا بالله انه ما قصد بما فعل ايقاع الطلاق على زوجة فلانة، ولا اعتقد أنها طالق منه بذلك. فهذا الذي وقع من الحكم في الرواية فيمن فعل فعلا يقتضي الطلاق وزعم أنه لم يقصده.
[ إذا أسقطت الزوجة في الخلع عن زوجها كل مطلب لها عليه، فهل يشمل الصداق وغيره؟ ]
وسئل سيدي أبو عبد الله محمد بن مرزوق عن مضمن عقد نصه: الحمد الله حضر شهوده موطنا خالع فيه فلان زوجته فلانة بعد أن افتدت منه بجميع صداقها نقده وكاليه وأسقطت عنه كل مطلب كان لها قبله عدا مؤنة ولد ذكر إلى ثلاث سنين.
ونص السؤال المركب عليه: جوابكم فيما تضمنه الرسم المكتوب هذا على ظهره: هل يتضمن كل ما في ذمة الزوج سواء كان صداقا أو مالا مما في ذمته من غير صداقها، لأن في ذمته مالا لها من زوج آخر؟ أو لا تفتدي منه إلا بصداقها منه ويبقي مالها من الزوج الأول عليه؟ وانظر في قول الشاهد وأسقطت عنه كل مطلب كائن ما كان.
فأجاب: في الوثيقة قصور لقوله خالعها بعد أن افتدت منه، وفي السؤال قصور لقوله على ظهره ولكن قول الموثق إن الزوجة افتدت من زوجها بجميع صداقها كله نقده وكاليه وأسقطت كل مطلب كان لها قبله عدا المؤنة يسأل شهود الوثيقة، فإن قالوا صرحت بما عدا الصداق أو فهموا ذلك عنها حقيقا قبلوا ان كانوا أهلا لذلك. وإن تعذر سؤالهم سئلت
[14/4]
[15/4]
المرأة فإن قالت ما أردت إلا الصداق، حلفت على ذلك وثبت لها في ذمته ما عداه.
وقد اختلف فقهاء العصر في نظيرتها ببجاية هل تحمل على العموم أم لا؟ وفي عينها بمصر. وما كتبت لك هو الذي أرتضيه لأنهم نصوا على مثله في الوكالات ورأوا أن هذا العموم لا يتعدى السبب الوارد عليه، وهو الحق إن شاء الله تعالى، لأنه هو المحقق وغيره محتمل، فلا يعارض أصل الاستصحاب المحقق، وإن الذمم العامرة لا تبرأ إلا بيقين انتهى.
وسئل ابن سراج عن هذه المسائل الثلاث:
الأولى هل يجوز رد القيراط على الدرهم الصغير إذا وزن الدرهم ولم يوزن القيراط إذ جل الموازين ليس فيها ميزان القيراط؟
والثانية: إن بعض فقهاء الوقت يفتي بمنع صرف الدرهم الكبير بدرهمين صغيرين أو درهم صغير بقيراطين ويفتي بمنع رد درهم صغير على درهم كبير أو قيراط على درهم صغير بالميزان المعروف بالقلسطون، ويعلل بأن التساوي بعد الوزن بالقلسطون غير حاصل، إذ بعض الدراهم أوزن من بعض.
[15/5]
فالمسرع فيه في الهبوط أثقل من البطيء، قال فيجب على الإنسان أن يعمل شاهنا ويزن فيه بالصنجة.
الثالثة: الرجل يعطيه الناس من زكاة أموالهم ليفرقها على الفقراء والمساكين فيجئ منهم من يحتاج إلى كسوة أو طعام، أو يرى هو أن المسكين محتاج، فهل يجوز أن يشتري هو ذلك بنفسه للمسكين ويدفعها له أو لا يجوز ذلك؟ بل يفرق الدراهم عليهم، وكذلك إذا رأى أن يتيمة ضعيفة تتزوج هل يدفع لها من الزكاة برسم شورة لدخولها بزوجها؟
فأجاب: أما المسألة الأولى فهي جائزة للضرورة، لأن الأصل في المسألة المنع، وإن كان بالميزان، لأنه فضة بفضة وسلعة، وأصل المذهب المنع في ذلك، وقد كان مالك يمنع الرد مطلقا، ثم قال: كنا نمنعه ويخالفنا فيه أهل العراق، ثم أجزناه للضرورة، ولأن الناس لا يقصدون به صرفا، فتعليل مالك بهذا يقتضي جواز ما ذكر في الرد إذا غلب على ظنه وزن القيراط، لكونه لا يظهر فيه أثر كسر ونحو ذلك.
وأما الثانية فإنها جائزة، ومنعها غلو وتنطع، وقد قال تعالى: ﴿لا تغلوا في دينكم﴾ (¬1) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: « هلك المتنطعون » (¬2).
هذا في الرد بالقلسطون، وأما مبادلة الكبير بالصغيرين على القول بجوازه فالذي يترجح جوازه.
وقال بعضهم: حكمه حكم الصحيح حتى يصيبه ذلك المرض. ولعل من قال برجوع المائة والخمسين من الثلث بناء على أن حكم المعترف يومئذ حكم المريض المحجور عليه، لا سيما وقد وقع في كلام المتقدمين من أئمتنا ما يستروح منه ثبوت الخلاف في ذلك، وهو اختلافهم في إقرار المقر عند خروجه لحج أو غزو أو سفر، هل حكمه حكم إقرار الصحيح أو حكم إقرار المريض؟ فقال مالك وابن القاسم وابن وهب مرة: إنه كإقرار المريض. وقالوا أيضا إنه كإقرار الصحيح. وصوبه أصبغ وإليه رجع ابن وهب.
قلت: إنما يحسن تمسك الخصم بقول من مسألة الخلاف إذا أخذه حجه للعمل فقط، وأما إذا أضاف إلى ذلك تخطئة خصمه فلا، لأن مسألة
[15/6]
الخلاف لا تقوم بها حجة، على أن ما ادعاه الخصم من خروج المائة والخمسين من الثلث، ولو بنينا على أن الإقرار بها في مسألتنا حكمه حكم الإقرار في المرض، لأنه يتعين حينئذ القول ببطلان ذلك رأسا، فما دلت عليه قرائن الأحوال من حصول التهمة وقوتها في جانب المقر بسبب انسحاب حكم المرض عليه مع ما انضاف إلى ذلك من عداوة أخيه، وكون المقر إليه في حكم الصديق الملاطف، حسبما يتبين بعد.
[التهمة معتبرة في إقرار المريض]
وقد نص أئمتنا رضي الله عنهم على أن أصل قول مالك الذي يعتمد عليه في باب إقرار المريض اعتبار التهمة، وأن العادة متى شهدت بالتهمة في الإقرار تبطل، ومتى شهدت بارتفاعها اعتبر، ومتى اضطربت العادة وأشكل أمرها، جاء الخلاف فمن أمضى الإقرار اعتبر ارتفاع التهمة، ومن ردها اعتمد حصولها واعتقادها. والبناء على هذا الأصل يحقق لك ما قلناه.
قال أراه جائزا وله أن يبيعه فيه ما شاء الساعة, وحصل فيه ابن رشد رحمه الله- في رسم إن خرجت من سماع عيسى- خمسة أقوال, وتكررت أيضا في سماع سحنون فقال: ما في أصل المسألة من الاختلاف, فأريد من كمال أخي أعزه الله تعالى ما يظهر له من امضاء البيع أو فسخه, والله سبحانه يديم عزته ورفعته, والسلام الكريم يخصه به معظم قدره, وملتزم الاخلاص في حبه محمد بن علي بن محمد ابن أبي رمانة لطف الله به.
فأجاب: رحمه الله بما نصه: الحمد لله امتع الله بكم, وأعانكم على ما اولاكم, الجواب أن من تصدق على أحد بصدقة على أن لا يبيع ولا يهب إذا خرج من الولاية, أو وهب لمن لا ولاية عليه إلى مدة, أو إلى غير مدة, قد حكى ابن رشد في رسم إن خرجت ما ذكرتم ووقفتم عليه, واختار هو قول من قال: إن الهبة والصدقة جائزة, لكن إن مات المتصدق عليه ورثت عنه, وزال الشرط وكذلك اختار غيره من الأشياخ هذا القول, وهو المنصوص في الواضحة, واحتج له مطرف وأطال الاحتجاج, والمسألة مختلف فيها كما رأيت, فاستخر الله وأمض الحكم على القول الذي اختاره الأشياخ هنالك والله ولي التوفيق بفضله, والسلام الأتم يخصكم من محبكم المثني على كرم خلالكم موسى بن محمد بن معطي لطف الله تعالى به.
[جواز إبدال المراحض المستغنى عنها بحوانيت ينتفع بخراجها]
وسئل: أبو عمران سيدي موسى العبدوسي رحمه الله عن ميضات بنيت حول المسجد الجامع, ولم يزل الإهمال يكثر فيها حتى ترك الوضوء به لضيقه وكثرة ظلمته, وصار جملة الناس يتغوطون فيه فينجس بذلك الماء الجاري فيه لباب الحفاة في غالب الأمر وتتطرق النجاسة إلى مسجد الجامع بسبب ذلك, وتؤذي رائحته من يجلس في صحنه ليصلي فيه يوم الجمعة,
[
وأجاب الفقيه العالم العلم الشهير المفتي الخطيب البليغ أبوالقاسم التازغدري رحمه الله بما نصه، ومن خطه نقلت: الحمد لله، الجواب والله الموفق بمنه، أن أهل أرجان مبدؤون على أهل مزدغة في سقي زروعهم وجناتهم، ولا يكون لأهل مزدغة إلا ما فضل عن ذلك، إذ الأمر لا يخلو من وجهين، أنا أن يكون الماء ممتلكا لأهل أرجان، أو غير ممتلك لهم. فإن كان متملكا لهم فلا إشكال أنهم أحق به للسقي وطحن الأرحى. ولهم أن يقطعوا عن أهل مزدغة ما فضل عنهم ويصرفوه حيث شاءوا، إلا أن يثبت أن أهل أرجان أعطوا أهل مزدغة ذلك الفضل عطية صريحة فليس لهم قطعه عنهم وإن احتاجوا إليه. وأما إن كان بعارية لمدة انقضت أو لغير مدة ومضى ما يرى أنهم أعاروه إلى مثله، أو كانوا غرسوا بعلم أهل أرجان وسكوتهم، أو بغير علمهم، فلهم أخذ ذلك الفضل إن احتاجوا إليه. وإن لم يحتاجوا إليه ففيه تفصيل، لا نطول بذكره. وأما إن كان الماء غير ممتلك لأهل أرجان إلا أنه دخل أرضهم قبل وصوله لأهل مزدغة فأهل أرجان أولى
[15/8]
[16/8]به من أهل مزدغة لكونهم الأعلين، ولا يكون لأهل مزدغة إلا ما فضل عنهم على ما جاء النبي في مهزور ومذينيب إلا أن يثبت أن أهل مزدغة غرسوا قبل أهل أرجان فيكون الغرس الأسفل الأول أولى من الأعلى الذي غرس بعده عند ابن القاسم خلافا لأصبغ في الواضحة.
[تقديم المتقدم على المتأخر في السقي دون الطحن]
وإنما يقدم المتقدم على المتأخر في السقي خاصة: وأما إن احتيج إلى الماء للسقي وطحن الأرحى، فالسقي أولى من الطحن كان الأسفل أو الأعلى أيهما تقدم أو تأخر. قاله ابن رشد في نوازله.
16/9] يد هذا. فكانت الشهادة لمتقدم الملك أعمل إلا أن يبطلها حوزا وتنقل ملكا وكذلك الشهادة بهذه الطريق شهدوا أنهم يعلمونها أولا في حوز جماعة المسلمين قبل أن يتعدى عليها مقتطعها فلا يحتاجون إلى أكثر، وطول حوز هوائها باقتطاعه بعد معرفتهم غير ضائر، إذ لا يحاز على الطرق. والمسألة التي شرط فيها في كتبنا طول أمد المعرفة قامت هناك للمطلوب بينة أنها طريق محدثة بلا حق حسبما وقع في الرواية، فهنا الشهادة للمالك الأقدم وهو ملك المدعى عليه لإثبات شهوده ملكه قبل إحداثها فكانت أعمل إلا أن يأتي من طول المدة ما يحاز به عليه الطريق ضد مسألتنا، فجاوب بما تراه مأجورا إن شاء الله تعالى.
فأجاب بما نصه: تصفحت أعزك الله بطاعته وأمدك بمعونته سؤالك هذا والعقد المستنسخ فوقه ووقفت على ذلك كله، والعقد صحيح لا يقدح فيه ولا يوهنه خلوه من معرفة الشهود ما تضمنه منذ عقلوا، إذ ليس ذلك بشرط في صحة شهادة الشاهد في هذه المسألة للمعاني التي ذكرتها أو لا سوى ذلك، فالحكم به واجب والقضاء بصرف الطريق على ما كانت عليه وهدم ما أحدث من البناء فيها الذي قطع المرور عليها لازم، فأنفذه من حكمك وأمضه من قضائك هذا إن شاء الله تعالى والسلام عليكم.
[مسألة فيمن أدخل شيئا من الطريق في جنته وغرسه واغتله]
وسئل، رحمه الله، عن رجل أدخل طريقا من طرق المسلمين في جنته وحازها وغرسها وقطع المرور فيها واغتلها مدة، ثم بعد ذلك قامت فيها البينة وحيزت ولزم إخراجها للمسلمين، ماذا يلزمه في ذلك؟ وما ترى فيما اغتل مما غرسه فيها وفي شهادته؟ وأين من قطع الطريق بالكلية ممن أخذ بعضها وفي علمك ما ورد في هذا. أفتنا بما عندك في ذلك وعن ترك الشهود للقيام به إلى الآن ما رأيك في ذلك واختيارك من الأقوال؟ لاسيما إن كان فاعل ذلك ممن يخاف أو الشهود ممن لا يعلم أن القيام يلزمهم، جاوبني عليه مأجورا إن شاء الله عز وجل.
[
وأما الخامسة فهي من قاض عزل وصيا عن يتيم من تقديم قاض غيره وولى وصيا آخر ، فطلب الوصي المعزول أن يبين له القاضي لم عزله ويعذر إليه فيما يشهد به عليه ، هل يلزمه ذلك ؟ إذ لا خلاف أن الأولى لمن قلده سلطان وقاض ولاية أو أمانة أن لا يصرفه إلا لعقد(¬1) ووجه بين ، ولا يتركها هو إلا لذلك . ورأيت بعضهم ذكر هذا ثم قال : ولكنه إن صرف موليه وعزل هو نفسه عنها مضى ، وشبهه بالوكيل والموكل في هذا الأصل . بين لنا ما يجب عندك أكرمك الله ووفقك ، فإن المولى والمستناب في أمر إنما هو وكيل لمقدمه عليه ونائب منابه ، وهل يستوي في هذا ما كان من تقديم هذا نفسه أم من تقديم من قبله ؟ وهل تستوي في ذلك ولاية الخصوص والعموم ؟ متفضلا مأجورا إن شاء الله .
فأجاب : من حق الوصي إذا عزله غير الذي قدمه أن يبين له القاضي الذي عزله الوجه الذي من أجله عزله وأن يعذر إليه فيمن شهد عليه بالمعنى الذي أوجب عزله ، إذ ليس له أن يعزله إلا بأمر يثبت عليه عنده . وأما إذا عزله الذي ولاه ، فإن كان عزله لأمر رآه باجتهاده فليس عليه أن يعلمه به ، وإن كان عزله لجرحة ثبتت عنده عليه فمن حقه أن يعذر في ذلك إليه . وأما عزل القاضي الوصي نفسه عن النظر لليتيم الذي التزم النظر إليه ، فليي ذلك له إلا من عذر ، لأنه حق لليتيم قد أوجبه له على نفسه ، وذلك بخلاف الموكل والوكيل للاختلاف في أن للموكل أن يعزل الوكيل متى شاء ، وأن للوكيل أن يتخلى عن الوكالة متى شاء أيضا ، إلا في الوكالة على الخصام فليس للوكيل
[15/10] أن يتخلى عن الوكالة بعد أن أنشب الخصام ، ولا لموكله أن يعزله عنها قبل تمام الخصام . ولا فرق في هذا بين الوكيل المفوض إليه والوكيل على شيء بعينه من خصام أو غيره وبالله التوفيق .
[إذا ظهر عدوان القاضي وثبت أنه كان فقيرا يوم توليته أخذ كل ماله]
فأجاب: الصحابة رضي الله عنهم أفضل الأمة حسبما يدل علىه: خير القرون قرني. وغيره من الأخبار المأثورة عن رسول الله صلي الله عليه وسلم: ((إن الله اختار لي أصحابي على العالمين سوى النبيين والمرسلين" وعلى هذا القول أهل العلم(¬1)، وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "أي الناس أشد إيمانا وأعظم" الخ الخبر المحكي فليس فيه ما يدل على خلاف ما تقدم بل هو يوافقه. ألا ترى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قالوا له: "الملائكة إشد إيمانا ولم لا. وهم يشاهدون الأمر" وكذلك قال في النبيئين صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم فلم ينف عنهم أشدية الإيمان بل وافق عليها ولكنه صلى الله عليه وسلم أشار في كلامه إلى أن الذين أتوا من بعده لم تحصل لهم أدلة الإيمان كحصولها لمن كان في زمانه لأن أولئك بعين اليقين ومن بعد النبوءة بعلم اليقين وما يكون بطريق العلم النظري يحتاج الناظر فيه إلى الفحص عن الأمور والبحث عنها وقد لا يمكن له الدليل بغاية الوضوح، بل يلوح له تارة ويغفل عنه أخرى فنبينا صلى الله عليه وسلم يقول: ثبوت هؤلاء على الإيمان وتمسكهم به مع كونهم لم يحصلوا على عين اليقين
[15/11] كمن في زمنه صلى الله عليه وسلم يستحقون به الوصف بالشدة في إيمانهم وقوله عليه السلام: "للعامل منهم أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم" لا ينفي فضل الصحابة وأفضليتهم، لأن المعنى في الخبر يقضي أن المراد للعامل منهم إن عمل، وهم لا يعملون مثل عمل الصحابة أبدا، فأنى يجد أحد من الآخرين سبيلا إلى حماية سيد البشر ووقايته بنفسه، وبذل المال في الدفع وفي استيلاف الناس له. كل ذلك لا سبيل إلى الوصول إليه مع تعذر الوصول إلى مد أحدهم أو نصيفه كما قال الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم ومع هذا لا إشكال والله الموفق للصواب.
[
قلت : قال الشيخ أبو إسحاق : هذا خطأ كله وجهل بما وضعت له الشريعة ، فإن عامة الأقوال الجارية في مسائل الفقه إنما تدور بين النفي والإثبات ، والهوى لا يعدوهما . فإذا عرض العامي نازلته على المفتي فهو قائل له أخرجني من هواي واحملني على اتباع الحق ، فلا يمكن والحال هذه أن يقول مله في مسألتك قولان فاختر لشهوتك أيهما شئت ، فإن معنى هذا تحكيم الهوى دون الشرع ، ولا ينجيه من هذا أن يقول ما فعلت إلا بقول عالم لأنه حيلة من جملة الحيل التي نصبتها النفس وقاية عن القيل والقال ، وشبكة لنيل الأغراض الدنيوية ، وتسليط للمفتي العامي على تحكيم الهوى بعد أن طلب منه إخراجه عن هواه ، ورمي في عماية وجهل بالشريعة وغش في النصيحة . انتهى . وقال أبو عمرو ابن الصلاح : وقد قال مالك رحمه الله في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم أجمعين : منهم مخطئ ومصيب ، فعليك بالاجتهاد ، وقال ليس كل ما قال ناس فيه توسعة .
قال ابن الصلاح : لا توسعة فيه بمعنى أنه يتخير بين أقوالهم من غير توقف على ظهور الراجح ، وفيه توسعة بمعنى أن اختلافهم يدل على أن للاجتهاد مجالا فيما بين أقوالهم وأن ذلك مما ليس يقطع به بقول متعين لا مجال للاجتهاد في خلافه .
وفي تبصرة الحكام : يلزم القاضي المقلد إذا وجد المشهور أن لا يخرج عنه ، فإن لم يقف على المشهور من الروايتين أو القولين فليس له التشهي والحكم بما شاء منهما من غير نظر في الترجيح .
[14/12]
[15/12]
فإن قلت : ظاهر قوله يلزم القاضي المقلد إذا وجد المشهور أن لا يخرج عنه ، سواء كان أهلا للنظر في طرق الترجيح وله قوة على إدراك مداركها أم لا ، وأنت قد جعلت مورد الحكم في المقلد الجاهل لطرق الترجيح الغير المدرك لمدارك الراجح من المرجوح .