وأجاب سيدي محمد بن بلقاسم المشدالي: جوابه أن معنى قوله أيقن بالطهارة, أي علم أنه اوقعها كاملة على وجه يرفع الحدث شرعا, ثم شكه بعد ذلك في الحدث لا يرفع الايقان السابق, وهذا المعنى لا ينافي القاعدة العقلية التي أشار إليها, لكن شكه في الحدث يوجب الشك في بقاء ارتفاع الحدث عنه بالطهارة التي تيقن صدورها منه. وهذا هو مقتضى القاعد العقلية التي لا يصح انخرامها بحكم الشرع, بتغليب جانب الطهارة اعتبارا لاستصحاب أثر المبدأ المتيقن وقوعه. وهذا الاعتبار لا يرفع معقول القاعدة المشار إليها ففرض المسألة صحيح لا نظر فيه ولا اشكال, وبالله التوفيق.
[شواء الرأس قبل غسله]
وسئل سيدي محمد بن مرزوق عن مذبح الشاة لا يغسل ويشوى الرأس بدمه دون غسل, هل هو نجس ويحرم أم لا ؟
فأجاب: أما الرأس الذي شوي ولم يغسل فيغسل بعد الشي ويؤكل, ويضعف أجزاء الخلاف فيه من الخلاف في طهارة الفخار وشبهه من نجس غواص كالخمر وشبهه وتحجر الخمر, والطهرة في الرأس أقوى لوجوه يطول ذكرها. وأكل ما اختلط به يجري على هذا, وأكله أظهر وأقوى. وفتوى ابن رشد في القملة تقرب من هذا.
[وقوع الخنفساء في الطعام]
وسئل ابن لبابة عن الخنفساء تقع في الطعام.
فأجاب: لا بأس بأكله, فقيل له: فالعقرب ؟ قال: ليس العقرب كالخنفساء, العقرب أشد نتنا.
[من نظر النجاسة في ثوب الإمام]
وسئل عن الذي ينظر إلى النجاسة في ثوب الإمام.
[12/1] فأجاب: أن يعرضها عليه, وإلا فليكلمه ويقطع صلاته. وإن نظر إلى نجاسة في غير ثوب الإمام فلا يكلمه ولا يسبح به, وليقبل على شانه. وكذلك في الخطبة.
[وقوع الفأرة في الرحا]
وسئل ابن صالح عن فأرة وقعت في عين رحا الماء فطحنها؛ أيجوز أكل ذلك الدقيق؟
فأجاب: إن كان كثيرا فلؤكل, وغن كان قليلا فلا يؤكل.
[الخروف يغذى بلبن بهيمة لا تؤكل]
وسئل عن الخروف يغذى بلبن بهيمة لا يؤكل لخمها, مثل الحمارة والكلبة والخننزيرة ونحوها, أيحل أكله؟
*وسئل شيخنا الحاج القاضي العلامة أبو عبد الله محمد بن أحمد بن قاسم بن سعيد العقباني، عن قولهم: الإجماع على وجوب النية فيما تمحض للعبادة، وعلى نفي الوجوب فيما هو معقول المعنى، واختلف فيما فيه شائبتان، وقد نصوا على أن الذكاة تفتقر للنية بإجماع مع قولهم: هل شرعت لإزهاق النفس بسرعة، أو لاستخراج الفضلات النجسة؟ وهذا يقتضي أنها معقولة المعنى، فكيف يحسن الإجماع على وجوبها؟ وكذلك إن قلتم فيها شائبتان، وهذا يتنافى مع القاعدة المذكورة، وإجماعهم على وجوبها في الذكاة يقتضي إنها محض عبادة طردا للقاعدة، وبعد تسليم كونها محض عبادة يشكل أيضا مع قولهم التعبد لا يفتقر إلى نية إلا إذا فعله الإنسان في نفسه، وأما إذا فعله في غيره كغسل الإناء من ولوغ الكلب وغسل الميت فلا يفتقر إلى نية، والذكاة إنما هي فعل في الغير.
[15/2]
[16/2]
وأما قوله : ولو كان المبتاع الخ ، فأظن أن قول ابن القاسم فيه : وإن ضاع أحدهما ضمن ، هو الذي أشرتم إليه أنه من مخالف الكلام الذي نقل عن عبد الحق ، إلا أنهما اختلفا في مراد ابن القاسم ، منها : هل أراد أنها على خيار واختيار في أحد الثوبين أو على الإلزام ، فإن كان معناه على الإلزام ، فالضمان على إطلاقه قامت بينة أولا ، وهو الذي قال عبد الحق في الخيار من النكت ، وحينئذ ، لا معارضة بينه وبين الكلام المذكور ، لأنا حملناه على الخيار في أحدهما ، وإن كان معنى كلام ابن القاسم أنه على خيار في أحدهما ، فالضمان إنما هو إذا لم تقم بينة على هلاكه بغير سببه -على ما ذهب إليه جماعة ، واللخمي يظهر من كلامه أن في الضمان في هذه الصورة خلافا ، وأن الضمان هو قول ابن القاسم ، وعلى فهمه تأتي المعارضة التي ظهرت لكم .
وقال الشيخ أبو الحسن في تقييده : اختلف الشيوخ في هذه المسألة ، فذهب أبو إسحاق ، واللخمي ، وابن يونس ، وسحنون ، إلى أنها مسألة خيار واختيار ، واحتجوا بقول سحنون في مسالة الدنانير : معناه أن تلف الدنانير لا يعرف إلا واللاتي وذهب أبو عمران ، وابن رشد ، وعياض ، إلى أنها مسالة اختيار مجرد ، واحتجوا بظاهر اللفظ وبقوله في مسالة الدنانير يكون شريكا ؛ لأن ظاهرة قامت على ذلك بينة أم لا انتهى . ما أريد منه باختصار . وانظر تمام كلامه في المسألة وكلام الشيوخ ، فإن خشيت السآمة وأن المقصود غير المسألة منع من جلب ذلك .
[14/3]فإن قلت : حملك الكلام المنسوب لعبد الحق على الخيار ولا اختيار لا يصح ؛ لأنه يؤدي إلى كون النكاح المذكور انعقد على خيار فيكون فاسدا ، وهو وإن كان ضمان ما لا يغاب عليه في بيع الخيار الفاسد كالصحيح ، إلا أن قوله ترجع عليه بنصف كل منهما دليل على أن النكاح ، وقع صحيحا ، ولا يجوز ذلك إلا أن يكون على الإلزام في أحد العبدين ، فتأتي المعارضة المذكورة لا محالة .
وسئل: عن زوجين وقع بينهما اتفاق على أن تختلع له الزوجة بما لها قبله وتفتدي منه بمال سمياه لم يحضر حين الاتفاق، وضربا لحضوره أجلا سمياه، والتزم الزوج طلاقها إن حضر يوم كذا فبدا للزوج قبل مجيء اليوم وقال لا أفعل ذلك، فهل له ذلك؟
أم يجبر عليه إذا طلبته لكونه بدا له قبل مجيء اليوم المذكور والزوجة الآن تقول خذ ماشرطت أخذه وطلق؟ فهل يلزمه ما التزمه وإن انصرف الأجل أم لا؟
فأجاب: لا رجوع للزوج فيما التزم. وإيراد الاسئلة في السؤال فساد كبير، لأن في الجواب عن بعضها تنبيها للفاجر، اللهم ما نزل ومست الحاجة إليه فنعم.
[ لا يلزم الخلع الزوج إذا طلب التروي والمشورة ]
وسئلت عمن عقد على امرأته ودفع إلى وليها بعض النقد واطلع الولي على عيب ببعضه وكان العيب حليا، فأخذه ودفعه إلى بعض أشياخ الوطن وقال لهم إن سخر الله فلانا يسلم لنا ونسلم له، فأوصلوا ذلك إلى الزوج فقال لهم إذا قبضت جميع حوائجي أنظر في هذا الأمر وأشاور، فبعث الولي إليه ببقية النقد وسأل منه أن يطلق، فقال لا أطلق ولكن خذوا ما وجب لكم. فهل يلزمه أن يطلق بعد إحضار بقية النقد أم لا ؟.
فأجبت: الجواب، والله سبحانه ولي التوفيق بفضله، إن ثبت ما ذكر فليس في قبض الزوج المذكور ما رد إليه من المهر على فرض التروي والمشورة ما يوجب عليه خللا في العصمة لعدم انبرام عقد المعاوضة الخلعية بينهما إيجابا وقبولا. وفي الرواية ما يقتضي عدم اللزوم فيما هو أغلظ من نازلتكم فكيف بها والله سبحانه أعلم وبه التوفيق.
[13/4]
[14/4]
[ من قال لزوجته إن أعطيتني كذا طلقتك وزعم أنه لم يقصد الطلاق ]
وسئل ابن لب عمن تكلم مع زوجته وقال: إن أعطيتني كذا وكذا طلقتك، فأعطته إياه وقبضه، وطلبا من يشهد عليهما بذلك فلم يجدا من يشهد عليهما، ثم بدا له في ذلك.
وسئل عن الشجرة تكون للرجل في ملك الآخر وهي مفتقرة للتدعيم لأجل ميلها وخوف سقوطها، فرغب ربها من صاحب الملك أن يأذن له في إلقاء خشبة تمسكها، فأبى ذلك إلا بثمن عال، فاحتج عليه رب التوتة بأن قال له: إن الخشبة التي أصنع تحتها إنما هي في موضع ليس لك فيه ملك، وهل يا سيدي ما قاله الفقهاء إنه يؤتي لأصل الشجرة حبلا ويقطع طرفه في أصلها، وحيث يبلغ الحبل فهو لرب الشجرة ينصرف فيه كيف شاء ولا مقال لرب الأرض في ذلك، يا سيدي بينوا لنا الحكم الشرعي هل له أن يدعم أصل توتته شاء ذلك رب الحائط أو أبى، بالغا ما بلغ، أو يقتصر على ما حوي
[14/5]
الحبل المدار على الأصل؟ وهل ما ذكرت لكم من الحبل عن الفقهاء صحيح أم لا؟
فأجاب: وقفت على السؤال فوقه، ومن له شجرة ثابتة في ملك الغير فإنه يملك موضع الشجرة وحريمها، وهو مقدار من الأرض يدور بها يحرم ما يدور بالشجرة ويسقي الشجرة إذا جلب إليها الماء في الحريم المذكور، وهذا الحريم يختلف باختلاف الشجر، ويرجع في ذلك إلى ما يقوله أهل المعرفة من أهل الفلاحة، فهم يعينون للشجرة حريما يملكه رب الأرض، فإن كانت الشجرة سقطت جعل كان مكانها عوضا منها، وإن مالت واحتاجت إلى التدعيم وأمكن جعل الدعامة في حريم الشجرة فعل ذلك، وليس لرب الأرض أن يمنعه من ذلك لأنه جعل الدعامة في ملكه، وهو حريم شجرته، فإن مالت الشجرة حتى خرجت عن حريمها وكان لا يتأتى جعل الدعامة بحيث لا ينتفع بها إلا في ملك الغير فحينئذ له المنع إلا أن يرضيه في ملكه، وأما ما ذكر في السؤال من أن يدار حبل على أصل الشجرة فلا أذكره من كلام الفقهاء، لكنه يدور على الألسنة، وهو مشكل، لأن أصل الشجرة يزيد غلظة بطول السنين، فكان الحريم على هذا يختلف، فالمعتمد من هذا ما قال الفقهاء من أنه يرجع في ذلك إلى قول أهل المعرفة بالشجرة، والسلام على من يقف على هذا من محمد الحفار وفقه الله ولطف به.
[ثلاث مسائل في الصرف والزكاة
وقد سئل ابن رشد عن رجل أصابه الكبر وله مال وبنون ولم تكن له امرأة فآوى إلى كبير بنيه وأشهد على نفسه قبل موته بأعوام أن لابنه الذي يؤويه عليه دينا من نفقة ذكر أنه أنفقها عليه ومن ديون ذكر أنه أداها عنه إلى غرماء ذكر أنه عاملهم قديما وكتب بذلك عقدا وأشهد الابن أن الذي أدى إلى غرماء أبيه كان من ماله ومال زوجته فصير إليهما في ذلك مالا وعقد لهما بذلك وبقي الابن يعتمر الأملاك والأب متماد على إشهاده بما شهد به أولا ثم مات الأب وقام ورثته ينزلون معه بالميراث فيها فاستظهر بعقد أبيه المذكور وثبت أن له ذلك فقال الورثة: إن أبانا كان يميل إليك وكنت تتملكه بضعفه وحاجته إلى
[14/6]
الكون معك مع تفضيله لك قديما فخدعته، وإنما كان يقول ويفعل ما تأمره به وأدخلت بيننا وبينه العداوة حتى ولج إليك ماله مع أن أبانا كان ماله يقوم به ويفضل له منه بل كنت أنت تتصرف في ماله وتحكم فيه وتصرفه في منافعك ولا يقدر معك على شيء واثبتوا جميع ذلك ولم يجد الابن المصير غليه بينة على أن أباه كان أدان دينا فأداه عنه ولم يعرف ذلك إلا بقول الابن. وأشهد أنه كان غنيا عن أخذ الدين.
فأجاب: إذا كان الأب صحيحا يوم أشهد لابنه بما أشهد لا مرض له إلا الضعف من الكبر فيصح للابن جميع ما أشهد له به.
فإن قلت: أنت لما بنيت المتقدم كله على أن الإقرار بالمائة والخمسين كان في الصحة، ثم لك ما رتبته على ذلك من خروجها من رأس المال، لكنك أعرضت عن الالتفات إلى زمن الاعتراف، كان مرض الوباء كثيرا ببلد المعترف المذكور. وقد اتلف متأخرو التونسيين في الصحيح في زمن الوباء الكثير، هل حكمه حكم المحجور عليه أو لا؟ فقال بعضهم: حكمه حكم حاضر الزحف أو أشد إذا كان الوباء ذريعا يذهب بكثير مثل النصف أو الثلث أو نحو ذلك.
وتقيد بعقبه ما نصه: أشهد الشيخ الفقيه المعظم العلم الشهير الصدر الأوحد الخطير القدوة الفقيه المدرس أبو عبد الله محمد بن آملال المذكور, مجيبا فوقه يليه أن الجواب فوقه هو جوابه, وبخط يده في النازلة المتضمن لها السؤال أولا أعلاه, جواب ارتضاه, وقال به في النازله المذكورة, شهد عليه أكرمه الله تعالى بذلك وهو بحال كمال الإشهاد وعرفه, وفي رابع شوال عام ثمانية وثلاثين وثمانمائة عرفنا الله خيره, وكتب الفقيه القاضي بمدينة مكناسة الزيتون, أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد بن رمانة إلى الفقيه الإمام العالم أبي عمران سيدي موسى بن محمد بن معطي العبدوسي رحمهما الله بما نصه: يتفضل أخي وبركة الشيخ الفقيه المدرس المفتي العالم العلم أبو عمران موسى بن الشيخ الأجل أبي عبد الله محمد بن معطي العبدوسي أبقى الله بركته بالجواب عن مسألة وقعت بين يدي محبه وهي أن امرأة كانت تصدقت على ولدها بدار, وقالت في رسم الصدقة صدقة صحيحية تامة بتلة, وحبست على ولدها المذكور جميع المتصدق به المذكور, مدة من أربعين عاما متوالية تحبيسا صحيحا تاما, ثم توفيت فورثها ولدها المذكور ثم توفي ولدها المذكور, فورثه ورثته, ثم باع ورثته المذكورين جميع الدار قبل انصرام أمد التحبيس, ثم قامت ابنة, وهي من ورثته تطلب نقض البيع لكون البيع وقع قبل مضي المدة المذكورة, وفي نوازل ابن سحنون أرأيت لو أن رجلا تصدق على رجل بعبد على أن لا يبيعه ولا يهبه سنة, ثم هو له
[15/7] بعد السنة بتل يصنع فيه ما يشاء,
15/8]فلم يبق لأهل مزدغة على هذا حجة إلا سكوت أهل أزجان، وقد اختلف في السكوت هل هو إذن فيجري في ذلك على حكم من أذن في الغرس على مائة ثم أراد الرجوع؟ فقال مالك في المدونة إن له الرجوع فيه وإن لم يحتج إليه، وله في سماع ابن القاسم أن لا رجوع إلا إن احتاج، وقد قيل غير هذا، وعلى أن السكوت ليس بإذن يأخذ صاحب الماء ماءه بعد أن يحلف أن سكوته لم يكن منه رضى ، وبالله تعالى التوفيق، وكتب سليمان بن عبدون السريفي. والسلام الأتم عليكم ورحمة الله وبركاته.
وتقيد بعقب هذه الأجوبة ما نصه: الحمد لله. سيدي رضي الله عنكم، ومتع المسلمين بحياتكم. تصفحوا الرسوم والأجوبة المنتسخة أعلاه، وانظروا بما يكون العمل عليه منها، وهل لأهل مزدغة حق في الماء مع أهل أرجان؟ أو لا ولا حق لهم فيه إلا ما فضل؟ أجيبوا عن ذلك مأجورين مشكورين والسلام الأتم عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
وسئل ابن رشد رحمه الله كتب إليه بها القاضي أبوالفضل عياض من سبتة بعد نسخة عقد نصه: بسم الله الرحمن الرحيم، يشهد من يتسمى أسفل هذا العقد من الشهود أنهم يعرفون الزنقة الضيقة الحاجزة بين جنة فلان وفلان بقرية كذا من بلد كذا، ويعلمون هذه الزنقة مملوكة من البحر إلى أعلاها طريقة مملوكة لعامة المسلمين تحاز بها الطرقات وتحترم بحرمتها وأول هذه الزنقة كذا وآخرها كذا إلى الطريق العظمى، وكذلك السالكون بهذه الزنقة المذكورة تفضي بهم إلى الطريق المذكورة على هذه الحالة عرفوا الزنقة المذكورة وخبروها وعلى هذه الصفة عهدوها وعلموها. شهد بذلك من علمه حسب نصه وعينه بالوقوف إليه وأوقع ذلك شهادته في كذا. ونص السؤال: ويتأمل الفقيه الأجل أدام الله توفيقه هذا العقد وقد شهد فيه عدة من العدول بنصه وحازوا الطريقة المذكورة وحدوها بمحضر البينة، هل هو عامل تام يجب الحكم به وإخراج ما اقتطع بعض الجيران من هذه الطريق وأدخله جنته حتى قطع المرور بها وبقي أسفلها لا ينفذ إلى أعلاها؟ وهل يضطر في العقد أن يقال منذ عقلوا حسبما نصه الموثقون؟ أم لا يقدم إسقاطه بالعقد، إذ شهادتهم فيه تامة حسبما نصها في العقد عاقدة؟ وهل تحتاج شهادتهم إلى ذكر المدة التي عرفوها وطولها أم لا تحتاج هنا لأنهم اجتزوا عن أول علمهم بهذه الطريق أنها بهذه السبيل ولم يشهد غيرهم بخلافه فصارت كمن شهد لمن لا يصح الحوز عليه من صغير أو سفيه أو غائب يتقدم ملكه لشيء يدعيه غيره ويحتج بكونه في يده فلا يحتاج هنا إلى أكثر من أن يقولوا نعلمها ملكا لفلان أو في حوزه قبل أن تصير في
[
وأما المسألة الثالثة في استنابة من يستنيبه في ذلك بكتابه إلى أمير ذلك المصر أو جماعة وخطه هنالك مشهور هل يكتفي بذلك فيه كما يكتفي بخط السلطان في التقليدات كلها حسبما نص أهل العلم ، إذ هي استنابة كلها ؟ أم لابد من ثبات ذلك بشهيدين كالأحكام بين لنا ذلك مأجورا إن شاء الله .
فأجاب : يكتفي في هذا بأيسر الأشياء من معرفة الخط وشبهه إذ ليس يقتضي ذلك حكما يلزم ثبوته . ولو نهض المستناب لذلك دون كتاب لما أمر به فامتثله لكان الأمر ماضيا كما لو نهض بكتاب .
[إذا صرفت قضية محجور بمصر إلى قاضي مصر آخر]
وأما الرابعة فهي إذا كان النظر المخصوص المذكور والولاية المقيدة في قضية محجور عليه ، فثبت عند المقلد ما يجب صرفه وتقديم غيره ممن ينظر في ماله ويتكلم عنه بسببه ففعل ذلك ، فهل على القاضي المقلد من هذه القضية درك في فعله ؟ وهل هذا متعين عليه ؟ أم ليس تلزمه إلا إقامة وكيل يحضر عنه فيه فقط بخلاف قضاء العموم ؟ بين لنا جوابك مأجورا إن شاء الله .
فأجاب : إذا ثبت عند القاضي المصروف إليه الحكم في قضية محجور [14/10] عليه أن وصيه غير موثوق فيما يخاصم به له وعليه فيما يطلبه له أو يطلب به أو يستقر له بيده ما يحكم له به ، فيجب أن يوكل له وكيلا يقيمه له مقام الوصي في ذلك كله ، ولا يعزل الوصي عن النظر له . وإن كانت عنده لليتيم حجة سمعها منه ونظر فيها ، وان ذكر حجة عليه لم يسمعها منه . هذا الذي أراه في هذا . وبالله التوفيق .
[هل للوصي المعزول أن يطلب من القاضي سبب عزله والإعذار له فيه]
14/11] الذين يلونهم ثم الذين يلونهم إلخ وهو يؤذن بفضيلة المتقدم على المتأخر، والثاني قوله للصحابة رضي الله عنهم: أي المؤمنين أشد إيمانا وأعظم؟ قالوا الملائكة. قال: ولم لا وهم يشاهدون الأمر؟ قالوا الأنبياء. قال: ولم لا والوحي ينزل عليهم؟ قالوا: نحن؟ قال: ولم لا وأنا بين أظهركم؟ قالوا: فمن يا رسول الله؟ قال: قوم يأتون آخر الزمان يسمعون الأشياء سماعا ويتحابون عليها حبا واشتياقا وأنا إليهم لمشتاق. للعامل منهم أجر خمسين منكم أو قال: سبعين. قالوا: منهم قال: منكم. قالوا: لم يا رسول الله؟ قال: لأنكم تجدون على الخير أعوانا وهم لا يجدون. فهل يؤذن هذا الحديث بفضيلة المتأخر على المتقدم لكونه أشد الناس إيمانا وأعظم أو لا؟ فإن من كانت نيته(¬1) في الإيمان أشد كان خيره أكثر.
قلت ومثل ما حكى الفرغاني حكى الخطيب العلامة المحقق الرحال أبو عبد الله محمد بن أحمد بن مرزوق التلمساني في شرحه لعمدة الأحكام قال : شاهدت بمصر بعض جهلة العوام الأغبياء ينتفون شعر حمار شيخنا الفقيه العلامة شمس الدين بن التبان تبركا به أيام تجرده للوعظ والتذكير وتركه الإفادة والتعليم . انتهى . وقال أبو إسحاق أيضا : التصميم على اتباع العوائد وإن فسدت أو كانت مخالفة للحق وهو اتباع ما كان عليه الآباء والأشياخ وأشباه ذلك هو التقليد المذموم ، فإن الله ذم ذلك في كتابه بقوله تعالى : ﴿ بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة ﴾ الآية ، وقال : ﴿ قل أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون ﴾ وقال : ﴿ هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون ﴾ ، فنبههم على وجه الدليل الواضح فاستمسكوا بمجرد تقليد الآباء فقالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون . وعن علي رضي الله عنه : إياكم والاستئثار بالرجال فإن الرجل يعمل بعمل أهل الجنة ثم ينقلب لعلم الله فيه فيعمل بعمل أهل النار فيموت وهو من أهل النار ، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فينقلب لعلم الله فيه فيعمل بعمل أهل الجنة فيموت وهو من أهل الجنة ، فإن كنتم ولابد فاعلين فبالأموات
[13/12]
[14/12]
لا بالأحياء . فهذه إشارة إلى أن الإنسان ينبغي له أن لا يعتمد على عمل أحد البتة حتى يتثبت فيه ويسأل عن حكمه . انتهى .
فإن قلت : الاختلاف رحمة للتوسع في الأقوال ، والوقوف مع المشهور أو الموافق للدليل أو الراجح عند أهل النظر أو الذي عليه أكثر المسلمين تحجير على رأي واحد وميل بالناس إلى الحرج ، وما جعل الله في الدين من حرج .