98/1] الكاغد عليه من باب قياس أحرى, فإن بعض الرق من جلد الميتة ومع ذلك ساغت الكتابة فيه لتهيتهم إياه لذلك, فلا تسوغ في الكاغد الذي هو طاهر بالأصل ومغسول للكافر آخر أمره أحرى وأولى. ومما يدل على صحة قياس الكاغد على الرق بجامع المتاولة وعدم اعتبار كون الرق طعاما أن طعام المجوس الذي لم ينص لنا على إباحة أكله إذا تحققنا أنه ليس بنجس فإنا نأكله لطهارته كما نرى في نصوص أهل المذهب. ومما يدل على عدم اجتناب كاغيدهم ما ثبت في الأحاديث وفي السير وفي كتب(¬1) الفقهاء أن الكفار كانوا يكاتبون النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة بعده رضي الله عنهم والتابعين بعدهم إلى زماننا هذا. ولولا الإطالة لذكرت من ذلك جملة. وما سمعنا أن أحدا كان يتوقى كتابهم كما كان يتوقى تناوله النجس والله أعلم. وأما قوله ثانيا لا يقاس الكاغد على الطعام لخروج الطعام عن القياس بالنص على إباحة أكله من غير نظر إلى نجاسته أو طهارته فليس كذلك, بل إنما يباح لنا أكل طعامهم ما لم تر فيه نجاسة. وأما إن تحققنا نجاسته فإن أكله يحرم علينا ولو كان من طعام أهل الكتاب. وإن علمنا طهارته جاز أكله ولو كان من طعام المجوس. وكذلك غير الطعام أيضا ما علمنا نجاسته اجتنباه من كل كافر, وما علمنا طهارته جاز أكله من جميعهم أيضا. فإذا جواز أكل طعامهم واستعمال ما تاناولوه دائران مع عدم تحقق نجاسته وجودا وعدما, والدوران دليل علية المدار الدائر, فعدم تحقق النجاسة هو علة جواز أكل طعامهم, وهي موجودة في كاغيدهم فيستعمل. أو نقول جواز أكل طعامهم دائر مع غلبة ظن طهارته بحسب استصحاب الأصل وجودا وعدما إلى آخر ما ذكرناه الآن وهذه العبارة أولى, لأن الأولى يمكن الاعتراض عليها بأن العدم لا يعلل به على المختار, مطلقا كان او مضافا.
الحديث فنص علي أن العصمة للنفس والمال امنا تكون بكلمة الاسلام . ولو
أن مسلما دخل الي دار الحرب فانه معصوم الدم والمال والدار معدومة . وأما
قول أصحابنا ان الاسلام عاصم النفس دون الولد والمال , وقول أصحاب أبي
خنيفة ان التحرز والتعصم يكون بالقلاع فكلام فكلام فاسد , لأنه تعلق بالعصمة
الحسية التي يكتبسها الكافر والمحارب ولا يعتبرها الشرع , وانما الكلام علي ما
يعتبره الشرع . ألا تري ان المحارب من المسلمين والكافر يتحصنان بالقلاع
ودمهما وأموالهما مباحان , أحدهما علي الاطلاق , والثاني بشرط أن يستمر ولا
يقلع , ويتمادي ويتمنع , ولكن المال انما يمنعه احراز صاحبه له بكونه معه في
حرز .
قلت : بقول " الشافعي " قال " أشهب وسحنون " ,وهو أختيار أبي بكر بن العربي
حسبما تضمنه كلامه الان . وبقول مالك قال أبو حنيفة وأصبغ بن الفرج ,
واختاره ابن رشد وهو المشهور عن مالك رحمه الله . ومنشأ الخلاف ما مر
تقريره , وأجري الفقيه القاضي الشهير أبو عبد الله بن الجاج وغيره من
المتأخرين مال هذا المسلم المسئول عنه المقيم بدار الحرب ولم يبرح عنها بعد
استيلاء الطاغية عليها علي هذا الخلاف المتقدم بين علماء الأمصار في مال من
أسلم وأقام بدار الحرب , ثم فرق ابن الحاج بعد الالحاق والتسوية في هذه
الأحكام الملحقة بأن مال من أسلم كان مباحا قبل اسلامه , بخلاف مال
المسلم , لأن يده لم تزل ولا تقدم له في وقت ما كفر يبيح ماله وولده يوما
للمسلمين , فليس لأحد عليهما من سبيل وهو راجح من القول وواضح من
الاستدلال والنطر , وطاهر عند التأمل لمنشأ الخلاف الذي تقدم بيانه علي ما لا
يخفي .
ويعتضد هذا الفرق بنص اخر مسأله من سماع يحيي من كتاب ( الجهاد )
ولفطه : وسألته عمن تخلف من أهل برشلونة من المسلمين عن الارتحال عنهم
بعد السنة التي أجلت لهم يوم فتحت في ارتحالهم فأغار علي المسلمين تعوذا مما
=فأجاب : تأملت المسألة التي جرت في مجلسك الكريم ، وبحضرتك أدام الله تأييدك ، فاعلم أعزك الله بعز طاعته أنه قد يوسع الله على الأمة ويبيح لهم أشياء هي محظورة على نبيه صلى الله عليه وسلم وقد يوسع الله على نبيه ويبيح له أشياء هي محظورة على الأمة ، فمما خفق على الأمة وشدد على النبي صلى الله عليه وسلم الوتر والسواك والأضحية ، هي عليه فرض صلى الله عليه وسلم وعلينا من طريق السنة إن شئنا فعلناه وإن شئنا تركناه ، لكن الفعل أفضل ، لا سيما الوتر والأضحية لمن قدر عليهما ، وحد الواجب عندنا ما في فعله ثواب وفي تركه عقاب ، أو ما حرم تركه وأثيب فاعله ، ومن ترك الأضحية لا يعاقب ولا يحرم تركها ، والليل على أنها عليه صلى الله عليه وسلم فرض ، قوله صلى الله عليه وسلم : «ثلاث كتبت علي ولم تكتب عليكم : السواك والوتر والأضحية» . وكذلك لم يوسع على النبي صلى الله عليه وسلم في ترك تغيير المنكر ، بل ذلك فرض عليه ، والفرق بيننا وبينه من وجهين : أحدهما أنه لو أقر هو عليه السلام على المنكر ولم ينكره ، لكان ذلك يوجب جوازه . والثاني : أن اله تعالى ضمن له الظفر والنصر في تغييرات المنكرات ، وليس ذلك لأمته ، وكذلك كان قيام الليل على[103/3]النبي صلى الله عليه وسلم فرضا ، وخفف ذلك على أمته ، وقيل : منسوخ بقوله تعالى ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك﴾ . وكذلك كان له عليه السلام تخيير نسائه بقوله تعالى : ﴿يأيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها﴾ الآيتين جميعا, وكان هذا التخيير منه كناية عن الطلاق ، وإن اخترن الحياة الدنيا كان طلاقا .
وما في مسألتكم النادرة المذكورة التزمت في النذر أن تجبر على أدائه بالقضاء، فإن الناس اليوم يكتبونه في الرسوم ويشهدون عليه، ولم ار أحدا من المشايخ المعتبرين نص على إيجاب إنفاذ القضاء به بسبب ذلك على ملتزمه، واحتمال القضاء به ضعيف عندي، لأنه من جملة المنذور إذ هو صفة له، وقد قررنا عن العلماء أن المنذور كيف ما كان وقوعه لا يحكم به للعلة المعلقة (¬1) التي هي موجودة فيه لازمة، وإذا وصفت به النذر من ذلك إنما أوجب وقوعه لها ضيق الصدر واللجج الحرج وشدة ما كان في نفسها حينئذ من النفور عن ذلك، بما كان في نفسها منه أو بما ألقى عندها فيه، فكان ذلك منها تأكيدا للتباعد منه والنفور عنه، لا لقصد الأجر والتقرب كما قدمنا عن بعض العلماء القرويين في النذر المعلق، ولهذا وشبهه حكى أبو الطاهر عن أشياخ المذهب أنهم وقفوا لابن القاسم على أن ما كان من هذا القبيل على سبيل اللجج والحرج تكفي فيه كفارة اليمين، وكان من لقيت من الأشياخ يميل إلى هذا المذهب، وهو مذهب معروف لبعض الصحابة وبعض السلف، وليس بالمشهور في المذهب، وإنما ذكرناه على سبيل التقوية لما ذكرنا، وبالله التوفيق، وكتب عبد النور بن محمد العمراني وفقه الله تعالى.
[إذا أتبع الخلع طلاقا نسقا قبل أن يصمت لزمه]
وسئل أبو مهدي سيدي عيسى بن علال عن رجل خالع زوجه بمحضر جمع من الناس بطلقة واحدة بعد البناء، ثم إنه رغبه بعض الناس في مراجعتها فامتنع من ذلك بقية يومه، فلما كان من الغد شددوا عليه في ذلك فمضى لسماط العدول وأشهد أنه إنما أوقع عليها طلاقا ثلاثا في كلمة واحدة، وبعد بنحو من شهر أثبت أنه إنما كان فارقها بالطلاق الخلعي المذكور، فلما كان من الغد أوقع عليها الطلاق الثلاث المذكور، وثبت ذلك عند من يجب.
[113/4]
[114/4]
والاستحقاق الوقت الذي هو من العصر إلى الغروب في اليومين المذكورين أو ليس له متكلم ولا مقال ولا يعذر بما ذكر، بينوا لنا ذلك بيانا شافيا ولكم الأجر والثواب والسلام أولا وأخرا ورحمة الله تعالى وبركاته، انتهى.
[113/5]
فأجبته بما نصه: الحمد لله تعالى وحده، الجواب والله سبحانه ولي التوفيق بفضله إن الاستظهار بأصول الأشربة ورسومها لا تعارض الحوز ولا تفيد المستظهر بها فائدة معتبرة في نظر الشرع إلا مع اتصال الحوز بها واليد الشاهدة لها كالمعروف في شهادة السماع غير المفيد للعلم فكما لا يستقل بالاستخراج من يد حائز فكذا لا تستقل رسوم الأشربة وعقودها بالاستخراج من يد حائز ولا توهن ما تحت اليد إذا كان مع اليد ضميمة دعوى الملك في المحوز بوجه من وجوه النقل من شراء أو هبة أو صدقة أو وصية أو ميراث، هذا الذي دلت عليه النصوص، وشهد لاعتباره المنصوص، وتظافرت عليه أجوبة المشايخ الأعلام الفقهاء وأصحاب النوازل والأحكام ففي تبصرة الشيخ أبي الحسن اللخمي عم حضر رجلا اشترى سلعة من السوق فلا يشهد أنها ملكه ولو أتي رجل ببينة أنها ملكه وأقام هذا بينة أنه اشتراها من السوق كانت لذي الملك وقد يبيعها من لا يملكها انتهى، وفي نوادر الشيخ إذا شهدت بينة بالشراء فلا ينتفع بها إلا أن يشهدوا له بطول الملك والتصرف والحوز ولا منازع، وسواء ثبت ذلك بشهود الشراء أو غيرهم، وسواء ذك الشراء أم لا انتهى، وتلقى هذا الفقه بالقبول والتسليم غير واحد من الأئمة والشيوخ وفيهم أبو إبراهيم الورياغلي الفاسي صاحب الطرر على التهذيب وهو من رسوخ القدم في الفقهيات حفظا ونظرا بمكان لا يجهل، وعلل بأن بينة الشراء من قول المتبايعين فلا يلتفت إليها ولا يعول عليها ويؤيد صحة هذا التوجيه ما مر من قول سحنون وقول الشيخ أبي محمد أيضا سئلت عمن شهد لرجل استحق ثوبا أنه له قال وأنا بعته منه فأجبته بأنه لا تجوز شهادته
وقال عن أبي الأصبغ القرشي: أدركنا أهل الفقه والورع في بلاد الأندلس يشترون الأرض فيها ويبيعون ونحن متبعون لهم، وأنتم تتبعون أسلافكم. وفي مغربكم قال أبو بكر بن عبد الرحمن: إذا خفي خبر الأرض ولم يعلم أهي صلح أو عنوة؟ أو أسلم عليها أهلها فهي لمن وجدت بيده وإن كان لا يدري بأي وجه صارت إليه.
وقيل إن البلاد الغربية لم تجر في الافتتاح على قانون واحد، بل منها ما افتتح عنوة ومنها ما افتتح صلحا. فالبلاد الأندلسية، نص ابن حبيب على أن أكثرها افتتح عنوة. وأما بلاد إفريقية وهي معظم المغرب ففيها بلاد ليست بصلحية ولا عنوية، على ما يظهر من كتاب الزكاة والتجارة إلى أرض الحرب من نوادر الشيخ وبالجملة ففيها من الخلاف ما تقدم.
وأما إقليم الحجاز فمكة قيل عنوية وقيل صلحية، والذي عليه الجمهور الأول وأما أرض العراق ومصر فأكثرها افتتح عنوة.
[135/6]
[هل يجوز اكتراء معدن الملح لمدة معينة]
وسئل سيدي عبد الرحمن بن مقلاش عن اكتراء المكترين لملاحة ملاتة والبطحي مدة معينة هل يسوغ أم لا؟ مع أن أمير الملح إذا أزيل من محل عاد كما كان بعد أسبوع ونحوه، لاسيما في شدة الحر، فأي غرر أعظم من هذا؟
فأجاب: أما الملاحة فليس الكراء فيها بيعا لمحلها كما توهمت، بل الكراء فيها لأجل رفع الحجر عنه مدة من الزمان، لأنها محجرة لمصلحة اقتضت ذلك، فإذا أقطعها الإمام أو من هو قائم مقامه لأحد مدة من الزمان، فإنما أباح له التصرف فيها كما فعل في المعادن فلا غرر.
[البيع الجزاف مع التراضي]
وسئل سيدي أحمد القباب(¬1) عمن يشتري مثلا مدين غير ربع بدرهم فلم يكن عندهما عيار ربع المد فيدفع البائع جزافا عنه بتراضيهما.
115/7] فخرج الناس إلى عصيرهم, فهل له أن يخرج معهم إلى عصير أو يقيم الصلوات في المسجد المذكور ؟ وهل يجوز له أن يخرج إلى بلد آخر لبعض حوائجه من غير أن يستخلف أم لا؟ فإن خرج فما مقدار الخروج وحده ؟
فأجاب إن بقي مع هذا الإمام من يصلي معه وخرج سائر الناس إلى عصيرهم فتلزمه الإقامة بالمسجد لإقامة وظائفه, من آذان وإقامة وسائر شؤون المسجد, وإن أراد الإمام الخروج إلى عصيره فيلزمه أن يستخلف من يقوم مقامه في ذلك, واما إذا خرج إلى بلد آخر لما تعين له من الحوائج فلا بدله ان يستخلف من يقوم مقامه طول مغيبه, ولا يترك المسجد ضائعا, وذكر السائل أن الجماعة تخرج فيها إلى العصير, فإن كان كما ذكر حتى لا يبقى مثلا بالقرية أحد وتخلى كلها وذلك بعيد, فغن كان ذلك ولم يبق بالموضع أحد أصلا فيجوز له أن يخرج لعصيره معهم, لأن القرية على هذا التقدير خالية, ترك سكناها بطول المدة, فليس هناك من يدعو إلى الصلاة بإقامة ولا بمن يؤم.
[التحبيس على الفقراء المضلين لا يجوز] .
وسئل عن شأن زاوية ببسطة حبستها امرأة ثم سافرت من بسطة من نحو تسعة أعوام, وبقيت الزاوية بيد الفقراء يجتمعون فيها وينزلون فيها من يرد عليهم من الغرباء, ورجعت المحبسة من مغيبها بعد المدة المذكورة؛ وسكنت في غير الزاوية إلى أن توفيت وورثها أخوها, فقام الآن وجعل يده على الزاوية وقال: إن الحبس لن يتم لكون الوثيقة لم تنبه على التخلي والحوز فيها؛ وأراد نقض الحبس وتملكه.
فأجابه: لا يقدح في هذا الحبس كون كاتب الوثيقة لم ينبه على التخلي والحوز فيها, إذ قد ذكر في السؤال أن المحبسة قد سافرت عن موضع الحبس المذكور, وأن الموضع المحبس قد حازه الفقراء المدة المذكورة, يتصرفون فيه بالاجتماع والانزال لمن يرد عليهم, فقد حصل التخلي والحوز فلا يضر إغفاله في الكتب إذ قد كان وقع في الحبس وقد بخست هذه
[
فإن قيل: يجب على هذا أن لا تكرى أرحى بأرحى لمكان الغرر.
قيل: كراء الشهر ونحوه لا يعتبر فيه الغرر إذ بعض الأيام يحمل على بعض. ونظيره السلم في لبن شاة معينة لا يجوز بخلاف شياه لأن بعضها يحمل عن بعض، إن نقصت هذه زادت هذه، بخلاف الجمعة، إذ قد يتغير فيها العمل والغلة. وأما خراج العبد فهو متقارب لا غرر فيه.
[120/8]
[121/8] ... ... [لا تقسم البئر إلا عن تراض]
وسئل عن قسمة البئر جبرا.
فأجاب: لا تجوز قسمة البئر إلا عن تراض لعدم تمكن قسمها إذ لا بد أن يسقي الأسفل مشاعا وهو المقصود منها.
قلت: لم يبين المجيب كيفية قسمه. وفي نوازل ابن الحاج ما نصه: قسمه البئر على ما يقتسمه الناس عندنا أن يضربوا في وسط أعلاها حائطا فيكون لكل واحد من البئر ما يلي داره، ولا يصح إلا أن يكون ذلك عن تراض منهما واتفاق، فإن لم يتراضوا وأحبوا القسمة ودعوا إليها عند الحاكم فقال ابن القاسم في المدونة: لا تقسم إلا على شرب يكون لكل واحد حظه منه معلوم. فأما قسمة أصل البئر فلم أسمع أن أحدا قال تقسم، ولا تقسم إلا على الشرب. وكذلك العين. وأما مثل الآبار بقرطبة فلا يحتاج إلى قسمتها بالشرب، لأن في حصة كل واحد أكثر مما يكفيه، فلا بأس أن يضرب بينهما بحائط. وأما إن دعا أحدهما إلى مقاومة شريكه في البئر فلا يجبر شريكه على ذلك انتهى.
[يقسم الجنان ولا تقسم الساقية إلا باتفاق]
وسئل عمن أشهد عند خروج ابنته لزوجها أنه أمتعها بفرش وثياب وحلي بعد ثلاث سنين أو أكثر فقام الأب أو ورثته طالبين الابنة فيما أشهد بأنه أخرجه معها فأنكرت الإمتاع ولم يكن دليل ولم يكن دليل إلا إشهاد الأب خاصة فهل يقبل قوله أم لا؟ وهل تحلف إن كان القول قولها أم لا؟
فأجاب: القول قولها ولا يقبل قول الأب إلا أن يعلم قوله بإقرار أو بينة وهو معنى قول ابن القاسم.
[مسألة]
وسئل عن رجل وهب لابنة له صغيرة دارا واحتازها لها هبة تامة صحيحة ثم إنه بعد ذلك أشهد على نفسه أنه صيرها إليه تصييرا ناجزا وقبض عنها مائة مثقال كانت للابنة عنده من غزل غزلته ومن غير ذلك مما اجتمع لها عنده.
فأجاب بأن التصيير اعتصار وتكرى الدار للابنة إن شاء الله.
وأجاب غيره أن التصيير اعتصار وأن الدار تكرى للابنة بالتصيير ويحتاج في هذا أن يعرف أن الابنة كانت ممن تغزل الغزل الكثير كغزل الذهب وما أشبهه الذي يجتمع لها من هذا المقدار، أو يعرف أنها ورثت من أمها أو غيرها مالا، فأما إذا لم يعرف ذلك فهذا التصيير اعتصارا ثم يكون كهبة أخرى بعد أن اعتصرها فإن حاز لها أو حازت لنفسها إن كانت ممن تحوز صحت لها الهبة التي كنى عنها بالتصيير وإلا سقطت ويكون ذكر الذهب لغوا، ويكون الأب كأنه قصد إلى أن يحول الدار من الهبة إلى البيع ليسكنها ولا يحتاج إلى حيازتها.
[129/9] ... ... ... ... ... [مسألة]
وسئل عمن وهب لابنه ثم باع وقال لم يستبق البائع لنفسه في شيء من الأملاك المذكورة حقا ولا ملكا إلا باعه من فلان، هل هذا اعتصار أم لا؟
وسئل بعضهم فقيل له ما ترى في جماعة من طلبة البلد قاموا عندي يذكرون أن سبعين مثقالا وقفت لهم لتفرق عليهم باسم وصية أوصى بها ميت أن يؤثر بها أهل العلم وطلبته ، ودعوى الذي كانت بيده فقام بعقد يتضمن إشهاد قاضي ذلك الحين بالإبراء من جميع الوصية على ضروبها ، وأنه ثبت عنده أن جملة المال الموصى به نفذ في وجوهه إلى مستحقه ، فزعم الطلبة أنهم لم يصل إليهم من العدد الموقوف لهم إلا قليل ، وطلبوا نسخة تسجيل الحاكم بما تقدم ، هل لهم أخذ نسخته ؟ أم لهم حجة بعدما أشهد به الحاكم على نفسه أم لا ؟ بين لنا ذلك مشكورا مأجورا .
فأجاب : الأصل ألا تعترض أحكام القضاة العدول ، إلا أن يثبت جورها ، وليس للحاكم أن يتعقبها إلا أن يوافق منها حكما وضع إليه دون تكشف منه على حكمه . فإذا وقع منها إلى يده حكم يخالف النص والإجماع نقضه . وقيام الطلبة في نسخ الحكم ، فإن كان الذي أوصى لهم قوما معينين من الطلبة فلهم القيام ، وعلى من ادعى الدفع إليهم البينة . وأما المجهولون فالقول قول الدافع إليهم . وفي بعض كتب المدونة أنه يحلف ويبرأ . هذا الذي ظهر لي الآن مع الشغل وبالله التوفيق .
وأما الإنشادات الشعرية. فإنما الشعر كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح. وقد قال في شعراء الإسلام: ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا﴾. وذلك أن حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن زهير وكعب بن مالك لما سمعوا قوله تعالى: ﴿والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾. الآية بكوا عند سماعها فأنزل الله تلك الآية عند عقبها واستثناهم فيها.
وقد أنشد الشعر بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورقت نفسه الكريمة، وذرفت عيناه لأبيات أخت النضر لما كان قد طبع عليه من الرأفة والرحمة صلى الله عليه وسلم.
وأما التواجد عند السماع، فهو في الأصل آثار رقة النفس واضطراب فيتأثر الظاهر بتأثر الباطن. قال تعالى: ﴿الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم﴾ أي اضطربت رغبا ورهبا. وعن اضطراب القلب يحصل اضطراب الجسم قال تعالى: ﴿لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا﴾. وقال تعالى: ﴿ففروا إلى الله﴾. فإنما التواجد رقة نفسية. وهذه قلبية ونهضة روحانية. وهذا هو التواجد عن وجد. ولا يسمع فيه نكير من الشرع ذكره السلمي في حقائه عن بعض المشايخ أنه كان يستدل بهذه الآية في حركة الواجد في وقت السماع والذكر ﴿وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها﴾. وكان يقول: إن القلوب مربوطة بالملكوت، حركتها أنوار الأذكار، وما يرد عليها من فنون السماع ووراء هذا
[