فإن قلت: لا نعلم أن المحو هو الغسل المطهر أو يستلزمه، لأنه إنما أمر بمحوه لإزالة الباطل كما قررنات, وتلك الإزالة أعم من أن تكون بالغسل بالماء المطلق المعتبر في إزالة النجاسات على مشهور مذهب مالك أو بغير المطلق من المياه المضافة الطاهرة أو بغير الماء كالخل وغيره, أو بالبشر أو بما يمكن أن يمحي به. ولو كان ذلك لنجاسته لما أمر بمحوها بل بغسلها للتطهير.
فإن قلت: سلمنا أن المحو لا يستلزم التطهير لما ذكرت، لكن إنما أمر بمحوها قبل المحو لبطل البيع, لأن الصفقة حينئذ تكون قد جمعت حلالا وحراما. أما الحلال فالرق, وأما الحرام فالباطل المكتوب فيه، لن فيه الكفر قطعا أو ظنا غالبا، فتكون كسلعة وخمر بل أشد. ومشهور مذهب مالك فسخ البيع في الحلال والحرام,
[95/1] ولا يمضي الحلال ويرد الحرام. وإذا بطل بيع الأمة بشرط مغينة لكون بعض الصفقة وهو الغنا محرم باطل, فبطلان هذا أظهر, لن من شرط المبيع أن يكون منتفعا به شرعا.
قلت: قد بينا ان الرق جل منفعته أوكلها الكتب فيه, لاسيما الذي فيها كراريس وقد نسخت فيه الكتب فإنها لا تصلح لشيء إلا لذلك, فلو صح ما قاله السائل لكان لا يصح بيعه إلا فستعماله في غير الكتب, واستعماله في غير الكتب لا يتصور, فيكون من بيع ما لا فائدة فيه, ومن شرط المبيع كما ذكر السائل أن يكون منتفعا به, فدليله مقلوب عليه. ولو سلم أن تتصور فيه منفعة أخرى غير الكتب وإن كانت يسيرة جدا قد لا يحتاج إليها, وقد سلمنا أن المحو إنما هو لصحة البيع لتحصيل هذه المنفعة اليسيرة لكان لا يجوز هذا البيع حتى يبين عند البيع أن هذا الرق غير طاهر فلا ينسخ فيه, لأن جل ما يشترى الرق للنسخ, فإن لم يبين هذا كان غشا. وأقل ما فيه أن يدخل في قوله: "ولا إن يكتم من أمر سلعة ما إذا ذكره كرهه المبتاع أو كان ذكره له أبخس في الثمن" وهو حين قال في العتبية أنه يباع, لم يقل بعد أن يبين, والأصل عدم التقييد.
فان قلت . المستفاد من كلام صاحب المقدمات وغيره من الفقهاء
المتقدمين صورة طرو الاسلام علي القامه بين أطهر المشركين , والصورة
المسئول عنها هي صورة طرو الأقامة علي أصالة الأسلام , وبين الصورتين بون بعيد
فلا يحسن الستدلال به علي الصورة المسئول الأن عن حكمها .
قلت . تفقه المتقدمين انما كان في تارك الهجرة مطلقا . ومثلوا ذلك
بصورة من صوره وهو من أسلم في دار الحرب واقام , وهذه المسئول عنها أيضا صورة
[124/2]
[125/2]
ثانية من صوره لا تخلف الأولي الممثل بها الا في طرو الاقامة خاصة ,
فالصورة الأولي الممثل بها عندهم طرأ الأسلام فيها علي الأقامة , والصورة
الثانية الملحقة فيها علي الأسلام . واختلاف الطرو فرق
صوري وهو غير معتبر في استدعاء قصر الحكم عليه وانتهاءه اليه , انما خص
من تقدم من أيمة الهدي المفتدي بهم الكلام بصورة من أسلم ولم يهاجر , لأن
هذه الولاة الشركية كانت مفقوده في صدر السلام وغرته , ولم تحدث علي ما
قيل الا بعد مضي مئات السنين , وبعد أنقراض أيمة الأمصار المجتهدين
فلذلك شك لم يتعرض لأحكامها الفقهيه أحد منهم , ثم لما نبغت هذه المرة
المولاة النصرانية في المائة الخامسة وما بعدها من تاريخ الهجرة وقت استيلاء
ملاعين النصاري دمرهم الله علي جزيرة صقلية وبعض كور الأندلس . سئل
عنها بعض الفقهاء وأتفهموا عن الأحكام الفقهية المتعلقة بمرتكبها .
فأجاب . بأن أحكامهم جارية علي أحكام من أسلم ولم يهاجر , وألحقوا
هؤلاء المسئول عنهم والمسكوت عن حكمهم بهم , وسووا بين الطائفتين
في الأحكام الفقهية المتعلقة بأموالهم وأولادهم ولم يروا فيها فرقا بين
الفريقين , وذلك لأنهما في موالاة الأعداد ومساكنته ومداخلتهم وملابستهم وعدم
مبيانتهم وترك الهجرة الواجبة عليهم والفرار منهم وسائر الأسباب الموجبة لهذه
الحكام المسكوت عنها في الصورة المسئول عن فرضها بمثاية واحدة , فألحقوا
وأما حكم القاضي على الأب والأجل في الرسم المذكور فهو باطل ، إذ لا يلزم أن يتأجل إلا في رسم ثابت ، وأما ما كان على الصفة المذكورة فلا يلزمه فيه اجل ، هذا لو لم يكن القاضي الذي أجله معزولا عن الحكم في القضية ، فكيف وهو معزول عنها وبالله التوفيق ، وكتب محمد بن عبد العزيز التازغدري لطف الله به .
[99/3[الحسم الذي ثبت بالبادية لا يصح العمل به]
*وسئل : عم رسمين أحدهما ثبت عند مسدد بالبادية ، والآخر ثبت عند قاضي بلد بأمر السلطان ، وبينهما من المدة نصف المدة الذي ثبت تاريخ رسم البادية أربعة عشر شهرا ، والذي ثبت بالمدينة سبق تاريخه بأربعة عشر شهرا المذكورة ، وشهوده شهود معروفون زكى بعضهم وأثنى على بعضهم خيرا ، وممن جرت العادة بحضورهم عند ذلك العقد ومثلهم ، ولا يخفى عليكم ما بين الرسمين من التباين والتباعد ، والأمر مستراب جدا لا يخفى على ذي عقل سليم ، تأملوا رضا الله عنكم جميع ذلك ، وما عسى لو أغفلته من مقتضى العقدين ، وما تضمن أحدهما ، وأوعب لنا الجواب بأكمل وجوه التقسيم والتفسير ، وأتم ما يحتمله من الشرح والتبيين ، فربما يتعسف متأول فيتمسك منه بلفظ مشكل ، حائزا في ذلك الاهتمام جزيل الثواب .
=فأجاب : الجواب والله الموفق للصواب ، أن الرسم الذي ثبت بالبادية ، لا يصح العمل به لما علم من مسدد البادية من قلة المعرفة وضعف الدين ، وغير ذلك مما يمنع من الوثوق بهم ، ولو سلم صحة الرسم الذي ثبت بالبادية لم يصح الحكم به ، ولم يمكن الزوج من المرأة ، إذ هي في عصمة الرجل الذي ثبت نكاحه في الرسم الذي ثبت بالحاضرة ، ولا يصح عقد النكاح على من هي في عصمة ، فالحكم بالرسم الأول الذي ثبت في الحاضرة واجب بعد استيفاء موجبه ، والعقد الثاني باطل لا يصح الحكم به والله الموفق ، وكتب محمد بن عبد العزيز التازغدري لطف الله تعالى به .
[
من طلق زوجه منذ عام وتأخرت شهادة الشهود ولم يعينوا يوم الطلاق]
وسئل عن رجل طلق زوجه منذ عام وشهد الشهود من لفيف الناس وواحد عدل، ولم يعينوا اليوم الذي وقع فيه الطلاق، ووافق الزوج المطلق على إيقاع الطلاق منذ عام كما شهد الشهود، فهل انقضت عدتها كما شهد الشهود؟ أو تستأنف العدة لعدم أداء الشهادة حين إيقاع الطلاق وعدم تعيين اليوم أم لا؟
فأجاب: أكرمكم الله، إن كان الشهود عدولا عندكم فالعدة قد انقضت، ولا يضرهم عدم تعيين اليوم، ولا كلام في هذا، وإنما الكلام لو أنكر الزوج وأعذر إليه فعجز.
[مسدد بالبادية خالع زوجته وطلقها ثلاثا، ثم تحايل لمراجعتها]
وسئل الإمام العالم أبو عبد الله سيدي محمد بن أحمد بن محمد بن مرزوق عن رجل مسدد بالبادية وحاكم بينهم طلق زوجه طلقة خلعية، ثم بعد ذلك بمدة أرسل لوالدها ليردها، فأجابه إلى ذلك وردها له على الوجه الجائز، وأرسل إليها زوجها المذكور ولده وحملها له، وبقي معها مدلة طويلة ثم إنه طلقها بالطلاق الثلاث، وبقي أيضا مدة وراجعها، فقيل له في ذلك، فقال: الرجوع الأول كان بغير إذنها، ولا وكلت والدها، إلا أن والدها ردها لي من غير وكالتها ولا إذنها، ولكنها علمت ورضيت بذلك، ولم يشهد عليها بزعمه، ولا يلزمني الطلاق الثلاث لأجل ذلك، فقيل له: وأنت شاهد وحاكم وتكتب صدقات النساء فكيف تعمل هذا؟ وهذا لا يجوز، وتكون مع المرأة على الوجه الذي (¬1) فقال: نسيت، وهو قد بقي معها مدة، فهل يقبل هذا منه؟ أو يقبل قوله غنها لم توكل والدها وادعى أن العقد تقدم على الإذن، وفيه من
[109/4]
[110/4]
وأجاب شيخنا الحاج القاضي ابن عبد الله العقباني: ليس في هذه المسألة توقف أن القول قول محمد حيث لم تقم عليه بينة في كلا الدعوتين أما الأولى فالأصح والمشهور أن دعوى الضمان لا تتوجه فيها اليمين على المنكر لأن ذلك من دعوى المعروف والتبرع كدعوى الهبة والإقالة ونحوهما، فإذا كانت دعوى زيد أنه ضمن عنه الدين لأربابه ساقطة بمجرد ما كانت الثانية ساقطة لاستعبادها إذ أن الرهن لا يكون بيد من ليس له حق في الدين إلا على حكم الاستيمان، ولأن الأصل براءة الذمة مما يوجب تضمنيها ضمان التهمة
[110/5]
وسئل سيدي عبد الله العبدوسي عن قول الشيوخ في بيع الأب على ولده، إن كان نظرا مضي، وإن كان سوء نظر رد وفسخ. ما معني سوء نظر؟ هل باعتبار الغبن؟ أو يباع ما يساوي مائة بعشرين؟ أو يبيع ما لا يبيعه رشيد لغبطته، وإن باع بثمنه أو بأكثر؟
فأجاب: سوء نظر الأب قد يكون باعتبار الغبن في الثمن، أو يكون المالك عبيطا جدا، فيكون بيعه عليه سوء نظر، باتفاق من أرباب البصر، إلى غير ذلك من سوء النظر.
[129/6]
[لا يتصرف الوكيل إلى وفق المصلحة]
وقاعدة الباب: أن الشرع أقام الأب وكيلا لابنه، والوكيل لا يتصرف إلى على وفق المصلحة، فإن خالف ذلك رد فعله، إذ لم يوكل عليه، ويعرف ذلك بالنظر فيه عند نزوله، إذ أبواب النظر لا تنحصر، بل تختلف باختلاف الأعصار والأمصار والنظر في الغبن يوم البيع، إذ لو كان النظر فيه بعده، لما تقرر بيع غالبا. والذي مضي به العمل أن بيع الغبن يفسخ، وإن أوفى المشتري ما بقي من القيمة فيه. وفيه ثلاثة أقوال. وبالله التوفيق.
[ما يجوز التعامل به من السكة المغشوشة]
وسئل أيضا عن مسألة تظهر من جوابه.
فأجاب بما نصه:
إن كان الجزء المشوب بالفضة من النحاس معلوما قدره لا يزاد فيه، واشتهر ذلك عند الخاصة والعامة من أهل دار السكة وغيرهم من المتعاملين، جاز طبعها على ذلك، وجاز التعامل بها، لأن أمنا من التدليس بها. وبهذا أفتى بعض علماء المشرق اليوم، ممن يعتمد على فتواه. وهذا منصوص لعلمائنا. وإنما يمنع بث ذلك فيها في بلد جرى تعاملهم فيها بالفضة الخالصة أو بالزيادة، على ما استقرت به العادة من الزيادة فيها، لأن ذلك غش وتدليس. ومن غشنا فليس منا كما قال نبينا - صلى الله عليه وسلم - . ويجوز ذلك أعني الزيادة المعلومة من النحاس بالشروط المتقدمة، وإن لم تدع إلى ذلك ضرورة، فكيف والضرورة ماسة إليه؟ وبالله تعالى التوفيق.
قلت: قال ابن عبد السلام عند قول ابن الحاجب: ويكسر الزائف إن أفاد وإلا سبك مانصه:
110/7] ولما وقف الشيخ أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله على جوابي الشيخين المذكورين قيد تحتهما ما نصه: وقفت على ما كتبه الشيخ حفظه الله أعلى هذا, وما قاله الأستاذ على أثره وجميعه صحيح, والسلام على من يقف عليه, من كاتبه إبراهيم الشاطبي ورحمة الله وبركاته.
ولما صدر جواب الشيوخ فوقه رفع صاحب الشكاية أمره إلى السلطان فصدر أمر السلطان أن يقضي له على حسب ما أفتى به الشيوخ فذهب إلى موضعه, إلى متولي القضاء به في ذلك الوقت, فلم يفصل بينه وبين صاحبه, وتغلب من طلب التمسك بالعوائد على القاضي وأشيع هذا في غوغاء الناس, وشنع الأمر عندهم فتألف بعض الجهلة, وأظهر التعصب للعادة, فلم يتم له مراده نيأل الله تعالى أن يعافينا بمنه.
[حكم الزيادة في المرتب من بيت المال يختلف باختلاف الصور]
وسئل أبو إسحاق المذكور عن مسألة الزيادة في المرتب من بيت المال, وكان السائل له الشيخ الشهير أبو عبد الله الحفار المذكور فوقه.
فأجاب بأن قال: أما طلب الزيادة في المرتب من السلطان فإن كان هذا المبتغي للزيادة يعمل عملا كثيرا والمقدار الذي يطلب أن يزاد يشبه إذا نظر في ذلك بالعدل أن يكون مستحقا له فطلبه جائز, وإن كان الأمر بخلاف ذلك فلا يتعرض لذلك, وهذا مما يختلف, فصورة يقطع بأن ابتغاء الزيادة فيها جائز, وصورة يقطع بأن ذلك لا يجوز, وإن طالب ذلك آكل مال بباطل, وصورة في معرض النظر والاجتهاد, ثم لما وصل الجواب في الزيادة في المرتب من الأحباس كتب إليه السائل معيدا في فصل من كتاب, قال: وقد جرى على قدر الله بوقوعي في مسألة زيادة المرتب, وقد أخذت تلك الزيادة نحو ثلاثين سنة فما أفعل ؟
فأجاب وقفت على سؤالكم المكتتب فوق هذا, والجواب والله الموفق للصواب, أن مسألة الزيادة في المرتب لما وقعت وأخذتموها مدة فليس رد ما
[
وقال ابن عرفة: ظاهر مسألة سحنون أن الموروث فيها الشفعة نفسها، وظاهر مسألة ابن زرب أن الموروث فيها إنما هو الشقص الذي تجب الشفعة به فتأمله! انتهى. فهذا من هذا الإمام ابن عرفة رحمه الله جنوح وركون إلى حمل كلام ابن زرب على العموم والإطلاق في الخليفة ونائبه، وتوفيق بين ابن زرب وسحنون، بخلاف ما وفق له ابن رشد بينهما، فتأمله، فإنه دقيق المعنى! لكن الشيخ أبوعمران الفاسي حكى في التعاليق خلافا هل يؤخذ للمساجد والمساكين بالشفعة أم لا؟ وهي من نمط هذه ومعناها، وهذا كله إذا كان الحظ الذي استشفع به الأمير أيده الله مما جرته الوارثة في الأصل لجماعة المسلمين وجانبهم - وفرهم الله - لا مما هو خاص به خالص له، مما وهب له أو أوصي له به أو ورثه من بعض كرائمه، فإن كان الحظ المستشفع
[113/8]
[114/8]به لجانب المسلمين - أثمره الله - وكان الخليفة - أيده الله - فوض للأمير المذكور أن يأخذ بالشفعة فأخذ بها على قول مالك وكان الأخذ نظرا مضى أخذه على مسلك ابن رشد، لا على مسلك ابن عرفه. غير أنه يبقى في المسألة شيء وهو من أهم أغراض السائل، وذلك أن الإشهاد الصادر من الأمير بالأخذ بالشفعة في الحظ المبيع إن كان بحضرة المبتاع فلا إشكال في صحة الأخذ، وبنفوذه ينفذ ما عقده - أيده الله - من البيع فيه وفي الحظ المستشفع به. ولا كلام للمبتاع من أجل تأخير الثمن، وحجته فيه واهية داحضة لا عمل عليها، فإن كان الإشهاد المذكور وقع من الأمير المذكور في غيبة المبتاع المستشفع من يده ولا علم عنده بالإشهاد المذكور إلى هذا التاريخ فهو على حقه في الحظ المشترى ولا ينفذ فيه بيع ولا غيره لمضي مدة تنقطع فيها شفعة الحاضر على المشهور المعلوم في المذهب، والله سبحانه أعلم وبه التوفيق. وكتب عند أحمد بن يحيى بن محمد بن علي الونشريسي وفقه الله.
[هل يؤخذ بالشفعة للمساكين والمساجد؟]
فأجاب: إن كان بيعه على القرب من عرض الأول فالجعل بين السمسارين لكل واحد منهما بقدر عناه به وتشاغله فيه وبالله التوفيق، قيل له: كذلك الثياب إذا دفع إليه ثوبا ليبيعه فعرضه فأبي أن يبيعه، ثم رجع به صاحبه إلى داره ثم دفعه إلى سمسار آخر فباعه له فقال لا رجوع هذا انصراف عن بيعه، قال وهذا الجعل الذي يجرى في الأسواق لا يصلح منه شيء ويكون فيه للمنادى جعل مثله، لأنه لا يصلح أن يقول اعرض لي هذا الثوب فإن بعت فلك وإن لم تبع فلا شيء لك إلا في الثوب والثوبين الذي تخف فيه المؤنة في المناداة عليه، وقال الشيخ: أما الذي يكون له دين على رجل ويأمره على أن يشترى له به سلعة ويزعم الذي عليه الدين أنه اشترى سلعة فضاعت ولا يعرف ذلك كله إلا بقوله فوجه القول فيه عندي أن الدين باق على حاله ولا تبرأ ذمته منه بدعواه إذا لم يصدقه رب الدين بالشراء.
[123/9] ... نوازل الهبات والصدقات والعتق
[مسألة]
وسئل ابن المكوي رحمه الله عن رجل كانت له ابنتان صغيرتان فأشهد لهما على نفسه في صحته أن جميع ما معه من حلى وثياب في داره هبة منه عليهما وأشهد لهما أيضا أن تابوت كذا بما فيه من الثياب للبنت الواحدة والمسير بما فيه من الثياب أيضا للثانية وأنه لم يستثن لنفسه مما ذكره إلا كسوة ظهره، وأشهد لهما أيضا مطمورة كذا للصبية الواحدة وجميع ما في البيت من الطعام للثانية إلا أن الشهود لم يعاينوا ذلك ولا عرفوا قدره إلا المطمورة ملئا طعاما وفي البيت كذلك للثانية من الطعام أيضا إلا أن الحلي ظاهر يلبسهما إياه قبل موت أبيهما أترى ذلك جائزا أم لا؟
فأجاب: ذلك كله لهما إن شاء الله.
[مسألة]
وسئل عياض عن رجل ( )(¬1) على عامل بلده وعلى مرابطيه وحشمه فرفع أمرهم للأمير ، وذكر في رفعه أن قاضي البلد المذكور لا يخاف الله ولا يعمل شيئا لوجهه وأنه يقطع حقه متى احتاج إليه ، فقام عامل البلد المذكور بعد عام كامل بوثيقة ذهب على الرافع عليه وأثبتتها لدى القاضي المذكور ، فرفع الرجل المذكور أمره إلى الأمير حين قام عليه العامل بالوثيقة ، فأخرج أمر الرجل المذكور مع العامل المذكور لقاض من قضاته . فهل ترى - وفقك الله - للعامل المذكور أن يوكل أحدا من أصحابه أو حشمه أم لا ؟ وهل يقبل عليه ثبوت ذلك القاضي المذكور إذ هو قد ذكره في الرفع الأول وما زال مشتكيا منه ومن العامل المذكور إلى الآن ؟ بين لنا - أعزك الله - ما توجبه السنة إن كان يجوز للعامل أن يوكل أحدا من أصحابه أو يتكلم معه بنفسه ، أو يجوز عليه ثبوت القاضي المذكور ، وهل على البينة شيء في شهادتهم أم لا ؟ بين لنا ذلك كله موفقا مأجورا إن شاء الله .
فأجاب بأن قال لا يمنع العامل من التوكيل فيما ذكرت وأما إثبات القاضي المذكور على هذا الرافع فإن لم يكن بينه وبينه عداوة سوى رفعه عليه فليس يمنعه الإثبات ، لأن هذا مما يتوصل به أهل الباطل إلى التشغيب إلا ما كان بعد إخراج الأمر عن يده إلى غيره بين هذين المتحاكمين ، ولا يصح له بعد هذا إثبات ، وبالله جل اسمه التوفيق . ومن قول مالك في قاض عزل عن رعيته فادعوا أنه جار عليهم في أحكامه أن أحكامه جائزة ولا ينظر إلى قولهم ، [100/10] ولا خصومة بينهم وبينه إلا أن يرى القاضي الذي بعده من أحكامه جورا بينا فيرده ويفسخه . انتهى .
[القاضي الذي قدمه قائد البلدة كالحكم لا يقضي إلا بتراضي الخصمين]
وممن نص على جواز تقليد الشاذ للعامي: الإمام أبو عبد الله بن عبد السلام، على قول ابن الحاجب ولا خيار للحرة تحت عبد في الجميع على المنصوص من كتاب النكاح لو استغنى بالشاذ عن المخرج لكان أحسن، لأن القول الشاذ قد ينصره الفقيه، ويختاره المجتهد، ويقلده العامي وكل ذلك مفقود من القول المخرج انتهى هذا وهو من أهل الطريقة الثانية الذين لا يرون الفتيا إلا بالمشهور، وخصوصا بمذهب المدونة ما وجد على ما استقرئ من كلامه، كاعتراضه على ابن الحاجب قوله: فالوتر على المنصوص وهو كثير في كلامه.
هذا ما يخص المسألة الأولى بحسب الإشارة إلى أوائل الأمور ومدارك
[103/11] المسألة من حيث الوقوف مع النقول. وأما من حيث النظر فمقام آخر لست من أهله. والشرط أملك. قلت:
وسئل الأستاذ أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله عن مراعاة قول ضعيف أو رواية ضعيفة.
[هل يراعى القول والرواية الضعيفان؟]
فأجاب: مراعاة الأقوال الضعيفة أو غيرها شأن المجتهدين من الفقهاء إذ مراعاة الخلاف إنما معناها مراعاة دليل المخالف، حسبما فسره لنا بعض شيوخنا المغاربة. ومراعاة الدليل أو عدم مراعاته ليس إلينا معشر المقلدين، فحسبنا فهم أقوال العلماء، والفتيا بالمشهور منها. وليتنا ننجو مع ذلك رأسا برأس لا لنا ولا علينا انتهى. وأما المسألة الثانية فهي من فروع الأولى سواء، لأنها فتوى بغير المشهور، فتنبني على ما مر، لأن من شرط الرد في الدرهم على المشهور، أن يكون المردود النصف فما دون. على هذا تظافرت نصوصهم. وروي عن أشهب رد الأكثر. وعبر في المدونة بالكراهة قال في التهذيب: وإن بعت درهما فأخذت بنصفه فلوسا وبنصفه فضة أو اشتريت بنصفه أو بثلثيه طعاما وأخذت بباقيه فضة جاز ذلك وإن أخذت بثلثه طعاما وأخذت بباقيه فضة فمكروه، انتهى وعبارة المازري وابن الحاجب وغيره المنع. وقال أبو الحسن: إن نص الأمهات: فلا يجوز.