91/1] المصحف وخرج له واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد, وما فعله بالمصحف حينئذ مشهور, ولحقته عقوية الله تعالى بعد ثلاث. سنة الله في تأخير الهلاك عمن حلت عليه العقوبة هذه المدة. وفي هذه الحكاية أدل دليل على حفظ الله تعالى له عن أن ينال بمثل هذا. وما ورد من النهي عن السفر بالمصحف إلى أرض العدو ولو في الجيش الكثير إلا من الأحذر أن تناله يد الكافر, وذلك مؤد إلى عدم تعظيم ما عظم الله من حرمته. على أنه لو قدر أن يناله الكافر والعياذ بالله من ذلك لما مكنه الله من إهانته, ولألقى في قلب العدو من المهابة والإجلال ما يعظمه له أجل إعظام. وقضية النصراني مع الموحدين في كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بعثه إلى هرقل, وما وجدوه عليه من الحفظ والإكرام تدل على هذا. وكذا ما نسمع من تعظيم كتب العلم فيما استولوا عليه من بلاد الاسلام, كقرطبة وغيرها جبرها الله على المسلمين ودمر الكافرين بمنه وفضله. ولقد ناظرت يوما يهوديا يزعم أن لديه شيئا من المعارف والعلوم, فانجر الكلام معه إلى أن سألني عن معنى الحوب في قوله تعالى إنه كان حوبا كبيرا. وما تريد إلى السؤال عن تفسير لغة الكتاب العزيز؟ فقال لي منكرا: كيف لا أسأل عن تفسير ألفاظ كتاب أعجزت فصاحته الأولين والآخرين بقدرته؟ إنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد, نفعنا الله به في الدنيا والآخرة وجعله لنا شفيعا يوم العرض عليه, ورزقنا اتباعه وغتباع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلى أن نلقاه تعالى ونحن على ذلك لا مبدلين ولا مغيرين. فلو نسخ في النجس مع مرور الدهور, وتكرار الأعوام والشهور, لأتاه الباطل, وذلك باطل, وما أفضى إلى الباطل باطل. فالقول بنجاسة الورق الرومي باطل. والأصل عدم التقييد فيما ورد في الآية من لفظ الباطل.
الملة الكافرة وزعموا انهم فروا الي الله سبحانه بأديانهم وأنفسهم وأهليهم
وذرياتهم وما بقي بأيديهم او أيدي بعضهم من الأموال , واستقروا بحمد الله
سبحانه بدار الاسلام تحت طاعة الله ورسوله وحكم الذمة المسلمة ندموا علي
الهجرة بعد حصولهم بدار الاسلام وسخطوا وزعموا انهم وجدوا الحال عليهم
ضيقة وأنهم لم يجدوا بدار الاسلام التي هي دار المغرب هذه صانها الله
وحرس أوطانها ونصر سلطانه بالنسبة الي التسبب في طلب أنواع المعاش علي
الجملة رفقا ولا يسرا ولا مرتفعا , ولا الي التصرف في الأقطار أمنا لائقا , وصرحوا
في هذا المعني بأنواع من قبيح الكلام الدال علي ضعف دينهم وعدم صحة
يقينهم في معتقدهم , وأن هجرتهم لم تكن لله ورسوله كما زعموا , وانما
كانت لدنيل يصيبونها عاجلا عند وصولهم جارية علي وفق اهوائهم , فلما لم
[119/2]
[120/2]
يجدوها وفق اغراضهم صرحوا بذم دار الاسلام وشأنه , وشتم الذي كان
السبب لهم في هذه الهجرة وسبه , وبمدح دار الكفار وأهله والندم علي مفارقته ,
وربما حفط عن بعضهم انه قال علي جهة الانكار للهجرة الي دار الاسلام التي
هي هذا الوطن صانه الله : الي ها هنا يهاجر من هناك , بل من هاهنا تجب
الهجرة الي هناك وعن اخر منهم ايضا انه قال : ان جاء صاحب قشتاله الي هذه النواحي
نسير اليه فنطلب منه ان يردنا الي هناك يعني الي دار الكفر , وعن بعضهم أيضا
أنهم يرومون اعمال الحيلة في الرجوع الي دار الكفر معاودة للدخول تحت
الذمة الكافرة كيف أمكنهم , فما الذي يلحقهم في ذلك من الاثم ونقص رتبة
الدين والجرحة وهل هم به مرتكبون المعصية التي كانوا فروا منها ان تمادوا
علي ذلك ولم يتوبوا ولم يرجعوا الي الله سبحانه منه وكيف من رجع منهم بعد
الحصول في دار الاسلام دار الكفر والعياذ بالله هل يجب علي من قامت
عليه منهم بالتصريح بذلك أو بمعناه شهادة أدب أو لا حتي يتقدم اليهم فيه
=فأجاب : إن الخلع ماض لا خلاف فيه ، وليست كمسألة المدونة : إذا خالعت ثم انكشف أن بع عيبا من الجذام أو غيره مما يوجب الرد ، أنها ترجع عليه بما اخذ منها لأنها كانت املك بفراقه ، وفي مسألتها لا ترجع عليه بشيء لأنها كانت قادرة على الصبر إلى أن يضرب لها الأجل إن كان يرجى برؤه ، فإن كان لم يبر فارقته ، فلها منفعة في التعجيل .
[إذا قبل الوالد توكيل ابنته إياه ، فإنها تصير رشيدة ، ولا يجوز دعوى الحجر عليها]
*وسئل : القاضي أبو محمد عبد الرحيم اليزناسني عن رجل زوج ابنته ودخل بها الزوج وبقيت معه مدة من عشر سنين ، فوقع بينهما منازعة ، فطلبته فيما حل عليه من كالئ صداقها ، ووكلت أباها على ذلك فقبضه لها وأبرأت الزوج من ذلك ، ثم بقيت بعد ذلك مدة وطلبته بكسوتها ، فامتنع الزوج من ذلك وادعى أنها لا تحتاج إلى الكسوة ، لكونها غيبت كسوتها وطلبها في إظهارها ، فأنكرت أن يكون عندها شيء البتة ، فأراد تحليفها على ذلك ، فاستظهر عند ذلك والدها برسم يتضمن حجرها ، وأراد سقوط اليمين عنها[94/3]بسببه ، فهل له ذلك أم يكون توكيلها إياه على قبض كالئها دليلا على رشدها ، فلا ينفعه استظهاره بالحجر إلا بعد ثبوت سفهها بعد ذلك .
=فأجاب : إن بقبول توكيلها صارت رشيدة ، استدل لذلك بعض المتأخرين بما وقع في سماع أشهب وابن نافع في استحقاق العتبية فيمن باع عليها أبوها وزوجها أصلها ، فسئلا عن ذلك فقالا وكلته ، وأما ابن رشد في تكلمه عليه فلم يتعرض لهذا الاستدلال ، وهو صحيح في المعنى لما وقع في المدونة من قوله في فعل المحجورة إذا أجاز أبوها فعلها ، قال ابن رشد أي يقول هي جائزة الأمر ، وهذا الذي استدل به المتأخرون لذلك الأمر ، وقد وقعت في وقتنا وحكم به هذا فيما يرجع للمال ، وأما هذه فاليمين عليها وإن كانت محجورة ؛ لأن النفقة والكسوة ترجع إلى البدن الذي هو من أمور الزوجية ، وكتب عبد الرحيم بن إبراهيم اليزناسني .
[
علي حرام إذا تزوجتها، وعلق التحريم على التزويج، فهذا تحرم عليه إذا تزوجها، وإن قال: أردت تحريم تزويجها ولم أقصد التعليق، فلا تحرم عليه إذا تزوجها، وكذلك إن قال: لم تكن لي نية في تعليق ولا غيره، وإنما قلت قولا مطلقا فلا تحرم عليه أيضا، ولا يقال إن البساط يدل على التعليق فتحرم عليه إذا لم تكن له نية؛ لأن عامة المغرب لا يعرفون التعليق ولا شعور لهم به البتة، وكل ما لا يخطر بالبال إلا بالإخطار فلا يجعل مراد المتكلم، والسائل المذكور عامي.
[ من حلف بالطلاق أن يبيع العسل بدرهمين فباعه بأكثر لزمه الطلاق]
وسئل عن رجلين كانا يبيعان العسل يوم مولد النبي عليه السلام، فقال أحدهما لصاحبه: تبيع كيف نبيع؟ فقال له: وأنت في يمين، فقال له: نعم، فقال له: عليه الطلاق حتى نبيعه بدرهمين للرطل، وكانا يبيعانه بثلاثة دراهم للرطل، فباع معه بعض البعض بدرهمين، وبقي يبيع بعد ذلك بثلاثة دراهم، فجهز أحدهما متابعه بدرهمين والآخر شط (¬1) له وحمله لداره، وكان يبيعه بدرهمين وثلاثة، فهل عليه حنث أم لا؟
فأجاب: سؤالكم فيه احتمالات من وجوه، لكن اختصار الجواب، أن كل واحد منهما إن كان التزم الطلاق أنه يبيع رطلا بدرهمين إما إنشاء أو اقتداء بيمين صاحبه وملتزما لما التزم، فباع بأكثر، حنث، وسواء باع جمعيه أو بعضه، لأن الحنث يقع بأقل الأشياء، وأما الذي شط له وعباه (¬2) لداره، فإن كان فعل ذلك هربا من بيعه بدرهمين مطلقا لا في هذا اليوم ولا فيما بعده، ثم باعه بعد ذلك أو بعضه بأكثر من درهمين حنث، وإن قال: إنما قصدت في هذا اليوم دون غيره، أو قال: إنه لم تكن له نية في ذلك، فلا يحنث إذا باع بعد ذلك بأكثر من درهمين، وبالله سبحانه التوفيق.
[
وأجاب ابن أخيه شيخنا القاضي العلامة أبو عبد الله محمد بن أحمد العقباني بما نصه: أما الذي تبين كذبه للبائع له الأرض اختلاسا منه لبعض ثمنها الذي تساويه بغير الكذب فالبائع مخير فيه في الرد عليه والإمضاء بعد الإطلاع على كذبه ما لم تفت بما يفوت به البيع الفاسد فيكون فيه القيمة وقد وقع ما يشهد لذلك من المسألة الواقعة في آخر سماع ابن القاسم من كتاب جامع البيوع قال وسئل مالك عمن قال لرجل له حائط يبيعه انظر ما أعطيت بحائطك فلك زيادة دينار فلقيه صاحب الحائط فقال أعطيت مائة دينار قال فلك زيادة دينار قال فنقده وقبض الحائط ثم سأل الذي زعم أنه أعطاه مائة دينار فقال ما أعطيته مائة وما أعطيته إلا تسعين قال مالك البيع لازم لهما ولو شاء أستثبت لنفسه قبل أن يدخل فصدقة في أول ثم يكذبه في آخر
[106/5]
ومنها: أنه باع من الأملاك بأكثر من الدين والبيع لو وجب لم يبع إلا بمقدار الدين. ومنها: عدم التسويق في البيع والإشادة والندا عليه في مظان الزيادة، حتى يبلغ سدادا من الثمن، لأن الظاهر أن المبيع لم يعرض للنداء عليه. وبعض هذا كاف في رد البيع على ما لا يخفي. وأما الذين عقدوا التقديم فلا يشهدوا عليه، ولو كانوا عدولا، لأنهم شهدوا على فعل أنفسهم، فكيف وهو غير عدول؟ ولا تجوز شهادتهم لعدم عدالتهم في شيء من الأشياء. وأما التقديم فلا يعقده إلا القضاة المنصوبون لأحكام القضاء من قبل من يجب. وجماعة العدول في البلاد النائية عن السلطان لا غير، وبالله تعالى التوفيق.
[الإشهاد بالبيع وقبض الثمن لمن لا تؤمن سطوته]
وسئل عما ينتفع به الظالم في قول المالكية.
فأجاب بأن قال: الذي ينتفع به الظالم في قول المالكية هو إثبات الاشتراء أو ما فيه معناه ممن يأمن سطوته وغائلته وإلا فلا ينتفع به. وإن كان فيه الإشهاد بالطواعية، لأن البائع يقول: إنما أشهدت في رسم الاشتراء بالطواعية خوفا على نفسي من ظلمه، وكذلك لو قال لم أقبض منه الثمن وقد أشهد على نفسه بقبضه، لأنه يقول: لو لم أشهد له بقبضه، للقيت منه شرا.
وكذلك سائر مقدمات الانتقال لا ينفع بإشهاد مالك الأصل على نفسه به، لأنه يحتج بمثل الحجة المذكورة.
[يمنع ضرب سكة مساوية للسكة الجاري بها العمل أو أحسن منها]
وسئل سيدي عبد الله العبدوسي عن تسكيك الإنسان دراهم نفسه لنفسه على مثل سكة السلطان أو على أطيب منها.
فأجاب بأن ذلك جائز. وإنما يمتنع مخافة أن يطلع عليه فيعاقب وسدا
[123/6]
للذرائع مخافة التلبيس على سكة السلطان، ومخافة أن ينسب إلى التدليس، لأن أكثر من يصنع ذلك مدلس.
[معاملة مستغرق الذمة]
وسئل سيدي موسى بن علال(¬1) عن رجل يخالط من هو مستغرق الذمة بأنواع المعاملات كحال التجار من بعض الظلمة، هل يصير ذلك مستغرق الذمة أم لا؟
يصح التحبيس بإشارة مفهمة]
وسئل ابن لبابة عن المرأة المريضة التي اشتد مرضها, فقيل لها تجعل شجرك لهذا المسجد بحضرة ورثتها, فأشارت برأسها أي نعم.
فأجاب: إذا فهم الشهود أنها قد فهمت عنهم وفهموا عنها أن إشارتها تجويز لها وصح عندهم فهو جائز, وإن أشكل عليهم لم يجز.
[من حبس في مرضه دارا واستثنى منها طريقا]
وسئل أبو صالح عن رجل تصدق على بنته بدار وحازها عليها, ثم إنه مرض فحبس دار له أخرى على مسجد لفلان لضوءه كذا(¬1) إلا أنه كان يقول لابنتي فيها طريق من دارها التي تصدقت عليها بها إلى زقاق كذا, ثم مات بأثر ذلك فقام الورثة, وهم ورثة الميت فأنكروا ذلك من قوله, وقالوا لابنته لا نعطيك مخرجا إلا بالثمن البالغ لأن هذه وصية لوارث, والموضع الذي طرق به
[105/7] لابنته له, ترى للورثة القيام ؟.
فأجاب: لهم ذلك: لأنه استثناء عن الحبس لها.
[من جعل لبن بقرته للمساكين, ثم أوصى بها لغيرهم]
وسئل عن الذي جعل لبن بقرته للمساكين وانتفع بها المساكين سنين ثم أمر ببقرته عند موته للسبي.
فأجاب: إن كان أبرزها للمساكين على يد من يدفع إليهم اللبن لم يجز له أن يحولها عنهم إلى أهل السبي ولا غيره, وإن كان هو الذي يلي إعطاء اللبن فله أن يصرفها حيث شاء, لأنه لو لم يصرفها ثم مات وهي في يده لم تجز من قبل عنه ولا جعلت على يد حائز على المساكين فهي موروثة عنه.
[حكم بيع الأنقاض المقامة في أرض الحبس]
107/8]
[108/8]فأجاب أبوبكر بن مغيث وأبو جعفر بن رافع رأسه وغيرهم أنه ليس له فسخ الكراء وله الأخذ بالشفعة ويبقى المكتري إلى مدته، وإسلام الشفعة إن شاء كعيب حدث بالمشترى وذهب سؤال ذلك. ومن الدليل لهم ما في كتاب الشفعة من المختلطة فيمن ابتاع أرضا فزرعها ثم استحق رجل بعضها وأخذ باقيها بالشفعة.
قيل لابن القاسم: أللمستحق كراء فيها؟ فقال أما حقه الذي استحقه له فله كراؤه إن جاء والبذر لم يخرج إبانه، وأما الذي يأخذ بالشفعة فلا كراء له فيه لأنه لم تجب له الأرض إلا بعد ما أخذها وقد زرعها صاحبها قبل ذلك، والحظ الذي استحقه قد كان وجب له قبل الزرع فله فيه الكراء على ما وصفت لك ما لم تفت الزراعة، قاله لي أبومحمد وكتبها إلى قرطبة.
[للمستحق إخراج المكري ونقض الكراء]
فأجاب ابن عتاب وابن القطان وابن مالك: له الأخذ بالشفعة وان يفسخ الكراء، وأصلهم في ذلك والله أعلم ما في كتاب الاستحقاق فيمن أكرى دارا سنة ثم استحقها رجل بعد مضي نصف السنة، قال ابن القاسم وللمكتري كراء الأشهر الماضية، وللمستحق إخراج المكري ونقض الكراء وله إمضاء الكراء إن شاء. وإذا أمضى لم يكن للمكتري أن يأباها.
ثم نزلت في صفر سنة ست وخمسين لعبدالرحمن بن أحمد بن حاتم عند القاضي أبي زيد بن الحنشي فكتبت بها إلى قرطبة في صفر المذكور، وقلت في السؤال: وكسف إن أكرى المشتري الشقص لعام أو أعوام يسيرة أو كثيرة هل للشفيع نقض الكراء؟
فأجاب ابن القطان وابن مالك: له إذا أخذ بالشفعة نقض الكراء إن شاء. وأجاب ابن عتاب: إن أكرى الشقص وهو يعلم أن له شفيعا لم ينفذ الكراء إلا في المدة اليسيرة كالأشهر، وأما في الوجيبة الطويلة فلا ينفذ الكراء إلا أن يكون مكتري الأرض قد زرعها فلا بد من بقائه فيها حتى يحصد، وإن
[108/8]
[
وسئل عمن دفع إلى صاحب لوح دنانير فقال له اشحن لي بها معك طعاما وتأخذ كرائك كما تكرى من الناس ففعل ما يلزم في هذا إن لم يرض رب الدنانير بما يقول صاحب اللوح من الكراء وهل يجوز هذا الفعل ابتداء وهل يجوز به الرضي أيضا؟
فأجاب: أما إذا فعل وكان حين دفع الدنانير إليه عاقده على أن يحمل في مركب نفسه ما يحصل بهذه الدنانير من الطعام في تلك البلدة بمثل ما يكون من الكراء فقد فعل ما لا يصلح من الكراء المجهول والطعام لصاحب الدنانير ولصاح المركب أجرة مثله فيما حمل لقوم كم سيدي حمله بالدنانير أو الدراهم لهذا الطعام بالمكان الذي حمله منه إلى المكان الذي وصله إليه ويقضي عليه في المكان الذي يحكم عليه فيه.
[مركب بين أشراك سافر به أحدهم ...]
وسئل عن مركب بين أشراك سافر به أحدهم إلى صقلية فأعطاه بعض الشركاء رباعيته وقال له اشحن لي بها في خاصتي فعمد إلى اللوح وأشحنه بطعام نفسه ورد عليه الرباعية وقال له: شحنت فيه كما أكروا على كذا وكذا من المائة، فقال له هذا الشريك وسائر الشركاء الكراء بأكثر من هذا، فما الذي يلزمه في حصة الشركاء وفي حصة الشريك الذي دفع إليه الرباعية أيضا وهل يلزمه كراء المثل طعاما في البلدة التي قدم إليها أم يلزمه قيمة ذلك دراهم في البلد التي أشحن منها؟
فأجاب: قد تعدى فيها صنع فعليه قيمة كراء المركب يوم حمل فيه لنفسه بصقلية من ثم إلى الغاية التي انتهى إليها تقوم كما تسوى دراهم أو دنانير تقبض منه في موضع الحكم عليه وبالله التوفيق.
[118/9] ... ... ... ... ... [مسألة]
فأجاب : الضمان الذي يفعله بعض الناس وأهل العراق ويضمنونها أقواما يكون لهم ربحها وعليهم ضمانها حرام لا يحل ، والسنة فيها أن يستودعوها من يوثق به إذا لم تكن لهم أوصياء ، فإن كان لهم وصي لهم تحرك من يديه إن كان ثقة ، وإن كان غير ثقة أخذها القاضي واستودعها من يوثق به . وإن رأى القاضي أو الوصي دفعها إلى من يتجر بها أو يقارض لهم أهل الثقة على النظر لههم فذلك حسن . ولو اتجر فيها الوصي لنفسه أو من أودعه إياها القاضي فلا بأس إن كان مليا وليس بحرام ، والتستر عنه أفضل . وفي رسالة القضاء والأحكام ، فيما يتردد بين المتخاصمين عند القضاة والحكام أن بعض قضاة القيروان لما تحقق عندهم أن الأمناء يتجرون بأموال الأيتام لأنفسهم كانوا يدفعون الأموال إلى الأمناء ، فإذا قضوا فيها إلى مواضعهم عادوا إلى القاضي فأقروا عنده أنهم أدخلوا فيها أيديهم وصرفوها في مصالحهم حتى صارت بذلك في ذمتهم ، فيكتب القاضي حينئذ عليهم في ديوانه أنها صارت في ذمتهم بتحريكهم إياها ، ويذكر في ديوانه القصة كما جرت ويشهد على الأمناء وذلك من القضاة هروب من قول ابن القاسم إن دفعها إلى الأمناء على أن يضمنوها حرام فيتوصلوا بهذه الطريق إلى تضمينه إياها .
[لا يقبل كتاب القاضي عند آخر ، إلا بإشهاد الأول عدلين بما في الكتاب]
وسئل أبو حفص العطار عن كتاب القاضي إذا أتى إلى آخر وعرف أنه خطه وخاتمه هل يجتزئ به إذا عرف خطه ؟ أو لا بد من الشهادة عليه ؟
[
98/11]عليه وسلم، لأنها بيوت عظمها الله سبحانه، فوجب أن تعظم وتنزه، قال الله سبحانه: ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه﴾. معناه: أمر بذلك وأوجبه سبحانه وتعالى فمن ترفيعها أن تخلص لأعمال البر وعبادة الله، فلا يباع فيها ولا يشترى، ولا تعمل فيها الصناعات، ولا يوكل فيها ألوان الطعام ولا ينشد فيها شعر، ولا تنشد فيها ضالة وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من سمع منشدها فيه أن يقول له: لا ردها الله عليك. ولا يوقد فيها نار، ولا يرفع فيها صوت، ولا يغسل فيها شيء. فقد كره أهل العلم ذلك حتى في العلم. وقد بنى عمر رضي الله عنه رحبه بناحية المسجد تسمى البطيحاء وقال: من كان يريد أن يلغط أو ينشد الشعر أو يرفع صوته، فليخرج إلى هذه الرحبة وإنما أرخص مالك رضي الله عنه في الأكل في المسجد للغرباء أن يأكلونافيه الطعام الجاف، مثل التمر، وما أشبهها كما أرخص لمن ليس له منزل من الغرباء وغيرهم أن يبيتوا فيه للضرورة والحاجة الداعية لهم إلى ذلك. فاجتهد وفقك الله وإيانا في قطع هذه البدعة والذب عن بيت الله سبحانه، يأجرك الله ويجزل حظك والله يعينك.
قلت: قال ابن العربي في أحكامه القرآنية عند قوله تعالى ﴿وأن المساجد لله﴾: تجوز قسمة الأموال في المساجد، ووضع الصدقات فيها برسم الاشتراك بين المساكين فمن جاء أخذ. ويجوز حبس الغريم فيها وربط الأسير، والنوم، وسكنى المريض، وفتح الباب إليها لجار المسجد، وإنشاد الشعر إذا عري عن الباطل وإن كان غزلا. انتهى.
قال الأبي: وأجاز الشيوخ قراءة الحساب به إذا لم يلوث وإعراب الأشعار الستة، بخلاف قراءة المقامات، لما فيها من الكذب والفحش وكان ابن البراء إمام الجامع الأعظم بتونس لا يرويها إلا بالدويرة منه، إذ ليس للدويرة حكم الجامع.
[قتل القملة وطرحها في المسجد]