وها هنا نكتة أخرى وهي أنه لو كان النسخ في هذا الورق معصية وأهل الحل والعقد من علماء الأمة في الأعصار الطويلة والأقطار المديدة لا يرونها معصية بل يعتقدون فيها الطاعة والقربة لكون النسخ فيه من حفظ الدين على الأمة من نسخ الكتاب والسنة وأقاويل الأيمة لكان هؤلاء المذكورون كفارا لا عصاة. لأن مرتكب المعصية مستحلا لها كافر, فكيف بمن يعتقدها طاعة؟! ومما يزيد هذه النكتة إيضاحا أنه كثير ما ينسخ فيه المصحف الكريم. ومن قواعد الدين الأصلية والفرعية أن ملقي المصحف في القاذورات كافرا, والراضي بكتابته فيه كافر, وفيما أدى إليه هذا القول من هذه الشناعة العظيمة التي هي تكفير هؤلاء الأمة والبدعة الجسيمة ما لا يخفى.
لا يقال: يرتفع التكفير للجهل بحكم المسألة, وتبقى المعصية للقدوم على
[90/1] معصية لم يعلم حكم الله تعالى فيها, ولا بعد في هذا الجواز الجهل على مثلهم وإن كان بعيدا.
لأنا نقول لا يعذر في المسائل التي يكفر بها بجهل ولا تأويل.
السادس: قوله تعالى: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون, فضمن الله تعالى حفظ كتابه العزيز. وقد شاع في هذه الأعصار والأقطار كتب القرآن في الورق الرومي. فلو كان نجسا لما كان القرىن محفوظا, لأن ما كتب في النجس لم يحفظ, وبطلان التالي يدل على فساد المقدم.
لا نقول: الأصل عدم التقييد, ولذا وردت الشريعة بحفظه مما هو أقل من هذا بمنع المحدث الحدث الأصغر من مس المجلد الذي يسفر به ولو بقضيب. قال الله تعالى: في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون.
الساكنين بين أطهر المشركين أجراها بعضهم علي مسألة الحربي يسلم فيهاجر
أو لم يهاجر وببلد الحرب أهله وولده وماله , وهي في كتاب الجهاد والنكاح
الثالث منها . والذي اختاره من القولين قول أشهب وسحنون لعموم قوله عليه
السلام : لا يحل ما لا امرئ مسلم الا عن طيب نفس منه , وقوله : كل
المسلم علي المسلم حرام .
اسير رهن ولده في فدائه ومات
وسئل " أبو صالح " عن رجل من المسلمين اسر بدار الحرب فجعل ولده
رهنا في فدائه بمائة دينار.؛ ثم أقبل الي دار الاسلام ليبيع ماله ويصالح في فداء
ولده مما رهنه فيها , فبينما هو يعالج اذ مات .
فأجاب تخرج المائة من رأس مال أبيه الميت , كان الولد صغيرا
أو كبيرا , لأنها دين علي الميت لهذا الولد المرهون .
وسئل أيضا عن الذين جعلوا اولادهم رهائن عن أهل الحصن
أو طلب اليهم في ذلك وخافوا الغلبه علي أهل الحصن فجعلوهم رهائن بمائتي
دينار .
فأجاب بان علي جميع أهل الحصن كل من تحصن فيه الفدية علي قدر
انتفاعهم بذلك . قيل له فالغني والفقير والقوي والضعيف والمرأة والصبي
والكثير العيال سواء فقال يعطي كل واحد علي قدر الا نتفاع .
[117/2]
[118/2]
يدفع كل أهل البلد المحاربين للعدو
قسطا من الجعل المخصص لطلائع الحراسة
وسئل عن أهل بلد محاربين للعدو اجمع رجالهم وشيوخهم علي أن
يخرجوا طلائع الي فجاج وجاه العدو مثل خمسين فارسا ونحو ذلك , يقتسمون
علي أربع فجاج , تحرز كل طائفة منهم الفج الذي تكون عليه , علي أن يجزي
لهم في البلد علي كل زوج شئ معلوم الي أجل معلوم ويكونون في الفجاج
الي أجل معلوم , وكيف أن اطفر الله المحرزين بالفجر سرية من العدو مقبلة
الي دار الاسلام فهزموهم وأخوا خيلهم , اتري لاصحابهم المحرزين في غيرها
من الفجاج حقا فيما اصاب هؤلاء ام لا حق لهم في ذلك وكيف ان اشهدوا
علي انفسهم وقت خروجهم الي الفجاج ان ما أصابوا من غنيمة العدو
=فأجاب : قول ابن الأخ المذكور لا نرفع ولا حاجة لي بها ، محتمل أن يريد به طلاقها ، وهذا مرجوح أو يريد به أنه يفارقها في الاستقبال ، أو أنه يتركها مهملة لا مطلقة ولا مدخولا بها ، وبساط الكلام يرجح هذا ، وإذا كان الأمر على ما ذكرناه من الاحتمال ، فالقول قوله أنه لم يرد به الطلاق ويحلف على ذلك ، هذا باعتبار النظر إلى لفظه هل يقضي عليه بالطلاق أم لا ؟ وبقي النظر في أصل النكاح هل هو منعقد أم لا ؟ ينظر إلى اللفظ الذي عقد الأب به النكاح ، فإن كان إنما أوجب فيها النكاح إيجابا من غير أن يقصد العقد عليه فقبل منه ذلك ابن أخيه بعد بلوغه ، فهذا نكاح صحيح ، والنكاح الثاني غير منعقد لوقوعه في عصمة ، كذلك إن قبل منه ذلك ابن أخيه قبل بلوغه وكان في سن من يميز معنى ذلك ولم يرده عن نفسه بعد رشده ، وإن لم يكن إيجابا منفردا بل قصد العقد عليه ، فهذا هو النكاح الموقوف ، ولا عبرة بقبول حاضنته لذلك ، إذ ليست ممن جعل لها ذلك شرعا ، والمشهور في النكاح الموقوف أنه فاسد إذ أجازه من وقف على خياره عن بعد ، وهذا التفريع كله إذ ثبت إعطاء الأب لها لابن أخيه ببينة قامت على ذلك ، وأما تقاررهما على ذلك بعد عقد نكاح الثاني ، فلا يقبل للتهمة على فسخ نكاحه وبالله سبحانه التوفيق .
[92/3][هدية العروس تورث عنها ويحاسب بها الزوج]
*وسئل : عمن تزوج هديتها على عادة أهل البادية ، فقام فحوز ما دفع له ولم يطعمه لأحد ، ومن عادتهم أن الهدية يطعمونها لأهل العروس والعروسة وغيرهم ، ثم أن البنت المذكورة توفيت وقامت والدتها ومن ورثها يطلب من الزوج صداقها ، فقام الزوج وقال لهم : تعطوني هديتي ونحاسبكم ، فإنكم ما اطعمتموه لأحد ، فهل يلزمهم أن يردها للزوج أم لا ؟
-فأجاب : بأن الهدية موروثة عن البنت المذكورة ؛ لأنها محكوم لها بحكم الصداق ، فتورث عنها على فرائض الله تعالى وبالله التوفيق .
[
فأجاب:: الجواب أنه لا يلزمه تحريمها على الوجه المذكور ، لأجل استرعائه على الوجه المذكور ، وهي باقية في عصمته ، ولا يقال في هذا: فهل له مراجعتها لأنها لم تخرج عن عصمته حتى يحتاج إلى مراجعتها ، وهذا لم يقصد إلى تحريمها حالة تحريمها لفظا دون نية ، وأما إن قصد إلى التحريم بنية فيلزمه ولا ينفعه استحفاظه ، وبالله التوفيق.
[من طلب منه أن يتزوج امرأة فقال: هي علي حرام ، لا تحرم عليه إن لم يقصد التعليق]
وسئل عن رجل قال لابن عمه: تزوج فلانة أخت القائل المذكور أو ابنة أخيه ، فقال له: لا ، فأعاد عليه تزوجها ولك فيها خير ، فقال له ثانية: لا لا ، هي عليه حرام ، فافترقا عل ذلك ، وبقي مدة من خمسة أعوام أو ما يقرب ، ثم إنه طلبها وأراد تزويجها ، فخاف الرجل الخاطب المذكور أن تكون حرمت عليه ، فسئل الذي قال هي عليه حرام ما نويت بذلك؟ فقال: ما نويت شيئا ولا هو ممن يفهم التعليق ولا غيره ، لكونه لا يقرأ ، وهو جاهل ، فهل تحرم عليه أم لا؟ وكيف إن قال اليوم نويت أنها علي حرام تلك الساعة ، فهل يقبل قوله أم لا؟ لكونه جاهلا بهذا كله إلا ما يعلمه الناس اليوم ، وخاف وليها أن يعقد عليها ، بين لنا ما عندكم مأجورا.
فأجاب: القول قوله إنه لم تكن له نية في تعليق التحريم على التزويج أو إنه أراد تحريمها في تلك الساعة أو تحريم نكاحها ، وقد قال أبو عمران: عامة المغرب لا يعرفون التعليق ، وقال: كل من لا يخطر بالبال إلا بالإخطار
[102/4]
[103/4]
فإنه لا يجعل مرادا للمتكلم، ولو كان هذا المحرم ممن يعرف التعليق لما قبل قوله إنه لم يرده، فإن البساط يدل عليه، فيتناكحان إن تراضيا إن شاء الله تعالى.
[من استرعى للتقية قبل تحريم زوجته]
فأجاب: الذي أراه أنه لا يجوز ذلك لغلبة الغرر والجهل بمقدار ما يتناسل منها في ذلك الأمد أيقل أم يكثر والله تعالى أعلم.
[مسألة في تصيير الأرض المكتراة]
وسئل عمن أكرى أرضه لمن يحرثها سنة ثم أراد تصييرها لغريم في دين له عليه قد حل أم لم يحل هل يجوز ذلك أم تراه من باب بيع معين يتأخر قبضه؟
فأجاب: تصييره على الوجه الذي ذكر تم جائز وليس هو دين بدين لأن المصير إليه بقدر على التصرف فيها بوجوه: ببيع أو بهيمة أو صدقة أو غير ذلك.
[بيع القصيل بالطعام]
وسئل عن بيع القصيل بالطعام؟
فأجاب: ذلك جائز إذا كان على أن يشرع في حصاده، قيل له: فإن
[104/5]
ترك القصيل مشتريه حتى تحبب أينتقض البيع فيه بينهما؟ قال نعم، وكان القصيل لبائعه.
[بيع اللحم بالطعام]
وسئل عن قوم ابتاعوا ثورا مذبوحا أو صيدا مذبوحا بذهب وتوزعوه بينهم ودفع بعضهم عن سهمه منه طعاما ودفع غيره دراهم حتى اجتمع جميع الثمن هل يباع ذلك أم لا؟
فأجاب: لا يحل بيع اللحم بالطعام إلا يدا بيدا ووافقه بعضهم في الجزرة يشتريها القوم بالدراهم يقتسمونها أسهما ثم يأتي بعضهم بدراهم وبعضهم بطعام قال ذلك إذا لم يغب رب الجزرة عنها واللحم حاضر فهذا لا بأس به وإن كان وقع فيه نهي لكنه لا يبلغ فيه التحريم، وأما إن اشتروها بطعام وأراد بعضهم أن يعطي عما لزمه من الطعام دراهم فلا يحل ذلك له لما يدخله من بيع الطعام قبل قبضه.
[حكم التطوع بنقد الثمن في بيع الخيار]
وسئل سيدي أبو القاسم البرزلي عن إطلاقهم جواز التطوع بالنقد في بيع الخيار والغائب هل يتقيد بأن ذلك إنما يجوز إذا نقد جميع الثمن فأما إن نقد ثلث الثمن مثلا أو نصفه لم يجز لأنه هدية مديان.
فأجاب: لا فرق في التطوع بنقد كل الثمن أو بعضه في مسألة الخيار والله أعلم.
[من قال لرجل بعني جنتك فإنها احترقت فباعها ببخس]
ورشيدا، والمحاجير إلى نظر مقدم من قاض، ومن جملة ما ورثوا عنه مملوكة. فأراد المقدم بيعها على المحاجير، إذ لا حاجة لهم بها، فرفع الأمر إلى القاضي فأنفذ القاضي البيع في حظ المحاجير منها من أبن أخي القاضي، بعد إثبات الملك للموروث، حتى مات. وعدة ورثته واستمرار ملك الورثة عليها، وإن بيعها صلاح وإن الثمن سداد، وامتنع الرشيد من بيع حظه منها، فأراد القاضي جبره على البيع من المحاجير، فهل عليه ذلك أم لا؟ لاسيما وهو لا ينقص من الثمن في حظ المحاجير، وقد أراد الرشيد التزامها بما تسوى كلها.
فأجاب: أكرمكم الله. إذا كان الأمر كما ذكرت فوقه، فلا يلزم الرشيد بيع حظه من المملوكة، لأن المشتري قد رضي باشتراء حظ المحاجير مبعضا، وإن المحاجير لم ينقصوا في ثمن حظهم من قيمة جملة المملوكة شيئا، فلا معنى لإجبار الرشيد على بيع حظه. نعم لو كان لما أراد المقدم البيع، دعا الرشيد إلى إجمال البيع، لئلا ينقص حظ محاجيره من الثمن، لم يجبر على إجمال البيع، غير أنه أولى بأخذها بما تقف عليه من الأجنبي. على أنه قد قيل: إنه لا يجبر أحد على بيع مع أحد، وإن كان الأول أشهر. ومسألتنا خارجة عن هذا لرضي المشتري بالتبعيض، ولا بخس على المحاجير لأجله حسبما ذكرتم، وبالله تعالى التوفيق.
[من باع وليس له أهلية عقد البيع]
وسئل بسؤال نصه:
سيدي وعلا(¬1) عددي وأنفس أحبتي، وأوثق ذوي مودتي، وأغبط ذخائر الأيام بيدي وأرش من أوقفت عليه إعظامي وإجلالي، الفقيه الأكرم الأوحد العلامة أبو الحسن أبقاه الله سامي الأعلام مزية للأنام، وفي أفسح غرة ودوام، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. من فلان يرغب من تطول أياديكم التشفي بجوابكم على مسألة.
[121/6]
التحبيس من الأحباس جائز لمن كان من أهلها وقام بوظائفها]
وسئل عن الاقتصار على المعيشة من الأحباس للإمام دون تكسب باليد هل يخل بالمروءة أم لا ؟
فأجاب: إن المعيشة من الأحباس لمن كان من أهلها وقام بوظائفها المشروطة فيها جائز فلا تبعة فيه.
[التحبيس على إقامة ليلة المولد النبوي بدعة]
وسئل عن معنى ما يقدم في مسألة الحفار.
فأجاب بأن قال: أما الأولى وهي الوصية بالثلث ليوقف على إقامة ليلة مولد النبي - صلى الله عليه وسلم - , فمعلوم أن إقامة المولد على الوصف المعهود بين الناس بدعة محدثة
[103/7] يقتسمونه فيما بينهم, وأبعد الله الفقراء الذين يطلبون إنفاذ مثل هذه الوصية, وما ذكرتم من وجهي المنع من الإنفاذ صحيح يقتضي عدم التوقف في إبطال الوصية, ولا يكفي منكم في ذلك السكوت, لأنه كالحكم بالانفاذ عند جماعة من العلماء فاحذروا أن يكون مثله في صحيفتكم والله يقينا وإياكم الشر بفضله.
[يمنع استعمال حجر المقابر]
وسئل ابن لبابة عن حجارة المقابر العافية هل يبنى بها القناطر والمساجد أو غير ذلك؟
فأجاب: لا يحل ذلك ولا يجوز أن يكشف عنها.
[في مرجع الحبس تفصيل]
وسئل عن الحبس الذي يرجع بعد موت المحبس عليه إلى المحبس, والحبس الذي يرجع إلى أولى الناس بالمحبس, والحبس الذي يرجع إلى الحبس أو إلى الورثة ميراث.
فأجاب: هما في الشفعة سواء، وإنما يكون الأخ أولى من الأجنبي في المواريث لا في الأشرية.
[ادعاء الجهل بالشفعة]
وسئل ابن كوثر عمن ادعى الجهل بالشفعة.
فأجاب: لا يلتفت إلى قوله، ونزلت فحكمت فيها بهذا وأعلمت محمد بن قاسم فصوبه وقال به هو وغيره. ثم نزلت فرجع ابن القاسم عن قوله وثبت عليه أبوشاكر وغيره فأنفذت القضاء بقولهم ولم ألتفت إلى رجوعه، وهذه المسألة رواها ابن عتاب عن أبي المطرف بن بشير.
[105/8]
[106/8] ... ... [إذا طلب الشفيع المشتري ليشفع فلم يجده]
وسئل ابن عبدربه عمن ابتاع حصة فغاب وطلبه الشفيع ليشفع فلم يجده.
فأجاب: يشهد على نفسه أنه شفع وأن الثمن باق عليه وقدره كذا، فإذا قدم دفع إليه الثمن ولا يضره مع هذا الإشهاد طول المغيب ولا يلتفت إليه، فإن غفل عن الإشهاد وغاب المبتاع أزيد من عام كان كالحاضر.
[من باع حظه في عرصة وهواء بيت مجاور لها، فالشفعة فيهما]
وسئل ابن رشد عن رجلين لهما عرصة ملاصقة بإحدى جنباتها بيت من دار رجل، وهواء ذلك البيت لصاحبي العرصة وباب البيت شارع في دار الرجل، باع أحد الرجلين حظه من العرصة ومن هواء البيت من صاحب البيت منذ عام، فذهب شريك البائع إلى الأخذ بالشفعة، هل له ذلك في هواء البيت والعرصة معا؟ أم ليس له ذلك إلا في العرصة وحدها؟ وإن كان ذلك فيهما جميعا فهل يقطع شفعته مضي المدة المذكورة وهو منا على ثلاثة عشر(¬1) ميلا بموضع مستوطن فيه من غير علمنا، وقد كان بلغه بيع شريكه لحظه وعرفه عند وقوعه. وكيف إن كان أشهد بموضعه ذلك على نفسه أنه غير تارك للشفعة؟ فهل ينفعه الإشهاد في ذلك أم لا ينفعه؟ وإن قعد على الإتيان على المخاصمة في ذلك فهل يلزم حاكم موضعه إشخاصه؟ وكيف إن تغيب عن ذلك ولد فيه هل يحكم عليه حاكم موضعنا بالمقاسمة في العرصة والهواء وقطع شفعته أم لا؟ بين لنا ذلك مأجورا إن شاء الله تعالى.
رجلان لهما معصرة أراد أحدهما تحريكها وأبي الآخر ذلك خوفا من مغرم السلطان]
وسئل عن معصرة الرجلين أراد أحدهما تحريكها فقال له صاحبه لا تحركها فإني أخاف أن يغرمني السلطان، فقال له ما كان من السلطان فعلى، فحركه فعدى السلطان عليه فهرب فأخذ لشريكه فغرمه دينارين، هل له رجوع على صاحبه؟
فأجاب: بعد أن سكت هنيهة ورجع ثم قال ما يعرف أن له رجوعا على صاحبه فجرت مسألة إذا أبضع معه بضاعة فودى عليها المبضع معه في المراصد فقال يلزم المبضع لأنه قد علم أنه يؤدى عليها ذلك، قال وكذلك لو قطع عليهم اللصوص فصالحوهم على شيء، فودى فيه فإنه يلزم صاحبه إذا كان يسيرا، فروجع وقيل له قليلا كان أو كثيرا قال نعم، ثم قال: ليس أداء النصف خير له مما يمر كل شيء، قيل له فثلاثة أرباعه فقال هذا إنما يصير صلحا إذا خافوا على أنفسهم فصالح فلا يلزمه، قيل له فالنصف يلزم فانتهى السائل فقال: إيش القرآن هو؟ إنما هو اجتهاد إذا صالحوا الجماعة بشيء فودى مع الجماعة لزمه، وقال إذا كانت معه بضاعة فودى لزم ربها وكذلك لو مات ربها ووجهت معه فودى عليها لزم.
[مسألة]
وسئل عن مقارض اشترى من المال طعاما، ثم أكرى عليه من صاحب لوح فوصل معه إلى البلد فأنكره صاحب اللوح بعض الطعام وكان
[116/9] المقارض أدخل الطعام بغير بينة ولم يكتبوا أيضا شد نبل (كذا) كان صاحب اللوح قال للمقارض كل الطعام لك إلا مالي أنا فيه فلا تكتب عنهم السير فلم يكتب فلما قدموا البلد أنكره صاحب اللوح فصالحه من ذلك على بعضه، فهل يلزم المقارض ضمان ما أنكره صاحب اللوح؟ وأين يلزمه ذلك وقد بيع الطعام الحاصل؟
المتيطي : وينبغي للحاكم أن يصرح بأسماء الشهود الذين ثبت بهم الحكم على الغائب لأنه حكم على غائب فيحتاج إلى تسميتهم لإرجاء الحجة له فيهم ، فإن لم يصرح بأسمائهم وكان الحاكم ليس مشهورا بالعدل والفضل [93/10] فإن ذلك مما يبيح لمن بعده أن يتعقب ذلك الحكم ، لأن هذا مما لا يمضي إلا من الحاكم العدل . فإن قدم هذا الغائب وأراد رد القضاء عنه وأن يبتدئ الخصومة كان ذلك من حقه إذا تعلل في شهادة الشهود وقال لو علمت من يشهد علي لرددت شهادته عني . ابن أبي زمين : سحنون يذهب في الحكم على الحاضر إلى ترك التصريح بأسماء الشهود ، إذ قد يحكم القاضي بهم وهم عدول ثم تحدث لهم جرحة وقد عزل القاضي أو مات فيدعي المقضي عليه أن القاضي قبل عليه شهودا غير عدول ، فالتسمية ما توهن الحكم عنده . وإلى قول أصبغ وتسمية الشهود ذهب من رأيته من فقيه وحاكم .
ولسحنون في المجموعة أن تسميتهم لا يلزم في الحكم إلا على الغائب ، وسوى أصبغ في هذا بين الحكم على الغائب والحاضر ، وبه جرى العمل ، فهو في الحاضر مستحب ، وفي الغائب واجب لإرجاء الحجة له .
الباجي : لا بد من التصريح في الحكم بأسماء الشهود من أجل أن الحجة مرجاة للغائب في قول ابن القاسم ، وبه الحكم . فإن لم يصرح عن الشهود فيه نفذ الحكم ولم يكن لغيره أن ينقضه ، وإن كان الحكم على الغائب فلا بد أن يكشف في تسجيله عن أسماء الشهود ليعرف الغائب من شهد عليه وفيمن يدفع . وكذلك يلزمه أن يفعل في كل ما يبقى إعذار ، فإن وقع الحكم مجملا ولم يكشف عن أسماء الشهود فليس ينتقض الحكم وهو تام ويكره له ذلك إن لم يفعله ، وإن فعله لزم الحكم ويقال للمحكوم عليه اذهب إلى الحاكم الذي حكم عليك بكشف عمن حكم به عليك . هكذا هو في كتاب الأقضية من المستخرجة ، والقضاء بذلك نافذ .
فأجاب: لا يغرم من يأكل منه شيئا إذا فوت بالأكل، وما لم يوكل فإنه يرد إلى صاحبه في قول ابن القاسم. وإذا فات بعض فقد مضى ولا شيء عليهم إلا أن ابن الماجشون قد أجازه.
[حكم تعليم أولاد النصارى القرآن]
وسئل ابن لبابه عن رجل مسلم يعلم أولاد النصارى القرآن.
فأجاب: لا يجوز ذلك ولا ينبغي لأحد أن يفعله.
[هدية الفقراء للذكر، وأكل طعام البركة]
وسئل المواق عن مسألة وهي هدية الفقراء وهي بيت وأصل توت البيت للذكر ومدح النبي صلى الله عليه وسلم والتوت للطعام يأكله أهل القرية في ذلك البيت بعد الذكر والمدح على صوت واحد، فكيف هو ذلك الذكر لمن حضره مأجور أو ماثوم أو لا أجر ولا إثم كيف هو ذلك؟ وكذلك أيضا الطعام لمن أكله وهو غير محتاج إليه، وإنما يأكله عن شهوة لطيبه، فكيف هو أكله؟ فأجاب: كل ذلك مباح ما لم يتركوا من أجله فرضا، أو يقعوا فيما لا يحل، ولينظر من تورع عن الحضور معهم، فإن عمل ما يقربه إلى الله طول ما بقوا في البيت فهو سابق بالخيرات وإن اشتغل بما لا يعنيه، لا يدري أين ربه؟ فهم مقتصدون، وهو ظلم لنفسه، لقول الصوفية هكذا تفهم حمد ما يحمد وذم ما يذم، وإلا جهلت قول القائل الصادق: مباحات العوام سيئات الأبرار وحسنات الأبرار سيئات المقرين، ولا تحكم على أفضل من فاضل حتى تقيس الفائت من الحاصل.
[97/11] [الغيبة على المغارم]
وسئل أبو عبد الله السرقسطي عمن يعطي حاجة لدلال يتسوقها ثم إن الدلال بعد بيعها يغيب عن المغرم ويقسمه مع التاجر وبائع السلعة، فهل يسوغ ذلك له أم لا؟ وهل يجوز لأحد أن يغيب على شيء من المغارم؟ بينوا لنا ذلك.