الثاني: إن سلم إلحاقه بما لبسوه فهو مما غسلوه, إذ آخر ما يفعل به الغسل ثم التجفيف, فهو كثوب غسلوه وأخرجوه من الماء وجففوه. وقد سمعت ما نقله ابن شعبان فيما غسلوه.
الثالث: أن نجاسته المدعاة ليست بمحققة كنجاسة ما تحققت نجاسته اتفاقا, والضرورة استنادا للأصل الأول المتيقن وطرحا للعارض المشكوك فيه رفعا للضرورة اللاحقة لكثير من الناس في كثير من البلاد أرجح. وشاهد هذا الاعتبار من السنة حديث بئر بضاعة. وتقرير كيفية شاهدته(¬1) وبسطها يخرجنا عن المقصود, لكن لا يخفى على من وقف على حديث البئر المذكورة ومن علم كيف كانت حين سئل عنها. وشاهده من القواعد المذهبية إلحاق ما تغير بما لا ينفك عنه غالبا من الماء بالمطلق ولا تخفى شهادته.
فإن قلت: إن الضرورة في هذا الشاهد عامة وهي في مسألتنا خاصة.
قلت: لا نسلم عمومها في هذا الشاهد بل كثرتها, وكم من ماء زلال خارج من صخرة صماء ومن عين في أرض صلبة بل من بحار زاخرة وأمطار غزيرة في جباب مشيدة لا يشوبها تراب ولا زرنيخ سلمنا عمومها, لكن لا نسلم أن العلة في اعتبارها عمومها, بل داعية حاجة كثير من المستعملين إليها في كثير من الأوقات. ولذا نقل أيمتنا قولين في استعمال بعض المياه المتغيرة بما لا ينفك عنه غالبا ولو في بعض الأوقات, وإن كان غالب الماء ينفك عن ذلك المغير وكذلك هذا الماء نفسه في بعض الأوقات, وكذلك تغيير ماء البير بالحبل وماء العيون بسقوط ورق الأشجار في بعض الأوقات, بل روعي أقل من هذا من الضرورات. قال في المدونة: قال ابن
[85/1] شهاب لا بأس أن تتوضأ بسؤر الكلب إذا اضطررت إليه. ومثله ما تقدم من التأويلات في سؤر النصراني وهو كثير.
[الورق الاسلامي لا يصنع إلا في الأندلس وفي فاس]
من أحكام ابن عبد الرفيع ما يوافق ما نقلتم عن ابن حزم ونصه . ومن هدد
بقتل أو بغيره علي ان يقتل رجلا أو يقطع يده أو يأخذ ماله أو يزني بأمرأه أو
يبيع متاع رجل فلا يسعه ذلك وأن علم أنه ان عصي أوقع ذلك به , وان
فعل فعلي القود وغرم ما أتلف وبحد ان زني , ويضرب ان ضرب ويأثم قال ابن حبيب
انتهي . وفي ذكره المال مع هذه الأشياء مخالفة لنقل النوادر كما تري , فان صح
ما ذكر هذا الرجل كان في المال قولان , وقد يوافقه ما نقل نت الباب الثاني من
كتاب الاكراه من النوادر من الأبهري ونصه . قال ابو بكر محمد بن عبد الله
الأبهري وكل تحريم فيما بين العبد وبين الله سبحانه اذا اجبر عليه النان فلا
شيء عليه , وله ما يفعله من خاف علي نفسه من قتل أو ضرب أو طلم
يخاف علي أهله ونفيه وماله وأشياء ذلك , واما عن هتك حق ادمي ودمه فلا
يفعل ذلك لأن حرمته ليست بأوكد من حرمة الأخر انتهي , وهو مما يوافق نقل
ابن حزم , وطاهر قول حق ادمي دخول المال فيوافق ما ذكر ابن عبد الرفيع
ووقع بعد هذا في النوادر لابن المواز ما يدل علي ان المكره , بفتح الراء ,
يضمن ما اتلف من مال الغير ويرجع بما غرم علي من أكرهه .
وتلخيص ما ذكر في النوادر عن سحنون هو ما قدمته في بعض أجوبتي
عند الكلام مع المازي علي ترك الجمعة لخوف القتل , وانطر قوله في كتاب
الرجم من المدونة . واذا دعاك امام عادل عارف بالسنة الي قوله فعليك
طاعته , وأما الجائز فلا , الا ان تعلم الخ فانه يوافق مانقلنا في القتل
والقطع .
فان قلت مسائل الاكراه هي بين المسلمين , وأحكامهم وان كان طواهرها
يقتضي العموم ولكن الغرف بين الفهاء انما يفرضونها بين المسلمين وبين
أحادهم , فلا يلزم جريان حكمها في مسألة ابن حزم , لأن في ذلك اتفاقا من
المسلمين علي استباحة حرمة واحد منهم وهضمه لأجل الكفار وذلك لا يحل
كما أشار اليه ابن رشد في القتل , وهو نص الغزالي الوجيز كما تراه .
*وسئل عنها مرة أخرى بما نصه سيدي رضي الله عنكم ، وأدام بمنه عافيتكم ، جوابكم في نازلة وقعت عندنا ، وهي أن ابنة إلى نظر أخيها بإيصاء صحيح من قبل والدها ، جعل له فيه نكاحها قبل البلوغ وبعده ، خطبها منه ولد بالغ تاجر فزوجها منه ثم إن إخوتها للأب لم يوافقوه على ذلك ، وقالوا : علينا في ذلك معرة ، فلا نزوجها منه ، لا أنا لا نعرف نسبه ولا هو كفء لنا ، وأثبتوا رسما شهد فيه فقهاء البلد وصلحاؤه ، أنه غير كفء لها في حسبها ونسبها ودينها ، وقالوا : لا نوافق على هذا أصلا ، وذكروا أنه على غير حالة مرضية ، وأرادوا فسخ ما فعل أخوهم ، فهل لهم مقال في ذلك أم لا ؟ بينوا لنا الحكم في ذلك ، يعظكم الله أجوركم ويكافئكم والسلام .
فأجاب: أما ما سألتم عنه من محمل اليمين في الحالف ألا يسكن مع أبيه على الفور أو التراخي، ففي المدونة ما يدل على الفور؛ لقوله: ولو في جوف الليل، وأنه إن تأخر إلى الصباح حنث، وقيل له: يوم وليلة، قاله أشهب وأصبغ، وقيل له: من الفسحة إلى ما يرتاد فيه موضعا ينتقل إليه، قال ابن رشد: وهو ظاهر قول مالك في اول سماع ابن القاسم فيمن حلف بطلاق امرأته البتة ألا يسكن مع أخت امرأته، وكانت ساكنة معه فخرج بنفسه وترك زوجته في البيت أياما، المسألة إلى آخرها وفيها طول، وقال: لا أرى عليه حنثا، وقال أصبغ: إنما لم يرد عليه حنثا لأنه راعى امرأة أن لا يسكن معها بنفسه أو غير هذا، وقال ابن رشد في تأول أصبغ: إنه غير صحيح، ما رضي هو أن عدم رصانته إنما هو مبني على مراعاة المقاصد، ومسألة المدونة جرى جوابه فيها مراعاة اللفظ، فالذي يظهر في هذا الحالف أنه يدين، وكذلك قال في الرواية التي في سماع ابن القاسم وخروجه بزوجه دليل على أن نقل المتاع لم يقصده ولا اندرج في يمينه، وإذا دارت المسألة بين مراعاة اللفظ ومراعاة القصد فمراعاة القصد أولى، وكتب محمد بن أحمد الفشتالي وفقه الله.
[95/4]
[96/4]
[لا يلزم الطلاق قبل ملك العصمة إلا بالتعليق]
وسئل عن رجل تصدق على ابنه الصغير بقاعة بإزاء داره وحازها له كما يجب، ثم عمد الأب للقاعة بعد بلوغ الابن وباعها -في مغيب ابنه بجهة المغرب بحيث لا يعلم ابنه من رجل، ثم إنه قبح ما بين المتبايعين فقام الأب على الرجل المشتري وقال القاعة ليست لي، وقد تصدقت بها على أبني وصيرتها له، وأثبت ذلك بموجبه، فانتزع القاضي القاعة من المشتري بعد الاعذار إليه ووقفها لابن الغائب، ثم إن الأب أراد أن يقيم فيها بنيانا يسكن فيه إلى أن يقدم ابنه فدافعه المشتري عن ذلك حتى يتعرف ما عند الغائب إذ لعله إذا قدم يمضي البيع أو يحلفه أنه لم يكن أذن له في ذلك ولا كان باعها منه إلا تعديا إذا كان رفع عنه على السنة الجيران أنه صرفها عليك وليس للولد إذا قدم اختيار في الإجازة والرد وإنما يعطاه الثمن.
فأجاب: إذا قدم الغائب فله الخيار في إجازة البيع الذي باع أبوه ويأخذ الثمن، وله استرجاع ما وهب له أبوه ويترك الثمن، هذا هو الجاري على قاعدة المذهب ما ذكرناه وهذا إذا كان يمكن للغائب أو من ينظر له من قاض أو وكيل من أخذ الثمن أو السلعة في صحة الأب المعطي، ويجوز للقاضي في ألبعيد أن يختار له ما هو أصلح من إمضاء البيع أو رده، ففي المدونة في غائب له قاعة قد حصل فيها بناء بغير إذن مالكها أو غراسة يخير فيه رب القاعة
[96/5]
ما بين أن يأمر بإزالته أو يأخذه بقيمته منقوضا، وللقاضي أن يشتريه للغائب، فمسالتك بمثل هذا كله لما لم يعاجله موت الأب قبل الحوز للغائب فيتم البيع ويصير الثمن ميراثا، والله تعالى أعلم.
[مسألة في أمة بين رجل وأختيه ظهر فيها فساد فباعها هل يمضي البيع أم لا؟
وعلى الثاني ما حكم ما ولدته من مشتريها؟]
وسئل عن رجل قام برسم يقتضي أن فلانا أشهد على نفسه أن صير لزوجه عمة القائم بالرسم جميع أملاكه بكذا في حق ثابت لها قبله تصييرا صحيحا ولم يذكر فيه قبضا ولا غيره مؤرخ بمدة نحو ستين عاما سالفة، ولم يبين من أي شيء كان الحق، ووجدت الآن الأملاك كلها بيد ورثة الزوج، ليس منها بيد ورثة الزوجة شيء، وورثتهما قرابة متحاسنون فيما بينهم. فهل يصح التصيير أم لا؟ وإذا صح هل يحمل على أنه كان قد حيرز وقبض لقوله: تصييرا صحيحا أم لا؟ لأجل وجود الأملاك بيد ورثة الزوج. وإن لم يحتج إلى حوز هل يبطل بطول مكثه بيد ورثة الزوج هذه المدة أم لا يبطل لكونهم أقارب؟ وإن قيل ببطلانه، فلماذا يرجع؟ هل إلى قيمة عوضه إذ لم يذكر إلا حقا ثابتا أم لا؟
فأجاب: اختلف في التصيير هل يحتاج إلى حوز أم لا؟ والقولان في الآجال والبيوع الفاسدة عند من حملهما على التناقض.
وقيل مسألة البيوع الفاسدة تفسير لمسألة الآجال فيفسد إن لم يحز لأنه فسخ الدين في الدين. وقيل أما في الرباع وما لا بيان به وينقل، فلا يحتاج إلى حوز إذ معاينته قبضه. وقيل يحاز ما لم يطل، فإذا طال فسد وبطل الحوز.
فعلى القول بصحته وأنه لا يحتاج إلى حوز، لكونها رباعا. فحوزها معاينتها يصح التصيير ثم ينظر إلى بقائه في يد المصير وورثته، فإن كانوا يدعون طول المدة أنه انتقل إليهم بعد هذا التصيير بوجه مما تنتقل به الأملاك
[113/6]
كانت حيازة، إذ الخلاف فيما يقع به الحوز بين الأقارب، هل عشرة أعوام كالأجانب أو الخمسون والستون؟
وقيل بالفرق، إن كانوا يتشاحون وعرفوا بذلك فكالأجانب، وإلا فالخمسون. وإن كانوا إنما يغتلون بغير دعوى الملك، بل بمجرد التسامح. فليس بحوز، لأن الحوز إنما يفيد مع دعوى الملك، فيصح التصيير. وأما على القول إنه يحتاج إلى حوز، لم يبين الموثق ذلك، والأولى بيانه، ولكن لما قال حقا ثابتا، فحمله على الصحة حتى يثبت خلافه. انتهى.
وإذا ثبت ذلك وتقرر فمعلوم أن مخالفة الإمام في تقديم غيره معه لغير عذر أوجد, والإضرار به فيما يقع في نفسه منه وممن عسى أن يقصد الصلاة خلف الثاني دونه أقعد, والنظر إلى تشتيت الجماعة عليه أقصد, وجميع ذلك ممنوع في الشرع فمنع الداعية إليه أحق وأولى, والأخذ بما كان عليه صحابة النبي - صلى الله عليه وسلم - أسعد وأجرى, لا سيما والمعنى المراد من الإمامة موجود من الواحد كوجوده من الاثنين, فالثاني لا معنى له إلا لأخذ شيء من مال المسجد على غير وجهه, وذلك لا يجوز أن يكون بمعنى النيابة, وذلك لا ينبغي إلا عن عذر مانع من إقامة الصلاة, وهل يفتقر مع ذلك إلى إذنه مع إمكانه أم لا ؟ على قولين عند العلماء, فمن قال لا يستناب عنه إلا بإذنه, أصله استيذان بلال النبي - صلى الله عليه وسلم - في مرضه عن الصلاة, وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : قولوا له فليقل لأبي بكر فليصل بالناس, فتقدم أبو بكر فصلى بالناس ولا سبيل إلى العدول عن أفعال الشارع - صلى الله عليه وسلم - وأقواله ما وجد لها سبيل, وقيل إنما ذلك إلى الإمام الأكبر, وأما في الإمام الأصغر فذلك على وجه الندب, فإن فعل فحسن, وإن أقيمت الصلاة دون إذنه ومع عذره عن إمامتها فذلك جائز. وجه الدليل في مسألتنا من هذا
[
وسئل عما ذكره ابن زرب على ما حكاه عنه ابن سهل في أحكامه في مسألة الشفعة لبيت المال ولا حكم للناظر في المواريث في شيء من ذلك، وسحنون قد قال في المرتد يقتل وقد وجبت له الشفعة إن السلطان يأخذها إن شاء لبيت المال أو يترك، فليس هذا بنص جلي على الشفعة لبيت المال، اللهم إلا إن كان بين المسألتين فرق فالغرض معرفة ذلك والحقيق فيه وفي كل ما تقدم ذكره بعون الله وتأييده وتوفيقه وتسديده إن شاء الله تعالى.
فأجاب بأن قال: ليس ما قاله ابن زرب مخالفا لقول سحنون، لأن سحنونا قال إن للسلطان أن يأخذ بالشفعة لبيت المال إن شاء، وقال ابن زرب ليس لصاحب المواريث أن يأخذ بها إذ لم يجعل ذلك إليه، وإنما جعل إليه جمع المال وتحصينه، فلو جعل إليه السلطان الأخذ بالشفعة إن رأى ذلك نظرا لبيت المال لكان له الأخذ به عنده على ما قاله سحنون.
وسئل عن مسألة من الشفعة ثبت الجواب فيها دون السؤال.
فأجاب: لا يجوز للذي باع شقصا بثمن إلى أجل أن يتحمل للمشتري عن الشفيع بالثمن إلى أجل، لأن له في ذلك منفعة، إذ لعل الشقص لا
[98/8]
[99/8]يساوي الثمن، فإن لم ينتفع الشفيع لم يجد هو عند المشتري وفاء بثمنه عند حلول الأجل، والحمالة معروف كالقرض لا يجوز أن يأخذ عنها عوضا ولا يجر بها نفعا. ويقوم هذا المعنى من المسألة التي أشرت إليها، لأنه وإن كان الحميل تحمل ها هنا لغريمه وهناك تحمل به لا له، فالمعنى يجمعهما وهو انجرار النفع بالحمالة إليه في المسألتين جميعا، وهو في مسألة العتبية أبين، لأنه يأخذ السلعة بعينها التي تحمل بقيمتها.
[هبة الشفعة للمشتري]
وسئل أبوالقاسم بن أصبغ بن محمد عن رجل كان له في جهة ثغور بالثغر فرس فأغارت خيل النصارى عليهم، والعادة عندهم إذا أغارت خيل العدو أن يفر الناس فمن وجد فرسا لجاره ركبه دون مشاورة صاحبه ينجى الفرس ويمسكه على صاحبه وينجو هو أيضا به، فوجد هذا الرجل فرسا لبعض جيرانه في السرج فركبه فطلبت به الخيل بعد هروبه مدة فتطارح عنه ورقى في الجبل وأخذت خيل العدو الفرس فقال له صاحبه لا بد أن أضمنك لأنك في ركوبها متعد.
فأجاب: إذا كان الأمر على ما وصفته فلا ضمان عليه لأن العادة كالوكالة قياسا على مسألة الأضاحي إن شاء الله.
[مسألة في العبد يأخذ الشيء باسم سيده]
وسئل أبوعمر عن العبد يأتي رجلا فيقول له: يقول لك سيدي أعرني دابتك إلى موضع كذا وكذا فيعير الدابة ويظن أن سيده أرسله كما قال والسيد لم يرسله فتهلك الدابة.
فأجاب: فيها اختلاف بين أصحابنا فقال بعضهم يتبع في ذمته وقال بعضهم تكون جناية في رقبة العبد وأحسن ذلك في ذمة العبد.
[108/9] ... [من أذن لغيره في حفر مطمورة بداره فلما حفرها وخزن فيها طعامه قام عليه]
وسئل بعض أهل العلم، عن رجل يأتي إلى الرجل يطلب إليه أن يعطيه في داره موضعا يحفر فيه مطمورة فأطلقه على حفرها فلما حفرها وطمر الحافر فيها طعامه وأقام فيها أربعة أشهر أو خمسة قام عليه صاحب الدار ودعاه إلى أن يخرج طعامه من المطمورة.
فأجاب: ليس له أن يخرجه حتى يمضي من الزمن والأجل ما يرى أن مثله يحفر له المطامير.
[من أعار غيره أرضا يبنى فيها مسكنا ثم أراد أن يخرجه]
وسئل محمد بن عمر بن لبابة عن الفرق بين أن يعير رجل الرجل أرضه يبنى فيها بنيانا فيسكنه ثم يبدو له أن يخرجه فقال ذلك له وقال في الخشبة ليس ذلك له.
87/10] ومنها أن يشهد رجل لفلان بملك قرية ولا يقفون على ملكه فيها ولا يعرفون مواضع حقه منها ، إلا أنهم قالوا كان يعمر فيها بزوجين مع أهل القرية لا يدفعونه عنها ولا ينكرون حقه ، فهؤلاء يحوزون جميع القرية مشاعة ويقضي للمشهود له فيها بقدر ما يعمر بزوجين إذا كانت القرية مشاعة غير محقلة ، فإن كانت محقلة يعمر كل فريق فيها ما له ويعرف أحقاله وشهد هؤلاء بهذه الشهادة وأهل القرية ينكرون ذلك لم تجز شهادتهم . قال الله تعالى : چ ? ? ? ? ? ? چ [الزخرف : 86] . ووجبت اليمين على المنكرين أنه لا حق لفلان المشهود له معهم في شيء من القرية ، فإن شهد لرجل بأنهم يعرفون لفلان في هذه القرية حقا انجر إليه بميراثه عن أبيه أو عن غيره وأهل القرية ينكرون ذلك ولا يعرف الشهداء قدر الحصة لم تجز شهادتهم ، وكانت اليمين واجبة على المنكرين . فإن كانت شهادتهم أنهم يعرفون في هذه القرية حقا إلا أن فلان غصبه إياه وأخرجه عن القرية ظلما والمشهود عليه ينكر ذلك وقف على شهادتهم ، فإن أقر وإلا ضيق عليه بالسجن وما يشبه ذلك ، فإن أقر بشيء وإلا حلف ودين في ذلك . فإن كان المشهود عليه قد أقر للمشهود له من الدار بموضع رتاج بابها ومن القرية بموضع قدر نزوله عن دابته أو جلوسه فيه وهو مشهود عليه بالغصب قيل له أقر له بما يكون نصيبا أو حصة ، فإن أبى ضيق عليه أكثر من ذلك بالسجن وما يشبه ذلك من الأدب ، فإن استلج فقد اختلف في ذلك ، وأحسنه عندي أن يحلف المشهود له بالغصب على ما يدعيه إذا كان يشبه دعواه ولم يتبين منه كذب ويقضى له بذلك ، والظالم أحق أن يحمل عليه فإن شهدوا لرجل بملك في قرية إلا أنهم لا يعرفونها ولا شيئا منها ، وشهد آخرون بحيازتها وأن حدودها تنتهي إلى مواضع عرفوها وسموها ، لم يجز شيء من هذه الشهادة ولا قضي للمشهود له بشيء منها حتى يعينها الشهود ويقفون عليها على ما تقدم من القول .
89/11] للمحافظة على حقوق الله تعالى والخوف والوجل اللازم عن معصية الله تعالى لما زعم أنه تنقير ولو أفتى أحد من أهل الفتيا بأن الحج يسقط شيئا من حقوق الله تعالى ثم يحج إسقاطا لجميع حقوق الله تعالى، فالذي يوجبه الحج الذي اجتنب فيه الرفث والفسوق إنما هو إسقاطا المعاصي والمخالفات، وليست حقوق الله تعالى معصية ولا مخالفة، حتى تندرج في الحديث فيخرج من هذا وجوب تعزير هذا الجاهل المحرف لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صريحه وما افتراه على ذلك حتى قال من زعم أن الحقوق لا تسقط بالحج كان مؤيسا للناس من الرحمة ويلزمها أن يكون المسلمون قد سدوا باب الرحمة لإجماعهم أن الحج لا يسقط حقوق الله تعالى فمن أخر الكفارات أو النذر أو الصلاة أو الزكاة أو الصوم على أوقاتها التي أوجبها الله تعالى فيها كان عاصيا بمجرد التأخير، فتلك المعصية هي التي يكفرها الحج المبرور. وأما إسقاط تلك الحقوق بالحج فهذا شئ لم ينقله(¬1) أحد من أهل العلم وأضرها على المسلمين جاهل مثل هذا يقول ما لم يقله أحد من أهل الإسلام، ثم يفتي أن ذكر ما أجمع عليه المسلمون سد لباب رحمه الله تعالى ﴿ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون﴾. نعوذ بالله من مثل هذا الغبي الجاهل، وكفى به غباوة وجهلا أنه لا يفرق بين الحق الذي هو طاعة، وسبب قربة عند عند الله تعالى، وبين المعصية التي هي مخالفة وسبب الفصل من الله تعالى. وأما ما ذكره من الحديثين الأخيرين فليس بثابت يعتمد على مثله وإن كان البخاري رحمه الله قد ذكر أحدهما في تاريخه وفيه طعن ولم يصححه البخاري رحمه الله والله سبحانه يحول بين المسلمين وبين جاهل يضلهم ويغويهم ويظن أنه يرشدهم ويهديهم بمنه وفضله.
وكتب عبد العزيز بن عبد السلام والحمد لله تعالى جعلنا الله من أيمة الهدى وجنبنا طرق الردى بمنه.