ونقل بعضهم أن ابن الماجشون قال في ثوب الذمي الذي يشتريه المسلم: إن كان رفيعا يفسده الغسل لم يغسل وصلى به كذلك. قال هذا الناقل: وعزاه لعبد الوهاب فيما أظن. ففي الملبوس ثلاثة أقوال, قولان بإطلاق المنع والإجازة للأكثر وابن عبد الحكم, وثالث يفصل بين الرفيع فلا يغسل وغيره فيغسل. قال الناقل المذكور: وهذا هو الراجح ترجيحا لمراعاة محذور الإتلاف المحقق على مراعاة محذور النجاسة المشكوك فيها. وشاهد اعتبار هذا الترجيح عدم طرح ما ولغ فيه كلب أو تناولت منه دجاجة مخلاة ونحوها من الطعام لما فيه من افساد المال, وطرح الماء لانتفاء ذلك فيه. ووجه المنع مطلقا أنهم لا يتوقعون النجاسة لأنهم لا يعتقدون نجاسة كثير منها. ووجه الجواز مطلقا تقديم الأصل وهو الطهارة على معارضه من غلبة النجاسة. ووجهه المازري بأنه مبني على العفو عن النجاسة صيانة للمال انتهى.
قلت: وما علل به المازري هنا نظير ما علل به الاكتفاء بمسح النجاسة عن
[83/1] السيف الصقيل وشبهه على القول بأن ذلك لا يفسد. وقول اللخمي القياس مساواة ما نسجوه لما لبسوه في الترك, وإنما فرق بينهما الامام لما أشار إليه من العمل. قال بعضهم معترضا عليه: بل الفرق بينهما من ثلاثة اوجه, الأول مراعاة ضرورة المعاملة, فلو منع ما نسجوه كما منع ما لبسوه لأدى إلى اجتناب جميع ما تناولوه بأيديهم حتى عجينهم, وفيه حرج ومخالفة لما دل عليه النص من إباحة أكل طعامهم, فعدلنا عن ظاهر الحال إلى مراعاة اليقين كما في سؤره من الطعام, وكما في طين المطر. واما غسل ملبوسهم فليس فيه كبير حرج. الثاني في غسل الجديد مضرة وافساد, قال بخلاف الملبوس كالفرق بين الماء والطعام من سؤر الجلالة, وقد يسقط الواجب لمراعاة حفظ المال كسقوط الوضوء إن بيع الماء بثمن مجحف. الثالث ما نسجوه يتقون فيه ما بغيره حتى الغبار ليلا ينقص قيمته, فكيف بالنجاسة والأدران بخلاف ملبوسهم فإنه ممتهن.
وفي أجوبة ابن رشد ما يوافق هذا ويوافق الحكم الذي ذكر ابن حزم
الا ان جواب ابن رشد عن النفس لا عن المال , ونصه : وأما السوال عن
العدو إن قال ادفعو الينا رجلا يسمونه والا هدمنا البيت أو نبشنا قبر نبيكم ,
فمن المسائل التي بيتها أهل الزيع في الناس ليلزموهم بزعمهم استباحه نفس
محرمه أو حرمته صلي الله عليه وسلم فيسخرون بالدين واهله , والنبي صلي الله
عليه وسلم أكرم علي الله من ذلك , وكما عصمه من الناس حيا يعصمه منهم
ميتا , ولو وصلو والعياذ بالله الي قبره الشريف لهابوه وتبركو به , ولم يزل
النصاري يتبركون بقبر أبي ايوب الأنصاري رضي الله عنه لمكانه من النبي
صلي الله عليه وسلم , فكيف به صلي الله عليه وسلم , ولا بد من الجواب عن
السؤال لدفع طعن الطاعن لا أن ذلك يقع فانه محال بفضل الله تعالي,
فنقول : إن الواجب كان يكون علي جميع المسلمين أن يموتو عن اخرهم ولا
تستباح حرمته صلي الله عليه وسلم ولا يدفع اليهم الرجل الذي طلبوه
ليقتلوه, إذا ليس هو اولي أن يكون فداء لحرمته من كل واحد منهم وقد قال
صلي الله عليه وسلم :" والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتي أكون أحب
إليه من نفسه وماله وولده ووالده والناس أجمعين " وقال سعد بن الربيع
للذي التمسه يوم أحد في القتلي اخبر قومكم أنهم لا عذر لهم عند الله ان قتل
رسول الله صلي الله عليه وسلم وواحد منهم حي , وحرمته صلي الله عليه
وسلم حيا وميتا سواء.. وقال صلي الله عليه وسلم " كسر عطم المسلم ميتا
[108/2]
[109/2]
ككسره وهو حي "يريد في الاثم فكيف به صلي الله عليه وسلم انتهي
مختصرا..
وقد علمت ما يفهم من كلام ابن الحاجب من أنه لا قائل في مذهب
مالك بخلاف هذا الا ما للخمي في الجهاد من حرق جماعه من المسلمين
للكفار الطالبين لهم في البحر , وذلك قوله وأرجو إذا كان معهم النفر اليسير
من المسلمين ان يكون خفيفا لان هذه ضروره الي اخر كلامي. وهو الذي
*وسئل الفقيه أبو محمد عبد الله العبدوسي عن رجل تاجر صالح الحال ، ظاهر النجابة ، مشتغلا بالمتجر ، لم يعرف له تخلف ولا أخذ فيما لا يعنيه ، وهو ينتسب قيسيا ، حاز ذلك النسب هو وأباؤه من قبل ، خطب امرأة من أوربة من قبائل البرابر إلا أن أهلها من نسل الخطباء كان بعضهم يخطب بمدينة تازا من أهل الخير ، ووالدها طالب ، وهي وناسها من القدماء بتازا ، والمرأة بكر إلى نظر أخ لها بإيصاء ، من فصوله أن يزوجها ممن يرى وبما يرى ، فعقد عليها النكاح الرجل المذكور وذلك برضا منها ، وجعل لها من المهر أكثر من مهر مثلها أو هو مهر مثلها ، فقام بعض إخوانها ممن ليس بوصي بعد رضا من الوصي بعقد النكاح ، وادعى أن الرجل ليس بكفء لها ، وأقام بذلك رسما وأراد فسخ النكاح ، ولم يبين في الرسم وجه الرد بموجب الشرع ، مع أن حال الرجل هو ما وصف ، والوصي باق على نظره واجتهاده في صواب النكاح واستمراره ، وكذلك الزوجة مع أنها لا مال لها تحسب بع غنية ، ولا متوسطة الحال في المال ، فهل يسمع كلامهم في رد النكاح بعد عقده وموافقة الجميع الوصي ومن قام الآن بعده الكفاءة أم لا ؟ بينوا لنا ذلك مأجورين والسلام عليكم ورحمة الله .
جماعة الخزازين وزال عنهم، وحلف ألا يرجع عليهم أمينا إلا إذا رضيته جماعته ووافقت عليه، ثم إنه رجع بعد ذلك ووافق على رجوعه ناس من الجماعة المذكورة، وبقي آخرون، إلا أن الذين وافقوا هم وجوه الجماعة واهل الحل والعقد، فهل يا سيدي يبر في يمينه بموافقة هؤلاء ويحمل على أن مراده بالجماعة من يعتبر منهم ووجوههم؟ أو يلزمه الحنث؟ لأن لفظ الجماعة يشمل جميعهم، والحنث يقع بأقل الأشياء، لا سيما وأكثر أحكام الأمين إنما هي على المستضعفين من الجماعة، فيكون رضاهم به وموافقتهم عليه آكد من أجل ذلك، بينوا لنا ذلك مأجورين.
فأجاب: بأن قال: الحنث لازم للأمين المذكور، بسبب أن الجماعة لم توافق كلها، فلزم الحنث لكون الجماعة كلها لم توافق.
[منقالت لزوجها: إن طلقتني رددت لك الصداق، وبعد مدة طلقها فامتنعت من الرد]
وسئل القاضي أبو سالم سيدي إبراهيم اليزناسني عن رجل وقع بينه وبين زوجه نزاع فقالت ل: إن أردت الطلاق فقد رددت عليك الصداق، فخرج عنها فلم يجاوبها بكلمة مخافة أن يكثر بينهما الكلام ويقع منه الطلاق، ثم بعد ذلك رجع إلى داره فسمع منها كلمة أوجعته في نفسه، فقال لها: أتراك قلت غنك ترد (كذا) علي؟ أنت طالق، واردد علي الصداق، فقالت له حينئذ ما رددت عليك صداقا ولا نرك عليك أصلا، فهل يلزمه الطلاق أم لا؟ ما الحكم؟
فأجاب: المسألة مشكلة لأن مقصوده في الرد عليه بتوثيق بالإشهاد، فلا يوقع الطلاق حتى يقع الإشهاد على ردها عليه، فتعجيله الطلاق قبل ذلك دليل على لزومه، وإن ذكر الرداد من جملة سيئاتها الموجبة للطلاق، ويحتمل غير ذلك فلا يلزمه الطلاق، وشهد له بساط الحال بذكر الرداد، وهذا كله إن حضرته بينة، وإن لم تحضره بينة فهو مصدق والله مطلق على سره، وبالله التوفيق، وكتب إبراهيم بن يحيى الزيناسني لطف الله به ووفقه وسدده.
[94/4]
[95/4]
[من حلف ألا يسكن دارا فخرج وترك حوائجه فيها]
فأجاب: لا دخول للشريك مع شريكه فيما ذكر وإنما ذلك في الدين يكون بينهما خاصة والله أعلم.
[من عليه ديون وتلزمه ضروريات وليس عنده ما يؤدي منه إلا شعير وأكثر
من يشتري منه معروف بالغصب هل يجوز بيعه منه للضرورة؟]
وسئل عمن عليه ديون ولا عنده ما يخلص به دينه ولا ما يكتفي به هو ولا أهله ولا ما يعطي لمؤدب أولاده وغيره مما لا غنى عنه من معيشته، لكن عنده الشعير وأكثر من يشتريه العرب وحال العرب في كثرة غاراتهم وفسادهم معلوم، وأرباب الدين ضغطوه فما تراه صانعا معهم؟ وكذلك إن كانت له فرس والفرض أنه إن لم يخلصهم آل أمر جميعهم إلى وقوع الفتنة والدعاوي إلى القضاء وإلى الولاة الظلمة.
فأجاب: لا بيع ممن ذكر حتى يأخذه القاضي ويتولى بيعه والله أعلم.
[البيع للمعروف بالاعتداء كالعمال الظلمة]
وسئل هل يسوغ لأحد أن يبيع عروضه أو دوابه أو سلعه ممن يعرفه بالاعتداء في أموال الناس فإنا رأينا متطلبة بلادنا وصالحهم ارتكبوا هذا واستخفوه يقدم أحدهم بتجارة فبيعها للعمال وأمراء العرب وأتباعهم ممن لا يتوقى الحرام كالمكاسين والزفانين ومن لا يتوقى في معاملاته؟
فأجاب: لا يجوز أن يباع بما هو عين الحرام بلا خلاف وأما ما ليس بعين الحرام فذكر بعض الشيوخ أن المعروف من المذهب منع مبايعته
[94/5]
استحسن كثير من المتأخرين جواز معاملتهم بالنقد والقيمة لعموم الاستغراق على الخلق ودعوى الضرورة إلى ذلك.
[القيام بالغبن هل يعم جميع البيوع أو يختص بغير بيع المزايدة؟]
وسئل الفقيه بركات الباروني عن القيام بالغبن هل يعم جميع البيوع أو يختص بغير بيع المزايدة؟ وهل يتنزل منزلة بيع المزايدة عرض صاحب السلعة بيعها على أناس شتى وترغيبه إياهم فيها وهي أصل أو غيره؟ وهل تنفع شهادة من عرضت عليه في البيع إن أنكر القائم ذلك أم لا؟
فأجاب: يأخذ ما باع عمه ويدفع القيمة قائما للشبهة ويرجع بالثمن على العم المذكور.
[من أشهد أنه شور محجورته من ماله ليرجع في عقارها]
وسئل عن يتيمة كان عليها أخوها مقدما، ولها عقار، فلما تزوجت شورها من مالها وأشهد أن كل ما شورها بها إنما هو من ماله وأنه سلف حتى يرجع له في عقارها، فبقي بعد ذلك نحو خمسة عشر عاما ثم رشدت البنت وبقي بعد ترشيدها سنين فباعت له البنت ذلك العقار واقتطع من مالها ما شورها به.
فأجاب: البيع نافذ والمقاصة صحيحة، وما شورها به ثابت لكونه أشهد عند الإخراج، وهو سلف، قال: وإنما تجوز بقوله: بقيت بعد الترشيد مدة خيفة أن يرشدها فتبيع منه بالفور، فها هنا يتهم إنما رشدها للبيع.
فإذا ثبت بعد ذلك سفهها سقط البيع للتهمة المذكورة.
[111/6]
[باع إخوة فدادين بيع ثنيا ثم مات أحدهم]
وسئل عن إخوة باعوا فدادين لهم بيع ثنيا، واشترطوا إن لم يأتوا بالثمن إلى أجل ذكروه، فالبيع ماض ثم بعد ذلك مات أحدهم وترك ابنا وبنتا فلما مضي الأجل أمضى الأخوان الحيان البيع في المبيع للمشتري وتمموه له من غير أن يفسخ العقد الأول الفاسد، ولا عرضوا له، ثم غرس المشتري المذكور فدانا واحدا من الفدادين المعينين وبقي في يده عشرين سنة، فقام الابن والبنت ولدا الميت بعد العقدة الفاسدة الأولى، وقبل عقدة الإمضاء الثاني فطلبوا حقهم فما الحكم؟
95/7] هل يسوغ للناظر فيه من حاكم وغيره أن يقدم فيه ابتداء من غير عذر إمامين فأزيد أم لا ؟ وإن قدم هل يسوغ له دفع أجرة لهما أو لأحدهما من وقف المسجد أم لا ؟ وأقرب القول في ذلك إن شاء الله تعالى ما ذكره ابن خويز منداد في كتاب أحكام القرآن له أن ذلك لا يجوز, قال: ولا خلاف (للمالكية)(¬1) أذكره فيه, ومأخذ هذه المسألة أكرمك الله بتقواه من حديث عمر بن مسلمة الذي قال فيه, فانطلق أبي وافدا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في نفر من قومه يعلمهم الصلاة, وقال: يؤمكم أقرؤكم. قال عمر: فكنت أؤمهم وساق الحديث, وجه الدليل منه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرهم بإمام واحد يقدمونه من انفسهم على الصفة المذكورة ولم يأمرهم بإمامين وقولهم في ذلك هو أمير أمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يؤيده ما كان عليه العمل بمسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - وسائر مساجد المدينة مدة حياته - صلى الله عليه وسلم - ومدة الخلفاء الراشدين بعده رضي الله عنهم, ولم يؤثر أنه كان في ذلك كله في مسجد إلا إمام واحد, وإذا ثبت ذلك فمبتدع ما سواه, والإمامة في الصلاة مدة حياته - صلى الله عليه وسلم - ومدة حياة الأمراء الراشدين رضي الله عنهم في مجتمعات الأجناد والغزوات إنما كانت للأمراء بين من حضرهم لا يتقدمهم سواهم.
فأجاب: أما قسم الغلة فقد حكى عن ابن القاسم أنه غير مسقط للشفعة، حكى هذا القول الدبوسي عنه في كتابه. وأما سكوته عن القيام أمدا يرى أنه دليل عن تركها فلا قيام له بعد، وأقله سنة على مذهب أشهب وعليه عمل القضاة والسلام.
[الشفعة في المناقلة]
وسئل عمن توفي وترك زوجة وابنة وأمه وثلاثة إخوة وخلف أرضا فلم يقسمها الورثة حتى ناقل أحد الإخوة الثلاثة بقطعة منها رجلا أجنبيا، فصار الأجنبي يتصرف في القطعة بالغرس، فقامت الابنة بقرب المناقلة فوكلت زوجها ليستحق ويأخذ بالشفعة فمنعه الرجل من ذلك ظلما إذ هو ممن لا تناله الأحكام، وكانت الزوجة غافلة إلى أن ماتت فورثها ابنتها وعصبتها. فهل تجب الشفعة أم لا؟ وإذا وجب فكيف يكون قيمة الغرس قائما أو منقوضا؟
فأجاب: أكرمكم الله. إذا قامت المرأة أو وكيلها داخل السنة من وقت علمها بالمناقلة المذكورة فلم تقدر على الانتصاف من المبتاع للقطعة المذكورة فلوارثها الآن أخذ حظها بالاستحقاق والشفعة في باقيها بما ينوبه من قيمة عوضها يوم المناقلة المذكورة، كل ذلك إن صح ما ذكرتم وبالله التوفيق.
قلت: لم يتكلم الشيخ على قول السائل وإذا وجبت فكيف تكون قيمة الغرس أقائمة أم منقوضة؟ والفقه في المسألة التفصيل بين علم المشتري وعدم علمه. فإن علم بأن البائع باع ملكه وملك غيره فالواجب بعد الاستحقاق والأخذ بالشفعة قيمة الغرس منقوضا، وإلا فقائما والله أعلم. وفي أجوبة ابن رشد: للأخت أن تقوم في موروثها على أخيها وإن طال سكوتها وتصرف أخوها بمحضرها، وكذلك ورثتها.
[96/8]
[97/8] ... [من شفع وبعد أعوام تبين أن لا حق له في الشفعة]
وسئل اللؤلؤي عن امرأة قامت بشفعة على رجل وترافعا إلى من أفتاهما بالشفعة، فشفعت المرأة وملكت أعواما، ثم تبين أنه لم تكن لها شفعة.
فأجاب: له القيام إذا علم أن إشفاعه إياها على وجه الغلط.
[الشفعة في بيع الثنيا]
فأجاب: الصحيح عندي أن الذي عليه الحق لا يجبر على تسليم ذلك إلى الوكيل، ولست أعرفها منصوصة لنا وبه قال الشافعي أبوإسحاق اختلف في الناس فيما هو مؤتمن عليه فأدى نسيانه إلى تلف ما ائتمن عليه هل يغرم أو لا يغرم، كالذي وضع الوديعة بين يديه ثم قام عنها ناسيا أو شك فيمن دفعها إليه في سماع أصبغ عن ابن القاسم فإن ادعى في جارية عند رجل أنه رهنها وقال الآخر اشتريتها منك وشهد لكل واحد على دعواه شاهدان ولا يدرى ما كان أولا البيع أم الرهن قال الاشتراء أولى وأثبت لأنه قد ثبت به أنها له إلا أن يشهد للمدعى أنه رهنه إياها بعد الاشتراء فيعرف أنه قد رجعت إليه، ولسحنون في كتاب ابنه عن ابن القاسم، مثله وبه آخذ، وقال بعض أصحابنا يقضي بأعدل البينتين ولو لم تكن لهما بينة صدق الراهن مع يمينه لأن المشتري قد أقر له بالملك وادعى الشراء وكذلك في تكافي البينتين وفي المدونة: إن قال رهنتها وقال ربها أودعتكها فالقول قول ربها وفي المرهون وكذلك إن قال أعرتكها وفي الوديعة إن قال سرقتني وقال الآخر أودعتني صدق لأن ربها ادعى عليه باب فجور، وفي الجعل إن قال سرقته منى أو سرق منى وقال الآخر استعملتني تحالفا وقيل لرب المتاع
[106/9] أعطه أجرة عمله وخذ متاعك فإن أبى قيل للآخر أعطه قيمة متاعه فإن أبى كانا شريكين، وقال غيره لا يكونان شريكين والعامل مودع ولو قال أودعتكه وقال الآخر استعملتنيه صدق، وقيل العامل مودع ونحوه في أحكام الواضحة وقال فضل إن قال بعتنيه وقال ربه غصبتنيه صدق ربه بخلاف إذا قال رهنتنيه وقال ربه غصبتنيه صدق الذي هو بيده، وكذلك إن قال قرضتني وقال الآخر غصبتني لأن ربه يدعي على باب فساد.
[من استعارت حليا فضاع عندها فقالت استأجرته]
وسئل ابن الحاج عن امرأة استعارت حليا من امرأة أخرى فضاع عندها فقالت استأجرته وقالت صاحبته بل أعرتكه إياك ولم أكره منك.
فأجاب بأن قال : إن رب الأرض لم يدع ذلك لنفسه واعترف أن الطعام لأحدهما ، فالطعام لمن أقر له رب الأرض ، فإن أقر أنه للمدعي خمسة عشر قفيزا ، كان ما فضل للذين قامت لهم البينة أن وليهم طمر ولا يدرون أين طمر ؛ وإن اعترف رب الأرض أن الطعام للذين لهم البينة فجميع الطعام لهم ؛ وإن قال رب الأرض كلاهما طمر في أرضي ولا أعلم أين طمر كل واحد منهما ، فليحلف ورثة كل ميت ، ما نعلم لولي الآخر في ذلك حقا [86/10] ويكون مقدار خمسة عشر قفيزا بينهما نصفين ، وما بقي فللذين قامت البينة لهم . وإن قال رب الأرض لا أدري هل طمرا في هذه الأرض طعاما أو طمر أحدهما أو لم يطمر ، كان ما في المطمر للذين شهدت لهم البينة ولم يجدوا المطمر بعد أن يحلفوا أنهم لا يعلمون لولي الآخر في هذا المطمر طعاما ، وما هو إلا لولينا ، فإن نكلوا حلف الآخرون وأخذوا خمسة عشر قفيزا من المطمر ، وكان ما بقي للذين لم يحلفوا .
[قال مالك : لا يقضي القاضي بعلمه]
وسئل أبو بكر بن مغيث عن قول مالك لا يقضي القاضي بعلمه .
فأجاب : إنما رأى ذلك مالك لأنه لا يجوز إنفاذ حكم إلا بعد الإعذار ، والقاضي إذا قضى بعلمه لا يجوز له أن يقول إنني علمت هذا الحق قبله فأعذرت إليه في نفسي فلم يأت فيه بمدفع فيكون ذلك خلافا لنص الكتاب . قال الله تعالى : چ? ں ں ? ? ? ? ? ?ہ ہ ہ ہ ھ ھ چ [الأنفال : 58] ، فهذا وجه من الإعذار .
وسئل عن مسألة من الحيازات .
فأجاب : الحيازة تنقسم على وجوه :
منها الحيازة المطلقة التي هي أوسعها ، وهي أن يشهد الشهداء لرجل بملك قرية أو ثمار على حسب ما تجب به الشهادة ، فيكلفهم الحاكم حيازة ذلك فيحوزونها بمحضر عدلين يشهدان حيازتهم ويرفعانها إلى الحاكم ويشهدان بها عنده ، فهذه أكمل الحيازة وأوسعها .
فأجاب إذا جهل معناها فالظاهر أنه لا يسترقي لها ولا يرقى بها فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الرقا قال: "أعرضوا علي رقاكم فلما عرضوا قال: لا أرى بأسا من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل". وإنما أمر صلى الله عليه وسلم بعرضها لأن من الرقا ما يكون كفر.
وغسل الورق المذكور أولى من تقطيعه ومن جعله في الجدورات، لأن الباقي في الجدار معرض لأن يسقط أو يؤخذ، فيستهان به.
وأما النعل المذكورة فحكمها حكم اللقطة وقد اختلف في وجوب التقاطها حفظا لمال المسلم. وإن تبرع بلقطها فليدفعها إلى الحاكم الموثق به والله أعلم.
[هل يسقط عن الحاج حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين؟]
وسئل بما نصه سيدنا الشيخ حجة الإسلام أبا محمد عبد العزيز الفضل في أن يبين ما جهله بعض الفقهاء من جوابه للسائل له، هل تسقط عن الحاج حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين أم لا؟
[88/11] فأجاب: بأن ذلك لا يسقط فقال المعترض: أما حقوق الآدميين فلا تسقط وأما حقوق الله تعالى فالله يغفرها فإن هذا سد باب الرحمة عن العباد وذلك يؤدي إلى أن لا يحج أحد. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "من حج البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه". وذكر حديث يوم عرفة وتجاوز الله فيه عن الذنوب العظام وأن الله يسامح عباده في حقوقه، بخلاف حقوق العبادة وقال: بدليل أنه أسقط عن العبد الجمعة لأنه في خدمة سيده. وبدليل الحديث: "إن الظلم ثلاث: ظلم لا يغفره الله تعالى وظلم لا يتركه الله، وظلم لا يعبأ به. فأما الظلم الذي لا يغفره الله، فهو الشرك، وأما الظلم الذي لا يتركه الله فهو ظلم العباد بعضهم لبعض وأما الظلم الذي لا يعبأ به، فظلم العبد بينه وبين الله تعالى".